Al-AlusiSad · 38:5–14

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Sad 38:5–14

38:5Page 453

أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ ٥

Has he made the gods [only] one God? Indeed, this is a curious thing."

﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ بِأنْ نَفى الأُلُوهِيَّةَ عَنْها وقَصَرَها عَلى واحِدٍ، فالجَعْلُ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، ولَيْسَ تَصْيِيرًا في الخارِجِ بَلْ في القَوْلِ، والتَّسْمِيَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن بابِ إنْكارِ وحْدَةِ الوُجُودِ في شَيْءٍ لِيُقالَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ نَعى عَلى الكَفَرَةِ ذَلِكَ الإنْكارَ، فَتَثْبُتُ الوَحْدَةُ، فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما قالَ بِاتِّحادِ آلِهَتِهِمْ مَعَهُ - عَزَّ وجَلَّ - في الوُجُودِ، ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ بَلِيغٌ في العَجَبِ، فَإنَّ فُعالًا بِناءُ مُبالَغَةٍ، كَرَجُلٍ طُوالٍ وسُراعٍ، ووَجْهُ تَعَجُّبِهِمْ أنَّهُ خِلافُ ما ألْفَوْا عَلَيْهِ آباءَهُمُ الَّذِينَ أجْمَعُوا عَلى تَعَدُّدِ الآلِهَةِ، وواظَبُوا عَلى عِبادَتِها، وقَدْ كانَ مَدارُهم في كُلِّ ما يَأْتُونَ ويَذَرُوَنَ التَّقْلِيدَ، فَيَعُدُّونَ خِلافَ ما اعْتادُوهُ عَجِيبًا، بَلْ مُحالًا، وقِيلَ: مَدارُ تَعَجُّبِهِمْ زَعْمُهم عَدَمَ وفاءِ عِلْمِ الواحِدِ، وقَدْرِهِ بِالأشْياءِ الكَثِيرَةِ، وهو لا يَتِمُّ إلّا إنِ ادَّعَوْا لِآلِهَتِهِمْ عِلْمًا وقُدْرَةً، والظّاهِرُ أنَّهم لَمْ يَدَّعُوهُما لَها، ”ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله“ .

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والسُّلَمِيُّ وعِيسى، وابْنُ مِقْسَمٍ ”عُجّابٌ“ بِشَدِّ الجِيمِ وهو أبْلَغُ مِنَ المُخَفَّفِ، وقالَ مُقاتِلٌ ”عُجّابٌ“ لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ.

أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُمْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا مَرِضَ أبُو طالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِن قُرَيْشٍ فِيهِمْ أبُو جَهْلٍ، فَقالُوا: إنَّ ابْنَ أخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنا، ويَفْعَلُ، ويَقُولُ، ويَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ، فَبَعَثَ إلَيْهِ، فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ، فَدَخَلَ البَيْتَ، وبَيْنَهم وبَيْنَ أبِي طالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسٍ، فَخَشِيَ أبُو جَهْلٍ إنْ جَلَسَ إلى أبِي طالِبٍ أنْ يَكُونَ أرَقَّ عَلَيْهِ، فَوَثَبَ، فَجَلَسَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ فَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ البابِ، فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ: أيِ ابْنَ أخِي، ما بالُ قَوْمِكَ يَشْكُونَكَ يَزْعُمُونَ أنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ، وتَقُولُ وتَقُولُ، قالَ: وأكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، وتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا عَمِّ، إنِّي أُرِيدُهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَقُولُونَها يَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِمْ بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ، فَفَرِحُوا لِكَلِمَتِهِ، ولِقَوْلِهِ، فَقالَ القَوْمُ: ما هِيَ؟ وأبِيكَ لَنُعْطِيَنَّكَها، وعَشْرًا، قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيابَهُمْ، وهم يَقُولُونَ: أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ.

وفِي رِوايَةٍ: أنَّهم قالُوا: سَلْنا غَيْرَ هَذا، فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ”لَوْ جِئْتُمُونِي بِالشَّمْسِ حَتّى تَضَعُوها في يَدِي ما سَألْتُكم غَيْرَها“، فَغَضِبُوا، وقامُوا غِضابًا، وقالُوا: واللَّهِ لَنَشْتُمَنَّكَ وإلَهَكَ الَّذِي يَأْمُرُكَ بِهَذا».

38:6Page 453

وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ ٦

And the eminent among them went forth, [saying], "Continue, and be patient over [the defense of] your gods. Indeed, this is a thing intended.1

﴿وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهُمْ﴾ أيْ وانْطَلَقَ الأشْرافُ مِن قُرَيْشٍ مِن مَجْلِسِ أبِي طالِبٍ بَعْدَ ما بَكَّتَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وشاهَدُوا تَصَلُّبَهُ في الدِّينِ، ويَئِسُوا مِمّا كانُوا يَرْجُونَهُ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِواسِطَةِ عَمِّهِ، وكانَ مِنهم أبُو جَهْلٍ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ.

صفحة 167

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ يَوْمَ بَدْرٍ: ما هم إلّا النِّساءُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ هُمُ المَلَأُ، وتَلا: ﴿وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهُمْ﴾

﴿أنِ امْشُوا﴾» الظّاهِرُ أنَّهُ أمْرٌ بِالمَشْيِ بِمَعْنى نَقْلِ الأقْدامِ عَنْ ذَلِكَ المَجْلِسِ، وأن مُفَسِّرَةٌ فَقِيلَ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ وقَعَ حالًا مِنَ المَلَإ، أيِ انْطَلَقَ المَلَأُ يَتَحاوَرُونَ، والتَّفْسِيرُ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ وهو مُتَضَمِّنٌ مَعْنى القَوْلِ دُونَ لَفْظِهِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى اعْتِبارِ الحَذْفِ، فَإنَّ الِانْطِلاقَ عَنْ مَجْلِسِ التَّقاوُلِ يَسْتَلْزِمُ عادَةً تَفاوُضَ المُنْطَلِقِينَ، وتَحاوُرَهم بِما جَرى فِيهِ، وتَضَمُّنُ المُفَسَّرِ لِمَعْنى القَوْلِ أعَمُّ مِن كَوْنِهِ بِطَرِيقِ الدِّلالَةِ وغَيْرِها كالمُقارَنَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ كافٍ فِيهِ، وقِيلَ: الِانْطِلاقُ هُنا الِانْدِفاعُ في القَوْلِ، فَهو مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى القَوْلِ بِطَرِيقِ الدِّلالَةِ، وإطْلاقُ الِانْطِلاقِ عَلى ذَلِكَ، الظّاهِرُ أنَّهُ مَجازٌ مَشْهُورٌ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الحَقِيقَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّجَوُّزُ في الإسْنادِ، وأصْلُهُ انْطَلَقَتْ ألْسِنَتُهُمْ، والمَعْنى: شَرَعُوا في التَّكَلُّمِ بِهَذا القَوْلِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ (بِامْشُوا) سِيرُوا عَلى طَرِيقَتِكُمْ، وداوِمُوا عَلى سِيرَتِكُمْ، وقِيلَ: هو مِن مَشَتِ المَرْأةُ إذا كَثُرَتْ وِلادَتُها، ومِنهُ الماشِيَةُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها مِن شَأْنِها كَثْرَةُ الوِلادَةِ، أوْ تَفاؤُلًا بِذَلِكَ، والمُرادُ لازِمُ مَعْناهُ، أيْ أكْثِرُوا واجْتَمِعُوا، وقِيلَ: هو دُعاءٌ بِكَثْرَةِ الماشِيَةِ افْتَتَحُوا بِهِ كَلامَهم لِلتَّعْظِيمِ، كَما يُقالُ: اسْلَمْ أيُّها الأمِيرُ، واخْتارُوهُ مِن بَيْنِ الأدْعِيَةِ لِعِظَمِ شَأْنِ الماشِيَةِ عِنْدَهم. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خَطَأٌ، لِأنَّ فِعْلَهُ مَزِيدٌ، يُقالُ: أمْشى إذا كَثُرَتْ ماشِيَتُهُ، فَكانَ يَلْزَمُ قَطْعُ هَمْزَتِهِ، والقِراءَةُ بِخِلافِهِ مَعَ أنَّ إرادَةَ هَذا المَعْنى هُنا في غايَةِ البُعْدِ، وأيًّا ما كانَ، فالبَعْضُ قالَ لِلْبَعْضِ ذَلِكَ، وقِيلَ: قالَ الأشْرافُ لِأتْباعِهِمْ وعَوامِّهِمْ، وقُرِئَ ”امْشُوا“ بِغَيْرِ (أنْ) عَلى إضْمارِ القَوْلِ دُونَ إضْمارِها، أيْ قائِلِينَ: امْشُوا، ﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ أيِ اثْبُتُوا عَلى عِبادَتِها مُتَحَمِّلِينَ لِما تَسْمَعُونَهُ في حَقِّها مِنَ القَدْحِ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم يَمْشُونَ أنِ اصْبِرُوا“، فَجُمْلَةُ ”يَمْشُونَ“ حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، والكَلامُ في ”أنِ اصْبِرُوا“ كَما في ”أنِ امْشُوا“، سَواءٌ تَعَلَّقَ بِانْطَلَقَ، أوْ بِما يَلِيهِ، ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ، أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ، والإشارَةُ إلى ما وقَعَ وشاهَدُوهُ مِن أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وتَصَلُّبِهِ في أمْرِ التَّوْحِيدِ، ونَفْيِ أُلُوهِيَّةِ آلِهَتِهِمْ أيْ إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَظِيمٌ يُرادُ مِن جِهَتِهِ ﷺ إمْضاؤُهُ وتَنْفِيذُهُ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ، ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ، لا قَوْلٌ يُقالُ مِن طَرْفِ اللِّسانِ، أوْ أمْرٌ يُرْجى فِيهِ المُسامَحَةُ بِشَفاعَةِ إنْسانٍ، فاقْطَعُوا أطْماعَكم عَنِ اسْتِنْزالِهِ إلى إرادَتِكُمْ، واصْبِرُوا عَلى عِبادَةِ آلِهَتِكُمْ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الأمْرَ لَشَيْءٌ مِن نَوائِبِ الدَّهْرِ، يُرادُ بِنا، فَلا حِيلَةَ إلّا تَجَرُّعُ مَرارَةِ الصَّبْرِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا الَّذِي يَدَّعِيهِ مِن أمْرِ التَّوْحِيدِ أوْ يَقْصِدُهُ مِنَ الرِّئاسَةِ والتَّرَفُّعِ عَلى العَرَبِ والعَجَمِ لَشَيْءٌ يُتَمَنّى، أوْ يُرِيدُهُ كُلُّ أحَدٍ، ولَكِنْ لا يَكُونُ لِكُلِّ ما يَتَمَنّاهُ أوْ يُرِيدُهُ فاصْبِرُوا، وقِيلَ: إنَّ هَذا أيْ دِينُكم يُطْلَبُ لِيُنْتَزَعَ مِنكُمْ، ويُطْرَحَ، أوْ يُرادَ إبْطالُهُ، وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الصَّبْرِ المَفْهُومِ مِنِ ﴿اصْبِرُوا﴾ أيْ إنَّ الصَّبْرَ لَشَيْءٌ مَطْلُوبٌ لِأنَّهُ مَحْمُودُ العاقِبَةِ.

وقالَ القَفّالُ: هَذِهِ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ غَرَضُهُ مِن هَذا القَوْلِ تَقْرِيرَ الدِّينِ، وإنَّما غَرَضُهُ أنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْنا، فَيَحْكُمَ في أمْوالِنا، وأوْلادِنا بِما يُرِيدُ، فَتَأمَّلْ.

38:7Page 453

مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ ٧

We have not heard of this in the latest religion.1 This is not but a fabrication.

﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ الَّذِي يَقُولُهُ، ﴿فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُقاتِلٌ: أرادُوا مِلَّةَ النَّصارى، والتَّوْصِيفُ بِالآخِرَةِ بِحَسَبِ الِاعْتِقادِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ

صفحة 168

وسَلَّمَ، ومُرادُهم مِن قَوْلِهِمْ: ما سَمِعْنا إلَخْ، إنّا سَمِعْنا خِلافَهُ، وهو عَدَمُ التَّوْحِيدِ، فَإنَّ النَّصارى كانُوا يُثَلِّثُونَ ويَزْعُمُونَ أنَّهُ الدِّينُ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحاشاهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا، وقَتادَةَ: أرادُوا مِلَّةَ العَرَبِ ونِحْلَتَها الَّتِي أدْرَكُوا عَلَيْها آباءَهُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في المِلَّةِ الآخِرَةِ حالًا مِنَ اسْمِ الإشارَةِ لا مُتَعَلِّقًا (بِسَمِعْنا) أيْ ما سَمِعْنا بِهَذا الَّذِي يَدْعُونا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ كائِنًا في المِلَّةِ الَّتِي تَكُونُ آخِرَ الزَّمانِ، أرادُوا أنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والكُهّانِ الَّذِينَ كانُوا يُحَدِّثُونَهم قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِظُهُورِ نَبِيٍّ أنَّ في دِينِهِ التَّوْحِيدَ، ولَقَدْ كَذَبُوا في ذَلِكَ، فَإنَّ حَدِيثَ: (إنَّ النَّبِيَّ المَبْعُوثَ آخِرَ الزَّمانِ يَكْسِرُ الأصْنامَ ويَدْعُو إلى تَوْحِيدِ المَلِكِ العَلّامِ)، كانَ أشْهَرَ الأُمُورِ قَبْلَ الظُّهُورِ، وإنْ أرادُوا عَلى هَذا المَعْنى: إنّا سَمِعْنا خِلافَ ذَلِكَ، فَكَذِبُهم أقْبَحُ ﴿إنْ هَذا﴾ أيْ ما هَذا.

﴿إلا اخْتِلاقٌ﴾ أيِ افْتِعالٌ وافْتِراءٌ مِن غَيْرِ سَبْقِ مِثْلٍ لَهُ.

38:8Page 453

أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۚ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ٨

Has the message been revealed to him out of [all of] us?" Rather, they are in doubt about My message. Rather, they have not yet tasted My punishment.

﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ أيِ القُرْآنُ، ﴿مِن بَيْنِنا﴾ ونَحْنُ رُؤَساءُ النّاسِ وأشْرافُهُمْ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ومُرادُهم إنْكارُ كَوْنِهِ ذِكْرًا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾، وأمْثالُ هَذِهِ المَقالاتِ الباطِلَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَناطَ تَكْذِيبِهِمْ لَيْسَ إلّا الحَسَدُ وقِصَرُ النَّظَرِ عَلى الحُطامِ الدُّنْيَوِيِّ، ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي أنْزَلْتُهُ عَلى رَسُولِي المَشْحُونِ بِالتَّوْحِيدِ لِمَيْلِهِمْ إلى التَّقْلِيدِ، وإعْراضِهِمْ عَنِ الأدِلَّةِ المُؤَدِّيَةِ إلى العِلْمِ بِحَقِّيَّتِهِ، ولَيْسَ في عَقِيدَتِهِمْ ما يَقْطَعُونَ بِهِ، فَلِذا تَراهم يَنْسُبُونَهُ إلى السِّحْرِ تارَةً، وإلى الِاخْتِلاقِ أُخْرى، قِيلَ: لِلْإضْرابِ عَنْ جَمِيعِ ما قَبْلَهُ، وبَلْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ إضْرابٌ عَنْ مَجْمُوعِ الكَلامَيْنِ السّابِقَيْنِ حَدِيثِ الحَسَدِ في قَوْلِهِ تَعالى: أأنزل إلَخْ، وحَدِيثِ الشَّكِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ أيْ لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي بَعْدُ، فَإذا ذاقُوهُ زالَ عَنْهم ما بِهِمْ مِنَ الحَسَدِ والشَّكِّ حِينَئِذٍ، يَعْنِي أنَّهم لا يُصَدِّقُونَ إلّا أنْ يَمَسَّهُمُ العَذابُ فَيَضْطَرُّوا إلى التَّصْدِيقِ، أوْ إضْرابٌ عَنِ الإضْرابِ قَبْلَهُ، أيْ لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي بَعْدُ، فَإذا ذاقُوهُ زالَ شَكُّهم واضْطُرُّوا إلى التَّصْدِيقِ بِذِكْرِي، والأوَّلُ عَلى ما في الكَشْفِ هو الوَجْهُ السَّدِيدُ، ويَنْطَبِقُ عَلَيْهِ ما بَعْدُ مِنَ الآياتِ، وقِيلَ: المَعْنى لَمْ يَذُوقُوا عَذابِي المَوْعُودَ في القُرْآنِ، ولِذَلِكَ شَكُّوا فِيهِ، وهو كَما تَرى، وفي التَّعْبِيرِ (بِـلَمّا) دِلالَةٌ عَلى أنَّ ذَوْقَهُمُ العَذابَ عَلى شَرَفِ الوُقُوعِ.

38:9Page 453

أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَحۡمَةِ رَبِّكَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡوَهَّابِ ٩

Or do they have the depositories of the mercy of your Lord, the Exalted in Might, the Bestower?1

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أأُنْزِلَ﴾ إلَخْ، ونَظِيرُهُ في رَدِّ نَظِيرِهِ، ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ وأمْ مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والمُرادُ بِالعِنْدِيَّةِ المِلْكُ والتَّصَرُّفُ لا مُجَرَّدُ الحُضُورِ.

وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِأنَّهُ مَحَلُّ الإنْكارِ أيْ بَلْ أيَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَتِهِ تَعالى ويَتَصَرَّفُونَ فِيها حَسْبَما يَشاؤُونَ حَتّى أنَّهم يُصِيبُونَ بِها مَن شاؤُوا ويَصْرِفُونَها عَمَّنْ شاؤُوا، ويَتَحَكَّمُونَ فِيها بِمُقْتَضى رَأْيِهِمْ، فَيَتَخَيَّرُوا لِلنُّبُوَّةِ بَعْضَ صَنادِيدِهِمْ.

وإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ لِلتَّشْرِيفِ واللُّطْفِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والعَزِيزُ القاهِرُ عَلى خَلْقِهِ، والوَهّابُ الكَثِيرُ المَواهِبِ المُصِيبُ بِها مَواقِعَها، وحَدِيثُ العِزَّةِ والقَهْرِ يُناسِبُ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَرَفُّعِهِمْ بِالنُّبُوَّةِ عَنْهُ ﷺ تَجَبُّرًا.

والمُبالَغَةُ في الوَهّابِ مِن طَرِيقِ الكَمِّيَّةِ تُناسِبُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿خَزائِنُ﴾ وتَدُلُّ عَلى حِرْمانٍ لَهم عَظِيمٍ، وفي ذَلِكَ إدْماجُ أنَّ النُّبُوَّةَ لَيْسَتْ عَطاءً واحِدًا بِالحَقِيقَةِ، بَلْ يَتَضَمَّنُ عَطايا جَمَّةً تَفُوتُ الحَصْرَ، وهي مِن طَرِيقِ الكَيْفِيَّةِ المُشارِ إلَيْها بِإصابَةِ المَواقِعِ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ مُسْتَحِقَّ العَطاءِ ومَحَلَّهُ مَن وُهِبَ ذَلِكَ، وهو النَّبِيُّ ﷺ، وفي الوَصْفِ المَذْكُورِ

صفحة 169

أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّ النُّبُوَّةَ مَوْهِبَةٌ رَبّانِيَّةٌ،

38:10Page 453

أَمۡ لَهُم مُّلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ فَلۡيَرۡتَقُواْ فِي ٱلۡأَسۡبَٰبِ ١٠

Or is theirs the dominion of the heavens and the earth and what is between them? Then let them ascend through [any] ways of access.1

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ تَرْشِيحٌ لِما سَبَقَ أيْ بَلْ ألَهم مُلْكُ هَذِهِ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ حَتّى يَتَكَلَّمُوا في الأُمُورِ الرَّبّانِيَّةِ، ويَتَحَكَّمُوا في التَّدابِيرِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي يَسْتَأْثِرُ بِها رَبُّ العِزَّةِ والكِبْرِياءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ إنْ كانَ لَهم ما ذُكِرَ مِنَ المُلْكِ، فَلْيَصْعَدُوا في المَعارِجِ والمَناهِجِ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِها إلى السَّماواتِ، فَلْيُدَبِّرُوها، ولْيَتَصَرَّفُوا فِيها، فَإنَّهم لا طَرِيقَ لَهم إلى تَدْبِيرِها والتَّصَرُّفِ فِيها إلّا ذاكَ، أوْ إنِ ادَّعَوْا ما ذُكِرَ مِنَ المُلْكِ فَلْيَصْعَدُوا ولْيَتَصَرَّفُوا حَتّى يُظَنَّ صِدْقُ دَعْواهُمْ، فَإنَّهُ لا أمارَةَ عِنْدَهم عَلى صِدْقِها، فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ أمارَةً، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ: أيْ فَلْيَصْعَدُوا في المَعارِجِ والطُّرُقِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِها إلى العَرْشِ حَتّى يَسْتَوُوا عَلَيْهِ، ويُدَبِّرُوا أمْرَ العالَمِ، ومَلَكُوتَ اللَّهِ تَعالى، ويُنْزِلُوا الوَحْيَ إلى مَن يَخْتارُونَ ويَسْتَصْوِبُونَ، وهو مُناسِبٌ لِلْمَقامِ، بَيْدَ أنَّ فِيهِ دَغْدَغَةً، وأيًّا ما كانَ فَفي أمْرِهِمْ بِذَلِكَ تَهَكُّمٌ بِهِمْ لا يَخْفى، والسَّبَبُ في الأصْلِ الوَصْلَةُ مِنَ الحَبْلِ، ونَحْوِهِ.

وعَنْ مُجاهِدٍ: الأسْبابُ هُنا أبْوابُ السَّماواتِ، وقِيلَ: السَّماواتُ أنْفُسُها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَها أسْبابًا عادِيَّةً لِلْحَوادِثِ السُّفْلِيَّةِ،

38:11Page 453

جُندٞ مَّا هُنَالِكَ مَهۡزُومٞ مِّنَ ٱلۡأَحۡزَابِ ١١

[They are but] soldiers [who will be] defeated there among the companies [of disbelievers].

﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ أيْ هم جُنْدٌ إلَخْ، فَجُنْدٌ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ مُقَدَّمًا كَما هو الظّاهِرُ، (وما) مَزِيدَةٌ، قِيلَ: لِلتَّقْلِيلِ والتَّحْقِيرِ، نَحْوُ: أكَلْتُ شَيْئًا ما، وقِيلَ: لِلتَّعْظِيمِ والتَّكْثِيرِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُلائِمُهُ ﴿مَهْزُومٌ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّ الوَصْفَ بِالعَظَمَةِ والكَثْرَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَهي بِحَسَبِ اللَّفْظِ عَظَمَةً وكَثْرَةً، وفي نَفْسِ الأمْرِ ذِلَّةٌ وقِلَّةٌ، ورُجِّحَ بِأنَّ الأكْثَرَ في كَلامِهِمْ كَوْنُها لِلتَّعْظِيمِ، نَحْوَ: لِأمْرٍ ما جُدِعَ قَصِيرُ أنْفِهِ، لِأمْرٍ ما يَسُودُ مَن يَسُودُ.

وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

وحَدِيثَ الرَّكْبِ يَوْمَ هُنًا وحَدِيثَ ما عَلى قِصَرِهِ

مَعَ أنَّ الكَلامَ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ وتَبْشِيرِهِ بِانْهِزامِهِمْ، وذَلِكَ أكْمَلُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، قِيلَ: إنَّ التَّبْشِيرَ بِخِذْلانِ عَدَدٍ حَقِيرٍ رُبَّما أشْعَرَ بِإهانَةٍ وتَحْقِيرٍ:

ألَمْ تَرَ أنَّ السَّيْفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ ∗∗∗ إذا قِيلَ إنَّ السَّيْفَ أمْضى مِنَ العَصا

وفِيهِ نَظَرٌ، وهنالك، صِفَةُ ﴿جُنْدٌ﴾، أوْ ظَرْفٌ، ﴿مَهْزُومٌ﴾ وهو إشارَةٌ إلى المَكانِ البَعِيدِ، وأُرِيدَ بِهِ عَلى قَوْلِ المَكانِ الَّذِي تَفاوَضُوا فِيهِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ بِتِلْكَ الكَلِماتِ السّابِقَةِ، وهو مَكَّةُ، وجَعَلَ ذَلِكَ إخْبارًا بِالغَيْبِ عَنْ هَزِيمَتِهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ، وقِيلَ: يَوْمَ بَدْرٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ هُنالِكَ إذا كانَ إشارَةً إلى مَكَّةَ، ومُتَعَلِّقًا بِمَهْزُومٍ لا يَتَسَنّى هَذا إلّا إذا أُرِيدَ مِن مَكَّةَ ما يَشْمَلُ بَدْرًا، ومهزوم خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وأصْلُ الهَزْمِ غَمْزُ الشَّيْءِ اليابِسِ حَتّى يَنْحَطِمَ كَهَزْمِ الشِّنِّ، وهَزْمِ القِثّاءِ والبِطِّيخِ، ومِنهُ الهَزِيمَةُ لِأنَّهُ كَما يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالحَطْمِ والكَسْرِ، والتَّعْبِيرُ عَمّا لَمْ يَقَعْ بِاسْمِ المَفْعُولِ المُؤْذِنِ بِالوُقُوعِ عَلى ما في بَعْضِ شُرُوحِ الكَشّافِ لِلْإيذانِ بِشِدَّةِ قُرْبِهِ حَتّى كَأنَّهُ مُحَقَّقٌ، ومن الأحزاب صِفَةُ جند أيْ هم جُنْدٌ قَلِيلُونَ أذِلّاءُ، أوْ كَثِيرُونَ عُظَماءُ، كائِنُونَ هُنالِكَ مِنَ الكُفّارِ المُتَحَزِّبِينَ عَلى الرُّسُلِ مَكْسُورُونَ عَنْ قَرِيبٍ، أوْ جُنْدٌ مِنَ الأحْزابِ مَكْسُورُونَ عَنْ قَرِيبٍ في مَكانِهِمُ الَّذِي تَكَلَّمُوا فِيهِ بِما تَكَلَّمُوا، فَلا تُبالِ بِما يَقُولُونَ، ولا تَكْتَرِثْ بِما يَهْذُونَ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿جُنْدٌ﴾ مُبْتَدَأٌ، وما زائِدَةٌ، وهُنالِكَ نَعْتٌ، وكَذا (مِنَ الأحْزابِ)، (ومَهْزُومٌ) خَبَرٌ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ بَعْدُ التِفاتَةَ عَنِ

صفحة 170

الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ، واعْتَبَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الحَصْرَ، أيْ ما هم إلّا جُنْدٌ مِنَ المُتَحَزِّبِينَ مَهْزُومٌ عَنْ قَرِيبٍ لا يَتَجاوَزُونَ الجُنْدِيَّةَ المَذْكُورَةَ إلى الأُمُورِ الرَّبّانِيَّةِ، وهو حَسَنٌ إلّا أنَّهُ اخْتُلِفَ في مَنشَإ ذَلِكَ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ حَقُّ الجُنْدِ أنْ يُعَرَّفَ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا فَنُكِّرَ سَوْقًا لِلْمَعْلُومِ مَساقَ المَجْهُولِ، كَأنَّهُ لا يُعَرَّفُ مِنهم إلّا هَذا القَدْرُ، وهو أنَّهم جُنْدٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّهُ التَّفْخِيمُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالتَّنْكِيرِ، وزِيادَةُ (ما) الدّالَّةِ عَلى الشُّيُوعِ وغايَةِ التَّعْظِيمِ لِدِلالَتِهِما عَلى اخْتِصاصِ الوَصْفِ بِالجُنْدِيَّةِ مِن بَيْنِ سائِرِ الصِّفاتِ، كَأنَّهُ لا وصْفَ لَهم غَيْرُها، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ، ويُفْهَمُ كَلامُ العَلّامَةِ الثّانِي أنَّهُ اعْتِبارُ كَوْنِ ﴿جُنْدٌ﴾ خَبَرًا مُقَدَّمًا لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِي الحَصْرَ، فَتَدَبَّرْ، ولا تَغْفُلْ.

وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿هُنالِكَ﴾ المَوْضُوعَ لِلْإشارَةِ إلى المَكانِ البَعِيدِ مُسْتَعارًا لِلْمَرْتَبَةِ مِنَ العُلُوِّ والشَّرَفِ عَلى أنَّهُ إشارَةٌ إلى حَيْثُ وضَعُوا فِيهِ أنْفُسَهم مِنَ الانْتِدابِ لِمِثْلِ ذَلِكَ القَوْلِ العَظِيمِ، كَما في قَوْلِهِمْ لِمَنِ انْتُدِبَ لِأمْرٍ لَيْسَ مِن أهْلِهِ: لَسْتَ هُنالِكَ، وفِيهِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الذَّمِّ، وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، أيْ هم جُنْدٌ لَيْسُوا حَيْثُ وضَعُوا أنْفُسَهم.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ، ولا يَلِيقُ بِالمَقامِ، وفِيهِ بَحْثٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ﴿هُنالِكَ﴾ إشارَةً إلى الزَّمانِ البَعِيدِ، وهي كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ: قَدْ يُشارُ بِها إلَيْهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾ وتَتَعَلَّقُ (بِمَهْزُومٌ)، والكَلامُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ، إمّا عَنْ هَزِيمَتِهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ، أوْ يَوْمَ بَدْرٍ، كَما تَقَدَّمَ حِكايَتُهُ، أوْ يَوْمَ الخَنْدَقِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى زَمانِ الِارْتِقاءِ في الأسْبابِ، أيْ هَؤُلاءِ القَوْمُ جُنْدٌ مَهْزُومٌ إذا ارْتَقَوْا في الأسْبابِ، ولَيْسَ بِالمَرْضِيِّ، وقِيلَ: (ما) اسْمٌ مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ وهُنالِكَ في مَوْضِعِ الصِّلَةِ، (وجُنْدٌ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، (ومَهْزُومٌ)، (ومِنَ الأحْزابِ) صِفَتانِ، وهُما المَقْصُودانِ بِالإفادَةِ، (وما هُنالِكَ) إشارَةٌ إلى مَكَّةَ، والمُرادُ مِنَ الَّذِينَ فِيها المُشْرِكُونَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم (بِما) لِأنَّهم كالأنْعامِ، بَلْ هم أضَلُّ، وقِيلَ: الأصْنامُ وعَبَدَتُها، وأمْرُ التَّعْبِيرِ بِما عَلَيْهِ أظْهَرُ، ويُقالُ فِيهِ نَحْوُ ما قالَهُ أبُو حَيّانَ في كَلامِ أبِي البَقاءِ، وزِيادَةٌ لا تَخْفى.

38:12Page 453

كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ ذُو ٱلۡأَوۡتَادِ ١٢

The people of Noah denied before them, and [the tribe of] ʿAad and Pharaoh, the owner of stakes,1

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ بِبَيانِ أحْوالِ العُتاةِ الطُّغاةِ مِمّا فَعَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ، وفُعِلَ بِهِمْ مِنَ العِقابِ، وذو الأوتاد صِفَةُ فِرْعَوْنَ لا لِجَمِيعِ ما قَبْلَهُ، وإلّا لَقِيلَ: ذَوُو الأوْتادِ، والأوتاد جَمْعُ وتَدٍ، وهو مَعْرُوفٌ، وكَسْرُ التّاءِ فِيهِ أشْهَرُ مِن فَتْحِها، ويُقالُ: وتَدَ واتِدٌ كَما يُقالُ: شَغَلَ شاغِلٌ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ وأنْشَدَ:

لاقَتْ عَلى الماءِ جُذَيْلًا واتِدًا ولَمْ يَكُنْ يُخْلِفْها المَواعِدا

وقالُوا: ودٌّ بِإبْدالِ التّاءِ دالًا، والإدْغامِ، ووَتٌّ بِإبْدالِ الدّالِ تاءً، وفِيهِ قَلْبُ الثّانِي لِلْأوَّلِ وهو قَلِيلٌ، وأصْلُ إطْلاقِ ذَلِكَ عَلى البَيْتِ المُطْنَبِ بِأوْتادِهِ، وهو لا يَثْبُتُ بِدُونِها كَما قالَ الأعْشى:

والبَيْتُ لا يُبْتَنى إلّا عَلى عُمُدٍ ∗∗∗ ولا عِمادَ إذا لَمْ تُرْسَ أوْتادُ

فَقِيلَ: إنَّهُ شَبَّهَ هُنا فِرْعَوْنَ في ثَباتِ مُلْكِهِ ورُسُوخِ سَلْطَنَتِهِ بِبَيْتٍ ثابِتٍ أُقِيمَ عِمادُهُ، وثَبَتَتْ أوْتادُهُ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا في النَّفْسِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ، ووُصِفَ بِذِي الأوْتادِ عَلى سَبِيلِ التَّخْيِيلِ، فالمَعْنى: كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ، وفِرْعَوْنُ الثّابِتُ مُلْكُهُ، وسَلْطَنَتُهُ، وقِيلَ: شَبَّهَ المُلْكَ الثّابِتَ مِن حَيْثُ الثَّباتُ والرُّسُوخُ بِذِي الأوْتادِ، وهو البَيْتُ المُطْنَبُ بِأوْتادِهِ، واسْتُعِيرَ ذُو الأوْتادِ لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ، قِيلَ: وهو أظْهَرُ مِمّا مَرَّ، نِهايَتُهُ أنَّهُ

صفحة 171

وصَفَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنَ مُبالَغَةً لِجَعْلِهِ عَيْنَ مُلْكِهِ، والمَعْنى عَلى وصْفِهِ بِثَباتِ المُلْكِ ورُسُوخِ السَّلْطَنَةِ واسْتِقامَةِ الأمْرِ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطِيَّةَ: الأوْتادُ الجُنُودُ يُقَوُّونَ مُلْكَهُ كَما يُقَوِّي الوَتَدُ الشَّيْءَ، أيْ وفِرْعَوْنُ ذُو الجُنُودِ، فالِاسْتِعارَةُ عَلَيْهِ تَصْرِيحِيَّةٌ في الأوْتادِ، وقِيلَ: هو مَجازٌ مُرْسَلٌ لِلُزُومِ الأوْتادِ لِلْجُنْدِ، وقِيلَ: المَبانِي العَظِيمَةُ الثّابِتَةُ، وفِيهِ مَجازٌ أيْضًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أُخْرى، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ: كانَتْ لَهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ أوْتادٌ وخَشَبٌ يُلْعَبُ لَهُ بِها وعَلَيْها، وقِيلَ: كانَ يَشْبَحُ المُعَذَّبَ بَيْنَ أرْبَعِ سِوارٍ، كُلُّ طَرَفٍ مِن أطْرافِهِ إلى سارِيَةٍ، ويَضْرِبُ في كُلٍّ وتَدًا مِن حَدِيدٍ، ويَتْرُكُهُ حَتّى يَمُوتَ، ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: كانَ يَمُدُّهُ بَيْنَ أرْبَعَةِ أوْتادٍ في الأرْضِ، ويُرْسِلُ عَلَيْهِ العَقارِبَ والحَيّاتِ، وقِيلَ: يَشُدُّهُ بِأرْبَعَةِ أوْتادٍ، ثُمَّ يَرْفَعُ صَخْرَةً فَتُلْقى عَلَيْهِ فَتَشْدَخُهُ.

وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ الأرْبَعَةِ، فالأوْتادُ ثابِتَةٌ عَلى حَقِيقَتِها،

38:13Page 453

وَثَمُودُ وَقَوۡمُ لُوطٖ وَأَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَحۡزَابُ ١٣

And [the tribe of] Thamūd and the people of Lot and the companions of the thicket [i.e., people of Madyan]. Those are the companies.1

﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ أصْحابُ الغَيْضَةِ وهُمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نُسِبُوا إلى غَيْضَةٍ، كانُوا يَسْكُنُونَها، وقِيلَ: الأيْكَةُ اسْمُ بَلَدٍ لَهُمْ، ﴿أُولَئِكَ﴾، المُكَذِّبُونَ، ﴿الأحْزابُ﴾ أيِ الكُفّارُ المُتَحَزِّبُونَ عَلى الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - المَهْزُومُونَ، وهو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، ويُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ الأحْزابَ الَّذِينَ جُعِلَ الجُنْدُ المَهْزُومُ مِنهم هم هُمْ، وأنَّهُمُ الَّذِينَ وُجِدَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ، لِأنَّ المُبْتَدَأ والخَبَرَ في مِثْلِهِ مُتَعاكِسانِ رَأْسًا بِرَأْسٍ، لا لِأنَّ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْزابِ أوَّلًا، والأحْزابُ ثانِيًا هُمُ المُكَذِّبُونَ.

38:14Page 453

إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ١٤

Each of them denied the messengers, so My penalty was justified.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًا لِتَكْذِيبِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ، فَإنْ نافِيَةٌ، ولا عَمَلَ لَها، لِانْتِقاضِ النَّفْيِ بِإلّا، وكل مُبْتَدَأٌ والِاسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العامِّ، وهو الخَبَرُ، أيْ ما كُلُّ حِزْبٍ مِنَ الأحْزابِ مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِحُكْمٍ، إلّا مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ كَذَّبَ الرُّسُلَ، أوْ مُخْبَرًا عَنْهُ بِخَبَرٍ إلّا مُخْبَرًا عَنْهُ بِأنَّهُ كَذَّبَ الرُّسُلَ، لِأنَّ الرُّسُلَ يُصَدِّقُ كُلٌّ مِنهُمُ الكُلَّ، وكُلُّهم مُتَّفِقُونَ عَلى الحَقِّ، فَتَكْذِيبُ كُلِّ واحِدٍ مِنهم تَكْذِيبٌ لَهم جَمِيعًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ، أيْ ما كُلُّهم مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِحُكْمٍ، أوْ مُخْبَرًا عَنْهُ بِشَيْءٍ إلّا مَحْكُومًا عَلَيْهِ، أوْ إلّا مُخْبَرًا عَنْهُ بِأنَّهُ كَذَّبَ رَسُولَهُ، والحَصْرُ مُبالَغَةٌ كَأنَّ سائِرَ أوْصافِهِمْ بِالنَّظَرِ إلى ما أُثْبِتَ لَهم بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، فَيَدُلُّ عَلى أنَّهم غالُونَ في التَّكْذِيبِ، ويَدُلُّ عَلى غُلُوِّهِمْ فِيهِ أيْضًا إعادَتُهُ مُتَعَلِّقًا بِالرُّسُلِ، وتَنْوِيعُ الجُمْلَتَيْنِ إلى اسْمِيَّةٍ اسْتِثْنائِيَّةٍ وغَيْرِها أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ إلَخْ، وجَعَلَ كُلَّ فِرْقَةٍ مُكَذِّبَةٍ لِلْجَمِيعِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ويُسَجِّلُ ذَلِكَ عَلَيْهِمُ اسْتِحْقاقُهم أشَدَّ العِقابِ، ولِذا رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أيْ ثَبَتَ ووَقَعَ عَلى كُلٍّ مِنهم عِقابِي الَّذِي كانَتْ تُوجِبُهُ جِناياتُهم مِن أصْنافِ العُقُوباتِ، فَأغْرَقَ قَوْمَ نُوحٍ، وأهْلَكَ فِرْعَوْنَ بِالغَرَقِ، وقَوْمَ هُودٍ بِالرِّيحِ، وثَمُودَ بِالصَّيْحَةِ، وقَوْمَ لُوطٍ بِالخَسْفِ، وأصْحابَ الأيْكَةِ بِعَذابِ الظُّلَّةِ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ: ﴿أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ بَدَلًا مِنَ الطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ، والجُمْلَةُ بَعْدُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِما سَمِعْتَ، وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ بِحَذْفِ العائِدِ، أيْ إنَّ كُلًّا مِنهم أوْ كُلَّهم إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ، والمَجْمُوعُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مَعَ ما فِيهِ مِن بَيانِ كَيْفِيَّةِ تَكْذِيبِهِمْ، وكِلاهُما خِلافُ الظّاهِرِ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ خَبَرٌ والمُبْتَدَأ قَوْلُهُ تَعالى: وعاد إلَخْ، أوْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَوْمُ لُوطٍ﴾ إلَخْ، فَمِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском