Al-AlusiSad · 38:20–23

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Sad 38:20–23

38:20Page 454

وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ ٢٠

And We strengthened his kingdom and gave him wisdom and discernment in speech.

﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قَوَّيْناهُ بِالهَيْبَةِ والنُّصْرَةِ وكَثْرَةِ الجُنُودِ، ومَزِيدِ النِّعْمَةِ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الهَيْبَةِ، والسُّدِّيُّ عَلى الجُنُودِ، ورَوى عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ أنَّهُ كانَ يَحْرُسُهُ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ أرْبَعَةُ آلافٍ.

وحُكِيَ أنَّهُ كانَ حَوْلَ مِحْرابِهِ أرْبَعُونَ ألْفَ مُسْتَلْئِمٍ يَحْرُسُونَهُ، وهَذا في غايَةِ البُعْدِ عادَةً مَعَ عَدَمِ احْتِياجِ مِثْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِ، وكَذا القَوْلُ الأوَّلُ كَما لا يَخْفى عَلى مُنْصِفٍ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ادَّعى رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَجُلًا بِبَقَرَةٍ، فَجَحَدَهُ، فَسَألَ البَيِّنَةَ فَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَقالَ لَهُما عَلَيْهِ السَّلامُ: قُوما حَتّى أنْظُرَ في أمْرِكُما، فَقاما مِن عِنْدِهِ، فَأُتِيَ داوُدُ في مَنامِهِ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رُؤْيا، ولَسْتُ أعْجَلُ، فَأُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّانِيَةَ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أُتِيَ اللَّيْلَةَ الثّالِثَةَ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ، أوْ تَأْتِيكَ العُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَأرْسَلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى الرَّجُلِ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنِي أنْ أقْتُلَكَ، فَقالَ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ: نَعَمْ: واللَّهِ لَأُنَفِّذَنَّ أمْرَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فِيكَ، فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ

صفحة 177

لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتّى أُخْبِرَكَ، إنِّي واللَّهِ ما أُخِذْتُ بِهَذا الذَّنْبِ، ولَكِنَّنِي كُنْتُ اغْتَلْتُ والِدَ هَذا، فَقَتَلْتُهُ، فَبِذَلِكَ أُخِذْتُ، فَأمَرَ بِهِ داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقُتِلَ، فَعَظُمَتْ بِذَلِكَ هَيْبَتُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ، وشُدَّ بِهِ مُلْكُهُ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِشَدِّ الدّالِ، ﴿وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ﴾ النُّبُوَّةَ وكَمالَ العِلْمِ، وإتْقانَ العَمَلِ، وقِيلَ: الزَّبُورَ وعِلْمَ الشَّرائِعِ، وقِيلَ: كُلُّ كَلامٍ وافَقَ الحِكْمَةَ فَهو حِكْمَةٌ،﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾ أيْ فَصْلَ الخِصامِ بِتَمْيِيزِ الحَقِّ عَنِ الباطِلِ، فالفَصْلُ بِمَعْناهُ المَصْدَرِيِّ، والخِطابُ الخِصامُ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ، أوْ لِأنَّهُ أحَدُ أنْواعِهِ خُصَّ بِهِ، لِأنَّهُ المُحْتاجُ لِلْفَصْلِ، أوِ الكَلامِ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الصَّحِيحِ والفاسِدِ، والحَقِّ والباطِلِ، والصَّوابِ والخَطَإ، وهو كَلامُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في القَضايا والحُكُوماتِ وتَدابِيرِ المُلْكِ والمَشُوراتِ، فالخِطابُ الكَلامُ المُخاطَبُ بِهِ، والفَصْلُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أوِ الكَلامُ الَّذِي يُنَبِّهُ المُخاطَبَ عَلى المَقْصُودِ مِن غَيْرِ التِباسٍ يُراعى فِيهِ مَظانُّ الفَصْلِ، والوَصْلِ، والعَطْفِ، والِاسْتِئْنافِ، والإضْمارِ، والحَذْفِ، والتَّكْرارِ، ونَحْوُها، فالخِطابُ بِمَعْنى الكَلامِ المُخاطَبِ بِهِ أيْضًا، والفَصْلُ مَصْدَرٌ إمّا بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أيِ الفاصِلِ المُمَيَّزِ لِلْمَقْصُودِ عَنْ غَيْرِهِ، أوْ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أيِ المَقْصُودِ، أيِ الَّذِي فُصِلَ مِن بَيْنِ أفْرادِ الكَلامِ بِتَخْلِيصِهِ، ومُراعاةِ ما سَمِعْتَ فِيهِ، أوِ الَّذِي فُصِلَ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ، ولَمْ يُجْعَلْ مُلْبِسًا مُخْتَلِطًا.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِفَصْلِ الخِطابِ الخِطابُ القَصْدُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ اخْتِصارٌ مُخِلٌّ، ولا إشْباعٌ مُمِلٌّ كَما جاءَ في وصْفِ كَلامِ نَبِيِّنا ﷺ: «”لا نَزْرَ ولا هَذْرَ“».

فالخِطابُ بِمَعْنى الكَلامِ المُخاطَبِ بِهِ، كَما سَلَفَ، والفَصْلُ إمّا بِمَعْنى الفاصِلِ، لِأنَّ القَصْدَ أيِ المُتَوَسِّطَ، فاصِلٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وهُما هُنا المُخْتَصَرُ المُخِلُّ، والمُطْنَبُ المُمِلُّ، أوْ لِأنَّ الفَصْلَ والتَّمْيِيزَ بَيْنَ المَقْصُودِ وغَيْرِهِ أظْهَرُ تَحَقُّقًا في الكَلامِ القَصْدِ لِما في أحَدِ الطَّرَفَيْنِ مِنَ الإخْلالِ، وفي الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ الإمْلالِ المُفْضِي إلى إهْمالِ بَعْضِ المَقْصُودِ، وإمّا بِمَعْنى المَفْصُولِ لِأنَّ الكَلامَ المَذْكُورَ مَفْصُولٌ مُمَيَّزٌ عِنْدَ السّامِعِ عَلى المُخِلِّ والمُمِلِّ، بِسَلامَتِهِ عَنِ الإخْلالِ والإمْلالِ، والإضافَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، وعَلى ما عَداهُ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ لِمَوْصُوفِها، وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والشَّعْبِيِّ، وحَكاهُ الطَّبَرْسِيُّ عَنِ الأكْثَرِينَ مِن أنَّ فَصْلَ الخِطابِ هو قَوْلُهُ: البَيِّنَةُ عَلى المُدَّعِي، واليَمِينُ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ، فَقِيلَ: هو داخِلٌ في فَصْلِ الخِطابِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، فَإنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ المُدَّعِي والمُدَّعى عَلَيْهِ، وهو مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ: هو إيجابُ البَيِّنَةِ عَلى المُدَّعِي، واليَمِينَ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ، فَلَعَلَّهُ أُرِيدَ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أعْنِي فَصْلَ الخِصامِ كانَ بِذاكَ، وجَعَلَهُ نَفْسَهُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ مِن أنَّهُ القَضاءُ بَيْنَ النّاسِ، والحَقُّ، والإصابَةُ، والفَهْمُ، فَهو لَيْسَ شَيْئًا وراءَ ما ذُكِرَ أوَّلًا، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وابْنِ أبِي حاتِمٍ، والدَّيْلَمِيِّ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنَّ فَصْلَ الخِطابِ الَّذِي أُوتِيَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو أمّا بَعْدُ، وذَكَرَ أبُو مُوسى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلُ مَن قالَ ذَلِكَ فَقِيلَ: هو داخِلٌ في فَصْلِ الخِطابِ، ولَيْسَ فَصْلُ الخِطابِ مُنْحَصِرًا فِيهِ، لِأنَّهُ يَفْصِلُ المَقْصُودَ عَمّا سِيقَ مُقَدِّمَةً لَهُ مِنَ الحَمْدِ والصَّلاةِ أوْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مُطْلَقًا، وظاهِرُهُ اعْتِبارُ فَصْلِ الخِطابِ بِمَعْنى الكَلامِ الَّذِي يُنَبِّهُ المُخاطَبَ عَلى المَقْصُودِ إلى آخِرِ ما مَرَّ، ويُوهِمُ صَنِيعُ بَعْضِهِمْ دُخُولَهُ فِيهِ بِاعْتِبارِ المَعْنى الثّانِي لِفَصْلِ الخِطابِ، ولا يَتَسَنّى ذَلِكَ، وحَمْلُ الخَبَرِ عَلى الِانْحِصارِ مِمّا لا يَنْبَغِي، إذْ لَيْسَ في إيتاءِ هَذا اللَّفْظِ كَثِيرُ امْتِنانٍ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِن أمّا بَعْدُ، ما يُؤَدِّي مُؤَدّاهُ مِنَ الألْفاظِ، لا نَفْسُ هَذا اللَّفْظِ، لِأنَّهُ لَفْظٌ

صفحة 178

عَرَبِيٌّ، وداوُدُ لَمْ يَكُنْ مِنَ العَرَبِ، ولا نَبِيُّهم بَلْ ولا بَيْنَهُمْ، فالظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ، والَّذِي يَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ المُرادَ بِفَصْلِ الخِطابِ فَصْلُ الخِصامِ، وهو يَتَوَقَّفُ عَلى مَزِيدِ عِلْمٍ، وفَهْمٍ، وتَفْهِيمٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَإيتاؤُهُ يَتَضَمَّنُ إيتاءَ جَمِيعِ ما يَتَوَقَّفُ هو عَلَيْهِ، وفِيهِ مِنَ الامْتِنانِ ما فِيهِ، ويُلائِمُهُ أتَمَّ مُلاءَمَةٍ

38:21Page 454

۞ وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ ٢١

And has there come to you the news of the adversaries, when they climbed over the wall of [his] prayer chamber -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ اسْتِفْهامٌ يُرادُ مِنهُ التَّعَجُّبُ والتَّشْوِيقُ إلى اسْتِماعِ ما في حَيِّزِهِ لِإيذانِهِ بِأنَّهُ مِنَ الأنْباءِ البَدِيعَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَشِيعَ فِيما بَيْنَ كُلِّ حاضِرٍ وبادِي، والجُمْلَةُ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى: ﴿إنّا سَخَّرْنا﴾ مِن قَبِيلِ عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وقِيلَ: عَلى اذْكُرْ.

والخَصْمُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ لِخَصِمَهُ بِمَعْنى خاصَمَهُ، أوْ غَلَبَهُ، ويُرادُ مِنهُ المُخاصِمُ، ويُسْتَعْمَلُ لِلْمُفْرَدِ، والمُذَكَّرِ وفُرُوعِهِما، وجاءَ لِلْجَمْعِ هُنا عَلى ما قالَ جَمْعٌ لِظاهِرِ ضَمائِرِهِ بَعْدُ، ورُبَّما ثُنِّيَ وجُمِعَ عَلى خُصُومٍ وأخْصامٍ، وأصْلُ المُخاصَمَةِ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ أنْ يَتَعَلَّقَ كُلُّ واحِدٍ بِخَصْمِ الآخَرِ، أيْ بِجانِبِهِ، أوْ أنْ يَجْذِبَ كُلُّ واحِدٍ خَصْمَ الجَوالِقِ مِن جانِبٍ.

﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ أيْ عَلَوْا سُورَهُ، ونَزَلُوا إلَيْهِ، فَتَفَعَّلَ لِلْعُلُوِّ عَلى أصْلِهِ نَحْوَ تَسَنَّمَ الجَمَلَ أيْ عَلا سَنامَهُ، وتَذَرّى الجَبَلَ عَلا ذُرْوَتَهُ، والسُّورُ الجِدارُ المُحِيطُ بِالمُرْتَفِعِ، والمِحْرابُ الغُرْفَةُ، وهي العَلِيَّةُ، ومِحْرابُ المَسْجِدِ مَأْخُوذٌ مِنهُ لِانْفِصالِهِ عَمّا عَداهُ، أوْ لِشُرْفَةِ المَنزِلِ مَنزِلَةِ عُلُوِّهِ، قالَهُ الخَفاجِيُّ، وقالَ الرّاغِبُ: مِحْرابُ المَسْجِدِ قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَوْضِعُ مُحارَبَةِ الشَّيْطانِ والهَوى، وقِيلَ: لِكَوْنِ حَقِّ الإنْسانِ فِيهِ أنْ يَكُونَ حَرِيبًا مِن أشْغالِ الدُّنْيا، ومِن تَوَزُّعِ الخاطِرِ، وقِيلَ: الأصْلُ فِيهِ أنَّ مِحْرابَ البَيْتِ صَدْرُ المَجْلِسِ، ثُمَّ لَمّا اتُّخِذَتِ المَساجِدُ سُمِّيَ صَدْرُهُ بِهِ، وقِيلَ: بَلِ المِحْرابُ أصْلُهُ في المَسْجِدِ، وهو اسْمٌ خُصَّ بِهِ صَدْرُ المَجْلِسِ، فَسُمِّيَ صَدْرُ البَيْتِ مِحْرابًا تَشْبِيهًا بِمِحْرابِ المَسْجِدِ، وكَأنَّ هَذا أصَحَّ انْتَهى، وصَرَّحَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّ المَحارِيبَ الَّتِي في المَساجِدِ بِهَيْئَتِها المَعْرُوفَةِ اليَوْمَ لَمْ تَكُنْ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، ولَهُ رِسالَةٌ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ، (وإذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُضافٍ إلى الخَصْمِ، أيْ نَبَأُ تَحاكُمِ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا، أوْ بِنَبَإٍ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الواقِعُ في عَهْدِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإسْنادُ الإتْيانِ إلَيْهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ قِصَّةُ نَبَإ الخَصْمِ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُها بِهِ بِلا حَذْفٍ عَلى جَعْلِ إسْنادِ الإتْيانِ إلَيْهِ مَجازِيًّا أوْ بِالخَصْمِ وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ، والظَّرْفُ قَنُوعٌ يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ، وزَعَمَ الحُوفِيُّ تَعَلُّقُها بِأتى، ولا يَكادُ يَصِحُّ، لِأنَّ إتْيانَ نَبَإ الخَصْمِ لَمْ يَكُنْ وقْتَ تَسَوُّرِهِمُ المِحْرابَ.

38:22Page 454

إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ ٢٢

When they entered upon David and he was alarmed by them? They said, "Fear not. [We are] two adversaries, one of whom has wronged the other, so judge between us with truth and do not exceed [it] and guide us to the sound path.

﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ﴾ إذْ هَذِهِ بَدَلٌ مِن إذِ الأُولى بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، بِأنْ يُجْعَلَ زَمانُ التَّسَوُّرِ وزَمانُ الدُّخُولِ لِقُرْبِهِما بِمَنزِلَةِ المُتَحِدَيْنِ، أوْ بَدَلُ اشْتِمالٍ بِأنْ يُعْتَبَرَ الِامْتِدادَ، أوْ ظَرْفٌ لِتَسَوَّرُوا، ويُعْتَبَرُ امْتِدادَ وقَتِهِ، وإلّا فالتَّسَوُّرُ لَيْسَ في وقْتِ الدُّخُولِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالدُّخُولِ إرادَتُهُ، وفِيهِ تَكَلُّفٌ، لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مَجازًا لا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ فَيَحْتاجُ إلى تَفْرِيعِهِ عَلى التَّسَوُّرِ، وهو أيْضًا كَما تَرى، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِاذْكُرْ مُقَدَّرًا، والفَزَعُ انْقِباضٌ ونِفارٌ يَعْتَرِي الإنْسانَ مِنَ الشَّيْءِ المُخِيفِ.

رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ إلَيْهِ مَلَكَيْنِ في صُورَةِ إنْسانَيْنِ قِيلَ: هُما جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَطَلَبا أنْ يَدْخُلا عَلَيْهِ فَوَجَداهُ في يَوْمِ عِبادَتِهِ، فَمَنَعَهُما الحَرَسُ فَتَسَوَّرا عَلَيْهِ المِحْرابَ فَلَمْ يَشْعُرْ إلّا وهُما بَيْنَ يَدَيْهِ جالِسانِ.

وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ جَزَّأ زَمانَهُ أرْبَعَةَ أجْزاءٍ، يَوْمًا لِلْعِبادَةِ، ويَوْمًا لِلْقَضاءِ، ويَوْمًا لِلِاشْتِغالِ بِخاصَّةِ نَفْسِهِ، ويَوْمًا لِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَيَعِظُهم ويُبْكِيهِمْ، وسَبَبُ الفَزَعِ قِيلَ: إنَّهم نَزَلُوا مِن فَوْقِ الحائِطِ، وفي يَوْمِ الِاحْتِجابِ والحَرَسُ حَوْلَهُ، لا يَتْرُكُونَ مَن يُرِيدُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ، فَخافَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُؤْذُوهُ لا سِيَّما عَلى ما حُكِيَ أنَّهُ كانَ لَيْلًا، وقِيلَ: إنَّ الفَزَعَ مِن أجْلِ أنَّهُ ظَنَّ أنَّ أهْلَ مَمْلَكَتِهِ قَدِ اسْتَهانُوهُ

صفحة 179

حَتّى تَرَكَ بَعْضُهُمُ الِاسْتِئْذانَ، فَيَكُونُ في الحَقِيقَةِ فَزَعًا مِن فَسادِ السِّيرَةِ لا مِنَ الدّاخِلِينَ، وقالَ أبُو الأحْوَصِ: فَزِعَ مِنهم لِأنَّهُما دَخَلا عَلَيْهِ، وكُلٌّ مِنهُما آخِذٌ بِرَأْسِ صاحِبِهِ، وقِيلَ: فَزِعَ مِنهم لَمّا رَأى مِن تَسَوُّرِهِمْ مَوْضِعًا مُرْتَفِعًا جِدًّا، لا يُمْكِنُ أنْ يُرْتَقى إلَيْهِ بَعْدَ أشْهُرٍ مَعَ أعْوانٍ وكَثْرَةِ عَدَدٍ، والظّاهِرُ أنَّ فَزَعَهُ لَيْسَ إلّا لِتَوَقُّعِ الأذى لِمُخالَفَةِ المُعْتادِ، فَلَمّا رَأوْهُ وقَدْ فَزِعَ ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ وهو اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ فَزَعِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ فَزَعَهُ؟ فَقِيلَ: قالُوا لَهُ إزالَةً لِفَزَعِهِ: لا تَخَفْ، ﴿خَصْمانِ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ نَحْنُ خَصْمانِ، والمُرادُ هُنا فَوْجانِ لا شَخْصانِ مُتَخاصِمانِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الخَصْمَ يَشْمَلُ الكَثِيرَ فَيُطابِقُ ما مَرَّ مِن جَمِيعِ الضَّمائِرِ، ويُؤَيِّدُهُ عَلى ما قِيلَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ فَإنَّ نَحْوَ هَذا أكْثَرُ اسْتِعْمالًا في قَوْلِ الجَماعَةِ، وقِراءَةُ بَعْضِهِمْ (بَغى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ) أظْهَرُ في التَّأْيِيدِ، ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَوْنُ التَّحاكُمِ إنَّما وقَعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِجَوازِ أنْ يَصْحَبَ كُلًّا مِنهُما مَن يُعاضِدُهُ، والعُرْفُ يُطْلَقُ الخَصْمُ عَلى المُخاصِمِ ومُعاضِدِهِ، وإنْ لَمْ يُخاصِمْ بِالفِعْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ اثْنَيْنِ، والضَّمائِرُ المَجْمُوعَةُ مُرادٌ بِها التَّثْنِيَةُ، فَيَتَوافَقانِ، وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ خَصْمانِ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ فِينا خَصْمانِ، وهو كَما تَرى، والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿بَغى﴾ إلَخْ، في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِخَصْمانِ، وأنَّ جُمْلَةَ: نَحْنُ خَصْمانِ إلَخِ، اسْتِئْنافٌ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، فَهي مَوْصُولَةٌ بِلا تَخَفٍّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونُوا قَدْ قالُوا: لا تَخَفْ وسَكَتُوا حَتّى سُئِلُوا ما أمْرُكُمْ؟ فَقالُوا: خَصْمانِ بَغى إلَخْ، أيْ جارَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، واسْتَشْكَلَ قَوْلُهم هَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّهم كانُوا مَلائِكَةً بِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِما لَمْ يَقَعْ مِنهُمْ، وهو كَذِبٌ، والمَلائِكَةُ مُنَزَّهُونَ عَنْهُ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ كَذِبًا لَوْ كانُوا قَصَدُوا بِهِ الإخْبارَ حَقِيقَةً، أمّا لَوْ كانَ فَرْضًا لِأمْرٍ صَوَّرُوهُ في أنْفُسِهِمْ لَما أتَوْا عَلى صُورَةِ البَشَرِ كَما يَذْكُرُ العالِمُ إذا صَوَّرَ مَسْألَةً لِأحَدٍ، أوْ كانَ كِنايَةً وتَعْرِيضًا بِما وقَعَ مِن داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلا، وقَرَأ أبُو يَزِيدَ الجَرّارُ عَنِ الكِسائِيِّ: ”خِصْمانِ“ بِكَسْرِ الخاءِ.

﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أيْ ولا تَتَجاوَزْهُ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ: ”ولا تَشْطِطْ“ مِن شَطَّ ثُلاثِيًّا، أيْ ولا تُبْعِدْ عَنِ الحَقِّ، وقَرَأ قَتادَةُ أيْضًا ”تُشِطَّ“ مُدْغَمًا مِن أشَطَّ رُباعِيًّا، وقَرَأ زِرٌّ ”تُشاطِطْ“ بِضَمِّ التّاءِ وبِألِفٍ عَلى وزْنِ تُفاعِلَ مَفْكُوكًا، وعَنْهُ أيْضًا ”تَشْطُطْ“ مِن شَطَطَ، والمُرادُ في الجَمِيعِ لا تَجُرْ في الحُكُومَةِ، وأرادُوا بِهَذا الأمْرِ والنَّهْيِ إظْهارَ الحِرْصِ عَلى ظُهُورِ الحَقِّ والرِّضا بِهِ مِن غَيْرِ ارْتِيابٍ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَحْكُمُ بِالحَقِّ، ولا يَجُورُ في الحُكْمِ، وأحَدُ الخَصْمَيْنِ قَدْ يَقُولُ نَحْوَ ذَلِكَ لِلْإيماءِ إلى أنَّهُ المُحِقُّ، وقَدْ يَقُولُهُ اتِّهامًا لِلْحاكِمِ، وفِيهِ حِينَئِذٍ مِنَ الفَظاظَةِ ما فِيهِ، وعَلى ما ذَكَرْنا أوَّلًا فِيهِ بَعْضُ فَظاظَةٍ، وفي تَحَمُّلِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِذَلِكَ مِنهم دِلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَلِيقُ بِالحاكِمِ تَحَمُّلُ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المُتَخاصِمِينَ لا سِيَّما إذا كانَ مِمَّنْ مَعَهُ الحَقُّ، فَحالُ المَرْءِ وقْتَ التَّخاصُمِ لا يَخْفى.

والعَجَبُ مِن حاكِمٍ أوْ مُحَكَّمٍ، أوْ مَن لِلْخُصُومِ نَوْعُ رُجُوعٍ إلَيْهِ كالمُفْتِي، كَيْفَ لا يَقْتَدِي بِهَذا النَّبِيِّ الأوّابِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في ذَلِكَ بَلْ يَغْضَبُ كُلَّ الغَضَبِ لِأدْنى كَلِمَةٍ تَصْدُرُ، ولَوْ فَلْتَةً مِن أحَدِ الخَصْمَيْنِ، يُتَوَهَّمُ مِنها الحَطُّ لِقَدْرِهِ، ولَوْ فَكَّرَ في نَفْسِهِ لَعَلِمَ أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا النَّبِيِّ الأوّابِ لا يَعْدِلُ واللَّهِ العَظِيمِ مَتْكَ ذُبابٍ، اللَّهُمَّ وفِّقْنا لِأحْسَنِ الأخْلاقِ واعْصِمْنا مِنَ الأغْلاطِ، ﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ أيْ وسَطِ طَرِيقِ الحَقِّ بِزَجْرِ الباغِي عَمّا سَلَكَهُ مِن طَرِيقِ الجَوْرِ وإرْشادِهِ إلى مِنهاجِ العَدْلِ

38:23Page 454

إِنَّ هَٰذَآ أَخِي لَهُۥ تِسۡعٞ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةٗ وَلِيَ نَعۡجَةٞ وَٰحِدَةٞ فَقَالَ أَكۡفِلۡنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلۡخِطَابِ ٢٣

Indeed this, my brother, has ninety-nine ewes, and I have one ewe; so he said, 'Entrust her to me,' and he overpowered me in speech."

﴿إنَّ هَذا أخِي﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما فِيهِ الخُصُومَةُ، والمُرادُ

صفحة 180

بِالأُخُوَّةِ أُخُوَّةِ الدِّينِ، أوْ أُخُوَّةِ الصَّداقَةِ والأُلْفَةِ، أوْ أُخُوَّةِ الشَّرِكَةِ والخِلْطَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾ وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأُخُوّاتِ يُدْلِي بِحَقٍّ مانِعٍ مِنَ الِاعْتِداءِ والظُّلْمِ، وقِيلَ: هي أُخُوَّةٌ في النَّسَبِ، وكانَ المُتَحاكِمانِ أخَوَيْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِأبٍ وأُمٍّ، ولا يَخْفى أنَّ المَشْهُورَ أنَّهُما كانا مِنَ المَلائِكَةِ بَلْ قِيلَ: لا خِلافَ في ذَلِكَ. وأخي بَيانٌ عِنْدَ ابْنِ عَطِيَّةَ، وبَدَلٌ أوْ خَبَرٌ لِأنَّ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ، ولَعَلَّ المَقْصُودَ بِالإفادَةِ عَلى الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةً واحِدَةٌ﴾ وهي الأُنْثى مِن بَقَرِ الوَحْشِ، ومِنَ الضَّأْنِ والشّاءِ الجَبَلِيِّ، وتُسْتَعارُ لِلْمَرْأةِ كالشّاةِ كَثِيرًا نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ عَوْنٍ:

أنا أبُوهُنَّ ثَلاثٌ هَنَّهْ رابِعَةٌ في البَيْتِ صُغْراهُنَّهْ

ونَعْجَتِي خَمْسًا تُوَفِّيهِنَّهْ ∗∗∗ ألا فَتًى سَحْجٌ يُغَذِّيهِنَّهْ

وقَوْلِ عَنْتَرَةَ:

يا شاةً ما قُنِصَ لِمَن حَلَّتْ لَهُ ∗∗∗ حُرِّمَتْ عَلَيَّ ولَيْتَها لَمْ تُحَرَّمِ

وقَوْلِ الأعْشى:

فَرَمَيْتُ غَفْلَةً عَيْنَهُ عَنْ شاتِهِ ∗∗∗ فَأصَبْتُ حَبَّةَ قَلْبِها وطِحالَها

والظّاهِرُ إبْقاؤُها عَلى حَقِيقَتِها هُنا، ويُرادُ بِها أُنْثى الضَّأْنِ، وجُوِّزَ إرادَةُ الِامْرِأةِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (تَسْعٌ وتَسْعُونَ)، بِفَتْحِ التّاءِ فِيهِما، وكَثُرَ مَجِيءُ الفَعْلِ، والفَعْلُ بِمَعْنى واحِدٍ نَحْوَ السِّكْرِ والسَّكْرِ، ولا يَبْعُدُ ذَلِكَ في التِّسْعِ، لا سِيَّما وقَدْ جاوَرَ العَشْرَ، والحَسَنُ، وابْنُ هُرْمُزَ ”نِعْجَةٌ“ بِكَسْرِ النُّونِ، وهي لُغَةٌ لِبَعْضِ بَنِي تَمِيمٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ”ولِي نَعْجَةٌ أُنْثى“ ووَجَّهَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ يُقالُ: امْرَأةٌ أُنْثى لِلْحَسْناءِ الجَمِيلَةِ، والمَعْنى: وصْفُها بِالعَراقَةِ في لِينِ الأُنُوثَةِ وفُتُورِها، وذَلِكَ أمْلَحُ لَها وأزْيَدُ في تَكَسُّرِها وتَثَنِّيها، ألا تَرى إلى وصْفِهِمْ لَها بِالكَسُولِ والمِكْسالِ. وقَوْلِهِ:

فَتُورُ القِيامِ قَطِيعُ الكَلامِ ∗∗∗ لَغُوبُ العِشاءِ إذا لَمْ تَنَمْ

وقَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخُطَيْمِ:

تَنامُ عَنْ كِبَرِ شَأْنِها فَإذا ∗∗∗ قامَتْ رُوَيْدًا تَكادُ تَنْغَرِفُ

وفِي الكَلامِ عَلَيْهِ تَوْفِيَةُ حَقِّ القِسْمَيْنِ أعْنِي ما يَرْجِعُ إلى الظّالِمِ، وما يَرْجِعُ إلى المَظْلُومِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مَعَ وُفُورِ اسْتِغْنائِهِ وشِدَّةِ حاجَتِي ظَلَمَنِي حَقِّي، وهَذا ظاهِرٌ إذا كانَتِ النَّعْجَةُ مُسْتَعارَةٌ، وإلّا فالمُناسِبُ تَأْكِيدُ الأُنُوثَةِ بِأنَّها كامِلَةٌ فِيها، فَيَكُونُ أدَرَّ وأحْلَبَ لِما يُطْلَبُ مِنها عَلى أنَّ فِيهِ رَمْزًا إلى ما رُوِيَ عَنْهُ، ﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ مَلِّكْنِيها، وحَقِيقَتُهُ اجْعَلْنِي أكْفُلُها كَما أكْفُلُ ما تَحْتَ يَدِي، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: اجْعَلْها كِفْلِي أيْ نَصِيبِي، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ تَحَوَّلْ لِي عَنْها، وهو بَيانٌ لِلْمُرادِ وألْصَقُ بِوَجْهِ الِاسْتِعارَةِ، ﴿وعَزَّنِي﴾ أيْ غَلَبَنِي، وفي المَثَلِ: مَن عَزَّ بَزَّ، أيْ مَن غَلَبَ سَلَبَ، وقالَ الشّاعِرُ:

قَطاةٌ عَزَّها شَرَكٌ فَباتَتْ ∗∗∗ تُجاذِبُهُ وقَدْ عَلِقَ الجَناحُ

﴿فِي الخِطابِ﴾ أيْ مُخاطَبَتِهِ إيّايَ مُحاجَّةً، بِأنْ جاءَ بِحِجاجٍ لَمْ أُطِقْ رَدَّهُ، وقالَ الضَّحّاكُ: أيْ إنْ تَكَلَّمَ

صفحة 181

كانَ أفْصَحَ مِنِّي، وإنْ حارَبَ كانَ أبْطَشَ مِنِّي، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كانَ أوْجَهَ مِنِّي وأقْوى، فَإذا خاطَبْتُهُ كانَ كَلامُهُ أقْوى مِن كَلامِي، وقُوَّتُهُ أعْظَمَ مِن قُوَّتِي، وقِيلَ: أيْ غَلَبَنِي في مُغالَبَتِهِ إيّايَ في الخِطْبَةِ عَلى أنَّ الخِطابَ مِن خَطَبْتُ المَرْأةَ، وخَطَبَها هو فَخاطَبَنِي خِطابًا، أيْ غالَبَنِي في الخِطْبَةِ، فَغَلَبَنِي حَيْثُ زَوَّجَها دُونِي، وهو قَوْلُ مَن يَجْعَلُ النَّعْجَةَ مُسْتَعارَةً، وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: حَمْلُ الخِطابِ عَلى المُغالَبَةِ في خِطْبَةِ النِّساءِ لا يُلائِمُ فَصاحَةَ التَّنْزِيلِ، لِأنَّ التَّمْثِيلَ قاصِرٌ عَنْهُ لِنُبُوِّ قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ نَعْجَةٌ﴾ عَنْ ذَلِكَ أشَدَّ النَّبْوَةِ وكَذا قَوْلُهُ: ﴿أكْفِلْنِيها﴾ إذْ يَنْبَغِي عَلى ذَلِكَ أنْ يُخاطِبَ بِهِ ولِيَّ المَخْطُوبَةِ، إلّا أنْ يُجْعَلَ الأوَّلُ مَجازًا عَمّا يَؤُولُ إلَيْهِ الحالُ ظَنًّا، والشَّرْطُ في حُسْنِهِ تَحَقُّقُ الِانْتِهاءِ كَما في ﴿أعْصِرُ خَمْرًا﴾ والثّانِي مَجازٌ عَنْ تَرْكِهِ الخِطْبَةَ، ولا يَخْفى ما فِيهِما مِنَ التَّعْقِيدِ، ثُمَّ إنَّهُ لِتَصْرِيحِهِ يُنافِي الغَرَضَ مِنَ التَّمْثِيلِ وهو التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ ما كانَ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهُ أمْرٌ يَسْتَحِي مِن كَشْفِهِ مَعَ السَّتْرِ عَلَيْهِ والِاحْتِفاظِ بِحُرْمَتِهِ، انْتَهى فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ ”وعَزَنِي“ بِتَخْفِيفِ الزّايِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: حُذِفَتْ إحْدى الزّائَيْنِ تَخْفِيفًا كَما حُذِفَتْ إحْدى السِّينَيْنِ في قَوْلِ أبِي زُبَيْدٍ: أحْسِنْ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ، ورُوِيَ كَذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وأبُو وائِلٍ، ومَسْرُوقٌ، والضَّحّاكُ، والحَسَنُ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ”وعازَّنِي“ بِألِفٍ بَعْدَ العَيْنِ، وتَشْدِيدِ الزّايِ أيْ وغالَبَنِي.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском