Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Sad 38:26–31
38:26Page 454
يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ ٢٦
[We said], "O David, indeed We have made you a successor upon the earth, so judge between the people in truth and do not follow [your own] desire, as it will lead you astray from the way of Allāh." Indeed, those who go astray from the way of Allāh will have a severe punishment for having forgotten the Day of Account.
﴿يا داوُدُ إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾ إمّا حِكايَةٌ لِما خُوطِبَ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُبَيِّنَةٌ لِزُلْفاهُ عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ - وإمّا مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى (غَفَرْنا)، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: وقُلْنا لَهُ أوْ قائِلِينَ لَهُ: يا داوُدُ، إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ، أيِ اسْتَخْلَفْناكَ عَلى المُلْكِ فِيها، والحُكْمِ فِيما بَيْنَ أهْلِها، أوْ جَعَلْناكَ خَلِيفَةً مِمَّنْ قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ القائِمِينَ بِالحَقِّ، وهو عَلى الأوَّلِ مِثْلُ فُلانٍ خَلِيفَةِ السُّلْطانِ إذا كانَ مَنصُوبًا مِن قِبَلِهِ لِتَنْفِيذِ ما يُرِيدُهُ، وعَلى الثّانِي مِن قَبِيلِ هَذا الوَلَدِ خَلِيفَةٌ عَنْ أبِيهِ، أيْ سادٌّ مَسَدَّهُ قائِمٌ بِما كانَ يَقُومُ بِهِ مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ لِحَياةٍ ومَوْتٍ وغَيْرِهِما، والأوَّلُ أظْهَرُ، والمِنَّةُ بِهِ أعْظَمُ فَهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَلِيفَةُ اللَّهِ تَعالى بِالمَعْنى الَّذِي سَمِعْتَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يُقالُ: خَلِيفَةُ اللَّهِ تَعالى إلّا لِرَسُولِهِ، وأمّا الخُلَفاءُ فَكُلُّ واحِدٍ مِنهم خَلِيفَةٌ مِن قِبَلِهِ، وما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن تَسْمِيَةِ أحَدِهِمْ خَلِيفَةَ اللَّهِ، فَذَلِكَ تَجَوُّزٌ كَما قالَ قَيْسُ الرُّقَيّاتِ:
خَلِيفَةُ اللَّهِ في بَرِيَّتِهِ جَفَّتْ بِذاكَ الأقْلامُ والكُتُبُ
وقالَتِ الصَّحابَةُ لِأبِي بَكْرٍ: خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ، وبِذَلِكَ كانَ يُدْعى إلى أنْ تُوُفِّيَ، فَلَمّا ولِيَ عُمَرُ قالُوا: خَلِيفَةُ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَعُدِلَ عَنْهُ اخْتِصارًا إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ. وذَهَبَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ إلى أنَّ الخَلِيفَةَ مِنَ الرُّسُلِ مَن فُوِّضَ إلَيْهِ التَّشْرِيعُ، ولَعَلَّهُ مِن جُمْلَةِ اصْطِلاحاتِهِ، ولا مُشاحَّةَ في الِاصْطِلاحِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى احْتِياجِ الأرْضِ إلى خَلِيفَةٍ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهو قَوْلُ مَن أوْجَبَ عَلى اللَّهِ تَعالى نَصْبَ الإمامِ، لِأنَّهُ مِنَ اللُّطْفِ الواجِبِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، والجَماعَةُ لا يَقُولُونَ بِذَلِكَ، والإمامَةُ عِنْدَهم مِنَ الفُرُوعِ، وإنْ ذَكَرُوها في كُتُبِ العَقائِدِ، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَلْزَمُ مِنهُ ذَلِكَ، كَما لا يَخْفى، وتَحْقِيقُ المَطْلَبِ في مَحَلِّهِ، ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لَكَ، فالحَقُّ خِلافُ الباطِلِ، وألْ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ ما هو مِن أسْمائِهِ تَعالى، أيْ بِحُكْمِ الحَقِّ أيِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِلْعِلْمِ بِأنَّ الذَّواتِ لا يَكُونُ مَحْكُومًا بِها. وتُعُقِّبَ بِأنَّ مُقابَلَتَهُ بِالهَوى تَأْبى ذَلِكَ، ولَعَلَّ مَن يَقُولُ بِهِ يَجْعَلُ المُقابِلَ المُضافَ المَحْذُوفَ، والمُقابَلَةُ بِاعْتِبارِ أنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُ إلّا بِالحَقِّ، وفُرِّعَ الأمْرُ بِالحُكْمِ بِالحَقِّ عَلى ما تَقَدَّمَ لِأنَّ الِاسْتِخْلافَ بِكِلا المَعْنَيَيْنِ مُقْتَضٍ لِلْحُكْمِ العَدْلِ، لا سِيَّما عَلى المَعْنى الأوَّلِ لِظُهُورِ اقْتِضاءِ كَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَلِيفَةً لَهُ تَعالى، أنْ لا يُخالِفَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ، بَلْ يَكُونُ عَلى وفْقِ إرادَتِهِ ورِضاهُ.
وقِيلَ: المُتَرَتِّبُ مُطْلَقُ الحُكْمِ لِظُهُورِ تَرَتُّبِهِ عَلى كَوْنِهِ خَلِيفَةً. وذَكَرَ الحَقَّ لِأنَّ بِهِ سَدادَهُ، وقِيلَ: تَرَتَّبَ ذَلِكَ لِأنَّ
صفحة 187
الخِلافَةَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ شُكْرُها العَدْلُ. وفي البَحْرِ: أنَّ هَذا أمْرٌ بِالدَّيْمُومَةِ، وتَنْبِيهٌ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ ولِيَ أُمُورَ النّاسِ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بِالحَقِّ، وإلّا فَهو مِن حَيْثُ إنَّهُ مَعْصُومٌ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، وعَلى نَحْوِ هَذا يُخَرَّجُ النَّهْيُ عِنْدِي في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾ فَإنَّ اتِّباعَ الهَوى مِمّا لا يَكادُ يَقَعُ مِنَ المَعْصُومِ. وظاهِرُ السِّياقِ أنَّ المُرادَ: ولا تَتَّبِعْ هَوى النَّفْسِ في الحُكُوماتِ، وعَمَّمَ بَعْضُهم فَقالَ: أيْ في الحُكُوماتِ وغَيْرِها مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا.
وأُيِّدَ بِهَذا النَّهْيِ ما قِيلَ: إنَّ ذَنْبَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُبادَرَةُ إلى تَصْدِيقِ المُدَّعِي وتَظْلِيمِ الآخَرِ قَبْلَ مُساءَلَتِهِ، لا المَيْلُ إلى امْرَأةِ أُورِيّا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَتَّبِعِ الهَوى في الحُكْمِ كَما اتَّبَعْتَهُ أوَّلًا، وفِيهِ أنَّ اتِّباعَ الهَوى وحُكْمَهُ بِغَيْرِ ما شَرَعَ اللَّهُ تَعالى لَهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِمَقامِهِ، لا سِيَّما وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ الإخْبارِ بِمَسْألَةِ المُتَحاكِمَيْنِ أنَّهُ أتاهُ الحُكْمَ، وفَصْلَ الخِطابِ، فَلَيْسَ هَذا إلّا إرْشادًا لِما يَقْتَضِيهِ مَنصِبُ الخِلافَةِ وتَنْبِيهًا لِمَن هو دُونَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأصْلُ الهَوى مَيْلُ النَّفْسِ إلى الشَّهْوَةِ، ويُقالُ لِلنَّفْسِ المائِلَةِ إلَيْها، ويَكُونُ بِمَعْنى المَهْوِيِّ كَما في قَوْلِهِ:
هَوايَ مَعَ الرَّكْبِ اليَمانِينَ مُصْعِدُ ∗∗∗ جَنِيبٌ وجُثْمانِي بِمَكَّةَ مُوثَقُ
وبِهِ فَسَّرَهُ هُنا بَعْضُهم فَقالَ: أيْ لا تَتَّبِعْ ما تَهْوى الأنْفُسُ، ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابُ النَّهْيِ، وقِيلَ: هو مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ عَلى النَّهْيِ مَفْتُوحٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أيْ فَيَكُونَ الهَوى أوِ اتِّباعُهُ سَبَبًا لِضَلالِكَ عَنْ دَلائِلِهِ الَّتِي نَصَبَها عَلى الحَقِّ، وهي أعَمُّ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، والنَّقْلِيَّةِ، وصَدُّ ذَلِكَ عَنِ الدَّلائِلِ إمّا لِعَدَمِ فَهْمِها، أوِ العَمَلِ بِمُوجَبِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ بِبَيانِ غائِلَتِهِ، وإظْهارُ سَبِيلِ اللَّهِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والإيذانِ بِكَمالِ شَناعَةِ الضَّلالِ عَنْهُ، وخَبَرُ إنَّ، إمّا جُمْلَةُ ﴿لَهم عَذابٌ﴾، عَلى أنَّ لهم خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وعَذابٌ مُبْتَدَأٌ وإمّا الظَّرْفُ، وعَذابٌ مُرْتَفِعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِما فِيهِ مِنَ الاسْتِقْرارِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُما، وأبُو حَيْوَةَ ”يُضِلُّونَ“ بِضَمِّ الياءِ، قالَ أبُو حَيّانَ: وهَذِهِ القِراءَةُ أعَمُّ، لِأنَّهُ لا يَضِلُّ إلّا ضالٌّ في نَفْسِهِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ أوْضَحُ لِأنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ مَن أضَلَّهُمُ اتِّباعُ الهَوى، وهم بَعْدَ أنْ أضَلَّهم صارُوا ضالِّينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما نَسُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ، والباءُ سَبَبِيَّةٌ وما مَصْدَرِيَّةٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ الحِسابِ﴾ مَفْعُولُ نسوا عَلى ما هو الظّاهِرُ، أيْ ثابِتٌ لَهم ذَلِكَ العَذابُ بِسَبَبِ نِسْيانِهِمْ، وعَدَمِ ذِكْرِهِمْ يَوْمَ الحِسابِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَعْلِيلًا صَرِيحًا لِثُبُوتِ العَذابِ الشَّدِيدِ لَهم بِنِسْيانِ يَوْمِ الحِسابِ بَعْدَ الإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما يَسْتَتْبِعُهُ ويَسْتَلْزِمُهُ أعْنِي الضَّلالَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِنِسْيانِ يَوْمِ الحِسابِ بِالمَرَّةِ، بَلْ هَذا فَرْدٌ مِن أفْرادِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ الكَلامَ مِنَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ لَهم يَوْمَ الحِسابِ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا، فَيَكُونُ يَوْمُ الحِسابِ ظَرْفًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُمْ﴾ وجُعِلَ النِّسْيانُ عَلَيْهِ مَجازًا عَنْ ضَلالِهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ، ومِن ضَرُورَتِهِ جَعْلُ مَفْعُولِ النِّسْيانِ سَبِيلَ اللَّهِ تَعالى، وعَلَيْهِ يَكُونُ التَّعْلِيلُ المُصَرَّحُ بِهِ عَيْنَ التَّعْلِيلِ المُشْعِرِ بِهِ بِالذّاتِ غَيْرُهُ بِالعُنْوانِ، فَتَدَبَّرْ.
38:27Page 455
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا بَٰطِلٗاۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ٢٧
And We did not create the heaven and the earth and that between them aimlessly. That is the assumption of those who disbelieve, so woe to those who disbelieve from the Fire.
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا﴾ أيْ خَلْقًا باطِلًا فَهو مَنصُوبٌ عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ نَحْوَ: كُلْ هَنِيئًا، أيْ أكْلًا هَنِيئًا، والباطِلُ ما لا حِكْمَةَ فِيهِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن فاعِلِ ﴿خَلَقْنا﴾ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ
صفحة 188
أيْ ذَوِي باطِلٍ، والباطِلُ اللَّعِبُ والعَبَثُ أيْ ما خَلَقْنا ذَلِكَ مُبْطِلِينَ لاعِبِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْضًا بِنَحْوِ هَذا التَّأْوِيلِ، وأيًّا ما كانَ، فالكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن أمْرِ المَعادِ والحِسابِ، فَإنَّ خَلْقَ السَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِنَ المَخْلُوقاتِ مُشْتَمِلًا عَلى الحِكَمِ الباهِرَةِ، والأسْرارِ البالِغَةِ، والفَوائِدِ الجَمَّةِ أقْوى دَلِيلٍ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ، وأنَّهُ لا يَتَعاصاها أمْرُ المَعادِ والحِسابِ، فَإنَّ خَلْقَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَتْرُكُ النّاسَ إذا ماتُوا سُدًى بَلْ يُعِيدُهم ويُحاسِبُهُمْ، ولَعَلَّهُ الأوْلى.
وجُوِّزَ كَوْنُ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ في فاعِلِ ﴿نَسُوا﴾ جِيءَ بِها لِتَفْظِيعِ أمْرِ النِّسْيانِ كَأنَّهُ قِيلَ: بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ مَعَ وُجُودِ ما يُؤْذِنُ بِهِ، وهو كَما تَرى، وجُوِّزَ كَوْنُ ﴿باطِلا﴾ مَفْعُولًا، ويُفَسَّرُ بِخِلافِ الحَقِّ، ويُرادُ بِهِ مُتابَعَةُ الهَوى، كَأنَّهُ قِيلَ: ما خَلَقْنا هَذا العالَمَ لِلْباطِلِ الَّذِي هو مُتابَعَةُ الهَوى، بَلْ لِلْحَقِّ الَّذِي هو مُقْتَضى الدَّلِيلِ مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّدَرُّعِ بِالشَّرْعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾، ولا يَخْفى بُعْدُهُ، وعَلَيْهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ النَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ الهَوى، وقِيلَ: تَكُونُ عَطْفًا عَلى ما قَبْلُ بِحَسَبِ المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتَّبِعِ الهَوى لِأنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِضَلالِكَ، ولِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ العالَمَ لِأجْلِ مُتابَعَةِ الهَوى بَلْ خَلَقَهُ لِلتَّوْحِيدِ، والتَّمَسُّكِ بِالشَّرْعِ، فَلا تَغْفُلْ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى نَفْيِ مَن خَلَقَ ما ذَكَرَ باطِلًا، ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مَظْنُونُهم لِيَصِحَّ الحَمْلُ، أوْ يُقَدَّرَ مُضافٌ أيْ ظَنُّ ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا، فَإنَّ إنْكارَهُمُ المَعادَ والجَزاءَ قَوْلٌ بِأنَّ خَلْقَ ما ذُكِرَ خالٍ عَنِ الحِكْمَةِ، وإنَّما هو عَبَثٌ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾، أوْ فَإنَّ إنْكارَهم ذَلِكَ قَوْلٌ بِنَفْيِ عِظَمِ القُدْرَةِ، وهو قَوْلٌ بِنَفْيِ دَلِيلِهِ، وهو خَلْقُ ما ذُكِرَ مُشْتَمِلًا عَلى الحِكَمِ الباهِرَةِ والأسْرارِ، وهَذا بِناءً عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في بَيانِ التَّقْرِيرِ، وهو كَما تَرى، ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والفاءُ لِإفادَةِ تَرَتُّبِ ثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم عَلى ظَنِّهِمُ الباطِلِ، كَما أنَّ وضْعَ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِإشْعارِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِعِلِّيَّةِ كُفْرِهِمْ لَهُ، ولا تَنافِيَ بَيْنَهُما، لِأنَّ ظَنَّهم مِن بابِ كُفْرِهِمْ، فَيَتَأكَّدُ أمْرُ التَّعْلِيلِ، ومن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ النّارِ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ أوْ تَعْلِيلِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾، ونَظائِرِهِ، وتُفِيدُ عَلى هَذا عِلِّيَّةَ النّارِ لِثُبُوتِ الوَيْلِ لَهم صَرِيحًا بَعْدَ الإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما يُؤَدِّي إلَيْها مِن ظَنِّهِمْ وكُفْرِهِمْ، أيْ فَوَيْلٌ لَهم بِسَبَبِ النّارِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى ظَنِّهِمْ وكُفْرِهِمْ، قِيلَ: والكَلامُ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ مِن دُخُولِ النّارِ،
38:28Page 455
أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ ٢٨
Or should We treat those who believe and do righteous deeds like corrupters in the land? Or should We treat those who fear Allāh like the wicked?
﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ وتُقَدَّرُ بِبَلْ، والهَمْزَةِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، ونَفْيِها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وبَلْ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِن تَقْرِيرِ أمْرِ البَعْثِ والحِسابِ بِما مَرَّ مِن نَفْيِ خَلْقِ العالَمِ باطِلًا إلى تَقْرِيرِهِ وتَحْقِيقِهِ بِإنْكارِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، أيْ بَلْ أنَجْعَلُ المُؤْمِنِينَ المُصْلِحِينَ كالكَفَرَةِ المُفْسِدِينَ في الأرْضِ الَّتِي جُعِلَتْ مَقَرًّا لَهم كَما يَقْتَضِيهِ عَدَمُ البَعْثِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الجَزاءِ لِاسْتِواءِ الفَرِيقَيْنِ في التَّمَتُّعِ في الحَياةِ الدُّنْيا بَلْ أكْثَرُ الكَفَرَةِ أوْفَرُ حَظًّا مِنها مِن أكْثَرِ المُؤْمِنِينَ، لَكِنَّ ذَلِكَ الجَعْلَ مُحالٌ مُخالِفٌ لِلْحِكْمَةِ، فَتَعَيَّنَ البَعْثُ والجَزاءُ حَتْمًا لِرَفْعِ الأوَّلِينَ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، ورَدِّ الآخِرِينَ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ كَذا قالُوا، وظاهِرُهُ أنَّ مُحالِيَّةَ جَعْلِ الفَرِيقَيْنِ سَواءً حِكْمَةٌ تَقْتَضِي تَعَيُّنَ المَعادِ الجِسْمانِيِّ، وفِيهِ خَفاءٌ، والظّاهِرُ أنَّ المَعادَ الرُّوحانِيَّ يَكْفِي لِمُقْتَضى الحِكْمَةِ مِن إثابَةِ الأوَّلِينَ، وتَعْذِيبِ الآخِرِينَ، فالدَّلِيلُ العَقْلِيُّ الَّذِي تُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ ظاهِرٌ في إثْباتِ مَعادٍ، لَكِنْ بَعْدَ إبْطالِ التَّناسُخِ وهو كافٍ في الرَّدِّ عَلى كَفَرَةِ
صفحة 189
العَرَبِ، فَإنَّهم لا يَقُولُونَ بِمَعادٍ بِالكُلِّيَّةِ، ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمُ التَّناسُخُ أصْلًا، ولِإثْباتِ المَعادِ الجِسْمانِيِّ طَرِيقٌ آخَرُ مَشْهُورٌ بَيْنَ المُتَكَلِّمِينَ، وجَعْلُ هَذا الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ طَرِيقًا لِإثْباتِهِ يَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ، فَتَأمَّلْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ عَنْ إثْباتِ ما ذُكِرَ بِلُزُومِ المُحالِ الَّذِي هو التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عَلى الإطْلاقِ إلى إثْباتِهِ بِلُزُومِ ما هو أظْهَرُ مِنهُ اسْتِحالَةً، وهي التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أتْقِياءِ المُؤْمِنِينَ، وأشْقِياءِ الكَفَرَةِ، وحَمْلُ الفُجّارِ عَلى فَجَرَةِ المُؤْمِنِينَ مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ عَيْنُ الأوَّلِينَ، ويَكُونُ التَّكْرِيرُ بِاعْتِبارِ وصْفَيْنِ آخَرَيْنِ هُما أدْخَلُ في إنْكارِ التَّسْوِيَةِ مِنَ الوَصْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وأيًّا ما كانَ، فَلَيْسَ المُرادُ مِنَ الجَمْعَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ أُناسًا بِأعْيانِهِمْ، ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ.
وقِيلَ: هي في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: إنّا نُعْطى في الآخِرَةِ مِنَ الخَيْرِ ما لا تُعْطَوْنَ، فَنَزَلَتْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ العِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أخْرَجَها ابْنُ عَساكِرَ أنَّهُ قالَ: الَّذِينَ آمَنُوا عَلِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، والمُفْسِدِينَ في الأرْضِ عُتْبَةُ، والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وشَيْبَةُ، وهُمُ الَّذِينَ تَبارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، ولَعَلَّهُ أرادَ أنَّهم سَبَبُ النُّزُولِ،
38:29Page 455
كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٩
[This is] a blessed Book which We have revealed to you, [O Muḥammad], that they might reflect upon its verses and that those of understanding would be reminded.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ هو عِبارَةٌ عَنِ القُرْآنِ أوِ السُّورَةِ، ويَجُوزُ عَلى الثّانِي تَقْدِيرُهُ مُذَكَّرًا أيْ هو أوْ هَذا، وهو الأوْلى عِنْدَ جَمْعٍ رِعايَةً لِلْخَبَرِ، وتَقْدِيرُهُ مُؤَنَّثًا رِعايَةً لِلْمَرْجِعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلْناهُ إلَيْكَ﴾ صِفَتُهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مُبارَكٌ﴾ أيْ كَثِيرُ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَإ أوْ صِفَةُ كتاب عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ الوَصْفِ الصَّرِيحِ عَنْ غَيْرِ الصَّرِيحِ. وقُرِئَ ”مُبارَكًا“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَفْعُولِ ”أنْزَلْنا“ وهي حالٌ لازِمَةٌ لِأنَّ البَرَكَةَ لا تُفارِقُهُ، جَعَلَنا اللَّهُ تَعالى في بَرَكاتِهِ، ونَفَعَنا بِشَرِيفِ آياتِهِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلْناهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وأصْلُهُ لِيَتَدَبَّرُوا بِتاءٍ بَعْدَ الياءِ آخِرِ الحُرُوفِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ بِهَذا الأصْلِ. أيْ أنْزَلْناهُ لِيَتَفَكَّرُوا في آياتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآيَةُ المُعْرِبَةُ عَنْ أسْرارِ التَّكْوِينِ، والتَّشْرِيعِ، فَيَعْرِفُوا ما يُدَبِّرُ ويَتَّبِعُ ظاهِرَها مِنَ المَعانِي الفائِقَةِ والتَّأْوِيلاتِ اللّائِقَةِ، وضَمِيرُ الرَّفْعِ لِأُولِي الألْبابِ عَلى التَّنازُعِ، وإعْمالِ الثّانِي، أوْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَطْ، أوْ لَهم ولِلْمُفْسِدِينَ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”لِتَدَبَّرُوا“ بِتاءِ الخِطابِ وتَخْفِيفِ الدّالِ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيِّ بِخِلافٍ عَنْهُما، والأصْلُ لِتَتَدَبَّرُوا بِتاءَيْنِ، فَحُذِفَتْ إحْداهُما عَلى الخِلافِ الَّذِي فِيها، أهِيَ تاءُ المُضارَعَةِ أمِ التّاءُ الَّتِي تَلِيها، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وعُلَماءِ أُمَّتِهِ عَلى التَّغْلِيبِ، أيْ لِتَدَبَّرَ أنْتَ وعُلَماءُ أُمَّتِكَ، ﴿ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ أيْ ولِيَتَّعِظَ بِهِ ذَوُو العُقُولِ الزّاكِيَةِ الخالِصَةِ مِنَ الشَّوائِبِ، أوْ لِيَسْتَحْضِرُوا ما هو كالمَرْكُوزِ في عُقُولِهِمْ لِفَرْطِ تَمَكُّنِهِمْ مِن مَعْرِفَتِهِ لِما نُصِبَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ، فَإنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ، وإنْزالَ الكُتُبِ لِبَيانِ ما لا يُعْرَفُ إلّا مِن جِهَةِ الشَّرْعِ كَوُجُوبِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، والإرْشادِ إلى ما يَسْتَقِلُّ العَقْلُ بِإدْراكِهِ كَوُجُودِ الصّانِعِ القَدِيمِ جَلَّ جَلالُهُ، وعَمَّ نَوالُهُ.
38:30–31Page 455
وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ٣٠
And to David We gave Solomon. An excellent servant, indeed he was one repeatedly turning back [to Allāh].
إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ ٣١
[Mention] when there were exhibited before him in the afternoon the poised [standing] racehorses.
﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ﴾ وقُرِئَ ”نِعْمَ“ عَلى الأصْلِ، والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ نِعْمَ العَبْدُ هُوَ، أيْ سُلَيْمانُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَأْخِيرُهُ عَنْ داوُدَ مَعَ كَوْنِهِ مَفْعُولًا صَرِيحًا لِوَهَبْنا، ولِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ أيْ رَجّاعٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِالتَّوْبَةِ كَما يُشْعِرُ بِهِ السِّياقُ أوْ إلى التَّسْبِيحِ مَرْجِعٌ لَهُ أوْ إلى مَرْضاتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَعْلِيلٌ لِلْمَدْحِ، وهو مِن حالِهِ لِما أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ﴾ يَعُودُ
صفحة 190
إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَطْعًا، وإذْ مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ، والمُرادُ مِن ذِكْرِ الزَّمانِ ذِكْرُ ما وقَعَ فِيهِ، أوْ ظَرْفٌ لِأوّابٍ، أوْ لِنِعْمَ، والظَّرْفُ قَنُوعٌ، لَكِنْ يَرِدُ عَلى الوَجْهَيْنِ أنَّ التَّقْيِيدَ يُخِلُّ بِكَمالِ المَدْحِ، فالأوَّلُ أوْلى، وهو كالِاسْتِشْهادِ عَلى أنَّهُ أوّابٌ، أيِ اذْكُرْ ما صَدَرَ عَنْهُ إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ، ﴿بِالعَشِيِّ﴾ إلَخْ، فَإنَّهُ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، والعَشِيُّ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى الصَّباحِ، وقالَ بَعْضٌ: مِنهُ إلى آخِرِ النَّهارِ، والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِعُرِضَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الصّافِناتُ﴾ نائِبُ الفاعِلِ وتَأْخِيرُهُ عَنْهُما لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والصّافِنُ مِنَ الخَيْلِ الَّذِي يَرْفَعُ إحْدى يَدَيْهِ أوْ رِجْلَيْهِ، ويَقِفُ عَلى مُقَدَّمِ حافِرِها، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ:
ألِفَ الصُّفُونَ فَما يَزالُ كَأنَّهُ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَثِيرا
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ ويُسَوِّيهِما، وأمّا الَّذِي يَقِفُ عَلى طَرْفِ الحافِرِ فَهو المُتَخَيِّمُ، وعَنِ التَّهْذِيبِ ومَتْنِ اللُّغَةِ هو المُخَيِّمُ، وقالَ القُتَبِيُّ: الصّافِنُ الواقِفُ في الخَيْلِ وغَيْرِها.
وفِي الحَدِيثِ «”مَن سَرَّهُ أنْ يَقُومَ النّاسُ لَهُ صُفُونًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ“».
أيْ يُدِيمُونَ لَهُ القِيامَ، حَكاهُ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ لِلنّابِغَةِ:
لَنا قُبَّةٌ مَضْرُوبَةٌ بِفِنائِها ∗∗∗ عِتاقُ المَهارى والجِيادُ الصَّوافِنُ
وقالَ الفَرّاءُ: رَأيْتُ العَرَبَ عَلى هَذا وأشْعارُهم تَدُلُّ عَلى أنَّهُ القِيامُ خاصَّةً، والمَشْهُورُ في الصُّفُونِ ما تَقَدَّمَ، وهو مِنَ الصِّفاتِ المَحْمُودَةِ في الخَيْلِ لا تَكادُ تَتَحَقَّقُ إلّا في العَرَبِ الخُلَّصِ، ﴿الجِيادُ﴾ جَمْعُ جَوادٍ لِلذَّكَرِ والأُنْثى، يُقالُ: جادَ الفَرَسُ صارَ رائِضًا يَجُودُ جُودَةً بِالضَّمِّ، وهو جَوادٌ، ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى أجْوادٍ وأجاوِيدَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ جَوْدٍ كَثَوْبٍ، وأثْوابٍ، وفُسِّرَ بِالَّذِي يُسْرِعُ في مَشْيِهِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَجُودُ بِالرَّكْضِ، وقِيلَ: وُصِفَتْ بِالصُّفُونِ والجُودَةِ لِبَيانِ جَمْعِها بَيْنَ الوَصْفَيْنِ المَحْمُودَيْنِ واقِفَةً وجارِيَةً، أيْ إذا وقَفَتْ كانَتْ ساكِنَةً مُطْمَئِنَّةً في مَواقِفِها، وإذا جَرَتْ كانَتْ سِراعًا خِفافًا في جَرْيِها، والخَيْلُ تُمْدَحُ بِالسُّكُونِ في المَوْقِفِ كَما تُمْدَحُ بِالسُّرْعَةِ في الجَرْيِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ مُسْلِمِ بْنِ الوَلِيدِ:
وإذا احْتَبى قَرَبُوسُهُ بِعِنانِهِ ∗∗∗ عَلَكَ الشَّكِيمَ إلى انْصِرافِ الزّائِرِ
وقِيلَ: جَيِّدٌ كَكَيِّسٍ، ضِدَّ الرَّدِيءِ، ويُجْمَعُ عَلى جِياداتٍ وجَيائِدَ، وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في ذِكْرِهِ مَعَ ﴿الصّافِناتُ﴾ حِينَئِذٍ وبِأنَّهُ يُفَوِّتُ عَلَيْهِ مَدْحَ الخَيْلِ بِاعْتِبارِ حالَيْها، وكَوْنُ الجِيادِ أعَمَّ، فَذِكْرُهُ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ فِيهِ نَظَرٌ.
وفِي البَحْرِ قِيلَ: الجِيادُ الطِّوالُ الأعْناقِ مِنَ الجِيدِ، وهو العُنُقُ، وأنا في شَكٍّ مِن ثُبُوتِهِ، قالَ في القامُوسِ: الجِيدُ بِالكَسْرِ العُنُقُ أوْ مُقَلَّدُهُ، أوْ مُقَدَّمُهُ، جَمْعُهُ أجْيادٌ وجُيُودٌ، وبِالتَّحْرِيكِ طُولُها أوْ دِقَّتُها مَعَ طُولٍ، وهو أجْيَدُ، وهي جَيْداءُ، وجَيْدانَةٌ جَمْعُهُ جُوَدٌ اهـ، وراجَعْتُ غَيْرَهُ فَلَمْ أجِدْ فِيهِ زِيادَةً عَلى ذَلِكَ فَلْيَنْقَرَّ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الجِيادَ جَمْعٌ شاذٌّ لِأجْيَدَ، أوْ جَيْداءَ، أوْ جَيْدانَةٍ، أوْ هو جَمْعٌ لِجَيَدٍ بِالتَّحْرِيكِ كَجَمَلٍ وجِمالٍ، ويُرادُ بِجَيَدٍ أجْيَدُ، أوْ نَحْوُهُ، نَظِيرَ ما يُرادُ بِالخَلْقِ المَخْلُوقُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وأيًّا ما كانَ فالوَصْفانِ يُوصَفُ بِهِما المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ مِنَ الخَيْلِ، والجَمْعُ بِألِفٍ وتاءٍ لا يَخُصُّ المُؤَنَّثَ فَلا حاجَةَ بَعْدَ القَوْلِ بِأنَّ ما عُرِضَ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى ذُكُورِ الخَيْلِ وإناثِها إلى القَوْلِ بِأنَّ في الصّافِناتِ تَغْلِيبُ المُؤَنَّثِ عَلى المُذَكَّرِ، وأنَّهُ يَجُوزُ بِقِلَّةٍ، وأُرِيدَ بِالجَمْعِ هُنا الكَثْرَةُ، فَعَنِ الكَلْبِيِّ: أنَّ هَذِهِ الخَيْلَ كانَتْ ألْفَ فَرَسٍ غَزا سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - دِمَشْقَ ونُصَيْبِينَ فَأصابَها. واسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الرِّوايَةُ بِأنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَحِلَّ لِغَيْرِ نَبِيِّنا ﷺ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ فَيْئًا لا غَنِيمَةً، وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّها
صفحة 191
ألْفُ فَرَسٍ ورِثَها مِن أبِيهِ داوُدَ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ أصابَها مِنَ العَمالِقَةِ، وهم بَنُو عِمْلِيقِ بْنِ عُوصَ بْنِ عادِ بْنِ إرَمَ.
واسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ زِيادَةً عَلى الأُولى، بِأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لا يُورَثُونَ كَما جاءَ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مُحْتَجًّا بِهِ في مَسْألَةِ فَدَكٍ والعَوالِي بِمَحْضِرِ الصَّحابَةِ، وهُمُ الَّذِينَ لا تَأْخُذُهم في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ.
وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالإرْثِ حِيازَةُ التَّصَرُّفِ لا المِلْكُ، وعَقَرَها تَقَرُّبًا عَلى ما في الأوْجُهِ في الآيَةِ بَعْدُ، وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ لا يَقْتَضِي المِلْكَ، وقالَ عَوْفٌ: بَلَغَنِي أنَّها كانَتْ خَيْلًا ذاتَ أجْنِحَةٍ، أُخْرِجَتْ لَهُ مِنَ البَحْرِ لَمْ تَكُنْ لِأحَدٍ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، ورُوِيَ كَوْنُها كَذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ أنَّها كانَتْ عِشْرِينَ ألْفَ فَرَسٍ ذاتِ أجْنِحَةٍ، ولَيْسَ في هَذا شَيْءٌ سِوى الِاسْتِبْعادِ، وإذا لَمْ يُلْتَفَتْ إلى الأخْبارِ في ذَلِكَ إذْ لَيْسَ فِيها خَبَرٌ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ، أوْ ما في حُكْمِهِ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِيما أعْلَمُ، فَلَنا أنْ نَقُولَ: هي خَيْلٌ كانَتْ لَهُ كالخَيْلِ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ المُلُوكِ، وصَلَتْ إلَيْهِ بِسَبَبٍ مِن أسْبابِ المُلْكِ، فاسْتَعْرَضَها فَلَمْ تَزَلْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ حَتّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قِيلَ: وغَفَلَ عَنْ صَلاةِ العَصْرِ، وحَكى هَذا الطَّبَرْسِيُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.
وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ ثُمَّ قالَ: وفي رِواياتِ أصْحابِنا أنَّهُ فاتَهُ أوَّلُ الوَقْتِ. وقالَ الجُبّائِيُّ: لَمْ يَفُتْهُ الفَرْضُ، وإنَّما فاتَهُ نَفْلٌ كانَ يَفْعَلُهُ آخِرَ النَّهارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences