Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Sad 38:44–52
38:44Page 456
وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ ٤٤
[We said], "And take in your hand a bunch [of grass] and strike with it and do not break your oath."1 Indeed, We found him patient, an excellent servant. Indeed, he was one repeatedly turning back [to Allāh].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ارْكُضْ﴾ أوْ عَلى ﴿وهَبْنا﴾ بِتَقْدِيرِ: قُلْنا خُذْ بِيَدِكَ إلَخْ، والأوَّلُ أقْرَبُ لَفْظًا، وهَذا أنْسَبُ مَعْنًى، فَإنَّ الحاجَةَ إلى هَذا الأمْرِ لا تَمَسُّ إلّا بَعْدَ الصِّحَّةِ، واعْتِدالِ الوَقْتِ، فَإنَّ امْرَأتَهُ رَحْمَةُ بِنْتُ إفْرائِيمَ أوْ مِيشا بْنِ يُوسُفَ، أوْ لِيا بِنْتُ يَعْقُوبَ، أوْ ماخِيرُ بِنْتُ مِيشا بْنِ يُوسُفَ عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ.
ولا يَخْفى لُطْفُ ﴿رَحْمَةً مِنّا﴾ عَلى الرِّوايَةِ الأُولى ذَهَبَتْ لِحاجَةٍ، فَأبْطَأتْ، أوْ بَلَّغَتْ أيُّوبَ عَنِ الشَّيْطانِ أنْ يَقُولَ كَلِمَةً مَحْذُورَةً، فَيَبْرَأُ، وأشارَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَقالَتْ لَهُ: إلى مَتى هَذا البَلاءُ؟ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ ثُمَّ اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ فَيَغْفِرُ لَكَ، أوْ جاءَتْهُ بِزِيادَةٍ عَلى ما كانَتْ تَأْتِي بِهِ مِنَ الخُبْزِ، فَظَنَّ أنَّها ارْتَكَبَتْ في ذَلِكَ مُحَرَّمًا، فَحَلَفَ لِيَضْرِبَنَّها إنْ بَرِئَ مِائَةَ ضَرْبَةٍ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأخْذِ الضِّغْثِ، وهو الحُزْمَةُ الصَّغِيرَةُ مِن حَشِيشٍ أوْ رَيْحانٍ أوْ قُضْبانٍ، وقِيلَ: القَبْضَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ القُضْبانِ، ومِنهُ ضِغْثٌ عَلى إبّالَةٍ، والإبّالَةُ الحُزْمَةُ مِنَ الحَطَبِ والضِّغْثُ القَبْضَةُ مِنَ الحَطَبِ أيْضًا عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
وأسْفَلَ مِنِّي نَهْدَةٌ قَدْ رَبَطْتُها وألْقَيْتُ ضِغْثًا مِن خَلًى مُتَطَيِّبِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ هُنا: الضِّغْثُ عُثْكالُ النَّخْلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الأثْلُ، وهو نَبْتٌ لَهُ شَوْكٌ، وقالَ الضَّحّاكُ: حُزْمَةٌ مِنَ الحَشِيشِ مُخْتَلِفَةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: الشَّجَرُ الرَّطْبُ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أُمِرَ أخَذَ ضِغْثًا مِن ثُمامٍ فِيهِ مِائَةُ عُودٍ، وقالَ قَتادَةُ: هو عُودٌ فِيهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ عُودًا، والأصْلُ تَمامُ المِائَةِ، فَإنْ كانَ هَذا مُعْتَبَرًا في مَفْهُومِ الضِّغْثِ، ولا أظُنُّ فَذاكَ، وإلّا فالكَلامُ عَلى إرادَةِ المِائَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فِيهِ مِائَةُ عُودٍ، ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ الضِّغْثِ، ﴿ولا تَحْنَثْ﴾ بِيَمِينِكَ، فَإنَّ البَرَّ يَتَحَقَّقُ بِهِ، ولَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ رَحْمَةً عَلَيْهِ، وعَلَيْها، لِحُسْنِ خِدْمَتِها إيّاهُ، ورِضاهُ عَنْها، وهي رُخْصَةٌ باقِيَةٌ في الحُدُودِ في شَرِيعَتِنا، وفي غَيْرِها أيْضًا، لَكِنْ غَيْرُ
صفحة 209
الحُدُودِ يُعْلَمُ مِنها بِالطَّرِيقِ الأوْلى.
فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قالَ: «حَمَلَتْ ولِيدَةٌ في بَنِي ساعِدَةَ مِن زِنًا، فَقِيلَ لَها: مِمَّنْ حَمْلُكِ؟ قالَتْ: مِن فُلانٍ المُقْعَدِ، فَسُئِلَ المُقْعَدُ، فَقالَ: صَدَقَتْ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: خُذُوا عُثْكُولًا فِيهِ مِائَةٌ شِمْراخٍ، فاضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً واحِدَةً، فَفَعَلُوا».
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ ثَوْبانَ: «أنَّ رَجُلًا أصابَ فاحِشَةً عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو مَرِيضٌ عَلى شَفا مَوْتٍ، فَأخْبَرَ أهْلُهُ بِما صَنَعَ، فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِنْوٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ، فَضُرِبَ بِهِ ضَرْبَةً واحِدَةً».
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أُتِيَ بِشَيْخٍ قَدْ ظَهَرَتْ عُرُوقُهُ، قَدْ زَنى بِامْرَأةٍ، فَضَرَبَهُ بِضِغْثٍ فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ ضَرْبَةً واحِدَةً».
ولا دِلالَةَ في هَذِهِ الأخْبارِ عَلى عُمُومِ الحُكْمِ مَن يُطِيقُ الجَلْدَ المُتَعارَفَ، لَكِنَّ القائِلَ بِبَقاءِ حُكْمِ الآيَةِ قائِلٌ بِالعُمُومِ، لَكِنْ شَرَطُوا في ذَلِكَ أنْ يُصِيبَ المَضْرُوبَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ المِائَةِ، إمّا بِأطْرافِها قائِمَةً، أوْ بِأعْراضِها مَبْسُوطَةً عَلى هَيْئَةِ الضَّرْبِ.
وقالَ الخَفاجِيُّ: إنَّهم شَرَطُوا فِيهِ الإيلامَ، أمّا مَعَ عَدَمِهِ بِالكُلِّيَّةِ فَلا، فَلَوْ ضَرَبَ بِسَوْطٍ واحِدٍ لَهُ شُعْبَتانِ خَمْسِينَ مَرَّةً مَن حَلَفَ عَلى ضَرْبِهِ مِائَةً بَرَّ، إذا تَألَّمَ، فَإنْ لَمْ يَتَألَّمْ لا يَبَرُّ، ولَوْ ضَرَبَهُ مِائَةً، لِأنَّ الضَّرْبَ وُضِعَ لِفِعْلٍ مُؤْلِمٍ بِالبَدَنِ بِآلَةِ التَّأْدِيبِ، وقِيلَ: يَحْنَثُ بِكُلِّ حالٍ كَما فُصِّلَ في شُرُوحِ الهِدايَةِ، وغَيْرِها، انْتَهى.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأحَدٍ بَعْدَ أيُّوبَ، إلّا الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفي أحْكامِ القُرْآنِ العَظِيمِ لِلْجَلالِ السُّيُوطِيِّ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَتْ هَذِهِ لِأيُّوبَ خاصَّةً، وقالَ الكِيا: ذَهَبَ الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ وزُفَرُ إلى أنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ بَرَّ في يَمِينِهِ، وخالَفَ مالِكٌ، ورَأهُ خاصًّا بِأيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الحُكْمَ كانَ عامًّا ثُمَّ نُسِخَ، والصَّحِيحُ بَقاءُ الحُكْمِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ لِلزَّوْجِ ضَرْبَ زَوْجَتِهِ، وأنْ يَحْلِفَ ولا يَسْتَثْنِيَ، وعَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ شَرْطُهُ الِاتِّصالُ إذْ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَأمَرَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالِاسْتِثْناءِ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى الضَّرْبِ بِالضِّغْثِ.
واسْتَدَلَّ عَطاءٌ بِها عَلى مَسْألَةٍ أُخْرى، فَأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: إنِّي حَلَفْتُ أنْ لا أكْسُوَ امْرَأتِي دِرْعًا حَتّى تَقِفَ بِعَرَفَةَ، فَقالَ: احْمِلْها عَلى حِمارٍ، ثُمَّ اذْهَبْ فَقِفْ بِها بِعَرَفَةَ، فَقالَ: إنَّما عَنَيْتُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَقالَ عَطاءٌ: أيُّوبُ حِينَ حَلَفَ لَيَجْلِدَنَّ امْرَأتَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، أنَوى أنْ يَضْرِبَها بِالضِّغْثِ، إنَّما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا فَيَضْرِبَها بِهِ، ثُمَّ قالَ: إنَّما القُرْآنُ عِبَرٌ إنَّما القُرْآنُ عِبَرٌ.
ولِلْبَحْثِ في ذَلِكَ مَجالٌ، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ اسْتَدَلَّ بِها عَلى جَوازِ الحِيَلِ وجَعَلَها أصْلًا لِصِحَّتِها، وعِنْدِي أنَّ كُلَّ حِيلَةٍ أوْجَبَتْ إبْطالَ حِكْمَةٍ شَرْعِيَّةٍ لا تُقْبَلُ كَحِيلَةِ سُقُوطِ الزَّكاةِ، وحِيلَةِ سُقُوطِ الِاسْتِبْراءِ، وهَذا كالتَّوَسُّطِ في المَسْألَةِ، فَإنَّ مِنَ العُلَماءِ مَن يُجَوِّزُ الحِيلَةَ مُطْلَقًا، ومِنهم مَن لا يُجَوِّزُها مُطْلَقًا، وقَدْ أطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ العَلّامَةُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا﴾ فِيما أصابَهُ في النَّفْسِ، والأهْلِ، والمالِ.
وقَدْ كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقُولُ كُلَّما أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ: اللَّهُمَّ أنْتَ أخَذْتَ، وأنْتَ أعْطَيْتَ، ويَحْمَدُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ولا يُخِلُّ بِذَلِكَ شَكْواهُ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ، لِأنَّ الصَّبْرَ عَدَمُ الجَزَعِ، ولا جَزَعَ فِيما ذَكَرَ كَتَمَنِّي العافِيَةِ، وطَلَبِ الشِّفاءِ، مَعَ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ خِيفَةَ الفِتْنَةِ في الدِّينِ، كَما سَمِعْتَ فِيما تَقَدَّمَ.
ويُرْوى أنَّهُ قالَ في مُناجاتِهِ: إلَهِي، قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَمْ يُخالِفْ لِسانِي قَلْبِي، ولَمْ يَتْبَعْ قَلْبِي بَصَرِي، ولَمْ يُلْهِنِي ما مَلَكَتْ يَمِينِي، ولَمْ آكُلْ إلّا ومَعِي يَتِيمٌ، ولَمْ أبِتْ شَبْعانَ ولا كاسِيًا ومَعِي جائِعٌ أوْ عُرْيانٌ، فَكَشَفَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ أيْ أيُّوبَ ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَدْحِهِ
صفحة 210
وتَقَدَّمَ مَعْنى الأوّابِ،
38:45Page 456
وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٥
And remember Our servants, Abraham, Isaac and Jacob - those of strength and [religious] vision.
﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ الثَّلاثَةُ عَطْفُ بَيانٍ لِعِبادِنا، أوْ بَدَلٌ مِنهُ.
وقِيلَ: نُصِبَ بِإضْمارِ أعْنِي، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ ”عَبْدَنا“ بِالإفْرادِ، فَإبْراهِيمُ وحْدَهُ بَدَلٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ، أوْ مَفْعُولُ أعْنِي، وخُصَّ بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ لِمَزِيدِ شَرَفِهِ، وما بَعْدَهُ عَطْفٌ عَلى ”عَبْدَنا“ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِعَبْدِنا عِبادَنا، وضْعًا لِلْجِنْسِ مَوْضِعَ الجَمْعِ، فَتَتَّحِدُ القِراءَتانِ، ﴿أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ﴾ أُولِي القُوَّةِ في الطّاعَةِ والبَصِيرَةِ في الدِّينِ عَلى أنَّ الأيْدِيَ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنِ القُوَّةِ، والأبْصارُ جَمْعُ بَصَرٍ بِمَعْنى بَصِيرَةٍ، وهو مَجازٌ أيْضًا لَكِنَّهُ مَشْهُورٌ فِيهِ، أوْ أُولِي الأعْمالِ الجَلِيلَةِ والعُلُومِ الشَّرِيفَةِ عَلى أنَّ ذِكْرَ الأيْدِي مِن ذِكْرِ السَّبَبِ، وإرادَةِ المُسَبَّبِ، والأبْصارُ بِمَعْنى البَصائِرِ مَجازٌ عَمّا يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِنَ العُلُومِ، كالأوَّلِ أيْضًا، وفي ذَلِكَ عَلى الوَجْهَيْنِ تَعْرِيضٌ بِالجَهَلَةِ البَطّالِينَ أنَّهم كَفاقِدِي الأيْدِي والأبْصارِ، وتَوْبِيخٌ عَلى تَرْكِهِمُ المُجاهَدَةَ والتَّأمُّلَ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنهُما، وقِيلَ: الأيْدِي النِّعَمُ أيْ أُولِي الَّتِي أسْداها اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ مِنَ النُّبُوَّةِ والمَكانَةِ أوْ أُولِي النِّعَمِ والإحْساناتِ عَلى النّاسِ بِإرْشادِهِمْ وتَعْلِيمِهِمْ إيّاهُمْ، وفِيهِ ما فِيهِ. وقُرِئَ ”الأيادِي“ عَلى جَمْعِ الجَمْعِ كَأوْطُفٍ وأواطِفَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، والحَسَنُ، وعِيسى والأعْمَشُ ”الأيْدِ“ بِغَيْرِ ياءٍ، فَقِيلَ: يُرادُ الأيْدِي بِالياءِ، وحُذِفَتِ اجْتِزاءً بِالكَسْرَةِ عَنْها، ولَمّا كانَتْ ألْ تُعاقِبُ التَّنْوِينَ حُذِفَتِ الياءُ مَعَها كَما حُذِفَتْ مَعَ التَّنْوِينِ، حَكاهُ أبُو حَيّانَ ثُمَّ قالَ: وهَذا تَخْرِيجٌ لا يَسُوغُ، لِأنَّ حَذْفَ هَذِهِ الياءِ مَعَ وُجُودِ ألْ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في الضَّرائِرِ، وقِيلَ: الأيْدِ القُوَّةُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى نَظِيرَ ما تَقَدَّمَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ تَعْلِيلِ الحَذْفِ بِالِاكْتِفاءِ بِالكَسْرَةِ، وتَفْسِيرِهُ بِالأيْدِ مِنَ التَّأْيِيدِ قَلِقٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، وعُلِّلَ بِأنَّ فِيهِ فَواتَ المُقابَلَةِ وفَواتَ النُّكْتَةِ البَيانِيَّةِ فَلا تَغْفُلْ.
38:46Page 456
إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ٤٦
Indeed, We chose them for an exclusive quality: remembrance of the home [of the Hereafter].
﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما وُصِفُوا بِهِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، (وخالِصَةٍ) اسْمُ فاعِلٍ وتَنْوِينُها لِلتَّفْخِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾ بَيانٌ لَها بَعْدَ إبْهامِها لِلتَّفْخِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِها المُقَدَّرِ، أيْ هي ذِكْرى الدّارِ، وأيًّا ما كانَ فَذِكْرى مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ، وتَعْرِيفُ الدّارِ لِلْعَهْدِ، أيِ الدّارِ الآخِرَةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّها الدّارُ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما الدُّنْيا مَجازٌ، أيْ جَعَلْناهم خالِصِينَ لَنا بِسَبَبِ خَصْلَةٍ خالِصَةٍ جَلِيلَةِ الشَّأْنِ لا شَوْبَ فِيها، هي تَذَكُّرُهم دائِمًا الدّارَ الآخِرَةَ، فَإنَّ خُلُوصَهم في الطّاعَةِ بِسَبَبِ تَذَكُّرِهِمْ إيّاها، وذَلِكَ لِأنَّ مَطْمَحَ أنْظارِهِمْ ومَطْرَحَ أفْكارِهِمْ في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ جِوارُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والفَوْزُ بِلِقائِهِ، ولا يَتَسَنّى ذَلِكَ إلّا في الآخِرَةِ.
وقِيلَ: أخْلَصْناهم بِتَوْفِيقِهِمْ لَها، واللُّطْفِ بِهِمْ في اخْتِيارِها، والباءُ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ لِلسَّبَبِيَّةِ، والكَلامُ نَحْوُ قَوْلِكَ:
أكْرَمْتُهُ بِالعِلْمِ، أيْ بِسَبَبِ أنَّهُ عالِمٌ أكْرَمْتُهُ، أوْ أكْرَمْتُهُ بِسَبَبِ أنَّكَ جَعَلْتَهُ عالِمًا، وقَدْ يُتَخَيَّلُ في الثّانِي أنَّهُ صِلَةٌ، ويُعَضِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ قِراءَةُ الأعْمَشِ، وطَلْحَةَ ”بِخالِصَتِهِمْ“ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ أنَّ ذِكْرى الدّارِ تَذْكِيرُهُمُ النّاسَ الآخِرَةَ، وتَرْغِيبُهم إيّاهم فِيها، وتَزْهِيدُهم إيّاهم فِيها عَلى وجْهٍ خالِصٍ مِنَ الحُظُوظِ النَّفْسانِيَّةِ، كَما هو شَأْنُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالدّارِ الدّارُ الدُّنْيا، وبِذِكْراها الثَّناءُ الجَمِيلُ، ولِسانُ الصِّدْقِ الَّذِي لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ. وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الجُبّائِيِّ. وأبِي مُسْلِمٍ، وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ احْتِمالًا، وحاصِلُ الآيَةِ عَلَيْهِ كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ: إنّا خَصَصْناهم بِالذِّكْرِ الجَمِيلِ في الأعْقابِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وهِشامٌ بِإضافَةِ ”خالِصَةٍ“ إلى ”ذِكْرى“ لِلْبَيانِ أيْ بِما خَلَصَ مِن
صفحة 211
ذِكْرى الدّارِ عَلى مَعْنى أنَّهم لا يَشُوبُونَ ذِكْراها بِهِمْ آخَرَ أصْلًا، أوْ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَعانِي، وجُوِّزَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ ”خالِصَةٍ“ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ، والكاذِبَةِ مُضافًا إلى الفاعِلِ، أيْ أخْلَصْناهم بِأنْ خَلَصَتْ لَهم ذِكْرى الدّارِ. وظاهِرُ كَلامٍ أبِي حَيّانَ أنَّ احْتِمالَ المَصْدَرِيَّةِ مُمْكِنٌ في القِراءَةِ الأُولى أيْضًا، لَكِنَّهُ قالَ: الأظْهَرُ أنْ تَكُونَ اسْمَ فاعِلٍ
38:47Page 456
وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٧
And indeed they are, to Us, among the chosen and outstanding.
﴿وإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾ أيِ المُخْتارِينَ مِن بَيْنِ أبْناءِ جِنْسِهِمْ، وفِيهِ إعْلالٌ مَعْرُوفٌ.
وعِنْدَنا يَجُوزُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مِن صِلَةِ الخَبَرِ وأنْ يَكُونَ مِن صِلَةِ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾ أيْ وأنَّهم مُصْطَفَوْنَ عِنْدَنا، ولَمْ يُجَوِّزُوا أنْ يَكُونَ مِن صِلَةِ ﴿المُصْطَفَيْنَ﴾ المَذْكُورِ، لِأنَّ ألْ فِيهِ مَوْصُولَةٌ، ومُصْطَفَيْنَ صِلَةٌ، وما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُهُ عَلى المَوْصُولِ لِئَلّا يَلْزَمَ تَقَدُّمُ الصِّلَةِ عَلى المَوْصُولِ، واعْتُرِضَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ ألْ فِيهِ مَوْصُولَةٌ، إذْ لَمْ يُرَدْ مِنهُ الحُدُوثُ، ولَوْ سُلِّمَ فالمُتَقَدِّمُ ظَرْفٌ، وهو يُتَوَسَّعُ فِيهِ ما لا يُتَوَسَّعُ في غَيْرِهِ، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، وتَأْكِيدُها لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِكَوْنِهِمْ عِنْدَهُ تَعالى مِنَ المُصْطَفَيْنَ مِنَ النّاسِ، ﴿الأخْيارِ﴾ الفاضِلِينَ عَلَيْهِمْ في الخَيْرِ، وهو جَمْعُ خَيْرٍ مُقابِلِ شَرٍّ الَّذِي هو أفْعَلُ تَفْضِيلٍ في الأصْلِ، وكانَ قِياسُ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ أنْ لا يُجْمَعَ عَلى أفْعالٍ، لَكِنَّهُ لِلُزُومِ تَخْفِيفِهِ حَتّى أنَّهُ لا يُقالُ: أخْيَرُ إلّا شُذُوذًا، أوْ في ضَرُورَةٍ جُعِلَ كَأنَّهُ بِنْيَةٌ أصْلِيَّةٌ، وقِيلَ: جَمْعُ خَيِّرٍ المُشَدَّدِ أوْ خَيْرٍ المُخَفَّفِ مِنهُ كَأمْواتٍ في جَمْعِ مَيِّتٍ بِالتَّشْدِيدِ، أوْ مَيْتٍ بِالتَّخْفِيفِ.
38:48Page 456
وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ ٤٨
And remember Ishmael, Elisha and Dhul-Kifl, and all are among the outstanding.
﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ﴾ فَصَلَ ذِكْرَهُ عَنْ ذِكْرِ أبِيهِ وأخِيهِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَشْرِكُ العَرَبَ فِيهِ غَيْرُهُمْ، أوْ لِلْإشْعارِ بِعَراقَتِهِ في الصَّبْرِ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالذِّكْرِ، ﴿واليَسَعَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو ابْنُ أخْطُوبَ بْنِ العَجُوزِ، وذَكَرَ أنَّهُ اسْتَخْلَفَهُ إلْياسُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ اسْتُنْبِئَ، واللّامُ فِيهِ زائِدَةٌ لازِمَةٌ لِمُقارَنَتِها لِلْوَضْعِ، ولا يُنافِي كَوْنَهُ غَيْرَ عَرَبِيٍّ، فَإنَّها قَدْ لَزِمَتْ في بَعْضِ الأعْلامِ الأعْجَمِيَّةِ كالإسْكَنْدَرِ، فَقَدْ لَحَّنَ التِّبْرِيزِيُّ مَن قالَ: إسْكَنْدَرُ، مُجَرِّدًا لَهُ مِنها، والأوْلى عِنْدِي أنَّهُ إذا كانَ اسْمًا أعْجَمِيًّا، وألْ فِيهِ مُقارِنَةٌ لِلْوَضْعِ أنْ لا يُقالَ بِزِيادَتِها فِيها، وقِيلَ: هو اسْمٌ عَرَبِيٌّ مَنقُولٌ مِن يَسَعُ مُضارِعِ وسِعَ حَكاهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ. وفي القامُوسِ: يَسَعُ كَيَضَعُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ ألْ، ولا تَدْخُلُ عَلى نَظائِرِهِ كَيَزِيدَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”واللِّيَسَعَ“ بِلامَيْنِ والتَّشْدِيدِ كَأنَّ أصْلَهُ لِيَسَعُ بِوَزْنِ فِيَعَلٍ مِنَ اللَّسَعِ دَخَلَ عَلَيْهِ ألْ تَشْبِيهًا بِالمَنقُولِ الَّذِي تَدْخُلُهُ لِلَمْحِ أصْلِهِ، وجَزَمَ بَعْضُهم بِأنَّهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أيْضًا عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ دَخَلَ عَلَيْهِ اللّامُ.
﴿وذا الكِفْلِ﴾ قِيلَ هو ابْنُ أيُّوبَ، وعَنْ وهْبٍ: أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ بَعْدَ أيُّوبَ شَرَفَ ابْنَ أيُّوبَ نَبِيًّا، وسَمّاهُ ذا الكِفْلِ وأمَرَهُ بِالدُّعاءِ إلى تَوْحِيدِهِ، وكانَ مُقِيمًا بِالشّامِ عُمْرَهُ حَتّى ماتَ، وعُمْرُهُ خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً.
وفِي العَجائِبِ لِلْكِرْمانِيِّ: قِيلَ: هو إلْياسُ، وقِيلَ: هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وقِيلَ: هو نَبِيٌّ اسْمُهُ ذُو الكِفْلِ، وقِيلَ: كانَ رَجُلًا صالِحًا تَكَفَّلَ بِأُمُورٍ فَوَفّى بِها، وقِيلَ: هو زَكَرِيّا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ اهـ، وقالَ ابْنُ عَساكِرَ: هو نَبِيٌّ تَكَفَّلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ في عَمَلِهِ بِضِعْفِ عَمَلِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وأنَّ اليَسَعَ اسْتَخْلَفَهُ، فَتَكَفَّلَ لَهُ أنْ يَصُومَ النَّهارَ، ويَقُومَ اللَّيْلَ، وقِيلَ: أنْ يُصَلِّيَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ رَكْعَةٍ، وقِيلَ: كانَ رَجُلًا مِنَ الصّالِحِينَ كانَ في زَمانِهِ أرْبَعُمِائَةِ نَبِيٍّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَقَتَلَهم مَلِكٌ جَبّارٌ إلّا مِائَةً مِنهُمْ، فَرُّوا مِنَ القَتْلِ، فَآواهُمْ، وأخْفاهُمْ، وقامَ بَمَؤُونَتِهِمْ فَسَمّاهُ اللَّهُ تَعالى ذا الكِفْلِ، وقِيلَ: هو اليَسَعُ وأنَّ لَهُ اسْمَيْنِ، ويَأْباهُ ظاهِرُ النَّظْمِ، ﴿وكُلٌّ﴾ أيْ وكُلُّهم ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾
صفحة 212
المَشْهُورِينَ بِالخَيْرِيَّةِ، هَذا إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِمَحاسِنِهِمْ، ﴿ذِكْرٌ﴾ أيْ شَرَفٌ لَهُمْ، وشاعَ الذِّكْرُ بِهَذا المَعْنى، لِأنَّ الشَّرَفَ يَلْزَمُهُ الشُّهْرَةُ والذِّكْرُ بَيْنَ النّاسِ، فَتَجُوزُ بِهِ عَنْهُ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، والمُرادُ في ذِكْرِ قِصَصِهِمْ وتَنْوِيهِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ شَرَفٌ عَظِيمٌ لَهُمْ، أوِ المَعْنى هَذا المَذْكُورُ مِنَ الآياتِ نَوْعٌ مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي هو القُرْآنُ، وذَكَرَ ذَلِكَ لِلِانْتِقالِ مِن نَوْعٍ مِنَ الكَلامِ إلى آخَرَ، كَما يَقُولُ الجاحِظُ في كُتُبِهِ: فَهَذا بابٌ ثُمَّ شَرَعَ في بابٍ آخَرَ، ويَقُولُ الكاتِبُ إذا فَرَغَ مِن فَصْلٍ مِن كِتابِهِ وأرادَ الشُّرُوعَ في آخَرَ: هَذا، وكانَ كَيْتَ وكَيْتَ، ويُحْذَفُ عَلى ما قِيلَ الخَبَرُ في مِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرًا، وعَلَيْهِ هَذا، ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، وسَتَسْمَعُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامَ فِيهِ، فَلا يُقالُ: إنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّهُ مِنَ القُرْآنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ،
38:49Page 456
هَٰذَا ذِكۡرٞۚ وَإِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ لَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٩
This is a reminder. And indeed, for the righteous is a good place of return -
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أيْ مَرْجِعٍ، شُرُوعٌ في بَيانِ أجْرِهِمُ الجَزِيلِ في الآجِلِ بَعْدَ بَيانِ ذِكْرِهِمُ الجَمِيلِ في العاجِلِ، والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ إمّا الجِنْسُ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا نَفْسُ المَذْكُورِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ مَدْحًا لَهم بِالتَّقْوى الَّتِي هي الغايَةُ القُصْوى في الكَمالِ، والجُمْلَةُ فِيما أرى عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا شَرَفٌ لَهم في الدُّنْيا، وأنَّ لَهم ولِأضْرابِهِمْ أوْ إنَّ لَهم في الآخِرَةِ لَحُسْنَ مَآبٍ، أوْ هي مِن قَبِيلِ عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وقالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: هي حالِيَّةٌ، ولَمْ يُبَيِّنْ صاحِبَ الحالِ، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ (ذِكْرًا) لِأنَّهُ نَكِرَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ وأنْ يَكُونَ هَذا لِأنَّهُ مُبْتَدَأٌ، ومَعَ ذَلِكَ في المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ خَفاءٌ، وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُعاصِرِينَ: إنَّهُ أرادَ أنَّ الكَلامَ عَلى مَعْنى والحالُ كَذا، أيِ الأمْرُ والشَّأْنُ كَذا، ولَمْ يُرِدْ أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ بِالمَعْنى المَعْرُوفِ الَّذِي يَقْتَضِي ذا حالٍ وعامِلًا في الحالِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وادَّعى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ في كُلِّ جُمْلَةٍ يُقالُ إنَّها حالٌ، ولَيْسَ فِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما قَبْلَها نَحْوَ: جاءَ زَيْدٌ والشَّمْسُ طالِعَةٌ، وقالَ: إنَّهُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَذْكُرْهُ النَّحْوِيُّونَ اهـ، والحالُ لا يَخْفى عَلى ذِي تَمْيِيزٍ، وإضافَةُ (حُسْنَ) إلى ﴿مَآبٍ﴾ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، إمّا بِتَأْوِيلِ مَآبٌ ذِي حُسْنٍ، أوْ حَسَنٌ، وإمّا بِدُونِهِ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ.
38:50Page 456
جَنَّٰتِ عَدۡنٖ مُّفَتَّحَةٗ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَٰبُ ٥٠
Gardens of perpetual residence, whose doors will be opened to them.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَدْحِ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَ بَيانٍ لِحُسْنَ مَآبٍ، وعَدْنٌ قِيلَ مِنَ الأعْلامِ الغالِبَةِ غَلَبَةً تَقْدِيرِيَّةً، ولُزُومُ الإضافَةِ فِيها أوْ تَعْرِيفُها بِاللّامِ أغْلَبِيٌّ، كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ، وجَنّاتُ عَدْنٍ كَمَدِينَةِ طِيبَةَ، لا كَإنْسانِ زَيْدٍ، فَإنَّهُ قَبِيحٌ، وقِيلَ: العَلَمُ مَجْمُوعٌ ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ وهو أيْضًا مِن غَيْرِ الغالِبِ لِأنَّ المُرادَ مِنَ الإضافَةِ الَّتِي تُعَوِّضُها العَلَمُ بِالغَلَبَةِ إضافَةٌ تُفِيدُهُ تَعْرِيفًا، وعَلى القَوْلَيْنِ هو مُعَيَّنٌ فَيَصْلُحُ لِلْبَيانِ، لَكِنْ تَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ لِلنَّحْوِيِّينَ في عَطْفِ البَيانِ مَذْهَبَيْنِ، أحَدُهُما أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في المَعارِفِ فَلا يَكُونُ عَطْفُ البَيانِ إلّا تابِعًا لِمَعْرِفَةٍ، وهو مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، والثّانِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النَّكِراتِ، فَيَكُونُ عَطْفُ البَيانِ تابِعًا لِنَكِرَةٍ كَما تَكُونُ المَعْرِفَةُ فِيهِ تابِعَةً لِمَعْرِفَةٍ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وتَبِعَهُمُ الفارِسِيُّ، وأمّا تَخالُفُهُما في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ، فَلَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ سِوى الزَّمَخْشَرِيُّ كَما قَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ، فَهو بِناءٌ لِلْأمْرِ عَلى مَذْهَبِهِ.
وذَهَبَ آخَرُونَ أنَّ عَدْنًا مَصْدَرُ عَدَنَ بِمَكانِ كَذا اسْتَقَرَّ، ومِنهُ المَعْدِنُ لِمُسْتَقِرِّ الجَواهِرِ ولا عَلَمِيَّةَ ولا نَقْلَ هُناكَ، ومَعْنى ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ جَنّاتُ اسْتِقْرارٍ وثَباتٍ، فَإنْ كانَ عَطْفَ بَيانٍ فَهو عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ والفارِسِيِّ.
ومِنَ الغَرِيبِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألْتُ كَعْبًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ فَقالَ: جَنّاتُ
صفحة 213
كُرُومٍ وأعْنابٍ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ أنَّهُ بِالرُّومِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ إمّا صِفَةٌ لِجَنّاتِ عَدْنٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ إسْحاقَ وتَبِعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِها المُسْتَتِرِ في خَبَرِ إنَّ، والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ المُقَدَّرُ أوْ نَفْسُ الظَّرْفِ، لِتَضَمُّنِهِ مَعْناهُ، ونِيابَتِهِ عَنْهُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومُخْتَصِرُو كَلامِهِ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِها المَحْذُوفِ مَعَ العامِلِ لِدِلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ يُرِيدُ خُلُوَّها مُفَتَّحَةً، وإلَيْهِ ذَهَبَ الحُوفِيُّ، و”الأبواب“ نائِبُ فاعِلِ ﴿مُفَتَّحَةً﴾ عِنْدَ الجُمْهُورِ، والرّابِطُ العائِدُ عَلى الجَنّاتِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ الأبْوابُ مِنها، واكْتَفى الكُوفِيُّونَ عَنْ ذَلِكَ بِألْ لِقِيامِها مَقامَ الضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مُفَتَّحَةً لَهم أبْوابُها، وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّ نائِبَ فاعِلِ ﴿مُفَتَّحَةً﴾ ضَمِيرُ الجَنّاتِ، والأبْوابُ بَدَلٌ مِنهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، لِأنَّ أبْوابَ الجَنّاتِ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ الجَنّاتِ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَفِيعٍ، وأبُو حَيْوَةَ ”جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ“ بِرَفْعِهِما عَلى أنَّهُما خَبَرانِ لِمَحْذُوفٍ، أيْ هو أيِ المَآبُ جَنّاتُ عَدْنٍ مُفَتَّحَةٌ لَهم أبْوابُهُ، أوْ هو جَنّاتُ عَدْنٍ هي مُفَتَّحَةٌ لَهم أبْوابُها، أوْ عَلى أنَّهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
ووَجْهُ ارْتِباطِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها أنَّها مُفَسِّرَةٌ لِحُسْنِ المَآبِ لِأنَّ مُحَصِّلَها جَنّاتٌ أبْوابُها فُتِحَتْ إكْرامًا لَهُمْ، أوْ هي مُعْتَرِضَةٌ.
38:51Page 456
مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدۡعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ وَشَرَابٖ ٥١
Reclining within them, they will call therein for abundant fruit and drink.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ﴾ قِيلَ: حالانِ مِن ضَمِيرِ ﴿لَهُمُ﴾ وهُما حالانِ مُقَدَّرانِ، لِأنَّ الِاتِّكاءَ وما بَعْدَهُ لَيْسَ في حالِ تَفْتِيحِ الأبْوابِ، بَلْ بَعْدَهُ، وقِيلَ: الأوَّلُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَذْكُورِ، والثّانِي حالٌ مِن ضَمِيرِ مُتَّكِئِينَ، وجُوِّزَ جَعْلُهُما حالَيْنِ مِنَ المُتَّقِينَ، ولا يَصِحُّ إلّا إنْ قُلْنا بِأنَّ الفاصِلَ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، والظّاهِرُ أنَّهُ أجْنَبِيٌّ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: الأظْهَرُ أنَّ متكئين حالٌ مِن ضَمِيرِ يدعون قُدِّمَ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ، ويَدْعُونَ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما حالُهم بَعْدَ دُخُولِها؟ فَقِيلَ: يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وشَرابٍ مُتَّكِئِينَ فِيها، والِاقْتِصارُ عَلى الفاكِهَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَطاعِمَهم لِمَحْضِ التَّفَكُّهِ والتَّلَذُّذِ دُونَ التَّغَذِّي، فَإنَّهُ لِتَحْصِيلِ بَدَلٍ، ولا تَحَلُّلَ ثَمَّتَ، ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ تَتَنَوَّعُ وصَفَها سُبْحانَهُ بِالكَثْرَةِ، وكَثْرَتُها بِاخْتِلافِ أنْواعِها وكَثْرَةِ كُلِّ نَوْعٍ مِنها، ولَمّا كانَ الشَّرابُ نَوْعًا واحِدًا، وهو الخَمْرُ أُفْرِدَ، وقِيلَ: وُصِفَتِ الفاكِهَةُ بِالكَثْرَةِ، ولَمْ يُوصَفِ الشَّرابُ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ يَكُونُ عَلى الشَّرابِ نَقْلٌ كَثِيرٌ سَواءٌ تَعَدَّدَتْ أنْواعُهُ أمِ اتَّحَدَتْ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: التَّقْدِيرُ: وشَرابٌ كَثِيرٌ، لَكِنْ حُذِفَ كَثِيرٌ لِدِلالَةِ ما قَبْلُ ورِعايَةً لِلْفاصِلَةِ.
38:52Page 456
۞ وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ أَتۡرَابٌ ٥٢
And with them will be women limiting [their] glances1 and of equal age.
﴿وعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ، أوْ قاصِراتُ طَرْفِ أزْواجِهِنَّ عَلَيْهِنَّ، فَلا يَنْظُرُونَ إلى غَيْرِهِنَّ لِشِدَّةِ حُسْنِهِنَّ، وتَمامُ الكَلامِ قَدْ مَرَّ وحَلا، ﴿أتْرابٌ﴾ أيْ لِداتٌ عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ تَشْبِيهًا في التَّساوِي والتَّماثُلِ بِالتَّرائِبِ الَّتِي هي ضُلُوعُ الصَّدْرِ أوْ لِسُقُوطِهِنَّ مَعًا عَلى الأرْضِ حِينَ الوِلادَةِ، ومَسِّهِنَّ تُرابَها، فَكَأنَّ التِّرْبَ بِمَعْنى المُتارِبِ كالمِثْلِ بِمَعْنى المُماثِلِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الوَصْفَ بَيَّنَهُنَّ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَحَبَّةِ بَعْضِهِنَّ لِبَعْضٍ وتَصادُقِهِنَّ فِيما بَيْنَهُنَّ، فَإنَّ النِّساءَ الأتْرابَ يَتَحابَبْنَ، ويَتَصادَقْنَ، وفي ذَلِكَ راحَةٌ عَظِيمَةٌ لِأزْواجِهِنَّ كَما أنَّ في تَباغُضِ الضَّرائِرِ نَصَبًا عَظِيمًا وخَطْبًا جَسِيمًا لَهُمْ، وقَدْ جُرِّبَ ذَلِكَ وصَحَّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ.
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ، أيْ إنَّ أسْنانَهُنَّ كَأسْنانِهِمْ لِيَحْصُلَ كَمالُ التَّحابِّ، ورُجِّحَ بِأنَّ اهْتِمامَ الرَّجُلِ بِحُصُولِ المَحَبَّةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجَتِهِ أشَدُّ مِنَ اهْتِمامِهِ بِحُصُولِها بَيْنَ زَوْجاتِهِ، وفِيهِ تَوَقُّفٌ، ثُمَّ إنَّ الوَصْفَ الأوَّلَ
صفحة 214
عَلى المَعْنى الأوَّلِ مُتَكَفِّلٌ بِالدِّلالَةِ عَلى مَحَبَّتِهِنَّ لِأزْواجِهِنَّ، وعَلى المَعْنى الثّانِي مُتَكَفِّلٌ بِالدِّلالَةِ عَلى مَحَبَّةِ أزْواجِهِنَّ لَهُنَّ، وإذا حَصَلَتِ المَحَبَّةُ مِن طَرَفٍ فالغالِبُ حُصُولُها مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ، وقَدْ قِيلَ: مِنَ القَلْبِ إلى القَلْبِ سَبِيلٌ، والأمْرُ في الشّاهِدِ أنَّ كَوْنَ الزَّوْجاتِ أصْغَرَ مِنَ الأزْواجِ أحَبُّ لَهم لا التَّساوِي، واخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ ذَلِكَ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ، ويَلْزَمُ مِنهُ مُساواةُ بَعْضِهِنَّ لِبَعْضٍ، وهَذا إذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُمْ﴾ إلَخْ، وعِنْدَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، ولَوْ كانَ المُرادُ، وعِنْدَ مَجْمُوعِهِمْ، وكانَ الجَمْعُ مُوَزَّعًا بِأنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ واحِدَةٌ واحِدَةٌ مِن قاصِراتِ الطَّرْفِ الأتْرابِ، كانَ اعْتِبارُ كَوْنِ الوَصْفِ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الأزْواجِ كالمُتَعَيِّنِ، لَكِنَّ هَذا الفَرْضَ خِلافُ ما نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ، سَواءٌ قُلْنا بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ الآيَةَ في الآدَمِيّاتِ، أوْ قُلْنا بِما قالَهُ صاحِبُ الفَيْنانِ مِن أنَّها في الحُورِ، وقِيلَ: بِناءً عَلى ما هو الظّاهِرُ في الوَصْفِ أنَّ التَّساوِيَ في الأعْمارِ بَيْنَ الحُورِ، وبَيْنَ نِساءِ الجَنَّةِ، فالآيَةُ فِيهِما،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences