Al-AlusiSad · 38:37–43

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Sad 38:37–43

38:37–38Page 455

وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٖ وَغَوَّاصٖ ٣٧

And [also] the devils [of jinn] - every builder and diver

وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ ٣٨

And others bound together in irons.

﴿والشَّياطِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى الرِّيحِ، ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بَدَلٌ مِن”الشياطين“ وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، إنْ أُرِيدَ المَعْهُودُونَ المُسَخَّرُونَ، أوْ أُرِيدَ مَن لَهُ قُوَّةُ البِناءِ، والغَوْصِ، والتَّمَكُّنِ مِنهُما، أوْ بَدَلُ بَعْضٍ إنْ لَمْ يُرَدْ ذَلِكَ، فَيُقَدَّرُ ضَمِيرٌ أيْ مِنهُمْ، والغَوْصُ لِاسْتِخْراجِ الحِلْيَةِ، وهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى ما قِيلَ: أوَّلُ مَنِ اسْتَخْرَجَ الدُّرَّ، ﴿وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿كُلَّ﴾ لا عَلى”الشياطين“ لِأنَّهم مِنهم إلّا أنْ يُرادَ العَهْدُ، ولا عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ ﴿كُلَّ﴾ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ فِيهِ إلّا الإضافَةُ إلى مُفْرَدٍ مُنَكَّرٍ أوْ جَمْعٍ مُعَرَّفٍ، والأصْفادُ جَمْعُ صَفَدٍ وهو القَيْدُ في المَشْهُورِ، وقِيلَ: الجامِعَةُ أعْنِي الغُلَّ الَّذِي يَجْمَعُ اليَدَيْنِ إلى العُنُقِ، قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِمُقَرَّنِينَ، لِأنَّ التَّقْرِينَ بِها غالِبًا، ويُسَمّى بِهِ العَطاءُ لِأنَّهُ ارْتِباطٌ لِلْمُنْعَمِ عَلَيْهِ، ومِنهُ: قَوْلُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: مَن بَرَّكَ فَقَدْ أسَرَكَ، ومَن جَفاكَ فَقَدْ أطْلَقَكَ.

وقَوْلُ القائِلِ: غَلَّ يَدًا مُطْلِقُها وفَكَّ رَقَبَةً مُعْتِقُها، وقالَ أبُو تَمّامٍ:

هِمَمِي مُعَلَّقَةٌ عَلَيْكَ رِقابُها مَغْلُولَةٌ إنَّ العَطاءَ إسارُ

وتَبِعَهُ المُتَنَبِّي في قَوْلِهِ:

وقَيَّدْتُ نَفْسِي في ذُراكَ مَحَبَّةً ∗∗∗ ومَن وجَدَ الإحْسانَ قَيْدًا تَقَيَّدا

وفَرَّقُوا بَيْنَ فِعْلَيْهِما، فَقالُوا: صَفَدَهُ قَيَّدَهُ وأصْفَدَهُ أعْطاهُ عَكْسَ وعْدِهِ وأوْعَدَهُ. ولَهم في ذَلِكَ كَلامٌ طَوِيلٌ، قالَ فِيهِ الخَفاجِيُّ ما قالَ، ثُمَّ قالَ: والتَّحْقِيقُ عِنْدِي أنَّ ها هُنا مادَّتَيْنِ في كُلٍّ مِنهُما ضارٌّ ونافِعٌ، وقَلِيلُ اللَّفْظِ، وكَثِيرُهُ، وقَدْ ورَدَ في إحْداهُما الضّارُّ بِلَفْظٍ مُقَدَّمٍ، والنّافِعُ بِلَفْظٍ كَثِيرٍ مُؤَخَّرٍ، وفي الأُخْرى عَكْسُهُ، ووَجْهُهُ في الأوَّلِ أنَّهُ أمْرٌ واقِعٌ لِأنَّهُ وُضِعَ لِلْقَيْدِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى العَطاءِ، لِأنَّهُ يُقَيِّدُ صاحِبَهُ، وعَبَّرَ بِالأقَلِّ في القَيْدِ لِضِيقِهِ المُناسِبِ لِقِلَّةِ حُرُوفِهِ وبِالأكْثَرِ في العَطاءِ لِأنَّهُ مِن شَأْنِ الكَرَمِ. وقَدَّمَ الأوَّلَ لِأنَّهُ أصْلٌ أخَفُّ، وعَكَسَ ذَلِكَ في وعَدَ وأوْعَدَ، فَعَبَّرَ في النّافِعِ بِالأقَلِّ، وقَدَّمَ، وأخَّرَ الضّارَّ وكَثَّرَ حُرُوفَهُ، لِأنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ غَيْرُ واقِعٍ، والخَيْرُ المَوْعُودُ بِهِ يُحْمَدُ سُرْعَةُ إنْجازِهِ وقِلَّةُ مُدَّةِ وُقُوعِهِ، فَإنَّ أهْنا البِرِّ عاجِلُهُ، وهَذا يُناسِبُ قِلَّةَ حُرُوفِهِ، وفي الوَعِيدِ يُحْمَدُ تَأْخِيرُهُ لِحُسْنِ الخُلْفِ والعَفْوِ عَنْهُ، فَناسَبَ كَثْرَةَ حُرُوفِهِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا تَحْقِيقٌ في غايَةِ الحُسْنِ، وما عَداهُ وهْمٌ فارِغٌ، فاعْرِفْهُ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ المُقَرَّنِينَ المَرَدَةُ، فَتُفِيدُ الآيَةُ تَفْصِيلَ الشَّياطِينِ إلى عَمَلَةٍ اسْتَعْمَلَهم - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الأعْمالِ الشّاقَّةِ كالبِناءِ والغَوْصِ،

صفحة 204

ومَرَدَةٍ قَرَنَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ بِالجَوامِعِ، لِيَكُفُّوا عَنِ الشَّرِّ، وظاهِرُهُ أنَّ هُناكَ تَقْيِيدًا، وهو مُشْكِلٌ لِأنَّ الشَّياطِينَ إمّا أجْسامٌ نارِيَّةٌ لَطِيفَةٌ قابِلَةٌ لِلتَّشَكُّلِ، وإمّا أرْواحٌ خَبِيثَةٌ مُجَرَّدَةٌ، وأيًّا ما كانَ لا يُمْكِنُ تَقْيِيدُها، ولا إمْساكُ القَيْدِ لَها. وأُجِيبَ بِاخْتِيارِ الأوَّلِ وهو الصَّحِيحُ.

والأصْفادُ غَيْرُ ما هو المَعْرُوفُ، بَلْ هي أصْفادٌ يَتَأتّى بِها تَقْيِيدُ اللَّطِيفِ عَلى وجْهٍ يَمْنَعُهُ عَنِ التَّصَرُّفِ، والأمْرُ مِن أوَّلِهِ خارِقٌ لِلْعادَةِ، وقِيلَ: إنَّ لَطافَةَ أجْسامِهِمْ بِمَعْنى شَفافَتِها لا تَأْبى الصَّلابَةَ كَما في الزُّجاجِ، والفَلَكِ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ، فَيُمْكِنُ أنْ تَكُونَ أجْسامُهم شَفّافَةً وصُلْبَةً فَلا تُرى لِشَفافَتِها، ويَتَأتّى تَقْيِيدُها لِصَلابَتِها، وأنْكَرَ بَعْضُهُمُ الصَّلابَةَ لِتَحَقُّقِ نُفُوذِ الشَّياطِينِ فِيما لا يُمْكِنُ نُفُوذُ الصُّلْبِ فِيهِ، وأنَّهم لا يُدْرَكُونَ بِاللَّمْسِ والصُّلْبُ يُدْرَكُ بِهِ.

وقِيلَ: لا مانِعَ مِن أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُقَيِّدُهم بِشَكْلٍ صُلْبٍ فَيُقَيِّدُهم حِينَئِذٍ بِالأصْفادِ، والشَّيْطانُ إذا ظَهَرَ مُتَشَكِّلًا بِشَكْلٍ قَدْ يَتَقَيَّدُ بِهِ، ولا يُمْكِنُهُ التَّشَكُّلُ بِغَيْرِهِ ولا العَوْدُ إلى ما كانَ، وقَدْ نَصَّ الشَّيْخُ الأكْبَرُ مُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ: أنَّ نَظَرَ الإنْسانِ يُقَيِّدُ الشَّيْطانَ بِالشَّكْلِ الَّذِي يَراهُ فِيهِ، فَمَتى رَأى الإنْسانُ شَيْطانًا بِشَكْلٍ، ولَمْ يَصْرِفْ نَظَرَهُ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ لَمْ يَسْتَطِعِ الشَّيْطانُ الخَفاءَ عَنْهُ، ولا التَّشَكُّلُ بِشَكْلٍ آخَرَ إلى أنْ يَجِدَ فُرْصَةَ صَرْفِ النَّظَرِ عَنْهُ ولَوْ بِرَمْشَةِ عَيْنٍ.

وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ الشَّيْطانَ كانَ كَثِيفَ الجِسْمِ في زَمَنِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويُشاهِدُهُ النّاسُ، ثُمَّ لَمّا تُوُفِّيَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أماتَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ذَلِكَ الجِنَّ وخَلَقَ نَوْعًا آخَرَ لَطِيفَ الجِسْمِ، بِحَيْثُ لا يُرى ولا يَقْوى عَلى الأعْمالِ الشّاقَّةِ، وهَذا لا يُقْبَلُ أصْلًا إلّا بِرِوايَةٍ صَحِيحَةٍ، وأنّى هِيَ، وقِيلَ: الأقْرَبُ أنَّ المُرادَ تَمْثِيلُ كَفِّهِمْ عَنِ الشُّرُورِ بِالإقْرانِ في الصَّفَدِ، ولَيْسَ هُناكَ قَيْدٌ ولا تَقْيِيدٌ حَقِيقَةً،

38:39Page 455

هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٩

[We said], "This is Our gift, so grant or withhold without account."

﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ إمّا حِكايَةٌ لِما خُوطِبَ بِهِ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُبَيِّنَةٌ لِعِظَمِ شَأْنِ ما أُوتِيَ مِنَ المُلْكِ، وأنَّهُ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ تَفْوِيضًا كُلِّيًّا، وإمّا مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ، هو مَعْطُوفٌ عَلى (سَخَّرْنا)، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أيْ: وقُلْنا، أوْ قائِلِينَ لَهُ هَذا إلَخْ، والإشارَةُ إلى ما أعْطاهُ مِمّا تَقَدَّمَ، أيْ هَذا الَّذِي أعْطَيْناكَهُ مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ والبَسْطَةِ والتَّسْلِيطِ عَلى ما لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ غَيْرُكَ عَطاؤُنا الخاصُّ بِكَ فَأعْطِ مَن شِئْتَ، وامْنَعْ مَن شِئْتَ غَيْرَ مُحاسَبٍ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأمْرَيْنِ، ولا مَسْؤُولٍ عَنْهُ في الآخِرَةِ لِتَفْوِيضِ التَّصَرُّفِ فِيهِ إلَيْكَ عَلى الإطْلاقِ، (فَبِغَيْرِ حِسابٍ) حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الأمْرِ، والفاءُ جَزائِيَّةٌ، و﴿هَذا عَطاؤُنا﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والإخْبارُ مُفِيدٌ لِما أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ اعْتِبارِ الخُصُوصِ أيْ عَطاؤُنا الخاصُّ بِكَ، أوْ يُقالُ: إنَّ ذِكْرَهُ لَيْسَ لِلْإخْبارِ بِهِ، بَلْ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ:

هَذِهِ دارُهم وأنْتَ مَشُوقٌ ما بَقاءُ الدُّمُوعِ في الآماقِ

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ حالًا مِنَ العَطاءِ نَحْوَ: ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾، أيْ هَذا عَطاؤُنا مُتَلَبِّسًا بِغَيْرِ حِسابٍ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، أوْ هَذا عَطاؤُنا كَثِيرًا جِدًّا لا يُعَدُّ ولا يُحْسَبُ لِغايَةِ كَثْرَتِهِ، وأنْ يَكُونَ صِلَةَ العَطاءِ، واعْتَبَرَهُ بَعْضُهم قَيْدًا لَهُ، لِتَتِمَّ الفائِدَةُ، ولا يَحْتاجَ لِاعْتِبارِ ما تَقَدَّمَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ ما في البَيْنِ اعْتِراضٌ فَلا يَضُرُّ الفَصْلُ بِهِ، والفاءُ اعْتِراضِيَّةٌ، وجاءَ اقْتِرانُ الِاعْتِراضِ بِها كَما جاءَ بِالواوِ كَقَوْلِهِ:

واعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُهُ ∗∗∗ أنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ ما قُدِرا

وقِيلَ: الإشارَةُ إلى تَسْخِيرِ الشَّياطِينِ، والمُرادُ بِالمَنِّ، والإمْساكِ، إطْلاقُهُمْ، وإبْقاؤُهم في الأصْفادِ، والمَنُّ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الإطْلاقِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾، والأوْلى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ حِينَئِذٍ كَوْنُهُ حالًا

صفحة 205

مِنَ المُسْتَكِنِّ في الأمْرِ، وهَذا القَوْلُ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وما رُوِيَ عَنْهُ مِن أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما وُهِبَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ النِّساءِ، والقُدْرَةِ عَلى جِماعِهِنَّ، لا يَكادُ يَصِحُّ، إذْ لَمْ يَجْرِ لِذَلِكَ ذِكْرٌ في الآيَةِ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ وهو الأظْهَرُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”هَذا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ عَطاؤُنا بِغَيْرِ حِسابٍ“.

38:40Page 455

وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٠

And indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.

﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ لَقُرْبَةٌ وكَرامَةٌ مَعَ ما لَهُ مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ مُلْكَهُ لا يَضُرُّهُ، ولا يَنْقُصُهُ شَيْئًا مِن مَقامِهِ.

﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ حُسْنَ مَرْجِعٍ في الجَنَّةِ، وهو عَطْفٌ عَلى (زُلْفى)، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ”وحُسْنُ“ بِالرَّفْعِ هي أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ لَهُ، والوَقْفُ عِنْدَهُما عَلى ﴿لَزُلْفى﴾ هَذا وأمْرُ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أعْظَمِ الأُمُورِ، وكانَ مَعَ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ المُلْكِ العَظِيمِ يَعْمَلُ الخُوصَ بِيَدِهِ، ويَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ، ويُطْعِمُ بَنِي إسْرائِيلَ الحُوّارى.

أخْرَجَهُ أحْمَدُ في الزُّهْدِ، عَنْ عَطاءٍ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «”قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما رَفَعَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَرْفَهُ إلى السَّماءِ تَخَشُّعًا“».

حَيْثُ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ما أعْطاهُ، وكانَ في عَصْرِهِ مِن مُلُوكِ الفُرْسِ كِيَخِسْرُو، فَقَدْ ذَكَرَ الفَقِيهُ أبُو حَنِيفَةَ أحْمَدُ بْنُ داوُدَ الدِّينَوَرِيُّ في تارِيخِهِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ورِثَ مُلْكَ أبِيهِ في عَصْرِ كِيَخِسْرُو بْنِ سَباوِشَ، وسارَ مِنَ الشّامِ إلى العِراقِ فَبَلَغَ خَبَرُهُ كِيَخِسْرُو فَهَرَبَ إلى خُراسانَ، فَلَمْ يَلْبَثْ حَتّى هَلَكَ ثُمَّ سارَ سُلَيْمانُ إلى مَرْوَ ثُمَّ إلى بِلادِ التُّرْكِ، فَوَغَلَ فِيها، ثُمَّ جاوَزَ بِلادَ الصِّينِ، ثُمَّ عَطَفَ إلى أنْ وافى بِلادَ فارِسَ فَنَزَلَها أيّامًا، ثُمَّ عادَ إلى الشّامِ، ثُمَّ أمَرَ بِبِناءِ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلَمّا فَرَغَ سارَ إلى تِهامَةَ، ثُمَّ إلى صَنْعاءَ، وكانَ مِن حَدِيثِهِ مَعَ صاحِبَتِها ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، وغَزا بِلادَ المَغْرِبِ الأنْدَلُسَ وطَنْجَةَ وغَيْرَهُما، ثُمَّ انْطَوى البِساطُ، وضُرِبَ لَهُ بَيْنَ عَساكِرِ المَوْتى الفُسْطاطُ، فَسُبْحانَ المَلِكِ الدّائِمِ الَّذِي لا يَزُولُ مُلْكُهُ ولا يَنْقَضِي سُلْطانُهُ.

38:41Page 455

وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِنُصۡبٖ وَعَذَابٍ ٤١

And remember Our servant Job, when he called to his Lord, "Indeed, Satan has touched me with hardship and torment."

﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ﴾ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: الصَّحِيحُ أنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَصِحَّ في نَسَبِهِ شَيْءٌ غَيْرُ أنَّ اسْمَ أبِيهِ أمُوصُ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو أيُّوبُ بْنُ أمُوصَ بْنِ رُومَ بْنِ عِيصَ بْنِ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحَكى ابْنُ عَساكِرَ أنَّ أُمَّهُ بِنْتُ لُوطٍ، وأنَّ أباهُ مِمَّنْ آمَنَ بِإبْراهِيمَ، فَعَلى هَذا كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ مُوسى، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَعْدَ شُعَيْبٍ، وقالَ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ: كانَ بَعْدَ سُلَيْمانَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ﴾ إلَخْ، عَطْفٌ عَلى ”اذكر عبدنا داود“، وعَدَمُ تَصْدِيرِ قِصَّةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذا العُنْوانِ لِكَمالِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُ وبَيْنَ داوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ”وأيوب“ عَطْفُ بَيانٍ لِعَبْدِنا، أوْ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنهُ، أوْ مِن أيُّوبَ ﴿أنِّي﴾ أيْ بِأنِّي. وقَرَأ عِيسى بِكَسْرِ هَمْزَةِ ”إنِّي“، ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ﴾ وقُرِئَ بِإسْكانِ ياءِ ”مَسَّنِي“ وبِإسْقاطِها، ﴿بِنُصْبٍ﴾ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ التَّعَبُ كالنَّصَبِ بِفَتْحَتَيْنِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ نَصَبٍ كَوَثَنٍ ووُثُنٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عُمارَةَ عَنْ حَفْصٍ، والجُعْفِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرٍ، وأبُو مُعاذٍ عَنْ نافِعٍ بِضَمَّتَيْنِ وهي لُغَةٌ، ولا مانِعَ مِن كَوْنِ الضَّمَّةِ الثّانِيَةِ عارِضَةً لِلْإتْباعِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ في ذَلِكَ رَمْزًا إلى ثِقَلِ تَعَبِهِ وشِدَّتِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَعْقُوبُ، والجَحْدَرِيُّ بِفَتْحَتَيْنِ، وهي لُغَةٌ أيْضًا، كالرُّشْدِ والرَّشَدِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ويَعْقُوبُ في رِوايَةٍ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ بِفَتْحِ النُّونِ، وسُكُونِ الصّادِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى أصْلِ المَصْدَرِ، ونَصَّ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى أنَّ ذَلِكَ لُغَةٌ أيْضًا، قالَ بَعْدَ ذِكْرِ القِراءاتِ: وذَلِكَ كُلُّهُ بِمَعْنى واحِدٍ، وهو المَشَقَّةُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ النَّصَبُ في مَشَقَّةِ الإعْياءِ.

وفَرَقَّ بَعْضُ النّاسِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والصَّوابُ أنَّها لُغاتٌ بِمَعْنى مِن قَوْلِهِمْ: أنْصَبَنِي الأمْرُ إذا شَقَّ عَلَيَّ، انْتَهى.

صفحة 206

والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعَذابٍ﴾ وأرادَ بِهِ الألَمَ، وهو المُرادُ بِالضُّرِّ في قَوْلِهِ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ .

وقِيلَ: النُّصْبُ والضُّرُّ في الجَسَدِ، والعَذابُ في الأهْلِ والمالِ، وهَذا حِكايَةٌ لِكَلامِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي نادى بِهِ رَبَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِعِبارَتِهِ، وإلّا لَقِيلَ: إنَّهُ مَسَّهُ إلَخْ، بِالغِيبَةِ، وإسْنادِ المَسِّ إلى الشَّيْطانِ، قِيلَ: عَلى ظاهِرِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ سَمِعَ ثَناءَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - عَلى أيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَحَسَدَهُ، وسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُسَلِّطَهُ عَلى جَسَدِهِ ومالِهِ ووَلَدِهِ فَفَعَلَ - عَزَّ وجَلَّ - ابْتِلاءً لَهُ، والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ الماسَّ لَهُ شَيْطانٌ يُقالُ لَهُ: مُسَوَّطٌ، وأنْكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ فَقالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُسَلِّطَ اللَّهُ تَعالى الشَّيْطانَ عَلى أنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِيَقْضِيَ مِن إتْعابِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ وطَرَهُ، ولَوْ قَدَرَ عَلى ذَلِكَ لَمْ يَدَعْ صالِحًا، إلّا وقَدْ نَكِبَهُ، وأهْلَكَهُ، وقَدْ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ أنَّهُ لا سُلْطانَ لَهُ إلّا الوَسْوَسَةُ فَحَسْبُ، وجَعَلَ إسْنادَ المَسِّ إلَيْهِ هُنا مَجازًا، فَقالَ: لَمّا كانَتْ وسْوَسَتُهُ إلَيْهِ وطاعَتُهُ لَهُ فِيما وسْوَسَ سَبَبًا فِيما مَسَّهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النُّصْبِ والعَذابِ، نَسَبَهُ إلَيْهِ، وقَدْ راعى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الأدَبَ في ذَلِكَ، حَيْثُ لَمْ يَنْسُبْهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ في دُعائِهِ مَعَ أنَّهُ - جَلَّ وعَلا - فاعِلُهُ، ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا هُوَ، وهَذِهِ الوَسْوَسَةُ قِيلَ: وسْوَسَتُهُ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَسْألَ اللَّهَ تَعالى البَلاءَ لِيَمْتَحِنَ ويُجَرِّبَ صَبْرَهُ عَلى ما يُصِيبُهُ، كَما قالَ شَرَفُ الدِّينِ عُمَرُ ابْنُ الفارِضِ:

وبِما شِئْتَ في هَواكَ اخْتَبِرْنِي فاخْتِيارِي ما كانَ فِيهِ رِضاكا

وسُؤالُهُ البَلاءَ دُونَ العافِيَةِ ذَنْبٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَقامِهِ عَلَيْهِ لا حَقِيقَةٌ، والمَقْصُودُ مِن نِدائِهِ بِذَلِكَ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ.

وقِيلَ: إنَّ رَجُلًا اسْتَغاثَهُ عَلى ظالِمٍ فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ بِتَرْكِ إغاثَتِهِ، فَلَمْ يُغِثْهُ، فَمَسَّهُ اللَّهُ تَعالى بِسَبَبِ ذَلِكَ بِما مَسَّهُ.

وقِيلَ: كانَتْ مَواشِيهِ في ناحِيَةِ مَلِكٍ كافِرٍ فَداهَنَهُ، ولَمْ يَغْزُهُ وسْوَسَةً مِنَ الشَّيْطانِ، فَعاتَبَهُ اللَّهُ تَعالى بِالبَلاءِ، وقِيلَ: وسَوَسَ إلَيْهِ، فَأُعْجِبَ بِكَثْرَةِ مالِهِ ووَلَدِهِ، فابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى لِذَلِكَ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ عِنْدِي مُتَضَمِّنَةٌ ما لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّ النُّصْبَ والعَذابَ لَيْسا ما كانا لَهُ مِنَ المَرَضِ، والألَمِ، أوِ المَرَضِ، وذَهابِ الأهْلِ، والمالِ، بَلْ أمْرانِ عَرَضا لَهُ، وهو مَرِيضٌ فاقِدٌ الأهْلِ والمالِ، فَقِيلَ: هُما ما كانا لَهُ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ إلَيْهِ في مَرَضِهِ مِن عِظَمِ البَلاءِ والقُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ، والإغْراءِ عَلى الجَزَعِ، كانَ الشَّيْطانُ يُوَسْوِسُ إلَيْهِ بِذَلِكَ وهو يُجاهِدُهُ في دَفْعِ ذَلِكَ حَتّى تَعِبَ وتَألَّمَ عَلى ما هو فِيهِ مِنَ البَلاءِ، فَنادى رَبَّهُ يَسْتَصْرِفُهُ عَنْهُ، ويَسْتَعِينُهُ عَلَيْهِ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ وقِيلَ: كانا مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ إلى غَيْرِهِ، فَقِيلَ: إنَّ الشَّيْطانَ تَعَرَّضَ لِامْرَأتِهِ بِصُورَةِ طَبِيبٍ فَقالَتْ لَهُ: إنَّ ها هُنا مُبْتَلًى، فَهَلْ لَكَ أنْ تُداوِيَهُ؟ فَقالَ: نَعَمْ بِشَرْطِ أنْ يَقُولَ: إذا شَفَيْتُهُ: أنْتَ شَفَيْتَنِي، فَمالَتْ لِذَلِكَ، وعَرَضَتْ كَلامَهُ لِأيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَعَرَفَ أنَّهُ الشَّيْطانُ، وكانَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أشَدَّ مِمّا هو فِيهِ، ”فنادى ربه أني مسني“إلَخْ، وقِيلَ: إنَّ الشَّيْطانَ طَلَبَ مِنها أنْ تَذْبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى إذا عالَجَهُ، وبَرَأ فَمالَتْ لِذَلِكَ، فَعَظُمَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الأمْرُ، فَنادى، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَعُودُهُ ثَلاثَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فارْتَدَّ أحَدُهُمْ، فَسَألَ عَنْهُ فَقِيلَ لَهُ: ألْقى إلَيْهِ الشَّيْطانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَبْتَلِي الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، فَتَألَّمَ مِن ذَلِكَ جِدًّا، فَقالَ ما قالَ، وفي رِوايَةٍ: مَرَّ بِهِ نَفَرٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما أصابَهُ هَذا إلّا بِذَنْبٍ أصابَهُ، وهَذا نَوْعٌ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، فَعَظُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقالَ ما قالَ، والإسْنادُ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ بِاعْتِبارِ الوَسْوَسَةِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

38:42Page 455

ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ ٤٢

[So he was told], "Strike [the ground] with your foot; this is a [spring for a] cool bath and drink."

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ إمّا حِكايَةٌ لِما قَبْلُ لَهُ، أوْ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى (نادى) أيْ فَقُلْنا لَهُ: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ

صفحة 207

أيِ اضْرِبْ بِها، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: هَذا ﴿مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ فَإنَّهُ أيْضًا إمّا حِكايَةٌ لِما قِيلَ لَهُ بَعْدَ امْتِثالِهِ بِالأمْرِ ونُبُوعِ الماءِ أوْ مَقُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَرَبَها فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فَقُلْنا لَهُ: هَذا مُغْتَسَلٌ تَغْتَسِلُ بِهِ، وتَشْرَبُ مِنهُ، فَيَبْرَأُ ظاهِرُكَ وباطِنُكَ، فالمُغْتَسَلُ اسْمُ مَفْعُولٍ عَلى الحَذْفِ، والإيصالِ، وكَذا الشَّرابُ، وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّ المُغْتَسَلَ اسْمُ مَكانٍ، أيْ هَذا مَكانٌ تَغْتَسِلُ فِيهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وظاهِرُ الآيَةِ اتِّحادُ المُخْبَرِ عَنْهُ بِمُغْتَسَلٍ وشَرابٍ، وقِيلَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ضَرَبَ بِرِجْلِهِ اليُمْنى فَنَبَعَتْ عَيْنٌ حارَّةٌ، فاغْتَسَلَ مِنها، وبِرِجْلِهِ اليُسْرى، فَنَبَعَتْ بارِدَةٌ فَشَرِبَ مِنها، وقالَ الحَسَنُ: رَكَضَ بِرِجْلِهِ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ فاغْتَسَلَ مِنها، ثُمَّ مَشى نَحْوًا مِن أرْبَعِينَ ذِراعًا، ثُمَّ رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَنَبَعَتْ أُخْرى فَشَرِبَ مِنها، ولَعَلَّهُ عَنى بِالأُولى عَيْنًا حارَّةً، وظاهِرُ النَّظْمِ عَدَمُ التَّعَدُّدِ.

وبارد عَلى ذَلِكَ صِفَةُ ”شراب“ مَعَ أنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ صِفَةُ ﴿مُغْتَسَلٌ﴾ وكَوْنُ هَذا إشارَةً إلى جِنْسِ النّابِعِ، أوْ يُقَدَّرُ، وهَذا بارِدٌ إلَخْ، تَكَلُّفٌ لا يَخْرُجُ ذَلِكَ عَنِ الضَّعْفِ، وقِيلَ: أُمِرَ بِالرَّكْضِ بِالرِّجْلِ لِيَتَناثَرَ عَنْهُ كُلُّ داءٍ بِجَسَدِهِ.

وكانَ ذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والحَسَنِ، ومُقاتِلٍ بِأرْضِ الجابِيَةِ مِنَ الشّامِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ أيْضًا، أيْ فاغْتَسَلَ، وشَرِبَ، فَكَشَفْنا بِذَلِكَ ما بِهِ مِن ضُرٍّ،

38:43Page 456

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٤٣

And We granted him his family and a like [number] with them as mercy from Us and a reminder for those of understanding.

﴿ووَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ﴾ بِإحْيائِهِمْ بَعْدَ هَلاكِهِمْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.

ورَوى الطَّبَرْسِيُّ، عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أحْيا لَهُ أهْلَهُ الَّذِينَ كانُوا ماتُوا قَبْلَ البَلِيَّةِ، وأهْلَهُ الَّذِينَ ماتُوا، وهو في البَلِيَّةِ، وفي البَحْرِ: الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ تَعالى أحْيا لَهُ مَن ماتَ مِن أهْلِهِ، وعافى المَرْضى، وجَمَعَ عَلَيْهِ مَن تَشَتَّتَ مِنهُمْ، وقِيلَ: وإلَيْهِ أمِيلُ، وهَبَهُ مَن كانَ حَيًّا مِنهُمْ، وعافاهُ مِنَ الأسْقامِ وأرْغَدَ لَهُمُ العَيْشَ فَتَناسَلُوا حَتّى بَلَغَ عَدَدُهم مَن مَضى، ﴿ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾ فَكانَ لَهُ ضِعْفُ ما كانَ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الهِبَةَ كانَتْ في الدُّنْيا، وزَعَمَ بَعْضٌ أنَّ هَذا وعْدٌ، وتَكُونُ تِلْكَ الهِبَةُ في الآخِرَةِ، ﴿رَحْمَةً مِنّا﴾ أيْ لِرَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِنا.

﴿وذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾ وتَذْكِيرًا لَهم بِذَلِكَ لِيَصْبِرُوا عَلى الشَّدائِدِ كَما صَبَرَ ويَلْجَؤُوا إلى اللَّهِ تَعالى فِيما يُصِيبُهُمْ، كَما لَجَأ، لِيَفْعَلَ سُبْحانَهُ بِهِمْ، فافْعَلْ بِهِ مِن حُسْنِ العاقِبَةِ. رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْتُلِيَ سَبْعَ سِنِينَ، وأشْهُرًا، وأُلْقِيَ عَلى كُناسَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، تَخْتَلِفُ الدَّوابُّ في جَسَدِهِ، فَصَبَرَ، فَفَرَّجَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأعْظَمَ لَهُ الأجْرَ، وأحْسَنَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ صارَ ما بَيْنَ قَدَمَيْهِ إلى قَرْنِهِ قُرْحَةً واحِدَةً، وأُلْقِي عَلى الرَّمادِ حَتّى بَدا حِجابُ قَلْبِهِ، فَكانَتِ امْرَأتُهُ تَسْعى إلَيْهِ فَقالَتْ لَهُ يَوْمًا: أما تَرى يا أيُّوبُ قَدْ نَزَلَ بِي، واللَّهِ مِنَ الجَهْدِ، والفاقَةِ ما إنْ بِعْتُ قُرُونِي بِرَغِيفٍ، فَأطْعَمْتُكَ، فادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَشْفِيَكَ ويُرِيحَكَ، فَقالَ: ويْحُكِ، كُنّا في النَّعِيمِ سَبْعِينَ عامًا، فاصْبِرِي حَتّى نَكُونَ في الضُّرِّ سَبْعِينَ عامًا، فَكانَ في البَلاءِ سَبْعَ سِنِينَ، ودَعا فَجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأخَذَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قالَ: قُمْ، فَقامَ عَنْ مَكانِهِ، وقالَ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ فاغْتَسَلَ وشَرِبَ فَبَرَأ، وألْبَسَهُ اللَّهُ تَعالى حُلَّةً مِنَ الجَنَّةِ فَتَنَحّى، فَجَلَسَ في ناحِيَةٍ، وجاءَتِ امْرَأتُهُ فَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقالَتْ: يا عَبْدَ اللَّهِ، أيْنَ المُبْتَلى الَّذِي كانَ ها هُنا؟ لَعَلَّ الكِلابَ ذَهَبَتْ بِهِ أوِ الذِّئابَ، وجَعَلَتْ تُكَلِّمُهُ ساعَةً فَقالَ: ويْحُكِ أنا أيُّوبُ، قَدْ رَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ جَسَدِي، ورَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مالَهُ ووَلَدَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ، وأمْطَرَ عَلَيْهِ جَرادًا مِن ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَأْخُذُ الجَرادَ بِيَدِهِ، ويَجْعَلُهُ في ثَوْبٍ، ويَنْشُرُ كِساءَهُ، فَيَجْعَلُ فِيهِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: يا أيُّوبُ أما شَبِعْتَ؟ قالَ: يا رَبِّ، مَنِ الَّذِي يَشْبَعُ مِن فَضْلِكَ ورَحْمَتِكَ.

وفِي البَحْرِ: رَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «”أنَّ أيُّوبَ بَقِيَ في مِحْنَتِهِ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، يَتَساقَطُ لَحْمُهُ حَتّى

صفحة 208

مَلَّهُ العالَمُ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ إلّا امْرَأتُهُ“».

وعِظَمُ بَلائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا شاعَ وذاعَ، ولَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ اثْنانِ، لَكِنْ في بُلُوغِ أمْرِهِ إلى أنْ أُلْقِيَ عَلى كُناسَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ فِيهِ خِلافٌ، قالَ الطَّبَرْسِيُّ: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِصِفَةٍ يَسْتَقْذِرُهُ النّاسُ عَلَيْها، لِأنَّ في ذَلِكَ تَنْفِيرًا فَأمّا الفَقْرُ والمَرَضُ وذَهابُ الأهْلِ، فَيَجُوزُ أنْ يَمْتَحِنَهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ.

وفِي هِدايَةِ المُرِيدِ لِلْقانِيِّ: أنَّهُ يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كُلُّ عَرَضٍ بَشَرِيٍّ، لَيْسَ مُحَرَّمًا، ولا مَكْرُوهًا، ولا مُباحًا مُزْرِيًا، ولا مُزْمِنًا، ولا مِمّا تَعافُهُ الأنْفُسُ، ولا مِمّا يُؤَدِّي إلى النُّفْرَةِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ ورَقَتَيْنِ: واحْتَرَزْنا بِقَوْلِنا: ولا مُزْمِنًا، ولا مِمّا تَعافُهُ الأنْفُسُ، عَمّا كانَ كَذَلِكَ، كالإقْعادِ والبَرَصِ والجُذامِ، والعَمى، والجُنُونِ، وأمّا الإغْماءُ فَقالَ النَّوَوِيُّ: لا شَكَّ في جَوازِهِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ مَرَضٌ بِخِلافِ الجُنُونِ، فَإنَّهُ نَقْصٌ، وقَيَّدَ أبُو حامِدٍ الإغْماءَ بِغَيْرِ الطَّوِيلِ، وجَزَمَ بِهِ البُلْقَيْنِيُّ، قالَ السُّبْكِيُّ: ولَيْسَ كَإغْماءِ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهُ إنَّما يَسْتُرُ حَواسَّهُمُ الظّاهِرَةَ دُونَ قُلُوبِهِمْ، لِأنَّها مَعْصُومَةٌ مِنَ النَّوْمِ الأخَفِّ، قالَ: ويَمْتَنِعُ عَلَيْهِمُ الجُنُونُ، وإنْ قَلَّ لِأنَّهُ نَقْصٌ ويَلْحَقُ بِهِ العَمى، ولَمْ يُعْمَ نَبِيٌّ قَطُّ، وما ذُكِرَ عَنْ شُعَيْبٍ مِن كَوْنِهِ كانَ ضَرِيرًا لَمْ يَثْبُتْ، وأمّا يَعْقُوبُ فَحَصَلَتْ لَهُ غِشاوَةٌ وزالَتْ اهـ.

وفَرَّقَ بَعْضُهم في عُرُوضِ ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ بَعْدَ التَّبْلِيغِ، وحُصُولِ الغَرَضِ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَيَجُوزُ، وبَيْنَ أنْ يَكُونَ قَبْلُ فَلا يَجُوزُ، ولَعَلَّكَ تَخْتارُ القَوْلَ بِحِفْظِهِمْ بِما تَعافُهُ النُّفُوسُ، ويُؤَدِّي إلى الِاسْتِقْذارِ، والنُّفْرَةِ مُطْلَقًا، وحِينَئِذٍ فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ ما ابْتُلِيَ بِهِ أيُّوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ الِاسْتِقْذارِ والنُّفْرَةِ كَما يُشْعِرُ بِهِ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ ونَقَلَهُ القُصّاصُ في كُتُبِهِمْ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ داءَهُ كانَ الجُدَرِيَّ، ولا أعْتَقِدُ صِحَّةَ ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском