Al-AlusiAs‑Saffat · 37:45–54

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:45–54

37:45Page 447

يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ ٤٥

There will be circulated among them a cup [of wine] from a flowing spring,

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ إمّا اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما يَكُونُ لَهم في مَجالِسِ أُنْسِهِمْ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ أوْ في أحَدِ الجارَّيْنِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ صِفَةً لَـ ”مُكْرَمُونَ“. وفاعِلُ الطَّوافِ عَلى ما قِيلَ مَن ماتَ مِن أوْلادِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ التَّكْلِيفِ. فَفي الصَّحِيحِ أنَّهم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. وقَدْ صُرِّحَ بِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ .

﴿بِكَأْسٍ﴾ أيْ بِخَمْرٍ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كُلُّ كَأْسٍ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ إنَّما عَنى بِهِ الخَمْرَ. ونُقِلَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الحَبْرِ والأخْفَشِ وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ بِمَنزِلَةِ الحَقِيقَةِ. وعَلَيْهِ قَوْلُ الأعْشى:

وكَأْسٌ شَرِبْتُ عَلى لَذَّةٍ وأُخْرى تَداوَيْتُ مِنها بِها

ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ بِها الخَمْرَ إطْلاقًا لِلْمَحَلِّ عَلى الحالِّ - قَوْلُهُ ”شَرِبْتُ“، وتَقْدِيرُ شَرِبْتُ ما فِيها تَكَلُّفٌ، والقَرِينَةُ هاهُنا

صفحة 87

ما يَأْتِي بَعْدُ. وجُوِّزَ تَفْسِيرُهُ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ وهو إناءٌ فِيهِ خَمْرٌ، وأكْثَرُ اللُّغَوِيِّينَ عَلى أنَّ إناءَ الخَمْرِ لا يُسَمّى كَأْسًا حَقِيقَةً إلّا وفِيهِ خَمْرٌ فَإنْ خَلا مِنهُ فَهو قَدَحٌ، والخَمْرُ لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ، قالَ في البَحْرِ: الكَأْسُ ما كانَ مِنَ الزُّجاجِ فِيهِ خَمْرٌ أوْ نَحْوُهُ مِنَ الأنْبِذَةِ ولا يُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيهِ ذَلِكَ، وقالَ الرّاغِبُ: الكَأْسُ الإناءُ بِما فِيهِ مِنَ الشَّرابِ ويُسَمّى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِانْفِرادِهِ كَأْسًا، يُقالُ: كَأْسٌ خالٍ، ويُقالُ: شَرِبْتُ كَأْسًا وكَأْسُ طَيِّبَةً، ولَعَلَّ كَلامَهُ أظْهَرُ في أنَّ تَسْمِيَةَ الخالِي كَأْسًا مَجازٌ، وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: الكَأْسُ مِنَ الأوانِي كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ ولا يُراعى كَوْنُهُ لِخَمْرٍ أوْ لِغَيْرِهِ.

﴿مِن مَعِينٍ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِكَأْسٍ أيْ كائِنَةٍ مِن شَرابٍ مَعِينٍ أوْ نَهْرٍ مَعِينٍ أيْ ظاهِرٍ لِلْعُيُونِ جارٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما تَجْرِي الأنْهارُ أوْ خارِجٍ مِنَ العُيُونِ والمَنابِعِ. وأصْلُهُ مَعْيُونٌ مَن عانَ الماءُ إذا ظَهَرَ أوْ نَبَعَ عَلى أنَّ مِيمَهُ زائِدَةٌ أوْ هو مِن مَعَنَ فَهو فَعِيلٌ عَلى أنَّ المِيمَ أصْلِيَّةٌ.

ووُصِفَ بِهِ خَمْرُ الجَنَّةِ تَشْبِيهًا لَها بِالماءِ لِكَثْرَتِها حَتّى تَكُونَ أنْهارًا جارِيَةً في الجِنانِ. ويُؤْذِنُ ذَلِكَ بِرِقَّتِها ولَطافَتِها وأنَّها لَمْ تُدَسْ بِالأقْدامِ كَخَمْرِ الدُّنْيا كَما يُنْبِئُ عَنْ دَوْسِها بِها قَوْلُهُ:

بِنْتُ كَرْمٍ يَتَّمُوها أُمَّها ∗∗∗ ثُمَّ هانُوها بِدَوْسٍ بِالقَدَمْ

ثُمَّ عادُوا حَكَّمُوها فِيهِمُ ∗∗∗ ويْلَهم مِن جَوْرِ مَظْلُومٍ حَكَمْ

وقَوْلُهُ الآخَرُ:

وشَمُولَةٍ مِن عَهْدِ عادٍ قَدْ غَدَتْ ∗∗∗ صَرْعى تُداسُ بِأرْجُلِ العُصّارِ

لانَتْ لَهم حَتّى انْتَشَوْا فَتَمَكَّنَتْ ∗∗∗ مِنهم فَصاحَتْ فِيهِمُ بِالثّارِ

وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّها خَمْرٌ في الحَقِيقَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ماءً فِيهِ لَذَّةُ الخَمْرِ ونَشْأتُهُ، فالوَصْفُ بِذَلِكَ ظاهِرٌ، وتُفِيدُ الآيَةُ وصْفَ مائِهِمْ بِاللَّذَّةِ والنَّشْأةِ، وما ذُكِرَ أوَّلًا هو الظّاهِرُ، نَعَمْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ: لا اشْتِراكَ بَيْنَ ما في الدُّنْيا وما في الجَنَّةِ إلّا بِالأسْماءِ، فَحَقِيقَةُ خَمْرِ الجَنَّةِ غَيْرُ حَقِيقَةِ خَمْرِ الدُّنْيا وكَذا سائِرُ ما فِيهِما

37:46Page 447

بَيۡضَآءَ لَذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ ٤٦

White and delicious to the drinkers;

﴿بَيْضاءَ﴾ وصْفٌ آخَرُ لِلْكَأْسِ يَدُلُّ عَلى أنَّها مُؤَنَّثَةٌ. وعَنِ الحَسَنِ أنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَرَأ ”صَفْراءُ“ وقَدْ جاءَ وصْفُ الخَمْرِ الدُّنْيا بِذَلِكَ كَما في قَوْلِ أبِي نُواسِ:

صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ

والمَشْهُورُ أنَّ هَذا بَعْدَ المَزْجِ وإلّا فَهي قَبْلَهُ حَمْراءُ كَما قالَ الشّاعِرُ:

وحَمْراءُ قَبْلَ المَزْجِ صَفْراءُ بَعْدَهُ ∗∗∗ أتَتْ في ثَوْبَيْ نَرْجِسٍ وشَقائِقِ

حَكَتْ وجْنَةَ المَحْبُوبِ صَرْفًا فَسَلَّطُوا ∗∗∗ عَلَيْها مِزاجًا فاكْتَسَتْ لَوْنَ عاشِقِ

﴿لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ وُصِفَتْ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِها نَفْسَ اللَّذَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لَذَّةٌ تَأْنِيثَ لَذٍّ بِمَعْنى لَذِيذٍ كَطَبٍّ بِمَعْنى طَبِيبٍ حاذِقٍ، وأنْشَدُوا قَوْلَهُ:

ولَذٌّ كَطَعْمٍ الصَّرْخَدِيِّ تَرَكْتُهُ ∗∗∗ بِأرْضِ العِدا مِن خِشْيَةِ الحَدَثانِ

يُرِيدُ وعَيْشٌ لَذِيذٌ كَطَعْمِ الخَمْرِ المَنسُوبِ لِصَرْخَدَ بَلَدٍ بِالشّامِ، وفَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالنَّوْمِ وأرادَ أنَّهُ بِمَعْنى لَذِيذٌ غَلَبَ عَلى النَّوْمِ لا أنَّهُ اسْمٌ جامِدٌ، وقَوْلُهُ:

بِحَدِيثِكَ اللَّذِّ الَّذِي لَوْ كَلَّمْتَ ∗∗∗ أُسْدَ الفَلاةِ بِهِ أتَيْنَ سِراعًا

صفحة 88

وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلشّارِبِينَ﴾ دُونَ ”لَهُمْ“ إشارَةٌ إلى أنَّها يَلْتَذُّ بِها الشّارِبُ كائِنًا مَن كانَ

37:47Page 447

لَا فِيهَا غَوۡلٞ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا يُنزَفُونَ ٤٧

No bad effect is there in it, nor from it will they be intoxicated.

﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ أيْ غائِلَةٌ كَما في خَمْرِ الدُّنْيا مِن غالَهُ يَغُولُهُ إذا أفْسَدَهُ، وقالَ الرّاغِبُ: الغَوْلُ إهْلاكُ الشَّيْءِ مِن حَيْثُ لا يُحِسُّ بِهِ يُقالُ غالَهُ يَغُولُهُ غَوْلًا واغْتالَهُ اغْتِيالًا، ومِنهُ سُمِّيَ السِّعْلاةُ غُولًا، والمُرادُ هُنا نَفْيُ أنْ يَكُونَ فِيها ضَرَرٌ أصْلًا.

ورَوى البَيْهَقِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ لَيْسَ فِيها صُداعٌ، وفي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ لا تَغُولَ عُقُولُهم مِنَ السُّكْرِ، وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنْهُ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ: أخْبَرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى لا ﴿فِيها غَوْلٌ﴾ فَقالَ: لَيْسَ فِيها نَتْنٌ ولا كَراهِيَةٌ كَخَمْرِ الدُّنْيا قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ فَقالَ: نَعِمَ أما سَمِعْتَ قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ:

رُبَّ كَأْسٍ شَرِبْتُ لا غَوْلَ فِيها وسَقَيْتُ النَّدِيمَ مِنها مِزاجًا

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِوَجَعِ البَطْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ زَيْدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ واخْتِيرَ التَّعْمِيمُ، وإنَّ التَّنْصِيصَ عَلى مَخْصُوصٍ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى ما قِيلَ لِلتَّخْصِيصِ، والمَعْنى لَيْسَ فِيها ما في خُمُورِ الدُّنْيا مِنَ الغَوْلِ، وفِيهِ كَلامٌ في كُتُبِ المَعانِي ﴿ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ أيْ لا يَسْكَرُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ، وهو بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى، وأصْلُ النَّزْفِ نَزْعُ الشَّيْءِ وإذْهابُهُ بِالتَّدْرِيجِ يُقالُ نَزَفْتُ الماءَ مِنَ البِئْرِ إذا نَزَحْتَهُ ونَزَعْتَهُ كُلَّهُ مِنها شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ونَزَفَ الهَمُّ دَمْعَهُ نَزْعَهُ كُلَّهُ، ويُقالُ شارِبٌ نَزِيفٌ أيْ نَزَفَتِ الخَمْرُ عَقْلَهُ بِالسُّكْرِ وأذْهَبَتْهُ كَما يَنْزِفُ الرَّجُلُ البِئْرَ ويَنْزِعُ ماءَها، فَكَأنَّ الشّارِبَ ظَرْفٌ لِلْعَقْلِ فَنُزِعَ مِنهُ، فَـ ”لا يُنْزَفُونَ“ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ كَما قَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ مَعْناهُ لا تُنْزَعُ عُقُولُهم أيْ لا تَنْزِعُ الخَمْرُ عُقُولَهم ولا تُذْهِبُها، أوِ الفاعِلُ هو اللَّهُ تَعالى وتَعْدِيَةُ الفِعْلِ بِـ”عَنْ“ قِيلَ: لِتَضْمِينِهِ مَعْنى يَصْدُرُونَ، وقِيلَ عَنْ لِلتَّعْلِيلِ والسَّبَبِيَّةِ، وأُفْرِدَ هَذا الفَسادُ بِالنَّفْيِ وعُطِفَ عَلى ما يَعُمُّهُ؛ لِأنَّهُ مِن عِظَمِ فَسادِهِ كَأنَّهُ جَنَسَ بِرَأْسِهِ، ولَهُ سُمِّيَتِ الخَمْرُ أُمَّ الخَبائِثِ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيُ الِاسْتِمْرارِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”يُنْزِفُونَ“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ وتابَعَهُما عاصِمٌ في الواقِعَةِ عَلى أنَّهُ مِن أنْزَفَ الشّارِبُ إذا صارَ ذا نَزْفٍ أيْ عَقْلٍ أوْ شَرابٍ نافِدٍ ذاهِبٍ، فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلصَّيْرُورَةِ، وقِيلَ لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ ولِذا صارَ لازِمًا فَهو مِثْلُ كَبَّهُ فَأكَبَّ، وهو أيْضًا بِمَعْنى السُّكْرِ لِنَفادِ عَقْلِ السَّكْرانِ أوْ نَفادِ شَرابِهِ لِكَثْرَةِ شُرْبِهِ فَيَلْزَمُهُ عَلَيْهِما السُّكْرُ ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً فِيهِ، قالَ الأُبَيْرِدُ اليَرْبُوعِيُّ:

لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أوْ صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا

وفِي البَحْرِ أنَّ أنْزَفَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ سَكِرَ ونَفِدَ فَيُقالُ أنْزَفَ الرَّجُلُ إذا سَكِرَ وأنْزَفَ إذا نَفِدَ شَرابُهُ، وتَعْدِيَةُ الفِعْلِ لِلتَّضْمِينِ كَما سَبَقَ، وجُوِّزَ إرادَةُ مَعْنى النَّفادِ مِن غَيْرِ إرادَةِ مَعْنى السُّكْرِ أيْ لا يَنْفَدُ ولا يَفْنى شَرابُهم حَتّى يُنَغَّصَ عَيْشَهم ولَيْسَ بِذاكَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ”يَنْزِفُونَ“ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزّايِ، وطَلْحَةُ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزّايِ، والمُرادُ في جَمِيعِ ذَلِكَ نَفْيُ السُّكْرِ عَلى ما هو المَأْثُورُ عَنِ الجُمْهُورِ. ومِنَ الغَرِيبِ ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في الخَمْرِ أرْبَعُ خِصالٍ: السُّكْرُ والصُّداعُ والقَيْءُ والبَوْلُ، فَنَزَّهَ اللَّهُ تَعالى خَمْرَ الجَنَّةِ عَنْها لا فِيها غَوْلٌ لا تَغُولَ عُقُولَهم مِنَ السُّكْرِ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ لا يَقِيئُونَ عَنْها كَما يَقِيءُ صاحِبُ خَمْرِ الدُّنْيا عَنْها، وهو أقْرَبُ لِاسْتِعْمالِ النَّزْفِ في الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ كَنَزْفِ البِئْرِ والرَّكِيَّةِ وما أشْبَهَ القَيْءَ

صفحة 89

وإخْراجَ الفَضَلاتِ مِنَ الجَوْفِ بِنَزْفِ البِئْرِ وإخْراجِ مائِها عِنْدَ نَزْحِها، ولَوْلا أنَّ الجُمْهُورَ عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا - حَتّى ابْنُ عَبّاسٍ في أكْثَرِ الرِّواياتِ عَنْهُ - لَقُلْتَ: إنَّ هَذا التَّفْسِيرَ هو الأوْلى.

37:48Page 447

وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ عِينٞ ٤٨

And with them will be women limiting [their] glances,1 with large, [beautiful] eyes,

﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قَصَرْنَ أبْصارَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَمْدُدْنَ طَرْفًا إلى غَيْرِهِمْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ، فَمُتَعَلِّقُ القَصْرِ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، والكَلامُ إمّا عَلى ظاهِرِهِ أوْ كِنايَةٌ عَنْ فَرْطِ مَحَبَّتِهِنَّ لِأزْواجِهِنَّ وعَدَمِ مَيْلِهِنَّ إلى سِواهُمْ، وقِيلَ المُرادُ لا يَفْتَحْنَ أعْيُنَهُنَّ دَلالًا وغُنْجًا، والوَصْفُ عَلى القَوْلَيْنِ مُتَعَدٍّ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ قاصِرًا عَلى أنَّ المَعْنى ذابِلاتُ الجَفْنِ مِراضُهُ، وما أحْيَلَ ذُبُولَ الأجْفانِ في الغَوانِي الحِسانِ! ولِذا كَثُرَ التَّغَزُّلُ بِذَلِكَ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ومِنهُ قَوْلُ ابْنُ الأزْدِيِّ:

مَرِضَتْ سَلْوَتِي وصَحَّ غَرامِي مِن لِحاظٍ هي المِراضُ الصِّحاحُ

والطَّرْفُ في كُلِّ ذَلِكَ طُرْفُهُنَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الوَصْفُ مُتَعَدِّيًا والطَّرْفُ طَرْفَ غَيْرِهِنَّ، والمَعْنى قاصِراتُ طَرْفِ غَيْرِهِنَّ عَنِ التَّجاوُزِ إلى سِواهُنَّ لِغايَةِ حُسْنِهِنَّ فَلا يَتَجاوَزُهُنَّ طَرْفُ النّاظِرِ إلَيْهِنَّ كَقَوْلِ المُتَنَبِّي:

وخَصْرٌ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ ∗∗∗ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن حَدَقٍ نِطاقا

وقَدْ ذَكَرَ هَذا المَعْنى أيْضًا ابْنُ رَشِيقٍ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الأنْفِ مِنها لَأثَّرا

وهُوَ لَعَمْرِي رَشِيقٌ؛ بَيْدَ أنِّي أقُولُ: الظّاهِرُ هُنا أنَّ العِنْدِيَّةَ في مَجالِسِ الشُّرْبِ؛ إتْمامًا لِلَّذَّةِ، فَلَعَلَّ الأوْفَقَ لِلْغَيْرَةِ وإنْ كانَتِ الحَظِيرَةُ حَظِيرَةَ قُدْسٍ - المَعْنى الأوَّلَ، والجُمْهُورُ قَدْ قَصَرُوا الطَّرْفَ عَلَيْهِ ولا يُظَنُّ بِهِمْ أنَّهم مِنَ القاصِرِينَ، والجُمْلَةُ قِيلَ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، وقِيلَ: في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ والحالُ عِنْدَهم نِساءٌ قاصِراتُ الطَّرْفِ ”عِينٌ“ جَمْعُ عَيْناءَ وهي الواسِعَةُ العَيْنِ في جَمالٍ، ومِنهُ قِيلَ لِلْبَقَرِ الوَحْشِيُّ عِينٌ، وقِيلَ: العَيْناءُ واسِعَةُ العَيْنِ أيْ كَثِيرَةٌ مَحاسِنُ عَيْنِها، والحَقُّ أنَّ السِّعَةَ اتِّساعُ الشَّقِّ، والتَّقْيِيدُ بِالجَمالِ يَدْفَعُ ما عَسى أنْ يُقالَ، وما ألْطَفَ وأظْرَفَ ذِكْرَ ”عِينٌ“ بَعْدَ ”قاصِراتُ الطَّرْفِ“.

37:49Page 447

كَأَنَّهُنَّ بَيۡضٞ مَّكۡنُونٞ ٤٩

As if they were [delicate] eggs, well-protected.

﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ البَيْضُ مَعْرُوفٌ وهو اسْمُ جِنْسٍ الواحِدَةُ بَيْضَةٌ ويُجْمَعُ عَلى بَيُوضٍ كَما في قَوْلِهِ:

بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها قَطا الحُزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بَيُوضُها

والمُرادُ تَشْبِيهُهُنَّ بِالبَيْضِ الَّذِي كَنَّهُ الرِّيشُ في العُشِّ أوْ غَيْرُهُ في غَيْرِهِ، فَلَمْ تَمَسَّهُ الأيْدِي ولَمْ يُصِبْهُ الغُبارُ في الصَّفاءِ وشَوْبِ البَياضِ بِقَلِيلِ صُفْرَةٍ مَعَ لَمَعانٍ كَما في الدُّرِّ، والأكْثَرُونَ عَلى تَخْصِيصِهِ بِبَيْضِ النَّعامِ في الأداحِيِّ لِكَوْنِهِ أحْسَنَ مَنظَرًا مِن سائِرِ البَيْضِ وأبْعَدَ عَنْ مَسِّ الأيْدِي ووُصُولِ ما يُغَيِّرُ لَوْنَهُ إلَيْهِ، والعَرَبُ تُشَبِّهُ النِّساءَ بِالبَيْضِ ويَقُولُونَ لَهُنَّ بَيْضاتُ الخُدُورِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

وبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرامُ خِباؤُها ∗∗∗ تَمَتَّعْتُ مِن لَهْوٍ بِها غَيْرَ مُعْجَلِ

والبَياضُ المَشُوبُ بِقَلِيلِ صُفْرَةٍ في النِّساءِ مَرْغُوبٌ فِيهِ جِدًّا، قِيلَ: وكَذا البَياضُ المَشُوبُ بِقَلِيلِ حُمْرَةٍ في الرِّجالِ وأمّا البَياضُ الصَّرْفُ فَغَيْرُ مَحْمُودٍ ولِذا ورَدَ في الحِلْيَةِ الشَّرِيفَةِ ”أبْيَضُ لَيْسَ بِالأمْهَقِ“.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ

صفحة 90

أنَّ البَيْضَ المَكْنُونَ ما تَحْتَ القِشْرِ الصُّلْبِ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللُّبابِ الأصْفَرِ، والمُرادُ تَشْبِيهُهُنَّ بِذَلِكَ بَعْدَ الطَّبْخِ في النُّعُومَةِ والطَّراوَةِ، فالبَيْضَةُ إذا طُبِخَتْ وقُشِّرَتْ ظَهَرَ ما تَحْتَ القِشْرَةِ عَلى أتَمِّ نُعُومَةٍ وأكْمَلِ طَراوَةٍ، ومِن هُنا تَسْمَعُ العامَّةَ يَقُولُونَ في مَدْحِ المَرْأةِ: كَأنَّها بَيْضَةٌ مُقَشَّرَةٌ، ورَجَّحَ ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ بِأنَّ الوَصْفَ بِمَكْنُونٍ يَقْتَضِيهِ دُونَ المَشْهُورِ لِأنَّ خارِجَ قِشْرِ البَيْضَةِ لَيْسَ بِمَكْنُونٍ، وفِيهِ أنَّ المُتَبادِرَ مِنَ البَيْضِ مَجْمُوعُ القِشْرِ وما فِيهِ، وأكَلْتُ كَذا بَيْضَةٍ الأكْلُ فِيهِ قَرِينَةُ إرادَةِ ما في القِشْرِ دُونَ المَجْمُوعِ إذْ لا يُؤْكَلُ عادَةً، وحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ ما قالَهُ الطَّبَرَيُّ، فالأوَّلُ هو المَقْبُولُ، ومَعْنى المَكْنُونِ فِيهِ ظاهِرٌ عَلى ما سَمِعْتَ، وقَدْ نَقَلَ الخَفاجِيُّ هَذا المَعْنى عَنْ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ ناشِئٌ مِن عَدَمِ مَعْرِفَةِ كَلامِ العَرَبِ وكَأنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى رِوايَتِهِ عَنِ الحَبْرِ ومَن مَعَهُ وإلّا لا يَتَسَنّى لَهُ ما قالَ، ولَعَلَّ الرِّوايَةَ المَذْكُورَةَ غَيْرُ ثابِتَةٍ وكَذا ما حَكاهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الحَبْرِ مِن أنَّ البَيْضَ المَكْنُونَ الجَوْهَرُ المَصُونُ لِنُبُوِّ ظاهِرِ اللَّفْظِ عَنْ ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ تَشْبِيهُهُنَّ بِالبَيْضِ في تَناسُبِ الأجْزاءِ، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ والتَّناسُبُ مَمْدُوحٌ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ مُتَغَزِّلًا:

تَناسَبَتِ الأعْضاءُ فِيهِ فَلا تَرى ∗∗∗ بِهِنَّ اخْتِلافًا بَلْ أتَيْنَ عَلى قَدَرِ

وأنْتَ تَعْلَمُ - بَعْدَ فَرْضِ تَسْلِيمِ أنَّ تَناسُبَ الأجْزاءِ في البَيْضَةِ مَعْرُوفٌ بَيْنَهم - أنَّ الوَصْفَ بِالمَكْنُونِ مِمّا لا يَظْهَرُ لَهُ دَخْلٌ في التَّشْبِيهِ، واسْتُشْكِلَ التَّشْبِيهُ عَلى ما تَقَدَّمَ بِآيَةِ عَرُوسِ القُرْآنِ ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ فَإنَّها ظاهِرَةٌ في أنَّ في ألْوانِهِنَّ حُمْرَةً، وأيْنَ هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ بِالبَيْضِ المَكْنُونِ عَلى ما سَمِعْتَ قَبْلُ؟ فَيَتَعَيَّنُ أنْ يُرادَ التَّشْبِيهُ مِن حَيْثُ النُّعُومَةُ والطَّراوَةُ كَما رُوِيَ ثانِيًا، أوْ مِن حَيْثُ تَناسُبُ الأجْزاءِ كَما قِيلَ أخِيرًا. وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهاتُ بِالبَيْضِ المَكْنُونِ غَيْرَ المُشَبَّهاتِ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ، وكَوْنُ البَياضِ المَشُوبِ بِالصُّفْرَةِ أحْسَنَ الألْوانِ في النِّساءِ غَيْرُ مَسَلَّمٍ بَلْ هو حَسَنٌ ومِثْلُهُ في الحُسْنِ البَياضُ المَشُوبُ بِحُمْرَةٍ عَلى أنَّ الأحْسَنِيَّةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ طِباعِ الرّائِينَ:

ولِلنّاسِ فِيما يَعْشَقُونَ مَذاهِبُ

والجَنَّةُ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ.

وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَشْبِيهُهُنَّ بِالبَيْضِ المَكْنُونِ بِالنَّظَرِ إلى بَياضِ أبْدانِهِنَّ المَشُوبِ بِصُفْرَةٍ ما عَدا وُجُوهَهُنَّ، وتَشْبِيهُهُنَّ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ بِالنَّظَرِ إلى بَياضِ وُجُوهِهِنَّ المَشُوبِ بِحُمْرَةٍ، وقِيلَ: تَشْبِيهُهُنَّ بِهَذا لَيْسَ مِن جِهَةِ أنَّ بَياضَهُنَّ مَشُوبٌ بِحُمْرَةٍ، بَلْ تَشْبِيهُهُنَّ بِالياقُوتِ مِن حَيْثُ الصَّفاءُ وبِالمَرْجانِ مِن حَيْثُ الإمْلاسُ وجَمالُ المَنظَرِ.

وإذا أُرِيدَ بِالمَرْجانِ الدُّرَرُ الصِّغارُ - كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ - دُونَ الخَرَزِ الأحْمَرِ المَعْرُوفِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ مِن حَيْثُ البَياضُ المَشُوبُ بِصُفْرَةٍ فَلا إشْكالَ أصْلًا.

37:50Page 447

فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٥٠

And they will approach one another, inquiring of each other.

﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿يُطافُ﴾ وما بَيْنَهُما مُعْتَرِضٌ أوْ مِن مُتَعَلِّقاتِ الأوَّلِ، أيْ: يَشْرَبُونَ فَيَتَحادَثُونَ عَلى الشُّرْبِ كَما هو عادَةُ المُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ فَيّاضٍ:

وما بَقِيَتْ مِنَ اللَّذّاتِ إلّا مُحادَثَةُ الكِرامِ عَلى الشَّرابِ

ولَثْمُكَ وجْنَتَيْ قَمَرٍ مُنِيرٍ ∗∗∗ يَجُولُ بِوَجْهِهِ ماءُ الشَّبابِ

وعَبَّرَ بِالماضِي مَعَ أنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ مُضارِعٌ لِلْإشْعارِ بِالِاعْتِناءِ بِهَذا المَعْطُوفِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ لا يُقْبِلُونَ عَلى الحَدِيثِ وهو أعْظَمُ لَذّاتِهِمُ الَّتِي يَتَعاطَوْنَها، مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الإشارَةِ إلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ حَتْمًا، وتَساؤُلِهِمْ عَنِ المَعارِفِ والفَضائِلِ وما جَرى لَهم وعَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، وما أحْلى تَذَكُّرَ ما فاتَ عِنْدَ رَفاهِيَةِ

صفحة 91

الحالِ وفَراغِ البالِ.

37:51–53Page 447

قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٞ ٥١

A speaker among them will say, "Indeed, I had a companion [on earth].

يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُصَدِّقِينَ ٥٢

Who would say, 'Are you indeed of those who believe

أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ٥٣

That when we have died and become dust and bones, we will indeed be recompensed?'"

﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ في تَضاعِيفِ مُحاوَرَتِهِمْ ﴿إنِّي كانَ لِي﴾ في الدُّنْيا ﴿قَرِينٌ﴾ مُصاحِبٌ ﴿يَقُولُ﴾ لِي عَلى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ بِما كُنْتُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ المُفْضِي إلى ما أنا عَلَيْهِ اليَوْمَ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ أيْ بِالبَعْثِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ أيْ لَمَبْعُوثُونَ ومُجازَوْنَ مِنَ الدِّينِ بِمَعْنى الجَزاءِ وقِيلَ لَمَسُوسُونَ مَرْبُوبُونَ مِن ذاتِهِ إذا ساسَهُ ومِنهُ الحَدِيثُ ”العاقِلُ مَن دانَ نَفْسَهُ“ .

وقُرِئَ ”المُصَّدِّقِينَ“ بِتَشْدِيدِ الصّادِ مِنَ التَّصَدُّقِ واعْتُرِضَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّ الكَلامَ عَلَيْها لا يُلائِمُ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿أإذا مِتْنا﴾ إلَخْ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ غَفْلَةً عَنْ سَبَبِ النُّزُولِ، أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: كانَ رَجُلانِ شَرِيكانِ وكانَ لَهُما ثَمانِيَةُ آلافِ دِينارٍ فاقْتَسَماها، فَعَمَدَ أكْبَرُهُما فاشْتَرى بِألْفِ دِينارٍ أرْضًا فَقالَ صاحِبُهُ: اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا اشْتَرى بِألْفِ دِينارٍ أرْضًا وإنِّي أشْتَرِي مِنكَ بِألْفِ دِينارٍ أرْضًا في الجَنَّةِ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ ابْتَنى صاحِبُهُ دارًا بِألْفِ دِينارٍ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا قَدِ ابْتَنى دارًا بِألْفِ دِينارٍ وإنِّي أشْتَرِي مِنكَ في الجَنَّةِ دارًا بِألْفِ دِينارٍ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأةً فَأنْفَقَ عَلَيْها ألْفَ دِينارٍ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا تَزَوَّجَ امْرَأةً فَأنْفَقَ عَلَيْها ألْفَ دِينارٍ، وإنِّي أخْطُبُ إلَيْكَ مِن نِساءِ الجَنَّةِ بِألْفِ دِينارٍ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ، ثُمَّ اشْتَرى خَدَمًا ومَتاعًا بِألْفِ دِينارٍ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ فُلانًا اشْتَرى خَدَمًا ومَتاعًا بِألْفِ دِينارٍ، وإنِّي أشْتَرِي مِنكَ خَدَمًا ومَتاعًا في الجَنَّةِ بِألْفِ دِينارٍ، فَتَصَدَّقَ بِألْفِ دِينارٍ ثُمَّ أصابَتْهُ حاجَةٌ شَدِيدَةٌ فَقالَ لَوْ أتَيْتُ صاحِبِي هَذا لَعَلَّهُ يَنالُنِي مِنهُ مَعْرُوفٌ فَجَلَسَ عَلى طَرِيقِهِ حَتّى مَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ وأهْلِهِ فَقامَ إلَيْهِ فَنَظَرَ الآخَرُ فَعَرَفَهُ فَقالَ: فُلانٌ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقالَ: ما شَأْنُكَ؟ فَقالَ: أصابَتْنِي بَعْدَكَ حاجَةٌ فَأتَيْتُكَ لِتُصِيبَنِي بِخَيْرٍ، قالَ: فَما فَعَلْتَ بِمالِكَ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ فَقالَ: أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ بِهَذا، اذْهَبْ فَواللَّهِ لا أُعْطِيكَ شَيْئًا! فَرَدَّهُ فَقَضى لَهُما أنْ تَوَفَّيا فَكانَ مالُ المُتَصَدِّقِ الجَنَّةَ ومالُ الآخَرِ النّارَ، وفِيهِما نَزَلَتِ الآيَةُ، وقِيلَ هُما أخَوانِ ورِثا ثَمانِيَةَ آلافِ دِينارٍ واقْتَسَماها، فَكانَ مِن خَبَرِهِما ما كانَ، وكانَ الِاثْنانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهَذا السَّبَبُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدَهُما كانَ مُصَدِّقًا ومُتَصَدِّقًا أيْضًا، والآخَرَ - وهو القَرِينُ - أنْكَرَ عَلَيْهِ أنَّهُ أنْفَقَ لِيُجازى عَلى إنْفاقِهِ بِما هو أعْظَمُ وأبْقى، فَقَدْ ضَيَّعَ - بِزَعْمِهِ - مالَهُ فِيما لا أصْلَ لَهُ وهو الجَزاءُ الأُخْرَوِيُّ ولا يَكُونُ هَذا بِدُونِ البَعْثِ فَلِذا أنْكَرَهُ، ولَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ المُلاءَمَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أإنّا لَمَدِينُونَ﴾ ولَعَلَّهُ أنْسَبُ بِتِلْكَ القِراءَةِ، وحاصِلُ المَعْنى أنْتَ المُتَصَدِّقُ طَلَبًا لِلْجَزاءِ في الآخِرَةِ فَهَلْ نَحْنُ بَعْدَ ما نَفْنى نُبْعَثُ ونُجازى، وذَكَرَ العِظامَ مَعَ التُّرابِ مَعَ أنَّ ذِكْرَ التُّرابِ يَكْفِي ويُغْنِي عَنْ ذَلِكَ؛ لِتَصْوِيرِ حالِ ما يُشاهِدُهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ مِنَ الأجْسادِ البالِيَةِ مِن مَصِيرِ اللَّحْمِ وغَيْرِهِ تُرابًا عَلَيْهِ عِظامٌ نَخِرَةٌ لِيُذَكِّرَهُ ويَخْطُرَ بِبالِهِ ما يُنافِي مُدَّعاهُ، وكَوْنُهُ لِلتَّنَزُّلِ في الإنْكارِ أوْ لِلتَّأْكِيدِ لا يُرَجِّحُهُ بَلْ يُجَوِّزُهُ.

37:54Page 448

قَالَ هَلۡ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ ٥٤

He will say,1 "Would you [care to] look?"

﴿قالَ﴾ أيْ ذَلِكَ القائِلُ الَّذِي كانَ قَرِينًا لِجُلَسائِهِ بَعْدَ ما حَكى لَهم مَقالَةَ قَرِينِهِ لَهُ في الدُّنْيا ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ عَلى أهْلِ النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ الَّذِي قالَ لِي ما حَكَيْتُ لَكُمْ، والمُرادُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ العَرْضُ أوِ الأمْرُ عَلى ما قِيلَ، والغَرَضُ مِن ذَلِكَ إراءَتُهم سُوءَ حالِ القَرِينِ لِيُؤْنِسَهم نَوْعَ إيناسٍ، وقِيلَ: يُرِيدُ بِذَلِكَ بَيانَ صِدْقِهِ فِيما حَكاهُ، ولا يَخْفى أنَّ ظَنَّ الكَذِبِ في غايَةِ البُعْدِ، واطِّلاعُ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى أهْلِ النّارِ ومَعْرِفَةُ مَن فِيها مَعَ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّباعُدِ غَيْرُ بَعِيدٍ؛ بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ حِدَّةَ نَظَرٍ ويُعَرِّفُهم مَن أرادُوا الِاطِّلاعَ عَلَيْهِ، ولَعَلَّهم إذا أرادُوا ذَلِكَ وقَفُوا

صفحة 92

عَلى الأعْرافِ فاطَّلَعُوا عَلى مَن أرادُوا مِن أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: إنَّ لَهم طاقاتٍ في الجَنَّةِ يَنْظُرُونَ مِنها مِن عُلُوٍّ إلى أهْلِ النّارِ، وعِلْمُ القائِلِ بِأنَّ القَرِينَ مِن أهْلِ النّارِ لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ كانَ يُنْكِرُ البَعْثَ، ومُنْكِرُهُ مِنهم قَطْعًا، والأصْلُ بَقاؤُهُ عَلى الكُفْرِ وقِيلَ: عَلِمَ ذَلِكَ بِإخْبارِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - إيّاهُ، وقِيلَ: قائِلُ ﴿هَلْ أنْتُمْ﴾ إلَخْ هو اللَّهُ تَعالى أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَقُولُ لِلْمُتَحادِثِينَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ هَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا عَلى أهْلِ النّارِ لِأُرِيَكم ذَلِكَ القَرِينَ فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَتِهِمْ؟ وقِيلَ: القائِلُ مَن كانَ لَهُ قَرِينٌ والمُخاطَبُونَ بِـ”أنْتُمُ“ المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وفي الكَلامِ حَذْفٌ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقالَ لِهَذا القائِلِ حاضِرُوهُ مِنَ المَلائِكَةِ قَرِينُكَ هَذا يُعَذَّبُ في النّارِ، فَقالَ لِلْمَلائِكَةِ الَّذِينَ أخْبَرُوهُ: هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ولا يَخْفى ما فِيهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском