Al-AlusiSad · 38:15–19

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Sad 38:15–19

38:15Page 453

وَمَا يَنظُرُ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٖ ١٥

And these [disbelievers] await not but one blast [of the Horn]; for it there will be no delay.1

﴿وما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ عِقابِ كُفّارِ مَكَّةَ إثْرَ بَيانِ عِقابِ أضْرابِهِمْ، فَإنَّ الكَلامَ السّابِقَ مِمّا يُوجِبُ تَرَقُّبَ السّامِعِ بَيانَهُ، والنَّظَرُ بِمَعْنى الِانْتِظارِ، وعَبَّرَ بِهِ مَجازًا بِجَعْلٍ مُحَقَّقِ

صفحة 172

الوُقُوعِ، كَأنَّهُ أمْرٌ مُنْتَظَرٌ لَهُمْ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ لِلتَّحْقِيرِ، والمُرادُ بِالصَّيْحَةِ الواحِدَةِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ، أيْ ما يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ الحَقِيرُونَ الَّذِينَ هم أمْثالُ أُولَئِكَ الطَّوائِفِ المُهْلَكَةِ في الكُفْرِ، والتَّكْذِيبِ شَيْئًا إلّا النَّفْخَةَ الثّانِيَةَ الَّتِي تَقُومُ بِها السّاعَةُ، قالَهُ قَتادَةُ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّها نَفْسَها عِقابٌ لَهم لِعُمُومِها لِلْبَرِّ والفاجِرِ مِن جَمِيعِ الأُمَمِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ العَذابِ إلّا هي لِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ إلى الآخِرَةِ لِما أنَّ تَعْذِيبَهم بِالِاسْتِئْصالِ حَسْبَما يَسْتَحِقُّونَهُ، والنَّبِيُّ ﷺ مَوْجُودٌ خارِجٌ عَنِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الباهِرَةِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾، إذِ المُرادُ مِن ﴿وأنْتَ فِيهِمْ﴾ وُجُودُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا مُجاوَرَتُهُ لَهم كَما تُوُهِّمَ حَتّى يُقالَ: لا دِلالَةَ في الآيَةِ عَلى امْتِناعِ وُقُوعِهِ بَعْدَ الهِجْرَةِ لِمُخالَفَتِهِ لِلتَّفْسِيرِ المَشْهُورِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالصَّيْحَةِ المَذْكُورَةِ النَّفْخَةُ الأُولى. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ أصْلًا لِما أنَّهُ لا يُشاهِدُ هو لَها، ولا يُصْعَقُ بِها إلّا مَن كانَ حَيًّا عِنْدَ وُقُوعِها، ولَيْسَ عِقابُهُمُ المَوْعُودُ واقِعًا عَقِيبَها، ولا العَذابُ المُطْلَقُ مُؤَخَّرًا إلَيْها، بَلْ يَحِلُّ بِهِمْ مِن حِينِ مَوْتِهِمْ.

وقِيلَ: المُرادُ صَيْحَةٌ يُهْلَكُونَ بِها في الدُّنْيا كَما هَلَكَتْ ثَمُودُ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا تَعْذِيبٌ بِالِاسْتِئْصالِ، وهو مِمّا لا يَقَعُ كَما سَمِعْتَ، فَلا يَكُونُ مُنْتَظَرًا، وقالَ أبُو حَيّانَ: الصَّيْحَةُ ما نالَهم مِن قَتْلٍ وأسْرٍ وغَلَبَةٍ، كَما تَقُولُ: صاحَ بِهِمُ الدَّهْرُ، فَهي مَجازٌ عَنِ الشَّرِّ كَما في قَوْلِهِمْ ما يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ صَيْحَةِ الحُبْلى، أيْ شَرًّا يُعاجِلُهُمْ، وفِيهِ بُعْدٌ.

وجُوِّزَ جَعْلُ هَؤُلاءِ إشارَةً إلى الأحْزابِ لِما سَبَقَ ذِكْرُهم مُكَرِّرًا مُؤَكِّدًا اسْتِحْضارَهُمُ المُخاطَبَ في ذِهْنِهِ، فَنُزِّلَ الوُجُودُ الذِّهْنِيُّ مَنزِلَةَ الخارِجِيِّ المَحْسُوسِ، وأُشِيرَ إلَيْهِمْ بِما يُشارُ بِهِ لِلْحاضِرِ المُشاهَدِ، واحْتِمالُ التَّحْقِيرِ قائِمٌ، ولا يَنْبُو عَنْهُ التَّعْبِيرُ بِأُولَئِكَ، لِأنَّ البُعْدَ في الواقِعِ مَعَ أنَّهُ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ التَّحْقِيرُ أيْضًا، والكَلامُ بَيانٌ لِما يَصِيرُونَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ مِنَ العِقابِ بَعْدَ ما نَزَلَ بِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ العَذابِ، وجَعْلُهم مُنْتَظِرِينَ لَهُ لِأنَّ ما أصابَهم مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ لَيْسَ هو نَتِيجَةَ ما جَنَوْهُ مِن قَبِيحِ الأعْمالِ، إذْ لا يُعْتَدُّ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما ثَمَّتَ مِنَ الأهْوالِ، فَهو تَحْذِيرٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وتَخْوِيفٌ لِمَن يُساقُ لَهُ الحَدِيثُ فَلا وجْهَ لِما قالَهُ أبُو السُّعُودِ مِن أنَّ هَذا لَيْسَ في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ أصْلًا، لِأنَّ الِانْتِظارَ سَواءٌ كانَ حَقِيقَةً، أوِ اسْتِهْزاءً إنَّما يُتَصَوَّرُ في حَقِّ مَن لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلى أعْمالِهِ نَتائِجُها بَعْدُ، وبَعْدَ ما بَيَّنَ عِقابَ الأحْزابِ واسْتِئْصالَهم بِالمَرَّةِ لَمْ يَبْقَ مِمّا أُرِيدَ بَيانُهُ مِن عُقُوباتِهِمْ أمْرٌ مُنْتَظَرٌ بِخِلافِ كُفّارِ قُرَيْشٍ حَيْثُ ارْتَكَبُوا ما ارْتَكَبُوا، ولَمّا يُلاقُوا بَعْدُ شَيْئًا قالَهُ الخَفاجِيُّ، ولا يَخْفى أنَّ المُنْساقَ إلى الذِّهْنِ هو الِاحْتِمالُ الأوَّلُ، وهو المَأْثُورُ عَنِ السَّلَفِ، والفَواقُ الزَّمَنُ الَّذِي بَيْنَ حَلْبَتَيِ الحالِبِ، ورَضْعَتَيِ الرّاضِعِ، ويُقالُ لِلَّبَنِ الَّذِي يَجْتَمِعُ في الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ فِيقَةٌ، ويُجْمَعُ عَلى أفْواقٍ، وأفاوِيقُ جَمْعُ الجَمْعِ، والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافَيْنِ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن تَوَقُّفِ مِقْدارِ فَواقٍ، أوْ عَلى ذِكْرِ المَلْزُومِ الَّذِي هو الفَواقُ، وإرادَةُ اللّازِمِ الَّذِي هو التَّوَقُّفُ مِقْدارَهُ، وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ، والمَعْنى أنَّ الصَّيْحَةَ إذا جاءَ وقْتُها لَمْ تَسْتَأْخِرْ هَذا القَدْرَ مِنَ الزَّمانِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ تَفْسِيرُهُ بِالرُّجُوعِ والتَّرْدادِ، وهو مَجازٌ أُطْلِقَ فِيهِ المَلْزُومُ، وأُرِيدَ اللّازِمُ، فَإنَّ في الزَّمانِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ يَرْجِعُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ، والمَعْنى أنَّها صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَحَسْبُ، لا تُثَنّى، ولا تُرَدَّدُ، فالجُمْلَةُ عَلَيْهِ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِوَحْدَةِ الصَّيْحَةِ.

وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ بِضَمِّ الفاءِ، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو ما تَقَدَّمَ كَقَصاصِ الشَّعْرِ وقُصاصِهِ، وقِيلَ: المَفْتُوحُ اسْمُ مَصْدَرٍ مِن أفاقَ المَرِيضُ إفاقَةً وفاقَةً إذا رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ

صفحة 173

وإلَيْهِ يَرْجِعُ تَفْسِيرُ ابْنِ زَيْدٍ، والسُّدِّيِّ، وأبِي عُبَيْدَةَ، والفَرّاءِ لَهُ بِالإفاقَةِ والِاسْتِراحَةِ، والمَضْمُومُ اسْمُ ساعَةِ رُجُوعِ اللَّبَنِ لِلضَّرْعِ.

38:16Page 453

وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ١٦

And they say, "Our Lord, hasten for us our share [of the punishment] before the Day of Account."

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ حِكايَةٌ لِما قالُوهُ عِنْدَ سَماعِهِمْ بِتَأْخِيرِ عِقابِهِمْ إلى الآخِرَةِ، أيْ قالُوا بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِسْطَنا، ونَصِيبَنا مِنَ العَذابِ الَّذِي تُوعِدُنا بِهِ، ولا تُؤَخِّرْهُ إلى يَوْمِ الحِسابِ الَّذِي مَبْدَؤُهُ الصَّيْحَةُ المَذْكُورَةُ، وتَصْدِيرُ دُعائِهِمْ بِالنِّداءِ المَذْكُورِ لِلْإمْعانِ في الِاسْتِهْزاءِ، كَأنَّهم يَدْعُونَ ذَلِكَ بِكَمالِ الرَّغْبَةِ والِابْتِهالِ، والقائِلُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَةَ، وهو الَّذِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ وأبُو جَهْلٍ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وعَلى القَوْلَيْنِ الباقُونَ راضُونَ، فَلِذا جِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ، والقِطُّ القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ مِن قَطَّهُ إذا قَطَعَهُ، ويُقالُ لِصَحِيفَةِ الجائِزَةِ قِطٌّ، لِأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ القِرْطاسِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى:

ولا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ بِنِعْمَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويُطْلِقُ

قِيلَ: وهو في ذَلِكَ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وقَدْ فَسَّرَهُ بِها هَنا أبُو العالِيَةِ والكَلْبِيُّ، أيْ عَجِّلْ لَنا صَحِيفَةَ أعْمالِنا، لِنَنْظُرَ فِيها، وهي رِوايَةٌ عَنِ الحَسَنِ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهم أرادُوا نَصِيبَهم مِنَ الجَنَّةِ.

ورُوِيَ هَذا أيْضًا عَنْ قَتادَةَ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وذَلِكَ أنَّهم سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ وعْدَ اللَّهِ تَعالى المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ، فَقالُوا عَلى سَبِيلِ الهُزْءِ: عَجِّلْ لَنا نَصِيبَنا مِنها لِنَتَنَعَّمَ بِهِ في الدُّنْيا.

قالَ السَّمَرْقَنْدِيُّ: أقْوى التَّفاسِيرِ أنَّهم سَألُوا أنْ يُعَجَّلَ لَهُمُ النَّعِيمُ الَّذِي كانَ يَعِدُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَن آمَنَ لِقَوْلِهِمْ رَبَّنا، ولَوْ كانَ عَلى ما يَحْمِلُهُ أهْلُ التَّأْوِيلِ مِن سُؤالِ العَذابِ أوِ الكِتابِ اسْتِهْزاءً لَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ، ولَمْ يَسْألُوا رَبَّهُمْ، وفِيهِ بَحْثٌ يُعْلَمُ مِمّا مَرَّ آنِفًا.

38:17Page 454

ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ١٧

Be patient over what they say and remember Our servant, David, the possessor of strength; indeed, he was one who repeatedly turned back [to Allāh].

﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ عَلى ما يَتَجَدَّدُ مِن أمْثالِ هَذِهِ المَقالاتِ الباطِلَةِ المُؤْذِيَةِ، ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ﴾ أيِ اذْكُرْ لَهم قِصَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَعْظِيمًا لِلْمَعْصِيَةِ في أعْيُنِهِمْ، وتَنْبِيهًا لَهم عَلى كَمالِ قُبْحِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ، فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهِ، وإيتائِهِ النُّبُوَّةَ والمُلْكَ لَمّا ألَمَّ بِما هو خِلافُ الأوْلى نالَهُ ما ألَمَّهُ، وأدامَ غَمَّهُ ونَدَمَهُ، فَما الظَّنُّ بِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الأذَلِّينَ الَّذِينَ لَمْ يَزالُوا عَلى أكْبَرِ الكَبائِرِ مُصِرِّينَ، أوِ اذْكُرْ قِصَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في نَفْسِكَ، وتَحَفَّظْ مِنِ ارْتِكابِ ما يُوجِبُ العِتابَ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى أمَرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَذْكُرَ قِصَصَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - الَّذِينَ عَرَضَ لَهم ما عَرَضَ، فَصَبَرُوا حَتّى فَرَّجَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وأحْسَنَ عاقِبَتَهُمْ، تَرْغِيبًا لَهُ في الصَّبْرِ وتَسْهِيلًا لِأمْرِهِ عَلَيْهِ، وإيذانًا بِبُلُوغِ ما يُرِيدُهُ بِذَلِكَ، وهو كَما تَرى، وقِيلَ: أمَرَهُ بِالصَّبْرِ، وذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ لِيَكُونَ ذَلِكَ بُرْهانًا عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، والذِّكْرُ عَلى هَذا، والأوَّلِ لِسانِيٌّ، وعَلى ما بَيْنَهُما قَلْبِيٌّ، وهو مُرادُ مَن فَسَّرَ ﴿اذْكُرْ﴾ عَلى ذَلِكَ بِتَذَكَّرْ، ﴿ذا الأيْدِ﴾ أيْ ذا القُوَّةِ، يُقالُ: فُلانٌ أيْدٍ وذُو أيْدٍ وذُو آدٍ وأيادٍ بِمَعْنى، وأيادِ كُلِّ شَيْءٍ ما يُتَقَوّى بِهِ.

﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ أيْ رَجّاعٌ إلى اللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ أنَّهُما قالا:

الأوّابُ المُسَبِّحُ، وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ أنَّهُ المُسَبِّحُ بِلُغَةِ الحَبَشَةِ.

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ، «عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الأوّابِ فَقالَ: سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْهُ فَقالَ: هو الرَّجُلُ يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى».

وهَذا إنْ صَحَّ لا يُعْدَلُ عَنْهُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذا الأيْدِ، وتَدُلُّ بِأيِّ مَعْنًى كانَ الأوّابُ فِيها عَلى أنَّ المُرادَ

صفحة 174

بِالأيْدِ القُوَّةُ الدِّينِيَّةُ، وهي القُوَّةُ عَلى العِبادَةِ كَما قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وغَيْرُهم إذْ لا يَحْسُنُ التَّعْلِيلُ لَوْ حُمِلَتِ القُوَّةُ عَلى القُوَّةِ في الجِسْمِ، نَعَمْ قَدْ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوِيَّ الجِسْمِ أيْضًا، إلّا أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرادٍ هُنا، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِعَبْدِنا ووَصْفِهِ بِذِي الأيْدِ، والتَّعْلِيلِ بِما ذُكِرَ دِلالَةٌ عَلى كَثْرَةِ عِبادَتِهِ ووُفُورِ طاعَتِهِ.

وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا ذَكَرَ داوُدَ وحَدَّثَ عَنْهُ قالَ: كانَ أعْبَدَ البَشَرِ» .

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «”قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ إنِّي أعْبَدُ مِن داوُدَ“».

ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا وكانَ يَقُومُ نِصْفَ اللَّيْلِ.

وفِي ذَلِكَ دِلالَةٌ عَلى قُوَّتِهِ في العِبادَةِ لِما في كُلٍّ مِنَ الصِّيامِ والقِيامِ المَذْكُورَيْنِ مِن تَرْكِ راحَةٍ تَذْكُرُها قَرِيبًا.

38:18Page 454

إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ ١٨

Indeed, We subjected the mountains [to praise] with him, exalting [Allāh] in the [late] afternoon and [after] sunrise.

﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ قِصَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ لِتَعْلِيلِ قُوَّتِهِ في الدِّينِ، وأوّابِيَّتِهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومَعَ مُتَعَلِّقَةٌ بِسَخَّرَ، وإيثارُها عَلى اللّامِ، لِأنَّ تَسْخِيرَ الجِبالِ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ تَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيها إلَيْهِ كَتَسْخِيرِ الرِّيحِ وغَيْرِها لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَلْ بِطَرِيقِ الِاقْتِداءِ بِهِ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى: وأُخِّرَ الظَّرْفُ المَذْكُورُ عَنِ ﴿الجِبالَ﴾ وقُدِّمَ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ]، فَقِيلَ: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ قالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: لِذِكْرِ داوُدَ وسُلَيْمانَ ثَمَّتَ، فَقُدِّمَ مُسارَعَةً لِلتَّعْيِينِ، ولا كَذَلِكَ هُنا، وجُوِّزَ تَعَلُّقُها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ وهو أقْرَبُ بِالنِّسْبَةِ إلى آيَةِ الأنْبِياءِ، وتَسْبِيحُهُنَّ تَقْدِيسٌ بِلِسانٍ، قالَ لائِقٌ بِهِنَّ نَظِيرَ تَسْبِيحِ الحَصى المَسْمُوعِ في كَفِّ النَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: تَقْدِيسٌ بِلِسانِ الحالِ، وتَقْيِيدُهُ بِالوَقْتَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بَعْدُ يَأْباهُ إذْ لا اخْتِصاصَ لِتَسْبِيحِهِنَّ الحالِيِّ بِهِما، وكَذا لا اخْتِصاصَ لَهُ بِكَوْنِهِ مَعَهُ، وقِيلَ: المَعْنى يَسِرْنَ مَعَهُ عَلى أنَّ يُسَبِّحْنَ مِنَ السِّباحَةِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ ﴿الجِبالَ﴾ والعُدُولُ عَنْ مُسَبِّحاتٍ مَعَ أنَّ الأصْلَ في الحالِ الإفْرادُ لِلدِّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ التَّسْبِيحِ حالًا بَعْدَ حالٍ نَظِيرَ ما في قَوْلِ الأعْشى:

لَعَمْرِي لَقَدْ لاحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ إلى ضَوْءِ نارٍ في يَفاعٍ تَحَرَّقُ

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّسْخِيرِ، ومُقابَلَتُها بِمَحْشُورَةٍ هُنا كالمُعَيِّنَةِ لِلْحالِيَّةِ، ﴿بِالعَشِيِّ﴾ هو كَما قالَ الرّاغِبُ: مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى الصَّباحِ، أيْ يُسَبِّحْنَ بِهَذا الوَقْتِ، ولَيْسَ ذَلِكَ نَصًّا في اسْتِيعابِهِ بِالتَّسْبِيحِ، ﴿والإشْراقِ﴾ أيْ وقْتَ الإشْراقِ، قالَ ثَعْلَبٌ: يُقالُ: شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ وصَفَتْ، فَوَقْتُ الإشْراقِ وقْتُ ارْتِفاعِها عَنِ الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ، وصَفاءِ شُعاعِها، وهو الضَّحْوَةُ الصُّغْرى.

ورُوِيَ عَنْ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى صَلاةَ الضُّحى، وقالَ: هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ».

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَزَلْ في نَفْسِي مِن صَلاةِ الضُّحى شَيْءٌ حَتّى قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أيْضًا: ما عَرَفْتُ صَلاةَ الضُّحى إلّا بِهَذِهِ الآيَةِ، ووَجْهُ فَهْمِ الحَبْرِ إيّاها مِنَ الآيَةِ أيْ كُلُّ تَسْبِيحٍ ورَدَ في القُرْآنِ فَهو عِنْدَهُ، ما لَمْ يُرَدْ بِهِ التَّعَجُّبُ، والتَّنْزِيهُ بِمَعْنى الصَّلاةِ، فَحَيْثُ كانَتْ صَلاةٌ لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقُصَّتْ عَلى طَرِيقِ المَدْحِ عُلِمَ مِنهُ مَشْرُوعِيَّتُها.

وفِي الكَشْفِ: وجْهُهُ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى تَخْصِيصِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَيْنِكَ الوَقْتَيْنِ بِالتَّسْبِيحِ، وقَدْ عُلِمَ مِنَ الرِّوايَةِ أنَّهُ كانَ يُصَلِّي مُسَبِّحًا فِيهِما، فَحُكِيَ في القُرْآنِ ما كانَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَذْكُرْ كَيْفِيَّتَهُ، فَيَكُونُ في الآيَةِ ذِكْرُ صَلاةِ الضُّحى، وهو المَطْلُوبُ، أوْ نَقُولُ: إنَّ تَسْبِيحَ الجِبالِ

صفحة 175

غَيْرُ تَسْبِيحِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ الأوَّلَ مَجازٌ، فَحُمِلَ تَسْبِيحُ داوُدَ عَلى المَجازِ أيْضًا، لِأنَّ المَجازَ أنْسَبُ اهـ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إذا عُلِمَ مِنَ الرِّوايَةِ، فَكَيْفَ يُقالُ إنَّهُ أخَذَهُ مِنَ الآيَةِ؟ والتَّجَوُّزُ يَنْبَغِي تَقْلِيلُهُ ما أمْكَنَ، وهَذا بِناءً عَلى أنَّ ﴿مَعَهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ (بِيُسَبِّحْنَ) حَتّى يَكُونَ هو - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُسَبِّحًا، أيْ مُصَلِّيًا، وإلّا فَتَسْبِيحُ الجِبالِ لا دِلالَةَ لَهُ عَلى الصَّلاةِ، ومَعَ هَذا فَفِيهِ حِينَئِذٍ جَمْعٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّيْنِ، إلّا أنْ يُقالَ بِهِ، أوْ يُجْعَلَ بِمَعْنى يُعَظِّمْنَ، ويُجْعَلَ تَعْظِيمُ كُلٍّ مَحْمُولًا عَلى ما يُناسِبُهُ، وبَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ، وارْتَضى الخَفاجِيُّ الأوَّلَ وأُراهُ لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ أيْضًا.

وقالَ الجَلَبِيُّ في ذَلِكَ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: تَخْصِيصُ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ بِالذِّكْرِ دَلَّ عَلى اخْتِصاصِهِما بِمَزِيدِ شَرَفٍ، فَيَصْلُحُ ذَلِكَ الشَّرَفُ سَبَبًا لِتَعْيِينِهِما لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ، فَإنَّ لِفَضِيلَةِ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ أثَرًا في فَضِيلَةِ ما يَقَعُ فِيهِما مِنَ العِباداتِ، وهَذا عِنْدِي أصْفى مِمّا تَقَدَّمَ، ويُشْعِرُ بِهِ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنْتُ أمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ فَما أدْرِي ما هي حَتّى حَدَّثَتْنِي أُمُّ هانِئٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ صَلاةَ الضُّحى ثَمانِ رَكَعاتٍ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَدْ ظَنَنْتُ أنَّ لِهَذِهِ السّاعَةِ صَلاةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ .

هَذا، ولَهم في صَلاةِ الضُّحى كَلامٌ طَوِيلٌ، والحَقُّ سُنِّيَّتُها، وقَدْ ورَدَ فِيها كَما قالَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ ابْنُ العِراقِيِّ: أحادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ حَتّى قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: إنَّها بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّواتُرِ.

ومِن ذَلِكَ حَدِيثُ أُمِّ هانِئٍ الَّذِي في الصَّحِيحَيْنِ، وزَعَمَ أنَّ تِلْكَ الصَّلاةَ كانَتْ صَلاةَ شُكْرٍ، لِذَلِكَ الفَتْحِ العَظِيمِ صادَفَتْ ذَلِكَ الوَقْتَ، لا أنَّها عِبادَةٌ مَخْصُوصَةٌ فِيهِ دُونَ سَبَبِ أوانِها كانَتْ قَضاءً عَمّا شَغَلَ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِن حِزْبِهِ، فِيها خِلافُ ظاهِرِ الخَبَرِ السّابِقِ عَنْها.

وكَذا ما رَواهُ أبُو داوُدَ مِن طَرِيقِ كُرَيْبٍ عَنْها أنَّها قالَتْ: «صَلّى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - سُبْحَةَ الضُّحى» .

ومُسْلِمٌ في كِتابِ الطَّهارَةِ مِن طَرِيقِ أبِي مُرَّةَ عَنْها أيْضًا، فَفِيهِ: ثُمَّ صَلّى ثَمانِيَ رَكَعاتٍ سُبْحَةَ الضُّحى.

وابْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ بْنِ خالِدٍ أنَّها قالَتْ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، فَصَلّى ثَمانِ رَكَعاتٍ، فَقُلْتُ: ما هَذِهِ الصَّلاةُ؟ قالَ: هَذِهِ صَلاةُ الضُّحى».

واحْتَجَّ القائِلُونَ بِالنَّفْيِ بِحَدِيثِ عائِشَةَ، «إنْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعَ العَمَلَ، وهو يُحِبُّ أنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أنْ يَعْمَلَ بِهِ النّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وما سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبْحَةَ الضُّحى قَطُّ، وإنِّي لَأُسَبِّحُها،» رَواهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وأبُو مالِكٍ، وحَمَلَهُ القائِلُونَ بِالإثْباتِ عَلى نَفْيِ رُؤْيَتِها ذَلِكَ لِما أنَّهُ رَوى عَنْها مُسْلِمٌ، وأحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ أنَّها قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحى أرْبَعًا، ويَزِيدُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى».

وقَدْ شَهِدَ أيْضًا بِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُصَلِّيها عَلى ما قالَ الحاكِمُ أبُو ذَرٍّ الغِفارِيُّ، وأبُو سَعِيدٍ، وزَيْدُ بْنُ أرْقَمَ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وبُرَيْدَةُ الأسْلَمِيُّ، وأبُو الدَّرْداءِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى، وعُتْبانُ بْنُ مالِكٍ، وعُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ، ونُعَيْمُ بْنُ هَمّامٍ الغَطَفانِيُّ، وأبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ، وأُمُّ هانِئٍ، وأُمُّ سَلَمَةَ، ومِنَ القَواعِدِ المَعْرُوفَةِ أنَّ المُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي مَعَ أنَّ رِوايَةَ الإثْباتِ أكْثَرُ بِكَثِيرٍ مِن رِوايَةِ النَّفْيِ، وتَأْوِيلَها أهْوَنُ مِن تَأْوِيلِ تِلْكَ، وذَكَرَ الشّافِعِيَّةُ أنَّها أفْضَلُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الرَّواتِبِ لَكِنَّ النَّوَوِيَّ في شَرْحِ المُهَذِّبِ قَدَّمَ عَلَيْها صَلاةَ التَّراوِيحِ، فَجَعَلَها في الفَضْلِ بَيْنَ الرَّواتِبِ والضُّحى، والمَذْهَبُ عَنْهم وُجُوبُها عَلَيْهِ ﷺ، وأنَّ ذَلِكَ مِن خُصُوصِيّاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واحْتُجَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ بِسَنَدِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «”قالَ رَسُولُ اللَّهِ: كُتِبَ عَلَيَّ النَّحْرُ، ولَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، وأُمِرْتُ بِصَلاةِ الضُّحى، ولَمْ تُؤْمَرُوا»

صفحة 176

بِها“ رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ أيْضًا، وقالَ شَيْخُ الحُفّاظِ أبُو الفَضْلِ بْنُ حَجَرٍ: إنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ في خَبَرٍ صَحِيحٍ، وفي الأخْبارِ ما يُعَكِّرُ عَلى القَوْلِ بِهِ، وذُكِرَ أنَّ أقَلَّها رَكْعَتانِ.

لِخَبَرِ البُخارِيِّ، «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْصاهُ بِهِما، وأنْ لا يَدَعَهُما،» وأدْنى كَمالِها أرْبَعٌ لِما صَحَّ: «كانَ ﷺ يُصَلِّي الضُّحى أرْبَعًا ويَزِيدُ ما شاءَ،» فَسِتٌّ، فَثَمانٍ، وأكْثَرُها اثْنَتا عَشْرَةَ رَكْعَةً، لِخَبَرٍ ضَعِيفٍ يُعْمَلُ بِهِ في مِثْلِ ذَلِكَ، وذَهَبَ الكَثِيرُ إلى أنَّ الأكْثَرَ ثَمانٍ.

وذَكَرُوا أنَّها أفْضَلُ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، والعَمَلُ القَلِيلُ قَدْ يَفْضُلُ الكَثِيرَ فَما يَقْتَضِيهِ أجْرُكَ عَلى قَدْرِ نَصَبِكَ أغْلَبِيٌّ.

وصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْثَمِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِالمُغايَرَةِ بَيْنَ صَلاةِ الضُّحى وصَلاةِ الإشْراقِ قالَ: ومِمّا لا يُسَنُّ جَماعَةً رَكْعَتانِ عَقِبَ الإشْراقِ بَعْدَ خُرُوجِ وقْتِ الكَراهَةِ، وهي غَيْرُ الضُّحى، وتَقَدَّمَ لَكَ ما يُفِيدُ اتِّحادِهِما، ويَدُلُّ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، وصَحَّ إطْلاقُ صَلاةِ الأوّابِينَ عَلى صَلاةِ الضُّحى، كَإطْلاقِها عَلى الصَّلاةِ المَعْرُوفَةِ بَعْدَ المَغْرِبِ، هَذا وتَمامُ الكَلامِ فِيها في كُتُبِ الفِقْهِ والحَدِيثِ،

38:19Page 454

وَٱلطَّيۡرَ مَحۡشُورَةٗۖ كُلّٞ لَّهُۥٓ أَوَّابٞ ١٩

And the birds were assembled, all with him repeating [praises].

﴿والطَّيْرَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿الجِبالَ﴾ عَلى ما هو الظّاهِرُ.

﴿مَحْشُورَةً﴾ حالٌ مِنَ”الطير“ والعامِلُ سَخَّرْنا، أيْ وسَخَّرْنا الطَّيْرَ حالَ كَوْنِها مَحْشُورَةً، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا سَبَّحَ جاوَبَتْهُ الجِبالُ بِالتَّسْبِيحِ واجْتَمَعَتْ إلَيْهِ الطَّيْرُ، فَسَبَّحَتْ، وذَلِكَ حَشْرُها، ولَمْ يُؤْتَ بِالحالِ فِعْلًا مُضارِعًا كالحالِ السّابِقَةِ لِيَدُلَّ عَلى الحَشْرِ الدَّفْعِيِّ الَّذِي هو أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ، وذَلِكَ بِتَوَسُّطِ مُقابَلَتِهِ لِلْفِعْلِ، أوْ لِأنَّ الدَّفْعِيَّةَ هي الأصْلُ عِنْدَ عَدَمِ القَرِينَةِ عَلى خِلافِها.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والجَحْدَرِيُّ ”والطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ“ بِرَفْعِهِما مُبْتَدَأً وخَبَرًا، ولَعَلَّ الجُمْلَةَ عَلى ذَلِكَ حالٌ مِن ضَمِيرِ يُسَبِّحْنَ، ﴿كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُصَرِّحٌ بِما فُهِمَ مِنهُ إجْمالًا مِن تَسْبِيحِ الطَّيْرِ، واللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ، والضَّمِيرُ لِداوُدَ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجِبالِ والطَّيْرِ لِأجْلِ تَسْبِيحِهِ رَجّاعٌ إلى التَّسْبِيحِ، ووُضِعَ الأوّابُ مَوْضِعَ المُسَبِّحِ، إمّا لِأنَّها كانَتْ تُرَجِّعُ التَّسْبِيحَ، والمُرَجِّعُ رَجّاعٌ، لِأنَّهُ يُرَجِّعُ إلى فِعْلِهِ رُجُوعًا، بَعْدَ رُجُوعٍ، وإمّا لِأنَّ الأوّابَ هو التَّوّابُ الكَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ تَعالى كَما هو المَشْهُورُ، ومِن دَأْبِهِ إكْثارُ الذِّكْرِ، وإدامَةُ التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادَ كُلٌّ مِنَ الطَّيْرِ، فالجُمْلَةُ لِلتَّصْرِيحِ بِما فُهِمَ، وكَذا يَجُوزُ أنْ يُرادَ كُلٌّ مِن داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومِنَ الجِبالِ والطَّيْرِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، أيْ كُلٌّ مِن داوُدَ والجِبالِ والطَّيْرِ لِلَّهِ تَعالى أوّابٌ، أيْ مُسَبِّحٌ مُرَجِّعٌ لِلتَّسْبِيحِ،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском