Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:149–163
37:149Page 451
فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَلِرَبِّكَ ٱلۡبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلۡبَنُونَ ١٤٩
So inquire of them, [O Muḥammad], "Does your Lord have daughters while they have sons?1
﴿فاسْتَفْتِهِمْ ألِرَبِّكَ البَناتُ ولَهُمُ البَنُونَ﴾ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِتَبْكِيتِ قُرَيْشٍ وإبْطالِ مَذْهَبِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْتاءِ، وساقَ البَراهِينَ النّاطِقَةَ بِتَحَقُّقِهِ لا مَحالَةَ، وبَيَّنَ وُقُوعَهُ وما يَلْقُونَهُ عِنْدَ ذَلِكَ مِن فُنُونِ العَذابِ، واسْتَثْنى مِنهم عِبادَهُ المُخْلِصِينَ، وفَصَّلَ سُبْحانَهُ ما لَهم مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ قَدْ ضَلَّ مِن قَبْلِهِمْ أكْثَرُ الأوَّلِينَ، وأنَّهُ تَعالى أرْسَلَ إلَيْهِمْ مُنْذِرِينَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، ثُمَّ أوْرَدَ قَصَصَ بَعْضِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِنَوْعِ تَفْصِيلٍ مُتَضَمِّنًا كُلٌّ مِنها ما يَدُلُّ عَلى فَضْلِهِمْ وعُبُودِيَّتِهِمْ لَهُ عَزَّ وجَلَّ، ثُمَّ أمَرَهُ ﷺ ها هُنا بِتَبْكِيتِهِمْ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْتاءِ عَنْ وجْهِ ما تُنْكِرُهُ العُقُولُ بِالكُلِّيَّةِ، وهي القِسْمَةُ الباطِلَةُ اللّازِمَةُ لِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِقادِ الزّائِغِ حَيْثُ كانُوا يَقُولُونَ كَبَعْضِ أجْناسِ العَرَبِ جُهَيْنَةَ وسُلَيْمٍ وخُزاعَةَ وبَنِي مَلِيحٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ثُمَّ بِتَبْكِيتِهِمْ بِما يَتَضَمَّنُهُ كُفْرُهُمُ المَذْكُورُ مِنَ الاسْتِهانَةِ بِالمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِجَعْلِهِمْ إناثًا، ثُمَّ أبْطَلَ سُبْحانَهُ أصْلَ كُفْرِهِمُ المُنْطَوِيَ عَلى هَذَيْنِ الكُفْرَيْنِ وهو نِسْبَةُ الوَلَدِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ولَمْ يَنْظِمْهُ سُبْحانَهُ في سِلْكِ التَّبْكِيتِ لِمُشارَكَتِهِمُ اليَهُودَ القائِلِينَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى المُعْتَقِدِينَ عِيسى ابْنَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، والفاءُ قِيلَ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما يُعْلَمُ مِمّا سَبَقَ مِن كَوْنِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ أعْلامَ الخَلْقِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - عِبادُهُ تَعالى، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُؤَكِّدُ التَّبْكِيتَ ويُظْهِرُ بُطْلانَ مَذْهَبِهِمُ الفاسِدِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ رُسُلُ رَبِّكَ مَن عَلِمْتَ حالَهُمْ، فاسْتَخْبِرْ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ عَنْ وجْهِ كَوْنِ البَناتِ وهُنَّ أوْضَعُ الجِنْسَيْنِ لَهُ تَعالى بِزَعْمِهِمْ، والبَنِينَ الَّذِينَ هم أرْفَعُهُما لَهم فَإنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُثْبِتُوا لَهُ وجْهًا، لِأنَّهُ في غايَةِ البُطْلانِ، لا يَقُولُهُ مَن لَهُ أدْنى شَيْءٍ مِنَ العَقْلِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ عَلى أنَّ الفاءَ هُنا لِلْعَطْفِ عَلى ذاكَ، والتَّعْقِيبُ لِأنَّهُ أمَرَ بِهِما مِن غَيْرِ تَراخٍ، وهي هُناكَ جَزائِيَّةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وبِهَذا القَوْلِ أقُولُ. وأوْرَدَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ أنَّ فِيهِ الفَصْلَ الطَّوِيلَ، وقَدِ اسْتَقْبَحَ النُّحاةُ الفَصْلَ بِجُمْلَةٍ نَحْوَ: أكَلْتُ لَحْمًا، وأضْرِبُ زَيْدًا، وخُبْزًا، فَما ظَنُّكَ بِالفَصْلِ بِجُمَلٍ بَلْ بِما يَقْرُبُ مِن سُورَةٍ. وأُجِيبَ بِأنَّ ما ذُكِرَ في عَطْفِ المُفْرَداتِ، وأمّا الجُمَلُ فَلِاسْتِقْلالِها يُغْتَفَرُ فِيها ذَلِكَ، والكَلامُ هُنا لِما تَعانَقَتْ مَعانِيهِ، وارْتَبَطَتْ مَبانِيهِ، وأخَذَ بَعْضُها بِحُجَزِ بَعْضٍ حَتّى كَأنَّ الجَمِيعَ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ لَمْ يُعَدَّ البُعْدُ بُعْدًا كَما قِيلَ:
ولَيْسَ يَضِيرُ البُعْدُ بَيْنَ جُسُومِنا إذا كانَ ما بَيْنَ القُلُوبِ قَرِيبا
ووَجْهُ تَرَتُّبِ المَعْطُوفِ عَلى ما قَبْلُ كَوَجْهِ تَرَتُّبِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ، وتِلْكَ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ كَما دَلَّ عَلى وحْدَتِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - دالٌّ عَلى تَنَزُّهِهِ سُبْحانَهُ عَنِ الوَلَدِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾، والمُناسَبَةُ بَيْنَ الرَّدِّ عَلى مُنْكِرِي البَعْثِ
صفحة 150
والرَّدِّ عَلى مُثْبِتِي الوَلَدِ ظاهِرَةٌ، وقَدِ اتَّحَدَ في الجُمْلَتَيْنِ السّائِلُ والمَسْؤُولُ، والأمْرُ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَ ضَمِيرِ (اسْتَفْتِهِمْ) لِلْمَذْكُورِينَ مِنَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والبَواقِي لِقُرَيْشٍ، والمُرادُ الِاسْتِفْتاءُ مِمَّنْ يَعْلَمُ أخْبارَهم مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِمْ، ومِن كُتُبِهِمْ وصُحُفِهِمْ، أيْ ما مِنهم أحَدٌ إلّا ويُنَزِّهُ اللَّهَ تَعالى عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ حَتّى يُونُسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في بَطْنِ الحُوتِ، ولَعَمْرِي إنَّ الرَّجُلَ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ مِنَ التَّكَلُّفِ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلَيْهِ، ولَعَلَّهُ لَوِ اسْتَغْنى عَنِ ارْتِكابِ التَّجَوُّزِ بِالتِزامِ كَوْنِ الِاسْتِفْتاءِ مِنَ المُرْسَلِينَ المَذْكُورِينَ حَيْثُ يَجْتَمِعُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمُ اجْتِماعًا رُوحانِيًّا كَما يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ مَعَ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ويَدَّعِي أنَّ الأمْرَ بِالسُّؤالِ المُسْتَدْعِيَ لِلِاجْتِماعِ أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا أجَعَلْنا مَن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ عَلى هَذا النَّمَطِ لَكانَ الأمْرُ أهْوَنَ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مَنزَعًا صُوفِيًّا.
وأُضِيفَ الرَّبُّ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دُونَ ضَمِيرِهِمْ تَشْرِيفًا لِنَبِيِّهِ ﷺ، وإشارَةً إلى أنَّهم في قَوْلِهِمْ بِالبَناتِ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - كالنّافِينَ لِرُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ لَهُمْ،
37:150Page 451
أَمۡ خَلَقۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِنَٰثٗا وَهُمۡ شَٰهِدُونَ ١٥٠
Or did We create the angels as females while they were witnesses?"
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِنَ التَّبْكِيتِ بِالِاسْتِفْتاءِ السّابِقِ إلى التَّبْكِيتِ بِهَذا، أيْ بَلْ أخَلَقْنا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم مِن أشْرَفِ الخَلائِقِ وأقْواهم وأعْظَمِهِمْ تَقَدُّسًا عَنِ النَّقائِصِ الطَّبِيعِيَّةِ إناثًا، والأُنُوثَةُ مِن أخَسِّ صِفاتِ الحَيَوانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم شاهِدُونَ﴾ اسْتِهْزاءٌ بِهِمْ، وتَجْهِيلٌ لَهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، فَإنَّ أمْثالَ هَذِهِ الأُمُورِ لا تُعْلَمُ إلّا بِالمُشاهَدَةِ إذْ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِها بِطَرِيقِ العَقْلِ وانْتِفاءِ النَّقْلِ، مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ القائِلُ بِأُنُوثَتِهِمْ شاهِدًا عِنْدَ خَلْقِهِمْ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ خلقنا أيْ بَلْ أخَلَقْناهم إناثًا، والحالُ أنَّهم حاضِرُونَ حِينَئِذٍ، أوْ عَطْفٌ عَلى خلقنا أيْ بَلْ أهم شاهِدُونَ.
37:151–152Page 451
أَلَآ إِنَّهُم مِّنۡ إِفۡكِهِمۡ لَيَقُولُونَ ١٥١
Unquestionably, it is out of their [invented] falsehood that they say,
وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٥٢
"Allāh has begotten," and indeed, they are liars.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿ولَدَ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الِاسْتِفْتاءِ مَسُوقٌ لِإبْطالِ أصْلِ مَذْهَبِهِمُ الفاسِدِ بِبَيانِ أنَّ مَبْناهُ لَيْسَ إلّا الإفْكُ الصَّرِيحُ والِافْتِراءُ القَبِيحُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم دَلِيلٌ أوْ شُبْهَةٌ، ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ فِيما يَتَدَيَّنُونَ بِهِ مُطْلَقًا، أوْ في هَذا القَوْلِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن إفْكِهِمْ﴾ وقُرِئَ ”ولَدُ اللَّهِ“ بِالإضافَةِ ورَفْعِ ولَدٍ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أيْ لَيَقُولُونَ: المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، والوَلَدُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَقَعُ عَلى المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، والواحِدِ والجَمْعِ، ولِذا وقَعَ هُنا خَبَرًا عَنِ المَلائِكَةِ المُقَدَّرِ،
﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ هي حَرْفُ اسْتِفْهامٍ حُذِفَتْ بَعْدَها هَمْزَةُ الوَصْلِ والِاسْتِفْهامِ لِلْإنْكارِ، والمُرادُ إثْباتُ إفْكِهِمْ، وتَقْرِيرُ كَذِبِهِمْ، والِاصْطِفاءُ أخْذُ صَفْوَةِ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ.
وقَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ إسْماعِيلَ، وابْنِ جَمّازٍ وجَماعَةٍ، وإسْماعِيلُ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ وشَيْبَةَ: ”اِصْطَفى“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي هَمْزَةُ الوَصْلِ، وتُكْسَرُ إذا ابْتُدِئَ بِها، وخُرِّجَتْ عَلى حَذْفِ أداةِ الِاسْتِفْهامِ لِدِلالَةِ أمْ بَعْدُ، وإنْ كانَتْ مُنْقَطِعَةً غَيْرَ مُعادِلَةٍ لَها، لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها مَعَها، وجُوِّزَ إبْقاءُ الكَلامِ عَلى الإخْبارِ، إمّا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، أيْ لَكاذِبُونَ في قَوْلِهِمُ اصْطَفى إلَخْ، أوْ يَقُولُونَ اصْطَفى إلَخْ، عَلى ما قِيلَ، أوْ عَلى الإبْدالِ مِن قَوْلِهِمْ: ولَدَ اللَّهُ، أوِ المَلائِكَةُ ولَدُ اللَّهِ، ولَيْسَ دَخِيلًا بَيْنَ نَسِيبَيْنِ، والأوْلى التَّخْرِيجُ عَلى حَذْفِ الأداةِ، وحَسْمُ البَحْثِ فَتَأمَّلْ.
37:154–157Page 452
مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ١٥٤
What is [wrong] with you? How do you make judgement?
أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٥٥
Then will you not be reminded?
أَمۡ لَكُمۡ سُلۡطَٰنٞ مُّبِينٞ ١٥٦
Or do you have a clear authority?1
فَأۡتُواْ بِكِتَٰبِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٥٧
Then produce your scripture, if you should be truthful.
﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بِهَذا الحُكْمِ الَّذِي تَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَداهَةُ العُقُولِ والِالتِفاتُ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ
صفحة 151
﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ بِحَذْفِ أحَدِ التّاءَيْنِ مِن (تَتَذَكَّرُونَ). وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ (تَذْكُرُونَ) بِسُكُونِ الذّالِ، وضَمِّ الكافِ مِن (ذَكَرَ).
والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ تُلاحِظُونَ ذَلِكَ، فَلا تَتَذَكَّرُونَ بُطْلانَهُ، فَإنَّهُ مَذْكُوزٌ في عَقْلِ كُلِّ ذَكِيٍّ وغَبِيٍّ، ﴿أمْ لَكم سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن تَوْبِيخِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ بِما ذَكَرَ بِتَكْلِيفِهِمْ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ أصْلًا، أيْ بَلْ ألَكم حُجَّةٌ واضِحَةٌ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ بِأنَّ المَلائِكَةَ بَناتُهُ تَعالى ضَرُورَةَ أنَّ الحُكْمَ بِذَلِكَ لا بُدَّ لَهُ مِن سَنَدٍ حِسِّيٍّ أوْ عَقْلِيٍّ، وحَيْثُ انْتَفى كِلاهُما فَلا بُدَّ مِن سَنَدٍ نَقْلِيٍّ، ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ النّاطِقِ بِصِحَّةِ دَعْواكُمْ، ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فِيها، والأمْرُ لِلتَّعْجِيزِ، وإضافَةُ الكِتابِ إلَيْهِمْ لِلتَّهَكُّمِ، وفي الآياتِ مِنَ الإنْباءِ عَنِ السُّخْطِ العَظِيمِ والإنْكارِ الفَظِيعِ لِأقاوِيلِهِمْ والِاسْتِبْعادِ الشَّدِيدِ لِأباطِيلِهِمْ، وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ وتَرْكِيكِ عُقُولِهِمْ وأفْهامِهِمْ مَعَ اسْتِهْزاءٍ بِهِمْ، وتَعْجِيبٍ مِن جَهْلِهِمْ ما لا يَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَ فِيها،
37:158Page 452
وَجَعَلُواْ بَيۡنَهُۥ وَبَيۡنَ ٱلۡجِنَّةِ نَسَبٗاۚ وَلَقَدۡ عَلِمَتِ ٱلۡجِنَّةُ إِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ ١٥٨
And they have made [i.e., claimed] between Him and the jinn a lineage, but the jinn have already known that they [who made such claims] will be brought [to punishment].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الجَوابِ، وسُقُوطِهِمْ عَنْ دَرَجَةِ الخِطابِ، واقْتِضاءِ حالِهِمْ أنْ يُعْرَضَ عَنْهُمْ، وتُحْكى لِآخَرِينَ جِناياتُهُمْ، واسْتُظْهِرَ أنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ الشَّياطِينُ وأُرِيدَ بِالنَّسَبِ المَجْعُولِ المُصاهَرَةُ.
أخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهم عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ لَهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أيْ عَلى سَبِيلِ التَّبْكِيتِ: فَمَن أُمَّهاتُهُمْ؟ فَقالُوا: بَناتُ سَرَواتِ الجِنِّ، ورَوى هَذا ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ، أوْ أُرِيدَ جَعَلُوا بَيْنَهُ سُبْحانَهُ وبَيْنَهم مُناسَبَةً، حَيْثُ أشْرَكُوهم بِهِ تَعالى في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْمًا مِنَ الزَّنادِقَةِ يَقُولُونَ: اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وإبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ أخَوانِ، فاللَّهُ تَعالى هو الخَيِّرُ الكَرِيمُ، وإبْلِيسُ هو الشِّرِّيرُ اللَّئِيمُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (وجَعَلُوا)... إلَخْ، وحَكى هَذا الطَّبْرَسِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ، وقالَ الإمامُ الرّازِيُّ: وهَذا القَوْلُ عِنْدِي أقْرَبُ الأقاوِيلِ، وهو مَذْهَبُ المَجُوسِ القائِلِينَ بِيَزْدانَ وأهْرَمَنَ، ويُعَبِّرُونَ عَنْهُما بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ، ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ عِنْدِي أنَّ الظّاهِرَ أنَّ ضَمِيرَ (جَعَلُوا) كالضَّمائِرِ السّابِقَةِ لِقُرَيْشٍ، ولَمْ يَشْتَهِرْ ذَلِكَ عَنْهُمْ، بَلْ ولا عَنْ قَبِيلَةٍ مِن قَبائِلِ العَرَبِ، ولَيْسَ المَقامُ لِلرَّدِّ عَلى الكَفَرَةِ مُطْلَقًا.
وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وابْنِ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي صالِحٍ: أنَّ المُرادَ بِالجِنَّةِ المَلائِكَةُ، وحَكاهُ في مَجْمَعِ البَيانِ عَنْ قَتادَةَ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، والمُرادُ بِالجَعْلِ المَذْكُورِ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وأُعِيدَ تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الجِنَّ والمَلَكَ جِنْسٌ واحِدٌ مَخْلُوقُونَ مِن عُنْصُرٍ واحِدٍ، وهو النّارُ، لَكِنْ مَن كانَ مِن كَثِيفِها الدُّخانِيِّ فَهو شَيْطانٌ، وهو شَرٌّ وتَمَرُّدٌ، ومَن كانَ مِن صافِي نُورِها فَهو مَلَكٌ، وهو خَيْرٌ كُلُّهُ، ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ بِالجِنِّ الِاسْتِتارُ عَنْ عُيُونِنا، فالجِنُّ والجِنَّةُ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن جَنَّهُ إذا سَتَرَهُ، ويَكُونُ عَلى هَذا تَخْصِيصُ الجِنِّ بِأحَدِ نَوْعَيْهِ تَخْصِيصًا طارِئًا كَتَخْصِيصِ الدّابَّةِ، وعَلى الأصْلِ جاءَ ما هُنا، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ نَوْعًا مِنَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يُسَمّى الجِنَّ ومِنهم إبْلِيسُ، وعَبَّرَ عَنِ المَلائِكَةِ بِالجِنَّةِ حَطًّا لَهم مَعَ عِظَمِ شَأْنِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أنْ يَبْلُغُوا مَنزِلَةَ المُناسَبَةِ الَّتِي أضافُوها إلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الِاسْتِتارَ كالدّاعِي لَهم إلى ذَلِكَ الزَّعْمِ الباطِلِ بِناءً عَلى تَوَهُّمِهِمْ بِأنَّهُ إنَّما يَلِيقُ بِالإناثِ، فَقالُوا: لَوْ لَمْ يَكُونُوا بَناتِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لَما سَتَرَهم عَنِ العُيُونِ، فَلِذا عَبَّرَ عَنْهم بِالجِنَّةِ، ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ أيْ واللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ الشَّياطِينُ أيْ جِنْسُهم أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْضِرُهم ولا بُدَّ النّارَ ويُعَذِّبُهم بِها، ولَوْ كانُوا مُناسِبِينَ لَهُ تَعالى، أوْ
صفحة 152
شُرَكاءَ في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ أوِ التَّصَرُّفِ لَما عَذَّبَهم سُبْحانَهُ، فَضَمِيرُ (إنَّهُمْ) لِلْجِنَّةِ عَلى ما عَدا الوَجْهَ الأخِيرَ مِنَ الأوْجُهِ السّابِقَةِ، وأمّا عَلَيْهِ، فَهو لِلْكَفَرَةِ، أيْ واللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ المَلائِكَةُ الَّذِينَ جَعَلُوا بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَهم نَسَبًا، وقالُوا: هم بَناتُهُ أنَّ الكَفَرَةَ لَمُحْضَرُونَ النّارَ مُعَذَّبُونَ بِها لِكَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، والمُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ في التَّكْذِيبِ بِبَيانِ أنَّ الَّذِينَ يَدَّعِي لَهم هَؤُلاءِ تِلْكَ النِّسْبَةَ، ويَعْلَمُونَ أنَّهم أعْلَمُ مِنهم بِحَقِيقَةِ الحالِ يُكَذِّبُونَهم في ذَلِكَ، ويَحْكُمُونَ بِأنَّهم مُعَذَّبُونَ لِأجْلِهِ حُكْمًا مُؤَكَّدًا، ويَجُوزُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الكَفَرَةِ أيْضًا، والمَعْنى عَلى نَحْوِ ما ذُكِرَ، وعِلْمُ المَلائِكَةِ أنَّ الكَفَرَةَ مُعَذَّبُونَ ظاهِرٌ، وعِلْمُ الشَّياطِينِ بِأنَّهم أنْفُسَهُمْ، وكَذا سائِرُ الكَفَرَةِ مُعَذَّبُونَ لِما أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - تَوَعَّدَ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
37:159–160Page 452
سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٥٩
Exalted is Allāh above what they describe,
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ١٦٠
Except the chosen servants of Allāh [who do not share in that sin].
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ عَلى جَمِيعِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ تَنْزِيهٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِنَفْسِهِ عَنِ الوَصْفِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِنَ المُحْضَرِينَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ أيْ ولَكِنِ المُخْلِصُونَ ناجُونَ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا مِنهُ، ويُفَسَّرُ ضَمِيرُ (إنَّهُمْ) بِما يَعُمُّ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ.
وجُوِّزَ كَوْنُهُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا مِن ضَمِيرِ (يَصِفُونَ) وكَوْنُهُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا مِنهُ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ أيْضًا.
وجُوِّزَ كَوْنُهُ اسْتِثْناءً مِن ضَمِيرِ (جَعَلُوا) عَلى الِانْقِطاعِ لا غَيْرَ، وما في البَيْنِ اعْتِراضٌ، واخْتارَ الواحِدِيُّ الوَجْهَ الأوَّلَ. قالَ الطِّيبِيُّ: ويَحْسُنُ كُلَّ الحُسْنِ إذا فُسِّرَ الجِنَّةُ بِالشَّياطِينِ أيْ وضَمِيرُ (إنَّهُمْ) بِالكَفَرَةِ، لِيَرْجِعَ مَعْناهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ اللَّعِينِ: ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾، أيْ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ النّارَ ومُعَذَّبُونَ حَيْثُ أطاعُونا في إغْوائِنا إيّاهُمْ، لَكِنَّ الَّذِينَ أخْلَصُوا الطّاعَةَ لِلَّهِ تَعالى وطَهَّرُوا قُلُوبَهم مِن أرْجاسِ الشِّرْكِ وأنْجاسِ الكُفْرِ والرَّذائِلِ ما عَمِلَ فِيهِمْ كَيْدُنا فَلا يَحْضُرُونَ، ويَكُونُ ذَلِكَ مَدْحًا لِلْمُخْلِصِينَ، وتَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ، وإرْغامًا لِأُنُوفِهِمْ، ومَزِيدًا لِغَيْظِهِمْ، أيْ إنَّهم بِخِلافِ ما هم عَلَيْهِ مِن سَفَهِ الأحْلامِ، وجَهْلِ النُّفُوسِ، ورَكاكَةِ العُقُولِ اهـ. وفي بَيانِ المَعْنى نَوْعُ قُصُورٍ.
37:161–163Page 452
فَإِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ ١٦١
So indeed, you [disbelievers] and whatever you worship,
مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ بِفَٰتِنِينَ ١٦٢
You cannot tempt [anyone] away from Him
إِلَّا مَنۡ هُوَ صَالِ ٱلۡجَحِيمِ ١٦٣
Except he who is to [enter and] burn in the Hellfire.1
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكم وما تعبدون﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ عَوْدٌ إلى خِطابِهِمْ، والفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إذا عَلِمْتُمْ هَذا، أوْ إذا كانَ المُخْلِصُونَ ناجِينَ ﴿فَإنَّكُمْ﴾ ... إلَخْ، والواوُ لِلْعَطْفِ، ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿فَإنَّكُمْ﴾، وضَمِيرُ ( عَلَيْهِ ) لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِفاتِنِينَ، وعُدِّيَ بِعَلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاسْتِيلاءِ، وهو اسْتِعارَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: فَتَنَ غُلامَهُ أوِ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ، إذا أفْسَدَهُ، والباءُ زائِدَةٌ وهو خَبَرُ ما، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن مَفْعُولِ فاتِنِينَ المُقَدَّرِ، ( وأنْتُمْ ) خِطابٌ لِلْكَفَرَةِ ومَعْبُودِيهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، نَحْوُ: أنْتَ وزَيْدٌ تَخْرُجانِ، أيْ ما أنْتُمْ ومَعْبُودُوكم مُفْسِدِينَ أحَدًا عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِإغْوائِكم إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ يَصْلاها ويَدْخُلُها لا مَحالَةَ.
وجُوِّزَ كَوْنُ الواوِ هُنا مِثْلُها في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ، فَجُمْلَةُ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ إلَخْ، مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ خَبَرًا لِإنَّ، وضَمِيرُ”عليه“ لِما بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِفاتِنِينَ أيْضًا بِتَضْمِينِهِ مَعْنى البَعْثِ أوِ الحَمْلِ، ولا تَغْلِيبَ في الخِطابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم وآلِهَتُكم قُرَناءُ لا تَبْرَحُونَ تَعْبُدُونَها، ثُمَّ قِيلَ: ما أنْتُمْ عَلى عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَ بِباعِثِينَ، أوْ حامِلِينَ عَلى طَرِيقِ الفِتْنَةِ والإضْلالِ أحَدًا إلّا مَن سَبَقَ في عِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ، وظاهِرُ صَنِيعِ بَعْضِهِمْ أنَّ أمْرَ
صفحة 153
التَّغْلِيبِ في ﴿أنْتُمْ﴾ عَلى هَذا عَلى حالِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ الِاتِّصالُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مَعْنى المَعِيَّةِ، وخَبَرُ إنَّ جُمْلَةُ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ إلَخْ، ويَكُونُ الكَلامُ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِما هو أهْلُهُ يَحُضُّ مُعاوِيَةَ عَلى حَرْبِ الأمِيرِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ:
فَإنَّكَ والكِتابَ إلى عَلِيٍّ كَدابِغَةٍ وقَدْ حَلِمَ الأدِيمُ
قالَ في الكَشْفِ: ومَعْنى الآيَةِ أيْ عَلَيْهِ أنَّكم يا كَفَرَةُ مَعَ مَعْبُودِيكُمْ، لا يَتَسَهَّلُ لَكم إلّا أنْ تَفْتِنُوا مَن هو ضالٌّ مِثْلُكُمْ، وهو بَيانٌ لِخُلاصَةِ المَعْنى، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ العَطْفَ، وكَوْنَ الضَّمِيرِ لِلْعِبادَةِ، وتَضْمِينَ فاتِنِينَ مَعْنى الحَمْلِ، وتَغْلِيبَ المُخاطَبِ عَلى الغائِبِ في ﴿أنْتُمْ﴾ وكَوْنَ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ خَبَرَ إنَّ. وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمُ القَوْلُ بِأنَّ (عَلى) بِمَعْنى الباءِ والضَّمِيرَ المَجْرُورَ بِهِ (لِما تَعْبُدُونَ) فَتَأمَّلْ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ”صالُو الجَحِيمِ“ بِالواوِ عَلى ما فِيهِ كِتابُ الكامِلِ لِلْهُذَلِيِّ، وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ عَنْهُما ”صالُ“ بِالضَّمِّ ولا واوَ. وفي اللَّوامِحِ والكَشّافِ عَنِ الحَسَنِ: ”صالُو الجَحِيمِ“ بِضَمِّ اللّامِ، فَعَلى إثْباتِ الواوِ هو جَمْعُ سَلامَةٍ سَقَطَتِ النُّونُ لِلْإضافَةِ. وفي الكَلامِ مُراعاةُ لَفْظِ مَن أوَّلًا، ومَعْناها ثانِيًا، كَما هو قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾، وعَلى عَدَمِ إثْباتِها فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا حُذِفَتِ النُّونُ مِنهُ لِلْإضافَةِ، ثُمَّ واوُ الجَمْعِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأُتْبِعَ الخَطُّ اللَّفْظَ.
الثّانِي أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا حُذِفَتْ لامُهُ، وهي الياءُ تَخْفِيفًا جُعِلَتْ كالمَنسِي، وجَرى الإعْرابُ عَلى عَيْنِهِ كَما جَرى عَلى عَيْنِ يَدٍ ودَمٍ وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ﴾ بِضَمِّ نُونِ (دانٌ) وراءِ (الجَوارُ) وقَوْلُهم ما بالَيْتُ بِهِ بالَةً، فَإنَّ أصْلَ بالَةٍ بالِيَةٌ بِوَزْنِ عافِيَةٍ حُذِفَتْ لامُهُ فَأُجْرِيَ الإعْرابُ عَلى عَيْنِهِ، ولَمّا لَحِقَتْهُ الهاءُ انْتَقَلَ إلَيْها، الثّالِثُ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا أيْضًا ويَكُونُ أصْلَهُ صائِلٌ عَلى القَلْبِ المَكانِيِّ بِتَقْدِيمِ اللّامِ عَلى العَيْنِ، ثُمَّ حُذِفَتِ اللّامُ المُقَدَّمَةُ وهي الياءُ فَبَقِيَ صالٌ بِوَزْنِ فاعٍ وصارَ مُعْرَبًا كَبابٍ ونَظِيرُهُ شاكٍ الجارِي إعْرابُهُ عَلى الكافِ في لُغَةٍ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences