Al-AlusiSad · 38:34–36

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Sad 38:34–36

38:34Page 455

وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ ٣٤

And We certainly tried Solomon and placed on his throne a body;1 then he returned.2

﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ أظْهَرَ ما قِيلَ في فِتْنَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ: لَأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى سَبْعِينَ امْرَأةً تَأْتِي كُلُّ واحِدَةٍ بِفارِسٍ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَطافَ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ تَحْمِلْ إلّا امْرَأةٌ، وجاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وقَدْ رَوى ذَلِكَ الشَّيْخانِ، وغَيْرُهُما، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وفِيهِ: «”فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ لَجاهَدُوا فُرْسانًا“».

لَكِنَّ الَّذِي في صَحِيحِ البُخارِيِّ (أرْبَعِينَ) بَدَلَ (سَبْعِينَ)، وأنَّ المَلَكَ قالَ لَهُ: قُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ.

وغايَتُهُ تَرْكُ الأوْلى، فَلَيْسَ بِذَنْبٍ، وإنْ عَدَّهُ هو - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَنْبًا، فالمُرادُ بِالجَسَدِ ذَلِكَ الشِّقُّ الَّذِي وُلِدَ لَهُ، ومَعْنى إلْقائِهِ عَلى كُرْسِيِّهِ وضْعُ القابِلَةِ لَهُ عَلَيْهِ لِيَراهُ.

ورَوى الإمامِيَّةُ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنَّهُ وُلِدَ لِسُلَيْمانَ ابْنٌ، فَقالَتِ الجِنُّ والشَّياطِينُ: إنْ عاشَ لَهُ ولَدٌ لَنَلْقَيَنَّ مِنهُ ما لَقِينا مِن أبِيهِ مِنَ البَلاءِ، فَأشْفَقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنهُمْ، فَجَعَلَهُ وظِئْرَهُ في السَّحابِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، فَلَمْ يَشْعُرْ إلّا وقَدْ أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ مَيِّتًا. تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَذَرَ لا يُنْجِي مِنَ القَدَرِ، وعُوتِبَ عَلى تَرْكِهِ التَّوَكُّلَ اللّائِقَ بِالخَواصِّ مِن تَرْكِ مُباشَرَةِ الأسْبابِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أيْضًا، ورَواهُ بَعْضُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَلى وجْهٍ لا يَشُكُّ في وضْعِهِ إلّا مَن يَشُكُّ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأنا في صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ لَسْتُ عَلى يَقِينٍ، بَلْ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ تَسْخِيرَ الرِّيحِ بَعْدَ الفِتْنَةِ وهو ظاهِرٌ في عَدَمِ صِحَّةِ الخَبَرِ، لِأنَّ الوَضْعَ في السَّحابِ يَقْتَضِي ذَلِكَ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - احْتَجَبَ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: أنْ يا سُلَيْمانُ احْتَجَبْتَ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَلَمْ تَنْظُرْ في أُمُورِ عِبادِي، ولَمْ تُنْصِفْ مَظْلُومًا مِن ظالِمٍ، وكانَ مُلْكُهُ في خاتَمِهِ، وكانَ إذا دَخَلَ الحَمّامَ وضَعَ خاتَمَهُ تَحْتَ فِراشِهِ، فَجاءَ الشَّيْطانُ، فَأخَذَهُ، فَأقْبَلَ النّاسُ عَلى الشَّيْطانِ، فَقالَ سُلَيْمانُ: يا أيُّها النّاسُ، أنا سُلَيْمانُ، نَبِيُّ اللَّهِ تَعالى، فَدَفَعُوهُ، فَساحَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَأتى أهْلَ سَفِينَةٍ، فَأعْطَوْهُ حُوتًا، فَشَقَّها، فَإذا هو بِالخاتَمِ فِيها، فَتَخَتَّمَ بِهِ، ثُمَّ جاءَ، فَأخَذَ بِناصِيَتِهِ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ”رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي“

وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، قالَ ابْنُ حَجَرٍ، والسُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أرادَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَدْخُلَ الخَلاءَ فَأعْطى لِجَرادَةَ خاتَمَهُ، وكانَتِ امْرَأتَهُ، وكانَتْ أحَبَّ نِسائِهِ إلَيْهِ، فَجاءَ الشَّيْطانُ

صفحة 199

فِي صُورَةِ سُلَيْمانَ، فَقالَ لَها: هاتِي خاتَمِي، فَأعْطَتْهُ، فَلَمّا لَبِسَهُ دانَتِ الإنْسُ والجِنُّ والشَّياطِينُ، فَلَمّا خَرَجَ سُلَيْمانُ قالَ لَها: هاتِي خاتَمِي، قالَتْ: قَدْ أعْطَيْتُهُ سُلَيْمانَ، قالَ: أنا سُلَيْمانُ، قالَتْ: كَذَبْتَ، لَسْتَ سُلَيْمانَ، فَجَعَلَ لا يَأْتِي أحَدًا، فَيَقُولُ لَهُ: أنا سُلَيْمانُ، إلّا كَذَّبَهُ، حَتّى جَعَلَ الصِّبْيانُ يَرْمُونَهُ بِالحِجارَةِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ عَرَفَ أنَّهُ مِن أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وقامَ الشَّيْطانُ يَحْكُمُ بَيْنَ النّاسِ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ سُلْطانَهُ ألْقى في قُلُوبِ النّاسِ إنْكارَ ذَلِكَ الشَّيْطانِ، فَأرْسَلُوا إلى نِساءِ سُلَيْمانَ فَقالُوا: أتُنْكِرْنَ مِن سُلَيْمانَ شَيْئًا؟ قُلْنَ: نَعَمْ، إنَّهُ يَأْتِينا، ونَحْنُ حُيَّضٌ، وما كانَ يَأْتِينا قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأى الشَّيْطانُ أنَّهُ قَدْ فُطِنَ لَهُ، ظَنَّ أنَّ أمْرَهُ قَدِ انْقَطَعَ، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَكَتَبُوا كُتُبًا فِيها سِحْرٌ ومَكْرٌ، فَدَفَنُوها تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ، ثُمَّ أثارُوها، وقَرَؤُوها عَلى النّاسِ، وقالُوا: بِهَذا كانَ يَظْهَرُ سُلَيْمانُ عَلى النّاسِ، ويَغْلِبُهُمْ، فَأكْفَرَ النّاسُ سُلَيْمانَ، وبَعَثَ ذَلِكَ الشَّيْطانُ بِالخاتَمِ، فَطَرَحَهُ في البَحْرِ، فَتَلَقَّتْهُ سَمَكَةٌ فَأخَذَتْهُ، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْمَلُ عَلى شَطِّ البَحْرِ بِالأجْرِ، فَجاءَ رَجُلٌ فاشْتَرى سَمَكًا فِيهِ تِلْكَ السَّمَكَةُ، فَدَعا سُلَيْمانَ، فَحَمَلَ مَعَهُ السَّمَكَ إلى بابِ دارِهِ، فَأعْطاهُ تِلْكَ السَّمَكَةَ فَشَقَّ بَطْنَها، فَإذا الخاتَمُ فِيهِ، فَأخَذَهُ فَلَبِسَهُ، فَدانَتْ لَهُ الإنْسُ، والجِنُّ، والشَّياطِينُ، وعادَ إلى حالِهِ، وهَرَبَ الشَّيْطانُ إلى جَزِيرَةٍ في البَحْرِ، فَأرْسَلَ في طَلَبِهِ، وكانَ مَرِيدًا، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ حَتّى وجَدُوهُ نائِمًا، فَبَنَوْا عَلَيْهِ بُنْيانًا مِن رَصاصٍ فاسْتَيْقَظَ، فَأوْثَقُوهُ، وجاؤُوا بِهِ إلى سُلَيْمانَ، فَأمَرَ، فَنُقِرَ لَهُ صُنْدُوقٌ مِن رُخامٍ، فَأُدْخِلَ في جَوْفِهِ، ثُمَّ سُدَّ بِالنُّحاسِ، ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَطُرِحَ في البَحْرِ.

وذُكِرَ في سَبَبِ ذَلِكَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ غَزا صَيْدُونَ في الجَزائِرِ، فَقَتَلَ مَلِكَها، وأصابَ ابْنَتَهُ، وهي جَرادَةُ المَذْكُورَةُ فَأحَبَّها، وكانَ لا يَرْقَأُ دَمْعُها جَزَعًا عَلى أبِيها، فَأمَرَ الشَّياطِينَ فَمَثَّلُوا لَها صُورَتَهُ، وكانَ ذَلِكَ جائِزًا في شَرِيعَتِهِ، وكانَتْ تَغْدُو إلَيْها وتَرُوحُ مَعَ ولائِدِها يَسْجُدْنَ لَها كَعادَتِهِنَّ في مُلْكِهِ، فَأخْبَرَهُ آصِفُ فَكَسَرَ الصُّورَةَ، وضَرَبَ المَرْأةَ فَعُوتِبَ بِذَلِكَ حَيْثُ تَغافَلَ عَنْ حالِ أهْلِهِ.

واخْتُلِفَ في اسْمِ ذَلِكَ الشَّيْطانِ، فَعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ حَبْقِيقُ، وعَنِ الأكْثَرِينَ أنَّهُ صَخْرٌ، وهو المَشْهُورُ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿جَسَدًا﴾ لِأنَّهُ إنَّما تَمَثَّلَ بِصُورَةِ غَيْرِهِ، وهو سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وتِلْكَ الصُّورَةُ المُتَمَثَّلَةُ لَيْسَ فِيها رُوحُ صاحِبِها الحَقِيقِيِّ، وإنَّما حَلَّ في قالَبِها ذَلِكَ الشَّيْطانُ، فَلِذا سُمِّيَتْ جَسَدًا، وعِبارَةُ القامُوسِ صَرِيحَةٌ في أنَّ الجَسَدَ يُطْلَقُ عَلى الجِنِّيِّ.

وقالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِن أوْضاعِ اليَهُودِ، وزَنادِقَةِ السُّوفِسْطائِيَّةِ، ولا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يَعْتَقِدَ صِحَّةَ ما فِيها، وكَيْفَ يَجُوزُ تَمَثُّلُ الشَّيْطانِ بِصُورَةِ نَبِيٍّ حَتّى يَلْتَبِسَ أمْرُهُ عِنْدَ النّاسِ، ويَعْتَقِدُوا أنَّ ذَلِكَ المُتَصَوِّرَ هو النَّبِيُّ، ولَوْ أمْكَنَ وُجُودُ هَذا لَمْ يُوثَقْ بِإرْسالِ نَبِيٍّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى سَلامَةَ دِينِنا وعُقُولِنا، ومِن أقْبَحِ ما فِيها زَعْمُ تَسَلُّطِ الشَّيْطانِ عَلى نِساءِ نَبِيِّهِ حَتّى وطِئَهُنَّ، وهُنَّ حُيَّضٌ، اللَّهُ أكْبَرُ، هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ وخَطْبٌ جَسِيمٌ، ونِسْبَةُ الخَبَرِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لا تُسَلَّمُ صِحَّتُها، وكَذا لا تُسَلَّمُ دَعْوى قُوَّةِ سَنَدِهِ إلَيْهِ وإنْ قالَ بِها مَن سَمِعْتَ.

وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِرِوايَةِ عَبْدِ الرَّزّاقِ، وابْنِ المُنْذِرِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ ذَلِكَ مِن أخْبارِ كَعْبٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ كَعْبًا يَرْوِيهِ عَنْ كُتُبِ اليَهُودِ، وهي لا يُوثَقُ بِها، عَلى أنَّ إشْعارَ ما يَأْتِي بِأنَّ تَسْخِيرَ الشَّياطِينِ بَعْدَ الفِتْنَةِ يَأْبى صِحَّةَ هَذِهِ المَقالَةِ كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ أمْرَ خاتَمِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في غايَةِ الشُّهْرَةِ بَيْنَ الخَواصِّ والعَوّامِ، ويُسْتَبْعَدُ جِدًّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ رَبَطَ ما أعْطى نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المُلْكِ بِذَلِكَ الخاتَمِ، وعِنْدِي أنَّهُ لَوْ كانَ في ذَلِكَ الخاتَمِ السِّرُّ الَّذِي يَقُولُونَ لَذَكَرَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في كِتابِهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

وقالَ قَوْمٌ: مَرِضَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَرَضًا كالإغْماءِ حَتّى صارَ عَلى كُرْسِيِّهِ كَأنَّهُ جَسَدٌ بِلا رُوحٍ، وقَدْ شاعَ

صفحة 200

قَوْلُهم في الضَّعِيفِ: لَحْمٌ عَلى وضَمٍ، وجَسَدٌ بِلا رُوحٍ، فالجَسَدُ المُلْقى عَلى الكُرْسِيِّ هو - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَفْسُهُ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ، وقالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنابَ﴾ أيْ رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، وجَعَلَ ﴿جَسَدًا﴾ حالًا مِن مَفْعُولِ (ألْقَيْنا) المَحْذُوفِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ أيِ ابْتَلَيْناهُ، وأمْرَضْناهُ وألْقَيْناهُ عَلى كُرْسِيِّهِ ضَعِيفًا كَأنَّهُ جَسَدٌ بِلا رُوحٍ، ثُمَّ رَجَعَ إلى صِحَّتِهِ، ولا يَخْفى سَقَمُهُ، والحَقُّ ما ذُكِرَ أوَّلًا في الحَدِيثِ المَرْفُوعِ، وعُطِفَ ﴿أنابَ﴾ بِثُمَّ، وكانَ الظّاهِرُ الفاءَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ قِيلَ: إشارَةٌ إلى اسْتِمْرارِ إنابَتِهِ وامْتِدادِها، فَإنَّ المُمْتَدَّ يُعْطَفُ بِها نَظَرًا لِأواخِرِهِ بِخِلافِ الِاسْتِغْفارِ، فَإنَّهُ يَنْبَغِي المُسارَعَةُ إلَيْهِ، ولا امْتِدادَ في وقْتِهِ، وقِيلَ: إنَّ العَطْفَ بِثُمَّ هُنا لِما أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَعْلَمِ الدّاعِيَ إلى الإنابَةِ عَقِيبَ وُقُوعِهِ وهَذا بِخِلافِ ما كانَ في قِصَّةِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّ العَطْفَ هُناكَ عَلى ظَنِّ الفِتْنَةِ، واللّائِقُ بِهِ أنْ لا يُؤَخِّرَ الِاسْتِغْفارَ عَنْهُ، وقِيلَ: العَطْفُ بِها هُنا لِما أنَّ بَيْنَ زَمانِ الإنابَةِ وأوَّلِ زَمانِ ما وقَعَ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَرْكِ الِاسْتِثْناءِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وهي مُدَّةُ الحَمْلِ، ولَيْسَ بَيْنَ زَمانِ اسْتِغْفارِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأوَّلِ زَمانِ ما وقَعَ مِنهُ كَذَلِكَ،

38:35Page 455

قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٣٥

He said, "My Lord, forgive me and grant me a kingdom such as will not belong to anyone after me. Indeed, You are the Bestower."

﴿قالَ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿أنابَ﴾ وتَفْسِيرٌ لَهُ عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وهو الظّاهِرُ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا نَشَأ مِن حِكايَةِ ما تَقَدَّمَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَهَلْ كانَ لَهُ حالٌ لا يَضُرُّ مَعَهُ مَسْحُ الخَيْلِ سُوقِها وأعْناقِها، وهَلْ كانَ بِحَيْثُ تَقْتَضِي الحِكْمَةُ فِتْنَتَهُ؟ فَأُجِيبَ بِما أُجِيبَ، وحاصِلُهُ نَعَمْ، كانَ لَهُ حالٌ لا يَضُرُّ مَعَهُ المَسْحُ، وكانَ بِحَيْثُ تَقْتَضِي الحِكْمَةُ فِتْنَتَهُ، فَقَدْ دَعا بِمُلْكٍ عَظِيمٍ فَوُهِبَ لَهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقَرَّرَ الِاسْتِئْنافُ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وكَذا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا لِحِكايَةِ شَيْءٍ مِن أحْوالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَأمَّلْ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ما لَمْ أسْتَحْسِنْ صُدُورَهُ عَنِّي.

﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ أيْ لا يَصِحُّ لِأحَدٍ غَيْرِي لِعَظَمَتِهِ، فَبَعْدُ هُنا نَظِيرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ أيْ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، وهو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ الغَيْرُ في عَصْرِهِ، والمُرادُ وصْفُ المُلْكِ بِالعَظَمَةِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ كَقَوْلِكَ: لِفُلانٍ ما لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الفَضْلِ والمالِ، ورُبَّما كانَ في النّاسِ أمْثالُهُ، تُرِيدُ أنَّ لَهُ مِن ذَلِكَ شَيْئًا عَظِيمًا، لا أنْ لا يُعْطى أحَدٌ مِثْلَهُ، لِيَكُونَ مُنافَسَةً، وما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ عِفْرِيتًا جَعَلَ يَتَفَلَّتُ عَلَيَّ البارِحَةَ، لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلاتِي، وإنَّ اللَّهَ تَعالى أمْكَنَنِي مِنهُ، فَلَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أرْبِطَهُ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تُصْبِحُوا، فَتَنْظُرُوا إلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أخِي سُلَيْمانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ فَرَدَّهُ اللَّهُ تَعالى خاسِئًا“». لا يُنافِي ذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أرادَ كَمالَ رِعايَةِ دَعْوَةِ أخِيهِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِتَرْكِ شَيْءٍ تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ المُلْكُ العَظِيمُ، وإلّا فالمُلْكُ العَظِيمُ لَيْسَ مُجَرَّدَ رَبْطِ عِفْرِيتٍ إلى سارِيَةٍ، بَلْ هو سائِرُ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ - تَعالى - الآتِي: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: إنَّ عَدَمَ المُنافاةِ لِأنَّ الكِنايَةَ تُجامِعُ إرادَةَ الحَقِيقَةِ، كَما تُجامِعُ إرادَةَ عَدَمِها، ولَعَلَّهُ إنَّما طَلَبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ لِيَكُونَ عَلامَةً عَلى قَبُولِ سُؤالِهِ المَغْفِرَةَ، وجَبْرِ قَلْبٍ عَمّا فاتَهُ بِتَرْكِ الِاسْتِثْناءِ، أوْ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلى تَكْثِيرِ طاعَتِهِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ونِعْمَةُ الدُّنْيا الصّالِحَةُ لِلْعَبْدِ الصّالِحِ، فَلا إشْكالَ في طَلَبِ المُلْكِ في هَذا المَقامِ، إذا قُلْنا بِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ مِن صُدُورِ الطَّلَبَيْنِ مَعًا.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ناشِئًا في بَيْتِ المُلْكِ والنُّبُوَّةِ ووارِثًا لَهُما، فَأرادَ أنْ يَطْلُبَ مِن رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مُعْجِزَةً فَطَلَبَ عَلى حَسَبِ إلْفِهِ مُلْكًا زائِدًا عَلى المَمالِكِ زِيادَةً خارِقَةً لِلْعادَةِ بالِغَةً حَدَّ الإعْجازِ، لِيَكُونَ

صفحة 201

ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ قاهِرًا لِلْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ، ولَنْ تَكُونَ مُعْجِزَةً حَتّى تَخْرُقَ العاداتِ فَذَلِكَ مَعْنى ﴿لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ فَقَوْلُهُ: (مِن بَعْدِي) بِمَعْنى مِن دُونِي وغَيْرِي، كَما في الوَجْهِ السّابِقِ، وحُسْنُ طَلَبِ ذَلِكَ مُعْجِزَةٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الإلْفِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ زَمَنَ الجَبّارِينَ، وتَفاخُرِهِمْ بِالمُلْكِ، ومُعْجِزَةُ كُلِّ نَبِيٍّ مِن جِنْسِ ما اشْتُهِرَ في عَصْرِهِ، ألا تَرى أنَّهُ لَمّا اشْتُهِرَ السِّحْرُ وغَلَبَ في عَهْدِ الكَلِيمِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جاءَهم بِما يَتَلَقَّفُ ما أتَوْا بِهِ. ولَمّا اشْتُهِرَ الطِّبُّ في عَهْدِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - جاءَهم بِإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى، ولَمّا اشْتُهِرَ في عَهْدِ خاتَمِ الرُّسُلِ ﷺ الفَصاحَةُ أتاهم بِكَلامٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى أقْصَرِ فَصْلٍ مِن فُصُولِهِ. واعْتُرِضَ بِأنَّ اللّائِقَ بِطَلَبِ المُعْجِزَةِ أنْ يَكُونَ في ابْتِداءِ النُّبُوَّةِ، وظاهِرُ النَّظْمِ الجَلِيلِ أنَّ هَذا الطَّلَبَ كانَ بَعْدَ الفِتْنَةِ والإنابَةِ، كَيْفَ لا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ إلَخْ، بَدَلٌ مِن ﴿أنابَ﴾ وتَفْسِيرٌ لَهُ، والفِتْنَةُ لَمْ تَكُنْ في الِابْتِداءِ كَما يُشْعِرُ بِهِ النَّظْمُ. وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ اللّائِقَ بِطَلَبِ المُعْجِزَةِ كَوْنُها في ابْتِداءِ النُّبُوَّةِ، وإنْ سُلِّمَ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يُنافِي وُقُوعَهُ، وكَذا وُقُوعُ الفِتْنَةِ في ابْتِدائِها، لا سِيَّما إنْ قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ إلَخْ، لَيْسَ تَفْسِيرًا لِأنابَ. وأُجِيبَ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الفِتْنَةَ كانَتْ سَلْبَ المُلْكِ بِأنَّ رُجُوعَهُ بَعْدُ كالِابْتِداءِ.

وذَكَرَ بَعْضُ الذّاهِبِينَ إلى ذَلِكَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أقامَ في مُلْكِهِ قَبْلَ هَذِهِ الفِتْنَةِ عِشْرِينَ سَنَةً، وأقامَ بَعْدَها عِشْرِينَ سَنَةً أيْضًا، وقالُوا في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ مَصَبَّ الدُّعاءِ الوَصْفُ، فَمَعْنى الآيَةِ: هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ غَيْرِي مِمَّنْ هو في عَصْرِي بِأنْ يَسْلُبَهُ مِنِّي كَهَذِهِ السُّلْبَةِ.

ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، وقَتادَةَ، وحاصِلُهُ الدُّعاءُ بِعَدَمِ سَلْبِ مُلْكِهِ عَنْهُ في حَياتِهِ، ويُفْهَمُ مِمّا في سِياقِ التَّفْرِيعِ إجابَةُ سُؤالِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّ ما وُهِبَ لَهُ لا يُسْلَبُ عَنْهُ بَعْدُ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا دُعاءً بِعَدَمِ السَّلْبِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ سَلْبٌ، ودَوامُ نِعْمَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِمّا يَحْسُنُ الدُّعاءُ بِهِ، والآثارُ مَلْأى مِن ذَلِكَ، فَهَذا الوَجْهُ لا يَتَعَيَّنُ بِناؤُهُ عَلى تَفْسِيرِ الفِتْنَةِ بِسَلْبِ المُلْكِ عَلى ما حُكِيَ سابِقًا.

وقالَ الجُبّائِيُّ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَلَبَ مُلْكًا لا يَكُونُ لِغَيْرِهِ أبَدًا، ولَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ الإذْنِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لا يَطْلُبُونَ إلّا ما يُؤْذَنُ لَهم في طَلَبِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَهُ أنَّهُ إنْ سَألَ ذَلِكَ كانَ أصْلَحَ لَهُ في الدِّينِ، وأعْلَمَهُ أنْ لا صَلاحَ لِغَيْرِهِ فِيهِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِ القائِلِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أكْثَرَ أهْلِ زَمانِي مالًا إذا عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ أصْلَحُ لِي، فَإنَّهُ حَسَنٌ لا يُنْسَبُ قائِلُهُ إلى شُحٍّ اهـ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ: هَبْ لِي مُلْكًا يَنْبَغِي لِي حِكْمَةً ولا يَنْبَغِي حِكْمَةً لِأحَدٍ غَيْرِي، وأرادَ بِذَلِكَ طَلَبَ أنْ يَكُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُتَأهِّلًا لِنِعَمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وهو كَما تَرى. وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، ومِن أعْجَبِ ما رَأيْتُ ما قالَهُ السَّيِّدُ المُرْتَضى: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنَّما سَألَ مُلْكَ الآخِرَةِ وثَوابَ الجَنَّةِ، ويَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ لا يَسْتَحِقُّهُ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِ مِن حَيْثُ لا يَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ ذَلِكَ لِانْقِطاعِ التَّكْلِيفِ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا لا يَرْتَضِيهِ الذَّوْقُ، والتَّفْرِيعُ الآتِي آبٍ عَنْهُ كُلَّ الإباءِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ فِيها عَلى تَكْفِيرِ مَنِ ادَّعى اسْتِخْدامَ الجِنِّ وطاعَتَهم لَهُ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِالحَدِيثِ السّابِقِ، والحَقُّ أنَّ اسْتِخْدامَ الجِنِّ الثّابِتَ لِسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ بِواسِطَةِ أسْماءٍ ورِياضاتٍ، بَلْ هو تَسْخِيرٌ إلَهِيٌّ مِن غَيْرِ واسِطَةِ شَيْءٍ، وكانَ أيْضًا عَلى وجْهٍ أتَمَّ، وهو مَعَ

صفحة 202

ذَلِكَ بَعْضُ المُلْكِ الَّذِي اسْتَوْهَبَهُ، فالمُخْتَصُّ عَلى تَقْدِيرِ إفادَةِ الآيَةِ الِاخْتِصاصَ مَجْمُوعُ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَخَّرْنا﴾ إلَخْ، فالظّاهِرُ عَدَمُ إكْفارِ مَن يَدَّعِي اسْتِخْدامَ شَيْءٍ مِنَ الجِنِّ، ونَحْنُ قَدْ شاهَدْنا مِرارًا مَن يَدَّعِي ذَلِكَ، وشاهَدْنا آثارَ صِدْقِ دَعْواهُ عَلى وجْهٍ لا يُنْكِرُهُ إلّا سُوفِسْطائِيٌّ أوْ مُكابِرٌ.

ومِنَ الِاتِّفاقِيّاتِ الغَرِيبَةِ أنِّي اجْتَمَعْتُ يَوْمَ تَفْسِيرِي لِهَذِهِ الآيَةِ بِرَجُلٍ مَوْصِلِيٍّ يَدَّعِي ذَلِكَ، وامْتَحَنْتُهُ بِما يُصَدِّقُ دَعْواهُ في مَحْفِلٍ عَظِيمٍ، فَفَعَلَ، وأتى بِالعَجَبِ العُجابِ، وكانَتِ الأدِلَّةُ عَلى نَفْيِ احْتِمالِ الشَّعْبَذَةِ ونَحْوِها ظاهِرَةً لِذَوِي الألْبابِ، إلّا أنَّ لِي إشْكالًا في هَذا المَقامِ، وهو أنَّ الخادِمَ الجِنِّيَّ قَدْ يُحْضِرُ الشَّيْءَ الكَثِيفَ مِن نَحْوِ صُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ بَيْنَ جَمْعٍ في حُجْرَةٍ أُغْلِقَتْ أبْوابُها، وسُدَّتْ مَنافِذُها، ولَمْ يَشْعُرْ بِهِ أحَدٌ، ووَجْهُ الإشْكالِ أنَّ الجِنِّيَّ لَطِيفٌ، فَكَيْفَ سَتَرَ الكَثِيفَ فَلَمْ يَرَ في الطَّرِيقِ، وكَيْفَ أخْرَجَهُ مِنَ الصُّنْدُوقِ، وأدْخَلَهُ الحُجْرَةَ، وقَدْ سُدِّدَتِ المَنافِذُ، وتُلَطِّفُ الكَثِيفَ ثُمَّ تُكَثِّفُهُ بَعْدُ مِمّا لا يَقْبَلُهُ إلّا كَثِيفٌ أوْ سَخِيفٌ، ومِثْلُ ذَلِكَ كَوْنُ الإحْضارِ المَذْكُورِ عَلى نَحْوِ إحْضارِ عَرْشِ بِلْقِيسَ بِالإعْدامِ والإيجادِ كَما يَقُولُهُ الشَّيْخُ الأكْبَرُ، أوْ بِوَجْهٍ آخَرَ كَما يَقُولُ غَيْرُهُ، ولَعَلَّ الشَّرْعَ أيْضًا يَأْبى هَذا، وسُرْعَةُ المُرُورِ إنْ نَفَعَتْ، فَفي عَدَمِ الرُّؤْيَةِ في الطَّرِيقِ، وقُصارى ما يُقالُ لَعَلَّ لِلْجِنِّيِّ سِحْرًا أوْ نَحْوَهُ سَلَبَ بِهِ الإحْساسَ، فَتَصَرَّفَ بِالصُّنْدُوقِ، ومَنافِذِ الحُجْرَةِ حَسْبَما أرادَ، وأتى بِالكَثِيفِ يَحْمِلُهُ ولَمْ يَشْعُرْ بِهِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ، فَإنْ تَمَّ هَذا فَبِها، وإلّا فالأمْرُ مُشْكِلٌ، وظاهِرُ جَعْلِ جُمْلَةِ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ تَفْسِيرًا لِلْإنابَةِ يَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِغْفارَ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ لا وسِيلَةٌ لِلِاسْتِيهابِ، وفي كَوْنِ الِاسْتِيهابِ مَقْصُودًا لِذاتِهِ أيْضًا احْتِمالانِ.

وتَقْدِيمُ الِاسْتِغْفارِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِما مَقْصُودَيْنِ بِالذّاتِ لِمَزِيدِ اهْتِمامِهِ بِأمْرِ الدِّينِ، وقَدْ يُجْعَلُ مَعَ هَذا وسِيلَةً لِلِاسْتِيهابِ المَقْصُودِ أيْضًا، فَإنَّ افْتِتاحَ الدُّعاءِ بِنَحْوِ ذَلِكَ أرْجى لِلْإجابَةِ، وجُوِّزَ عَلى بُعْدٍ بَعْدَ التِزامِ الِاسْتِئْنافِ في الجُمْلَةِ كَوْنُ الِاسْتِيهابِ هو المَقْصُودُ لِذاتِهِ والِاسْتِغْفارِ وسِيلَةً لَهُ، وسَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما قِيلَ في الِاسْتِئْناسِ لَهُ.

وقُرِئَ: ”مِن بَعْدِيَ“ بِفَتْحِ الياءِ، وحُكِيَ القِراءَةُ بِهِ في لِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلدُّعاءِ بِالمَغْفِرَةِ والهِبَةِ مَعًا لا لِلدُّعاءِ بِالأخِيرَةِ فَقَطْ، فَإنَّ المَغْفِرَةَ أيْضًا مِن أحْكامِ وصْفِ الوَهّابِيَّةِ قَطْعًا، ومَن جَوَّزَ كَوْنَ الِاسْتِيهابِ هو المَقْصُودُ اسْتَأْنَسَ لَهُ بِهَذا التَّعْلِيلِ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ لِلدُّعاءِ بِالأخِيرَةِ فَقَطْ، وكَذا بِعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِإجابَةِ الدُّعاءِ بِالأوْلى، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى:

38:36Page 455

فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ ٣٦

So We subjected to him the wind blowing by his command, gently, wherever he directed,

﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ إلى آخِرِهِ تَفْرِيعٌ عَلى طَلَبِهِ مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ، ولَوْ كانَ الِاسْتِغْفارُ مَقْصُودًا أيْضًا لَقِيلَ: فَغَفَرْنا لَهُ وسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ إلَخْ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ المَغْفِرَةَ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لا سِيَّما الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لَمّا كانَتْ أمْرًا مَعْلُومًا بِخِلافِ هِبَةِ مُلْكٍ لِمَنِ اسْتَوْهَبَ لَمْ يُصَرِّحْ بِها، واكْتَفى بِدِلالَةِ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الفاءِ مَعَ ما في الآيَةِ بَعْدُ عَلى ذَلِكَ، وتَقْوى هَذِهِ الدِّلالَةُ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ طَلَبُ المُلْكِ عَلامَةً عَلى قَبُولِ اسْتِغْفارِهِ، وإجابَةِ دُعائِهِ فَتَأمَّلْ، والتَّسْخِيرُ التَّذْلِيلُ أيْ فَذَلَّلْناها لِطاعَتِهِ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ، وقِيلَ: أدَمْنا تَذْلِيلَها كَما كانَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ ”الرِّياحَ“ بِالجَمْعِ، قِيلَ: وهو أوْفَقُ لِما شاعَ مِن أنَّ الرِّيحَ تُسْتَعْمَلُ في الشَّرِّ، والرِّياحَ في الخَيْرِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ بَيانٌ لِتَسْخِيرِها لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ حالٌ أيْ جارِيَةٌ بِأمْرِهِ، ﴿رُخاءً﴾ أيْ لَيِّنَةً مِنَ الرَّخاوَةِ لا تُحَرِّكُ لِشِدَّتِها. واسْتَشْكَلَ هَذا بِأنَّهُ يُنافِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ لِوَصْفِها ثَمَّتَ بِالشِّدَّةِ، وهُنا بِاللِّينِ.

وأُجِيبَ بِأنَّها كانَتْ في أصْلِ الخِلْقَةِ شَدِيدَةً لَكِنَّها صارَتْ لِسُلَيْمانَ لَيِّنَةً سَهْلَةً أوْ أنَّها تَشْتَدُّ عِنْدَ الحَمْلِ، وتَلِينُ

صفحة 203

عِنْدَ السَّيْرِ، فَوُصِفَتْ بِاعْتِبارِ حالَيْنِ، أوْ أنَّها شَدِيدَةٌ في نَفْسِها، فَإذا أرادَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِينَها لانَتْ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأمْرِهِ﴾ أوْ أنَّها تَلِينُ وتَعْصِفُ بِاقْتِضاءِ الحالِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والضَّحّاكُ: رُخاءٌ مُطِيعَةٌ لا تُخالِفُ إرادَتَهُ، كالمَأْمُورِ المُنْقادِ، فالمُرادُ بِلِينِها انْقِيادُها لَهُ، وهو لا يُنافِي عَصْفَها، واللِّينُ يَكُونُ بِمَعْنى الإطاعَةِ، وكَذا الصَّلابَةُ، تَكُونُ بِمَعْنى العِصْيانِ.

﴿حَيْثُ أصابَ﴾ أيْ قَصَدَ وأرادَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ وقَتادَةَ، وحَكى الزَّجّاجُ عَنِ العَرَبِ: أصابَ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ، وعَنْ رُؤْبَةَ: أنَّ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ قَصَداهُ لِيَسْألاهُ عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ، فَخَرَجَ إلَيْهِما، فَقالَ: أيَّ تُصِيبانِ؟ فَقالا: هَذِهِ طَلِبَتُنا، ورَجَعا، ويُقالُ: أصابَ اللَّهُ تَعالى بِكَ خَيْرًا، وأنْشَدَ الثَّعْلَبِيُّ:

أصابَ الكَلامَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَأخْطا الجَوابَ لَدى المُعْضِلِ

وعَنْ قَتادَةَ أنَّ أصابَ بِمَعْنى أرادَ لُغَةُ هَجَرَ، وقِيلَ: لُغَةُ حِمْيَرَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أصابَ مِن صابَ يَصُوبُ بِمَعْنى نَزَلَ، والهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ حَيْثُ أنْزَلَ جُنُودَهُ. وحَيْثُ مُتَعَلِّقَةٌ بِسَخَّرْنا أوْ بِتَجْرِي،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском