Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:12–27
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَن يَقْبَلُهُ. و”بَلْ“ لِلْإضْرابِ إمّا عَنْ مُقَدَّرٍ يُشْعِرُ بِهِ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ إلَخْ أيْ هم لا يُقِرُّونَ ولا يُجِيبُونَ بِما هو الحُقُّ بَلْ مِثْلُكَ مِمَّنْ يُذْعِنُ ويَتَعَجَّبُ مِن تِلْكَ الدَّلائِلِ أوْ عَنِ الأمْرِ بِالِاسْتِفْتاءِ أيْ لا تَسْتَفْتِهِمْ فَإنَّهم مُعانِدُونَ لا يَنْفَعُ فِيهِمُ الِاسْتِفْتاءُ ولا يَتَعَجَّبُونَ مِن تِلْكَ الدَّلائِلِ بَلْ مِثْلُكَ مِمَّنْ يَتَعَجَّبُ مِنها ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ أيْ وهم يَسْخَرُونَ مِنكَ ومِن تَعَجُّبِكَ ومِمّا تُرِيهِمْ مِنَ الآياتِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى بَلْ عَجِبْتَ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ مَعَ هَذِهِ الآياتِ وهم يَسْخَرُونَ مِن أمْرِ البَعْثِ، واخْتِيرَ أنْ يَكُونَ المَعْنى بَلْ عَجِبْتَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ وإنْكارِهِمُ البَعْثَ وهم يَسْخَرُونَ مِن تَعَجُّبِكَ وتَقْرِيرِكَ لِلْبَعْثِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِـ ”مَن خَلَقْنا“ الأُمَمُ الماضِيَةُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لَمْ يَسْبِقُ لِهَذِهِ الأُمَمِ ذِكْرٌ وإنَّما سَبَقَ الذِّكْرُ لِلْمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ولِلسَّماواتِ والأرْضِ وما سَمِعْتَ مَعَ أنَّ حَرْفَ التَّعْقِيبِ مِمّا يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، ومَن قالَ كَصاحِبِ الفَرائِدِ عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ سِوى الإمامِ ووَجَّهَهُ بِأنَّهُ لَمّا احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما هم مُقِرُّونَ بِهِ مِن كَوْنِهِ رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ ورَبَّ المَشارِقِ وألْزَمَهم بِذَلِكَ وقابَلُوهُ بِالعِنادِ قِيلَ لَهُمْ: فانْتَظَرُوا الإهْلاكَ كَمَن قَبْلَكم لِأنَّكم لَسْتُمْ أشَدَّ خَلْقًا مِنهم فَوُضِعَ مَوْضِعَهُ ﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِأنَّهم لَيْسُوا أشَدَّ خَلْقًا، أوْ دَلِيلٌ لِاسْتِكْبارِهِمُ المُنْتِجِ لِلْعِنادِ. وأيَّدَهُ بِدَلالَةِ الإضْرابِ واسْتِبْعادِ البَعْثِ بَعْدَهُ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِما قَبْلَ الإضْرابِ، فَقَدْ ذَهَبَ عَلَيْهِ أنَّ اللَّفْظَ خَفِيُّ الدَّلالَةِ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ العِنادِ واسْتِحْقاقِ الإهْلاكِ كَسالِفِ الأُمَمِ. وتَعْلِيلُ نَفْيِ الأشَدِّيَّةِ بِما عَلَّلَ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِوُضُوحِ أنَّ السّابِقِينَ أشَدُّ في ذَلِكَ، وكَمْ مِن ذَلِكَ في الكِتابِ العَزِيزِ، وأمّا الإضْرابُ فَعَنِ الِاسْتِفْتاءِ إلى أنَّ مِثْلَكَ مِمَّنْ يُذْعِنُ ويَتَعَجَّبُ مِن تِلْكَ الدَّلائِلِ ولِذا عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ وجَعَلَ ما أنْكَرُوهُ مِنَ البَعْثِ مِن بَعْضِ مَساخِرِهِمْ، قالَهُ صاحِبُ الكَشْفِ، فَلا تَغْفُلْ! وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ سَعْدانَ وابْنُ مُقْسِمٍ ”عَجَبْتُ“ بِتاءِ المُتَكَلِّمِ ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ والنَّخْعِيِّ وابْنِ وثّابٍ وطِلْحَةَ وشَقِيقٍ والأعْمَشِ.
وأنْكَرَ شُرَيْحٌ القاضِي هَذِهِ القِراءَةَ، وقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْجَبُ مِن شَيْءٍ، وإنَّما يَعْجَبُ مَن لا يَعْلَمُ، وإنْكارُ هَذا القاضِي مِمّا أُفْتِي بِعَدَمِ قَبُولِهِ لِأنَّهُ في مُقابِلِ بَيِّنَةٍ مُتَواتِرَةٍ، وقَدْ جاءَ أيْضًا في الخَبَرِ «عَجِبَ رَبُّكم مِنَ إلِّكم وقُنُوطِكم».
وأُوِّلَتِ القِراءَةُ بِأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الفَرْضِ، أيْ: لَوْ كانَ العَجَبُ مِمّا يَجُوزُ عَلَيَّ لَعَجِبْتُ مِن هَذِهِ الحالِ، أوِ التَّخْيِيلِ فَيَجْعَلُ تَعالى كَأنَّهُ لِإنْكارِهِ لِحالِهِمْ يَعُدُّها أمْرًا غَرِيبًا ثُمَّ يَثْبُتُ لَهُ سُبْحانَهُ العَجَبُ مِنها، فَعَلى الأوَّلِ تَكُونُ الِاسْتِعارَةُ
صفحة 77
تَخْيِيلِيَّةً تَمْثِيلِيَّةً كَما في قَوْلِهِمْ: قالَ الحائِطُ لِلْوَتِدِ: لِمَ تَشُقُّنِي؟ فَقالَ: سَلْ مِن يَدُقُّنِي!، وعَلى الثّانِي تَكُونُ مُكَنِّيَةً وتَخْيِيلِيَّةً كَما في نَحْوِ: لِسانُ الحالِ ناطِقٌ بِكَذا، والمَشْهُورُ في أمْثالِهِ الحَمْلُ عَلى اللّازِمِ فَيَكُونُ مَجازًا مُرْسَلًا فَيُحْمَلُ العَجَبُ عَلى الِاسْتِعْظامِ وهو رُؤْيَةُ الشَّيْءِ عَظِيمًا أيْ بالِغًا في الحُسْنِ أوِ القُبْحِ، والمُرادُ هُنا رُؤْيَةُ ما هم عَلَيْهِ بالِغًا الغايَةَ في القُبْحِ، ولَيْسَ اسْتِعْظامُ الشَّيْءِ مَسْبُوقًا بِانْفِعالٍ يَحْصُلُ في الرُّوعِ عَنْ مُشاهَدَةِ أمْرٍ غَرِيبٍ كَما تُوُهِّمَ لِيُقالَ: إنَّ التَّأْوِيلَ المَذْكُورَ لا يَحْسِمُ مادَّةَ الإشْكالِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: يُؤَوَّلُ عَلى أنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ يُظْهِرُها اللَّهُ تَعالى في صِفَةِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ مِن تَعْظِيمٍ أوْ تَحْقِيرٍ حَتّى يَصِيرَ النّاسُ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ فالمَعْنى بَلْ عَجِبْتُ مِن ضَلالَتِهِمْ وسُوءِ نِحْلَتِهِمْ وجَعَلْتُها لِلنّاظِرِينَ فِيها وفِيما اقْتَرَنَ بِها مِن شَرْعِي وهُدايَ مُتَعَجَّبًا، وقالَ مَكِّيٌّ وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: ضَمِيرُ ”عَجِبْتُ“ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والكَلامُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ: قُلْ بَلْ عَجِبْتُ، وعِنْدِي لَوْ قُدِّرَ القَوْلُ بَعْدَ بَلْ كانَ أحْسَنَ، أيْ: بَلْ قُلْ عَجِبْتُ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ السَّلَفِ أنَّ العَجَبَ فِينا انْفِعالٌ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ عِنْدَ الجَهْلِ بِالسَّبَبِ ولِذا قِيلَ: إذا ظَهَرَ السَّبَبُ بَطَلَ العَجَبُ وهو في اللَّهِ تَعالى بِمَعْنًى يَلِيقُ لِذاتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - هو سُبْحانَهُ أعْلَمُ بِهِ فَلا يُعَيِّنُونَ المُرادَ والخَلَفُ يُعَيِّنُونَ.
﴿وإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ ودَأْبُهم أنَّهم إذا وُعِظُوا بِشَيْءٍ لا يَتَّعِظُونَ بِهِ، أوْ أنَّهم إذا ذُكِرَ لَهم ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الحَشْرِ لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِبَلادَتِهِمْ وقِلَّةِ فِكْرِهِمْ، واسْتِفادَةُ الِاسْتِمْرارِ مِن مَقامِ الذَّمِّ، ولَعَلَّ في إذا والعَطْفِ عَلى الماضِي ما يُؤَيِّدُهُ، وقَرَأ ابْنُ حُبَيْشٍ ”ذُكِرُوا“ بِتَخْفِيفِ الكافِ.
﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ مُعْجِزَةً تَدُلُّ عَلى صِدْقِ مَن يَعِظْهم ويَدَعُوهم إلى تَرْكِ ما هم فِيهِ إلى ما هو خَيْرٌ، أوْ مُعْجِزَةً تَدُلُّ عَلى صِدْقِ القائِلِ بِالحَشْرِ ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ أيْ يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ ويَقُولُونَ إنَّهُ سِحْرٌ، أوْ يَطْلُبُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ أنْ يَسْخَرَ مِنها، رَوِيَ «أنَّ رَكانَةَ - رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ - لَقِيَهُ الرَّسُولُ ﷺ في جَبَلٍ خالٍ يَرْعى غَنَمًا لَهُ وكانَ مِن أقْوى النّاسِ فَقالَ لَهُ: يا رَكانَةُ أرَأيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي؟ قالَ: نَعَمْ، فَصَرَعَهُ ثَلاثًا ثُمَّ عَرَضَ لَهُ بَعْضَ الآياتِ؛ دَعا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - شَجَرَةً فَأقْبَلَتْ فَلَمْ يُؤْمِن وجاءَ إلى مَكَّةَ فَقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ ساحِرُوا بِصاحِبِكم أهْلَ الأرْضِ فَنَزَلَتْ فِيهِ وفي أضِرابِهِ». وقُرِئَ ”يَسْتَسْحِرُونَ“ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ أيْ يَعُدُّونَها سِحْرًا.
37:15–16Page 446
وَقَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ١٥
And say, "This is not but obvious magic.
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ١٦
When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
﴿وقالُوا إنْ هَذا﴾ ما يَرَوْنَهُ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ ﴿إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ سِحْرِيَّتُهُ في نَفْسِهِ.
﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ كانَ بَعْضُ أجْزائِنا تُرابًا وبَعْضُها عِظامًا، وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِأنَّهُ مُنْقَلِبٌ عَنِ الأجْزاءِ البادِيَةِ، وإذا إمّا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أيْ نُبْعَثُ وفي عامِلِها الكَلامُ المَشْهُورُ، وإمّا مَتَمَحِّضَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ فَلا جَوابَ لَها ومُتَعَلِّقُها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ أيْضًا لا هو لِأنَّ ما بَعْدُ إنَّ واللّامَ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ أيْ أنُبْعَثُ إذا مِتْنا، وإنْ شِئْتَ فَقَدِّرْهُ مُؤَخَّرًا فَتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِتَقْوِيَةِ الإنْكارِ لِلْبَعْثِ بِتَوْجِيهِهِ إلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ غايَةَ المُنافاةِ، وكَذا تَكْرِيرُ الهَمْزَةِ لِلْمُبالَغَةِ والتَّشْدِيدِ في ذَلِكَ، وكَذا تَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) واللّامِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ فَإنَّ تَقْدِيمَ الهَمْزَةِ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِطَرْحِ الهَمْزَةِ الأُولى، وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ بِطَرْحِ الثّانِيَةِ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ لِدَلالَةِ خَبَرِ ”إنَّ“ عَلَيْهِ أيْ: أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ مَبْعُوثُونَ
صفحة 78
أيْضًا؟ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها. وهَذا أحَدُ مَذاهِبَ في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ. وظاهِرُ كَلامِ أبِي حَيّانَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ أنَّ حَذْفَ الخَبَرِ واجِبٌ، فَقَدْ قالَ: قالَ مَن نَحا إلى هَذا المَذْهَبِ: الأصْلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ عَطْفُ الجُمَلِ إلّا أنَّهم لَمّا حَذَفُوا الخَبَرَ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ أنابُوا حَرْفَ العَطْفِ مَكانَهُ، ولَمْ يُقَدِّرُوا - إذْ ذاكَ - الخَبَرَ المَحْذُوفَ في اللَّفْظِ لِئَلّا يَكُونَ جَمْعًا بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ عَنْهُ فَأشْبَهَ عَطْفَ المُفْرَداتِ مِن جِهَةِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ لَيْسَ بَعْدَهُ في اللَّفْظِ إلّا مُفْرَدٌ. وثانِي المَذاهِبِ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في خَبَرِ ”إنَّ“ إنْ كانَ مِمّا يَتَحَمَّلُ الضَّمِيرُ وكانَ الضَّمِيرُ مُؤَكَّدًا أوْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْطُوفِ فاصِلٌ ما وإلّا ضَعُفَ العَطْفُ. ونَسَبَ ابْنُ هِشامٍ هَذا المَذْهَبَ والَّذِي قَبْلَهُ إلى المُحَقِّقِينَ مِنَ البَصْرِيِّينَ. وفي تَأتِّيهِ هُنا مِن غَيْرِ ضَعْفٍ لِلْفَصْلِ بِالهَمْزَةِ بَحْثٌ، فَقَدْ قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ لا تَدْخُلُ عَلى المَعْطُوفِ إلّا إذا كانَ جُمْلَةً لِئَلّا يَلْزَمَ عَمَلُ ما قَبْلَ الهَمْزَةِ فِيما بَعْدَها وهو غَيْرُ جائِزٍ لِصَدارَتِها. والجَوابُ بِأنَّ الهَمْزَةَ هُنا مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِبْعادِ، فَهي في النِّيَّةِ مُقَدَّمَةٌ داخِلَةٌ عَلى الجُمْلَةِ في الحَقِيقَةِ لَكِنْ فُصِلَ بَيْنِهِما بِما فُصِلَ - قَدْ بُحِثَ فِيهِ بِأنَّ الحَرْفَ لا يُكَرَّرُ لِلتَّوْكِيدِ بِدُونِ مَدْخُولِهِ، والمَذْكُورُ في النَّحْوِ أنَّ الِاسْتِفْهامَ لَهُ الصَّدْرُ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مُؤَكِّدٍ ومُؤَسِّسٍ مَعَ أنَّ كَوْنَ الهَمْزَةِ في نِيَّةِ التَّقْدِيمِ يُضَعِّفُ أمْرَ الِاعْتِدادِ بِالفَصْلِ بِها لا سِيَّما وهي حَرْفٌ واحِدٌ فَلا يُقاسُ الفَصْلُ بِها عَلى الفَصْلِ بِـ ”لا“ في قَوْلِهِ تَعالى: ما ﴿أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ .
وثالِثُها أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ”إنَّ“ مَعَ ما عَمِلَتْ فِيهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ حِينَئِذٍ مِن عَطْفِ الجُمَلِ في الحَقِيقَةِ، ورابِعُها أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ لِأنَّهُ كانَ قَبْلَ دُخُولِها في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ حِينَئِذٍ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ الرَّفْعَ كانَ بِالِابْتِداءِ وهو عامِلٌ مَعْنَوِيٌّ، وقَدْ بَطَلَ بِالعامِلِ اللَّفْظِيِّ. وأُجِيبَ بِأنَّ وُجُودَهُ كَلا وُجُودٍ لِشِبْهِهِ بِالزّائِدِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يُغَيِّرُ مَعْنى الجُمْلَةِ وإنَّما يُفِيدُ التَّأْكِيدَ فَقَطْ. واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ الخَبَرَ المَذْكُورَ كَـ ”مَبْعُوثُونَ“ في الآيَةِ يَكُونُ حِينَئِذٍ خَبَرًا عَنْهُما وخَبَرُ المُبْتَدَأِ رافِعُهُ الِابْتِداءُ أوِ المُبْتَدَأُ أوْ هُما وخَبَرُ إنَّ رافِعُهُ إنَّ فَيَتَوارَدُ عامِلانِ عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ: وأُجِيبَ بِأنَّ العَوامِلَ النَّحْوِيَّةَ لَيْسَتْ مُؤَثِّراتٍ حَقِيقِيَّةً بَلْ هي بِمَنزِلَةِ العَلاماتِ فَلا يَضُرُّ تَوارُدُها عَلى مَعْمُولٍ واحِدٍ وهو كَما تَرى، وتَمامُ الكَلامِ في مَحَلِّهِ، وعَلى كُلِّ حالٍ الأوْلى ما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِهِ مُبْتَدَأً حُذِفَ خَبَرُهُ وقَدْ قالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ أرْبابَ الأقْوالِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ مُتَّفِقُونَ عَلى جَوازِ القَوْلِ الأوَّلِ وهو يُؤَيِّدُ القَوْلَ بِأوْلَوِيَّتِهِ، وأيًّا ما كانَ فَمُرادُ الكَفَرَةِ زِيادَةُ اسْتِبْعادِ بَعْثِ آبائِهِمْ بِناءً عَلى أنَّهم أقْدَمُ، فَبَعْثُهم أبْعَدُ عَلى عُقُولِهِمِ القاصِرَةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ في رِوايَةٍ. وقالُونُ ”أوْ“ بِالسُّكُونِ عَلى أنَّها حَرْفُ عَطْفٍ وفِيهِ الِاحْتِمالاتُ الأرْبَعَةُ إلّا أنَّ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ الفَصْلِ بِشَيْءٍ أصْلًا.
37:18Page 446
قُلۡ نَعَمۡ وَأَنتُمۡ دَٰخِرُونَ ١٨
Say, "Yes, and you will be [rendered] contemptible."
﴿قُلْ نَعَمْ﴾ أيْ تُبْعَثُونَ أنْتُمْ وآباؤُكُمُ الأوَّلُونَ والخِطابُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ لَهم ولِآبائِهِمْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ما دَلَّ عَلَيْهِ ﴿نَعَمْ﴾ أيْ تُبْعَثُونَ كُلُّكم والحالُ أنَّكم صاغِرُونَ أذِلّاءُ، وهَذِهِ الحالُ زِيادَةٌ في الجَوابِ نَظِيرَ ما وقَعَ في «جَوابِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ حِينَ جاءَ بِعَظْمٍ قَدْ رَمَّ وجَعَلَ يَفُتُّهُ بِيَدِهِ ويَقُولُ: يا مُحَمَّدُ أتُرى اللَّهَ يُحْيِي هَذا بَعْدَ ما رَمَّ ؟ فَقالَ ﷺ لَهُ عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ ”نَعَمْ ويَبْعَثُكَ ويُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ“»
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ ذَلِكَ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ عَدَّ الزِّيادَةِ مِنهُ لا تُوافِقُ ما قُرِّرَ في المَعانِي، وإنْ كانَ ذَلِكَ اصْطِلاحًا جَدِيدًا فَلا مُشاحَّةَ في الِاصْطِلاحِ، واكْتَفى في الجَوابِ عَنْ إنْكارِهِمُ البَعْثَ عَلى هَذا المِقْدارِ ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ اكْتِفاءً بِسَبْقِ ما يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ
صفحة 79
﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ إلَخْ مَعَ أنَّ المُخْبَرَ قَدْ عَلِمَ صِدْقَهُ بِمُعْجِزاتِهِ الواقِعَةِ في الخارِجِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾ الآيَةَ. وهُزْؤُهم وتَسْمِيَتُهم لَها سِحْرًا لا يَضُرُّ طالِبَ الحَقِّ، والقَوْلُ بِأنَّ ذَلِكَ لِلِاكْتِفاءِ بِقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في القِيامَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والكِسائِيُّ ”نَعِمْ“ بِكَسْرِ العَيْنِ وهي لُغَةٌ فِيهِ. وقُرِئَ ”قالَ“ أيِ اللَّهُ تَعالى أوْ رَسُولُهُ ﷺ
37:19Page 446
فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ فَإِذَا هُمۡ يَنظُرُونَ ١٩
It will be only one shout, and at once they will be observing.
﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى البَعْثَةِ المَفْهُومَةِ مِمّا قَبْلَ، وقِيلَ لِلْبَعْثِ والتَّأْنِيثٌ بِاعْتِبارِ الخَبَرِ.
والزَّجْرَةُ الصَّيْحَةُ مِن زَجَرَ الرّاعِي غَنَمَهُ صاحَ عَلَيْها. والمُرادُ بِها النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ في الصُّورِ ولَمّا كانَتْ بَعْثَتُهم ناشِئَةً عَنِ الزَّجْرَةِ جُعِلَتْ إيّاها مَجازًا. والفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أوْ تَعْلِيلِيَّةٌ لِنَهْيٍ مُقَدَّرٍ أيْ إذا كانَ كَذَلِكَ فَإنَّما البَعْثَةُ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أوْ لا تَسْتَصْعِبُوها فَإنَّما هي زَجْرَةٌ. وجَوَّزَ الزَّجّاجُ أنْ تَكُونَ لِلتَّفْسِيرِ والتَّفْصِيلِ وما بَعْدَها مُفَسِّرٌ لِلْبَعْثِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ تَفْسِيرَ البَعْثِ الَّذِي في كَلامِهِمْ لا وجْهَ لَهُ والَّذِي في الجَوابِ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ. وتَفْسِيرُ ما كُنِّيَ عَنْهُ بِنَعَمْ مِمّا لَمْ يُعْهَدُ.
والظّاهِرُ أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِما كُنِّيَ عَنْهُ بِنَعَمْ وهو بِمَنزِلَةِ المَذْكُورِ لا سِيَّما وقَدْ ذُكِرَ ما يُقَوِّي إحْضارَهُ مِنَ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ. وعَدَمُ عَهْدِ التَّفْسِيرِ في مِثْلِ ذَلِكَ مِمّا لا جَزْمَ لِي بِهِ.
وأبُو حَيّانَ نازَعَ في تَقْدِيرِ الشَّرْطِ فَقالَ: لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ ولا يُحْذَفُ الشَّرْطُ ويَبْقى جَوابُهُ إلّا إذا انْجَزَمَ الفِعْلُ في الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ والنَّهْيِ وما ذُكِرَ مَعَهُما عَلى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، أمّا ابْتِداءً فَلا يَجُوزُ حَذْفُهُ والجُمْهُورُ عَلى خِلافٍ والحَقُّ مَعَهُمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا مِن تَتِمَّةِ المَقُولِ وإمّا ابْتِداءُ كَلامٍ مِن قِبَلِهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ أيْ فَإذا هم قِيامٌ مِن مَراقِدِهِمْ أحْياءٌ يُبْصِرُونَ كَما كانُوا في الدُّنْيا أوْ يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ وما يُؤْمَرُونَ بِهِ
37:20Page 446
وَقَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا هَٰذَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ ٢٠
They will say, "O woe to us! This is the Day of Recompense."
﴿وقالُوا﴾ أيِ المَبْعُوثُونَ، وصِيغَةُ الماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ ﴿يا ويْلَنا﴾ أيْ يا هَلاكَنا احْضُرْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ اسْتِئْنافٌ مِنهم لِتَعْلِيلِ دُعائِهِمُ الوَيْلَ.
والدِّينُ بِمَعْنى الجَزاءِ كَما في ”كَما تَدِينُ تُدانُ“ أيْ هَذا اليَوْمِ الَّذِي نُجازى فِيهِ بِأعْمالِنا، وإنَّما عَلِمُوا ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ في الدُّنْيا أنَّهم يُبْعَثُونَ ويُحاسَبُونَ ويُجْزَوْنَ بِأعْمالِهِمْ فَلَمّا شاهَدُوا البَعْثَ أيْقَنُوا بِما بَعْدَهُ أيْضًا،
37:21Page 446
هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢١
[They will be told], "This is the Day of Judgement which you used to deny."
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ كَلامُ المَلائِكَةِ جَوابًا لَهم بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أيْضًا، ووَقَفَ أبُو حاتِمٍ عَلى ﴿يا ويْلَنا﴾ وجَعَلَ ما بَعْدَهُ كَلامَ اللَّهِ تَعالى أوْ كَلامَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لَهم كَأنَّهم أجابُوهم بِأنَّهُ لا تَنْفَعُ الوَلْوَلَةُ والتَّلَهُّفُ، والفَصْلُ القَضاءُ أوِ الفَرْقُ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ وتَمْيِيزُ كُلٍّ عَنِ الآخَرِ بِدُونِ قَضاءٍ
37:22–23Page 446
۞ ٱحۡشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزۡوَٰجَهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٢٢
[The angels will be ordered], "Gather those who committed wrong, their kinds,1 and what they used to worship
مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهۡدُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡجَحِيمِ ٢٣
Other than Allāh, and guide them to the path of Hellfire
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ أوْ مِنَ المَلائِكَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَقُولُ المَلائِكَةُ لِلزَّبانِيَةِ: احْشَرُوا إلَخْ، وهو أمْرٌ بِحَشْرِ الظّالِمِينَ مِن أماكِنِهِمُ المُخْتَلِفَةِ إلى مَوْقِفِ الحِسابِ وقِيلَ مِنَ المَوْقِفِ إلى الجَحِيمِ، والسِّباقُ والسِّياقِ يُؤَيِّدانِ الأوَّلَ ﴿وأزْواجَهُمْ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ مَنِيعٍ في مَسْنَدِهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ مِن طَرِيقِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أزْواجَهم أمْثالَهُمُ الَّذِينَ هم مِثْلُهُمْ، يُحْشَرُ أصْحابُ الرِّبا مَعَ أصْحابِ الرِّبا، وأصْحابُ الزِّنا مَعَ أصْحابِ الزِّنا، وأصْحابُ الخَمْرِ مَعَ أصْحابِ الخَمْرِ. وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في لَفْظٍ أشْباهَهم وفي آخَرَ نُظَراءَهم. ورُوِيَ تَفْسِيرُ
صفحة 80
الأزْواجِ بِذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ، وأصْلُ الزَّوْجِ المُقارَنُ كَزَوْجَيِ النَّعْلِ فَأُطْلِقَ عَلى لازَمِهِ وهو المُماثِلُ. وجاءَ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: أيْ نِساءَهُمُ الكافِراتِ، ورَجَّحَهُ الرُّمّانِيُّ. وقِيلَ قُرَناءَهم مِنَ الشَّياطِينِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الضَّحّاكِ. والواوُ لِلْعَطْفِ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْمَعِيَّةِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ سُلَيْمانَ الحِجازِيُّ ”وأزْواجُهُمْ“ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ﴿ظَلَمُوا﴾ - عَلى ما في البَحْرِ - أيْ وظَلَمَ أزْواجُهم.
وأنْتَ تَعْلَمُ ضَعْفَ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في مِثْلِهِ، والقِراءَةُ شاذَّةٌ ”وما كانوا يعبدون من دون الله“ مِنَ الأصْنامِ ونَحْوِها، وحَشْرُهم مَعَهم لِزِيادَةِ التَّحْسِيرِ والتَّخْجِيلِ، وما قِيلَ عامٌّ في كُلِّ مَعْبُودٍ حَتّى المَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لَكِنْ خُصَّ مِنهُ البَعْضُ بُقُولِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ الآيَةَ.
وقِيلَ ما كِنايَةٌ عَنِ الأصْنامِ والأوْثانِ فَهي لِما لا يَعْقِلُ فَقَطْ؛ لِأنَّ الكَلامَ في المُشْرِكِينَ عَبَدَةِ ذَلِكَ، وقِيلَ ما عَلى عُمُومِها والأصْنامُ ونَحْوُها غَيْرُ داخِلَةٍ؛ لِأنَّ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ إنَّما عَبَدُوا الشَّياطِينَ الَّتِي حَمَلَتْهم عَلى عِبادَتِها، ولا يُناسِبُ هَذا تَفْسِيرَ ”أزواجهم“ بِقُرَنائِهِمْ مِنَ الشَّياطِينِ، ومَعَ هَذا التَّخْصِيصِ أقْرَبُ، وفي هَذا العَطْفِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا المُشْرِكُونَ وهُمُ الأحِقّاءُ بِهَذا الوَصْفِ فَإنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ فَعَرِّفُوهم طَرِيقَها وأرُوهم إيّاهُ، والمُرادُ بِالجَحِيمِ النّارُ ويُطْلَقُ عَلى طَبَقَةٍ مِن طَبَقاتِها وهو مِنَ الجُحْمَةِ شِدَّةِ تَأجُّجِ النّارِ، والتَّعْبِيرُ بِالصِّراطِ والهِدايَةِ لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ
37:24Page 446
وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ ٢٤
And stop them; indeed, they are to be questioned."
﴿وقِفُوهُمْ﴾ أيِ احْبِسُوهم في المَوْقِفِ ﴿إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ عَنْ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ، وفي الحَدِيثِ «”لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ حَتّى يُسْألَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ مِمّا كَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وعَنْ عِلْمِهِ ماذا عَمِلَ بِهِ“،» وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: يُسْألُونَ عَنْ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، وعَنْهُ أيْضًا: يُسْألُونَ عَنْ شُرْبِ الماءِ البارِدِ عَلى طَرِيقِ الهُزْءِ بِهِمْ.
ورَوى بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُسْألُونَ عَنْ وِلايَةِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ورَوَوْهُ أيْضًا عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وأوْلى هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ السُّؤالَ عَنِ العَقائِدِ والأعْمالِ، ورَأْسُ ذَلِكَ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، ومِن أجَلِّهِ وِلايَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وكَذا وِلايَةُ إخْوانِهِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ.
وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الحَبْسَ لِلسُّؤالِ بَعْدَ هِدايَتِهِمْ إلى صِراطِ الجَحِيمِ بِمَعْنى تَعْرِيفِهِمْ إيّاهُ ودَلّالَتِهِمْ عَلَيْهِ لا بِمَعْنى إدْخالِهِمْ فِيهِ وإيصالِهِمْ إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِراطُ الجَحِيمِ طَرِيقَهم لَهُ مِن قُبُورِهِمْ إلى مَقَرِّهِمْ وهو مُمْتَدٌّ فَيَجُوزُ كَوْنُ الوَقْفِ في بَعْضٍ مِنهُ مُؤَخَّرًا عَنْ بَعْضٍ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ، وقِيلَ: إنَّ الوَقْفَ لِلسُّؤالِ قَبْلَ الأمْرِ المَذْكُورِ، والواوُ لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وقِيلَ الوَقْفُ بَعْدَ الأمْرِ عِنْدَ مَجِيئِهِمُ النّارَ، والسُّؤالُ عَمّا يَنْطِقُ بِهِ
37:25Page 447
مَا لَكُمۡ لَا تَنَاصَرُونَ ٢٥
[They will be asked], "What is [wrong] with you? Why do you not help each other?"
قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ أيْ لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا، والخِطابُ لَهم وآلِهَتِهِمْ أوْ لَهم فَقَطْ، أيْ: ما لَكَمَ لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا كَما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدُّنْيا، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ، وتَأْخِيرُ هَذا السُّؤالِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ لِأنَّهُ وقْتُ تَنْجِيزِ العَذابِ، وشِدَّةُ الحاجَةِ إلى النُّصْرَةِ وحالَةُ انْقِطاعِ الرَّجاءِ والتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ حِينَئِذٍ أشَدُّ وقْعًا وتَأْثِيرًا، وقِيلَ: السُّؤالُ عَنْ هَذا في مَوْقِفِ المُحاسَبَةِ بَعْدَ اسْتِيفاءِ حِسابِهِمْ، والأمْرُ بِهِدايَتِهِمْ إلى الجَحِيمِ كَأنَّ المَلائِكَةَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لَمّا أُمِرُوا بِهِدايَتِهِمْ إلى النّارِ وتَوْجِيهِهِمْ إلَيْها سارَعُوا إلى ما أُمِرُوا بِهِ، فَقِيلَ لَهُمْ: قِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ، والَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ الأمْرَ بِهِدايَتِهِمْ إلى الجَحِيمِ إنَّما هو بَعْدَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وقَطْعِ أعْذارِهِمْ وذَلِكَ بَعْدَ مُحاسَبَتِهِمْ، وعَطْفُ (اهْدُوهُمْ) عَلى (احْشُرُوا) بِالفاءِ
صفحة 81
إشارَةٌ إلى سُرْعَةِ وُقُوعِ حِسابِهِمْ، وسُؤالُهُمْ: ما لَكم لا تُناصِرُونَ؟ الألْيَقُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ تَحَقُّقِ ما يَقْتَضِي التَّناصُرَ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ الحِسابِ والأمْرِ بِهِمْ إلى النّارِ، فَلَعَلَّ الوَقْفَ لِهَذا السُّؤالِ في ابْتِداءِ تَوَجُّهِهِمْ إلى النّارِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقَرَأ عِيسى ”أنَّهُمْ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بِتَقْدِيرِ ”لِأنَّهُمْ“، وقَرَأ البَّزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ”لا تَتَناصَرُونَ“ بِتاءَيْنِ بِلا إدْغامٍ، وقُرِئَ بِإدْغامِ إحْداهُما في الأُخْرى.
37:26–27Page 447
بَلۡ هُمُ ٱلۡيَوۡمَ مُسۡتَسۡلِمُونَ ٢٦
But they, that Day, are in surrender.
وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٧
And they will approach one another asking [i.e., blaming] each other.
﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ لِعَجُزِهِمْ وانْسِدادِ الحِيَلِ عَلَيْهِمْ، وأصْلُ الِاسْتِسْلامِ طَلَبُ السَّلامَةِ، والِانْقِيادُ لازِمٌ لِذَلِكَ عُرْفًا؛ فَلِذا اسْتُعْمِلَ فِيهِ، أوْ مُتَسالِمُونَ كَأنَّهُ يُسَلِّمُ بَعْضُهم بَعْضًا لِلْهَلاكِ ويَخْذُلُهُ، وجُوِّزَ في الإضْرابِ أنْ يَكُونَ عَنْ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ أيْ لا يُنازِعُونَ في الوُقُوفِ وغَيْرِهِ بَلْ يَنْقادُونَ أوْ يُخْذَلُونَ، أوْ عَنْ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿لا تَناصَرُونَ﴾ أيْ لا يَقْدِرُ بَعْضُهم عَلى نَصْرِ بَعْضٍ بَلْ هم مُنْقادُونَ لِلْعَذابِ أوْ مَخْذُولُونَ ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ هُمُ الأتْباعُ والرُّؤَساءُ المُضِلُّونَ أوِ الكَفَرَةُ مِنَ الإنْسِ وقُرَناؤُهم مِنَ الجِنِّ، ورُوِيَ هَذا عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنُ زَيْدٍ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا سُؤالَ تَقْرِيعٍ بِطَرِيقِ الخُصُومَةِ والجِدالِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences