Al-AlusiSad · 38:66–74

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Sad 38:66–74

38:66Page 457

رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٦٦

Lord of the heavens and the earth and whatever is between them, the Exalted in Might,1 the Perpetual Forgiver."2

﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ مِنهُ سُبْحانَهُ خَلَقَها وإلَيْهِ تَدْبِيرُ جَمِيعِ أُمُورِها، ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ في أمْرٍ مِن أُمُورِهِ، جَلَّ شَأْنُهُ، فَتَنْدَرِجُ في ذَلِكَ المُعاقَبَةُ، ﴿الغَفّارُ﴾ المُبالِغُ في المَغْفِرَةِ يَغْفِرُ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ تَقْرِيرٌ لِلتَّوْحِيدِ، أمّا الوَصْفُ الأوَّلُ فَظاهِرٌ في ذَلِكَ غَيْرُ مُحْتاجٍ لِلْبَيانِ، وأمّا القَهّارُ

صفحة 220

لِكُلِّ شَيْءٍ، فَلِأنَّهُ لَوْ كانَ إلَهٌ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَكُنْ قَهّارًا لَهُ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا يَكُونُ حِينَئِذٍ لَها، بَلْ رُبَّما يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مَقْهُورًا، وذَلِكَ مُنافٍ لِلْأُلُوهِيَّةِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وأمّا ﴿رَبُّ السَّماواتِ﴾ إلَخْ، فَلِأنَّهُ لَوْ أمْكَنَ غَيْرُهُ مَعَهُ تَعالى شَأْنُهُ جاءَ دَلِيلُ التَّمانُعِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ فَلَمْ تَتَكَوَّنِ السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما، وقِيلَ: لِأنَّ مَعْنى ﴿رَبُّ السَّماواتِ﴾ إلَخْ، رَبُّ كُلِّ مَوْجُودٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما سِواهُ، فَلا يَكُونُ إلَهًا، وأمّا العَزِيزُ، فَلِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَغْلِبَ غَيْرَهُ ولا يُغْلَبَ، ومَعَ الشَّرِكَةِ لا يَتِمُّ ذَلِكَ.

وأمّا الغَفّارُ فَلِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَغْفِرَ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ، فَرُبَّما شاءَ مَغْفِرَةً لِأحَدٍ، وشاءَ الآخَرُ مِنهُ العِقابُ فَإنْ حَصَلَ مُرادُهُ فالآخَرُ لَيْسَ بِإلَهٍ، وإنْ حَصَلَ مُرادُ الآخَرِ ولَمْ يَحْصُلْ مُرادُهُ لَمْ يَكُنْ هو إلَهًا، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وما قِيلَ في بُرْهانِ التَّمانُعِ سُؤالًا وجَوابًا يُقالُ هُنا، وفي هَذِهِ الأوْصافِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ ما لا يَخْفى، ولِلِاقْتِصارِ عَلى وصْفِ الإنْذارِ صَرِيحًا فِيما تَقَدَّمَ قُدِّمَ وصْفُ القَهّارِ عَلى وصْفِ الغَفّارِ هُنا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ هو تَحْقِيقُ الإنْذارِ، وجِيءَ بِالثّانِي تَتْمِيمًا لَهُ، وإيضاحًا لِما فِيهِ مِنَ الإجْمالِ، أيْ قُلْ لَهُمْ: ما أنا إلّا مُنْذِرٌ لَكم بِما أعْلَمُ، وإنَّما أنْذَرْتُكم عُقُوبَةَ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ، فَإنَّ مِثْلَهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُخافَ عِقابُهُ كَما هو حَقِيقٌ بِأنْ يُرْجى ثَوابُهُ، والوَجْهُ الأوَّلُ أوْفَقُ لِمُقْتَضى المَقامِ، لِأنَّ التَّعْقِيبَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ في الدِّلالَةِ عَلى أنَّ الدَّعْوَةَ إلى التَّوْحِيدِ مَقْصُودَةٌ بِالذّاتِ بِمَكانٍ لا يُنْكَرُ، ولِأنَّ هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى ما مَرَّ مِن صَدْرِ السُّورَةِ إلى هُنا بِمَنزِلَةِ أنْ يَقُولَ المُسْتَدِلُّ بَعْدَ تَمامِ تَقْرِيرِهِ، فالحاصِلُ فالأوْلى أنْ يَكُونَ عَلى وِزانِ المَبْسُوطِ، وفِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ فافْهَمْ.

38:67–68Page 457

قُلۡ هُوَ نَبَؤٌاْ عَظِيمٌ ٦٧

Say, "It is great news

أَنتُمۡ عَنۡهُ مُعۡرِضُونَ ٦٨

From which you turn away.

﴿قُلْ﴾ تَكْرِيرُ الأمْرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المَقُولَ أمْرٌ جَلِيلٌ لَهُ شَأْنٌ خَطِيرٌ لا بُدَّ مِنَ الاعْتِناءِ بِهِ أمْرًا وائْتِمارًا، ﴿هُوَ﴾ أيْ ما أنْبَأتْكم بِهِ مِن كَوْنِي رَسُولًا مُنْذِرًا، وأنَّ اللَّهَ تَعالى واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، ﴿نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ خَبَرٌ ذُو فائِدَةٍ عَظِيمَةٍ جِدًّا لا رَيْبَ فِيهِ أصْلًا، ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ مُتَمادُونَ في الإعْراضِ عَنْهُ لِتَمادِي غَفْلَتِكُمْ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِنَبَإٍ، والكَلامُ بِجُمْلَتِهِ تَحْسِيرٌ لَهم وتَنْبِيهٌ عَلى مَكانِ الخَطَإ، وإظْهارٌ لِغايَةِ الرَّأْفَةِ والعَطْفِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَقامُ الدَّعْوَةِ. واسْتَظْهَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّ﴿هُوَ﴾ لِلْقُرْآنِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، واسْتَشْهَدَ بِآخِرِ السُّورَةِ، وقالَ: إنَّهُ يَدْخُلُ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، واخْتارَ كَوْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْتِئْنافًا ناعِيًا عَلَيْهِمْ سُوءَ حالِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وأنَّهم لا يُقَدِّرُونَ قَدْرَهُ الجَلِيلَ مَعَ غايَةِ عَظَمَتِهِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ، وتَلَقِّيهِ بِحُسْنِ القَبُولِ، وكَأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ ناظِرٌ إلى ما فِيهِ أوَّلَ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ جِيءَ بِهِ لِيُسْتَدَلَّ عَلى أنَّهُ وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِما يُشِيرُ إلَيْهِ

38:69Page 457

مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٦٩

I had no knowledge of the exalted assembly [of angels] when they were disputing [the creation of Adam].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ إلَخْ، حَيْثُ تَضَمَّنَ ذِكْرَ نَبَإٍ مِن أنْبائِهِ عَلى التَّفْصِيلِ مِن غَيْرِ سابِقَةِ مَعْرِفَةٍ بِهِ، ولا مُباشَرَةِ سَبَبٍ مِن أسْبابِها المُعْتادَةِ كالنَّظَرِ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، والسَّماعِ مِنَ الكِتابَيْنِ، وهو حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ بِطَرِيقِ الوَحْيِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ سائِرَ أنْبائِهِ أيْضًا كَذَلِكَ، وهو عَلى ما قُلْنا تَذْكِيرٌ لِإثْباتِ النُّبُوَّةِ بِذِكْرٍ مُخْتَصَرٍ مِنهُ تَمْهِيدًا لِإرْشادِ الطَّرِيقِ وتَذْكِيرًا لِلْباقِي وتَسَلُّقًا مِنهُ إلى اسْتِماعِ ما ذِكْرُهُ لُطْفٌ لِلْمَدْعُوِّينَ، وتَنْوِيهٌ لِلدّاعِي، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنَحْوِ ذَلِكَ في أمْرِ التَّوْحِيدِ لِظُهُورِ أدِلَّتِهِ مَعَ كَوْنِهِ ذِكْرَ شَيْءٍ مِنها غَضًّا طَرِيًّا، وهو ما أشارَتْ إلَيْهِ الصِّفاتُ المَذْكُورَةُ آنِفًا، فَلا يُقالُ: إنَّ التَّعَرُّضَ لِإثْباتِ النُّبُوَّةِ دُونَ التَّوْحِيدِ دَلِيلٌ عَلى

صفحة 221

أنَّ المَقْصُودَ بِالإفادَةِ هو النُّبُوَّةُ، وأنَّ الثّانِيَ جِيءَ بِهِ تَتْمِيمًا لِذَلِكَ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ النُّبُوَّةَ، وكَوْنَ القُرْآنِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مُتَلازِمانِ مَتى ثَبَتَ أحَدُهُما ثَبَتَ الآخَرُ، لَكِنْ رُجِّحَ جَعْلُ الآيَةِ في النُّبُوَّةِ، وإثْباتُها القُرْبَ، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِنَحْوِ ما صُدِّرَتْ بِهِ الآيَةُ المُتَضَمِّنَةُ دَعْوى النُّبُوَّةِ قَبْلَها مِن قَوْلِهِ تَعالى: (قُلْ)، فَإنْ سُلِّمَ لَكَ هَذا المُرَجِّحُ فَذاكَ، وإلّا فَلا تَعْدِلْ عَمّا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَن مَعَهُ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ وقِيلَ: ما تَقَدَّمَ مِن أنْباءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ، وعُدِّيَ العِلْمُ بِالباءِ نَظَرًا إلى مَعْنى الإحاطَةِ، والمَلَأُ الجَماعَةُ الأشْرافُ لِأنَّهم يَمْلُؤُونَ العُيُونَ رُواءً والنُّفُوسَ جَلالَةً وبَهاءً، وهو اسْمُ جَمْعٍ، ولِذا وُصِفَ بِالمُفْرَدِ أعْنِي الأعلى والمُرادُ بِهِ عِنْدَ مَلَإ المَلائِكَةِ وآدَمَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، وكانُوا في السَّماءِ، فالعُلُوُّ حِسِّيٌّ، وكانَ التَّقاوُلُ بَيْنَهم عَلى ما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، (وإذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، إذِ المُرادُ نَفْيُ عِلْمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِحالِهِمْ لا بِذَواتِهِمْ، والتَّقْدِيرُ: ما كانَ لِي فِيما سَبَقَ عِلْمٌ ما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ بِحالِ المَلَإ إلّا عَلى وقْتِ اخْتِصامِهِمْ، وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ الكَلامِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، أيْ ما كانَ لِي عِلْمٌ بِكَلامِ المَلَإ إلّا عَلى وقْتِ اخْتِصامِهِمْ، لِأنَّ عِلْمَهُ ﷺ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى ما جَرى بَيْنَهم مِنَ الأقْوالِ فَقَطْ، بَلْ عامٌّ لَها، ولِلْأفْعالِ أيْضًا مِن سُجُودِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وإباءِ إبْلِيسَ واسْتِكْبارِهِ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ الوَحْيُ، فالأوْلى اعْتِبارُ العُمُومِ في نَفْيِهِ أيْضًا، وقِيلَ: إذْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ (المَلَإ) أوْ ظَرْفٌ لِعِلْمٍ، وفِيهِ بَحْثٌ، والِاخْتِصامُ فِيما يُشِيرُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: - عَزَّ وجَلَّ - ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ﴾ إلَخْ، والتَّعْبِيرُ بِيَخْتَصِمُونَ المُضارِعِ، لِأنَّهُ أمْرٌ غَرِيبٌ فَأتى بِهِ لِاسْتِحْضارِهِ حِكايَةً لِلْحالِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْمَلَإ. وحَكى أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ لِقُرَيْشٍ واسْتَبْعَدَهُ، وكَأنَّ في ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ حِينَئِذٍ التِفاتًا مِنَ الخِطابِ في ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ إلى الغَيْبَةِ، والِاخْتِصامُ في شَأْنِ رِسالَتِهِ ﷺ أوْ في شَأْنِ القُرْآنِ أوْ شَأْنِ المَعادِ، وفِيهِ عُدُولٌ عَنِ المَأْثُورِ، وارْتِكابٌ لِما لا يَكادُ يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ مِن غَيْرِ داعٍ إلى ذَلِكَ، ومَعَ هَذا لا يَقْبَلُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ.

38:70Page 457

إِن يُوحَىٰٓ إِلَيَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٧٠

It has not been revealed to me except that I am a clear warner."

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يُوحى إلَيَّ إلا أنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ اعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنَ إجْمالِ اخْتِصامِهِمْ وتَفْصِيلِهِ تَقْرِيرًا لِثُبُوتِ عِلْمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وتَعْيِينًا لِسَبَبِهِ، إلّا أنَّ بَيانَ انْتِفائِهِ فِيما سَبَقَ لِما كانَ مُنْبِئًا عَنْ ثُبُوتِهِ الآنَ، ومِنَ البَيِّنِ عَدَمُ مُلابَسَتِهِ ﷺ بِشَيْءٍ مِن مَبادِئِهِ المَعْهُودَةِ تُعَيِّنُ أنَّهُ لَيْسَ إلّا بِطَرِيقِ الوَحْيِ حَتْمًا، فَجُعِلَ ذَلِكَ أمْرًا مُسَلَّمَ الثُّبُوتِ غَنِيًّا عَنِ الإخْبارِ بِهِ قَصْدًا، وجُعِلَ مَصَبُّ الفائِدَةِ إخْبارُهُ بِما هو داعٍ إلى الوَحْيِ ومُصَحِّحٌ لَهُ، فالقائِمُ مَقامَ الفاعِلِ (لِيُوحى) إمّا ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى الحالِ المُقَدَّرِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ سابِقًا، أوْ ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ، فالمَعْنى ما يُوحى إلَيَّ حالُ المَلَإ الأعْلى، أوْ ما يُوحى إلَيَّ الَّذِي يُوحى مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُهم لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا لِأنِّي نَذِيرٌ مُبِينٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، فَإنَّ كَوْنَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَذَلِكَ مِن دَواعِي الوَحْيِ إلَيْهِ ومُصَحِّحاتِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ عائِدًا إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن ﴿يُوحى﴾ أيْ ما يُفْعَلُ الإيحاءُ إلَيَّ بِحالِ المَلَإ الأعْلى، أوْ بِشَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُهم لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا لِأنِّي إلَخْ.

وجُوِّزَ أيْضًا كَوْنُ الجارِّ والمَجْرُورِ نائِبَ الفاعِلِ، ”وأنما“ عَلى تَقْدِيرِ اللّامِ، قالَ في الكَشْفِ: ومَعْنى الحَصْرِ أنَّهُ ﷺ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ لِأمْرٍ إلّا لِأنَّهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ، وأيُّ مُبِينٍ، كَقَوْلِكَ: لَمْ تَسْتَقْضِ يا فُلانُ إلّا لِأنَّكَ عالِمٌ عامِلٌ مُرْشِدٌ. وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ بَعْدَ حَذْفِ اللّامِ مَقامًا مَقامُ الفاعِلِ، ومَعْنى الحَصْرِ أنِّي لَمْ أُومَرْ إلّا بِهَذا الأمْرِ

صفحة 222

وحْدَهُ، ولَيْسَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ الأمْرُ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلى كُلِّ الأوامِرِ، إمّا تَضَمُّنًا، وإمّا التِزامًا، أوْ لَمْ أُومَرْ إلّا بِإنْذارِكم لا بِهِدايَتِكم وصَدِّكم عَنِ العِنادِ، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيَّ، وما ذُكِرَ أوَّلًا أوْفَقُ بِحالِ الِاعْتِراضِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَيْسَ أجْنَبِيًّا عَنْ إدْراكِ اللَّطائِفِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (إنَّما) بِالكَسْرِ عَلى الحِكايَةِ أيْ ما يُوحى إلَيَّ إلّا هَذِهِ الجُمْلَةُ، وإيحاؤُها إلَيْهِ أمْرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَقُولَها، وحاصِلُ مَعْنى الحَصْرِ قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ آنِفًا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ: لَمْ أُومَرْ إلّا بِأنْ أقُولَ لَكم هَذا القَوْلَ دُونَ أنْ أقُولَ: أعْلَمُ الغَيْبَ بِدُونِ وحْيٍ مَثَلًا، فَتَدَبَّرْ، ولا تَغْفُلْ.

38:71Page 457

إِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن طِينٖ ٧١

[So mention] when your Lord said to the angels, "Indeed, I am going to create a human being from clay.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ إلَخْ، شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ مِنَ الِاخْتِصامِ الَّذِي هو ما جَرى بَيْنَهم مِنَ التَّقاوُلِ، فَهو بَدَلٌ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلَ بَعْضٍ، وصَحَّ إسْنادُ الِاخْتِصامِ إلى المَلائِكَةِ مَعَ أنَّ التَّقاوُلَ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ﴾ إلَخْ، لِأنَّ تَكْلِيمَهُ تَعالى إيّاهم كُلٌّ بِواسِطَةِ المَلَكِ، فَمَعْنى المُقاوَلَةِ بَيْنَ المَلَإ الأعْلى مُقاوَلَةُ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ سائِرِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في شَأْنِ الِاسْتِخْلافِ، ومَعَ إبْلِيسَ في شَأْنِ السُّجُودِ ومَعَ آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾، ومَعْنى كَوْنِ المُقاوَلَةِ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ وإبْلِيسَ وُجُودُها فِيما بَيْنَهم في الجُمْلَةِ، ولا يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ في الإسْنادِ، فالكُلُّ حَقِيقَةٌ لِأنَّ المَلَأ الأعْلى شامِلٌ لِلْمَلَكِ المُتَوَسِّطِ وهو المُقاوِلُ بِالحَقِيقَةِ، وهو - عَزَّ وجَلَّ - مُقاوِلٌ بِالمَجازِ، ولا تَقُلِ المُخاصِمُ لِيَكُونَ الأمْرُ بِالعَكْسِ، وما يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ﴾ يَقْتَضِي بِأنْ يَكُونَ مُقاوَلَتُهُ تَعالى إيّاهم بِلا واسِطَةٍ، فَهو مَمْنُوعٌ، لِأنَّهُ إبْدالُ زَمانِ قِصَّةٍ عَنْ زَمانِ التَّفاوُضِ فِيها، والغَرَضُ أنْ تُعْلَمَ القِصَّةُ، لا مُطابَقَةُ كُلِّ جُزْءٍ جُزْءٍ لِكُلِّ جُزْءٍ جُزْءٍ، فَذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ ولا مُرادٍ، ثُمَّ فِيهِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وهي أنَّ مُقاوَلَةَ المَلَكِ إيّاهم أوْ إيّاهُما عَنِ اللَّهِ تَعالى فَهم مُقاوِلُوهُ تَعالى أيْضًا، وأُرِيدَ هَذا المَعْنى مِن هَذا إلّا يُرادُ لا مِنَ اللَّفْظِ لِيَلْزَمَ الجَمْعُ المَذْكُورُ آنِفًا، وجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِنَ المَلَإ الأعْلى بِأنْ يُرادَ بِهِ ما عَدا البَشَرَ، لِيَكُونَ الِاخْتِصامُ قائِمًا بِهِ تَعالى، وبِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ في مُقابَلَتِهِمْ يُخاصِمُونَهُ ويُخاصِمُهم مَعَ ما فِيهِ مِن إيهامِ الجِهَةِ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - يَنْبُو المَقامُ عَنْهُ نُبُوًّا ظاهِرًا، ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ جَوابَ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِتَتِمَّ المُقاوَلَةُ اخْتِصارًا بِما كُرِّرَ مِرارًا، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ جَلَّ شَأْنُهُ: إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ جاعِلٌ إيّاهُ خَلِيفَةً.

ورُوعِيَ هَذا النَّسَقُ ها هُنا لِنُكْتَةٍ سِرِّيَّةٍ، وهي أنْ يُجْعَلَ مَصَبُّ الغَرَضِ مِنَ القِصَّةِ حَدِيثَ إبْلِيسَ لِيُلائِمَ ما كانَ فِيهِ أهْلُ مَكَّةَ، وأنَّهُ بِامْتِناعِهِ عَنِ امْتِثالِ أمْرٍ واحِدٍ جَرى عَلَيْهِ ما جَرى، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهُمْ، وهم مَغْمُورُونَ في المَعاصِي، وفِيهِ أنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ العِصْيانَ فَهو إمامُهُمْ، وقائِدُهم إلى النّارِ، وذَكَرَ حَدِيثَ سُجُودِ المَلائِكَةِ، وطَيَّ مُقاوَلَتِهِمْ في شَأْنِ الِاسْتِخْلافِ، لِيُفَرِّقَ بَيْنَ المُقاوَلَتَيْنِ، وأنَّ السُّؤالَ قَبْلَ الأمْرِ لَيْسَ مِثْلَهُ بَعْدَهُ، فَإنَّ الثّانِيَ يَلْزَمُهُ التَّوانِي، ثُمَّ فِيهِ حَدِيثُ تَكْرِيمِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ضِمْنًا دِلالَةً عَلى أنَّ المُعَلِّمَ والنّاصِحَ يُعَظَّمُ، وأنَّهُ شَرْعٌ مِنهُ تَعالى قَدِيمٌ، وكانَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ أنْ يُعامِلُوا النَّبِيَّ ﷺ مُعامَلَةَ المَلائِكَةِ لِآدَمَ لا مُعامَلَةَ إبْلِيسَ لَهُ، قالَهُ صاحِبُ الكَشْفِ، وهو حَسَنٌ، بَيْدَ أنَّ ما عُلِّلَ بِهِ الِاخْتِصارُ مِن تَكْرارِ ذَلِكَ مِرارًا لا يَتِمُّ إلّا إذا كانَ ذَلِكَ في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ نَزَلَتْ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدْ عَلَّلَ بَعْضُهم تَرْكَ الذِّكْرِ بِالِاكْتِفاءِ بِما في البَقَرَةِ، وفِيهِ: أنَّ نُزُولَها مُتَأخِّرٌ عَنْ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، لِأنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ فَلا يَصِحُّ الِاكْتِفاءُ إحالَةً عَلَيْها قَبْلَ نُزُولِها، وكَوْنُ المُرادِ اكْتِفاءَ السّامِعِينَ لِلْقُرْآنِ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَخْفى حالُهُ، ولَعَلَّ القِصَّةَ كانَتْ مَعْلُومَةً سَماعًا مِنهُ ﷺ، وكانَ عالِمًا بِها بِواسِطَةِ الوَحْيِ

صفحة 223

وإنْ لَمْ تَكُنْ إذْ ذاكَ نازِلَةً قُرْآنًا، فاخْتُصِرَتْ ها هُنا، لِما ذُكِرَ في الكَشْفِ اكْتِفاءً بِذَلِكَ، وقالَ فِيهِ أيْضًا: وذَلِكَ أنْ تَقُولَ: التَّقاوُلُ بَيْنَ المَلائِكَةِ وآدَمَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - حَيْثُ قالَ: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾ تَبْكِيتًا لَهم بِما نَسَبُوا إلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أتَجْعَلُ﴾ فِيها وبَيْنَهُ، وبَيْنَ إبْلِيسَ، إمّا لِأنَّهُ داخِلٌ في الإنْكارِ والتَّبْكِيتِ، بَلْ هو أشَدُّهم في ذَلِكَ لَكِنْ غَلَبَ اللَّهُ تَعالى المَلائِكَةَ لِأنَّهُ أخَسُّ مِن أنْ يُقْرَنَ مَعَ هَؤُلاءِ مُفْرَدًا في الذِّكْرِ، أوْ لِأنَّهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِمُعَلِّمِهِ فامْتَنَعَ، وأسْمَعَهُ ما أُسْمِعَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ﴾ إلَخْ، لِلْإتْيانِ بِطَرَفٍ مُشْتَمِلٍ عَلى قِصَّةِ المُقاوَلَةِ وتَصْوِيرِ أصْلِها، فَلَمْ يَلْزَمْ مِنهُ أنْ يَكُونَ الرَّبُّ جَلَّ شَأْنُهُ مِنَ المُقاوِلِينَ، وإنْ كانَ بَيْنَهُ سُبْحانَهُ وبَيْنَهم تَقاوُلٌ قَدْ حَكاهُ اللَّهُ تَعالى، وهَذا أقَلُّ تَكَلُّفًا مِمّا فِيهِ دَعْوى أنَّ تَكْلِيمَهُ تَعالى كانَ بِواسِطَةِ المَلَكِ، إذْ لِلْمانِعِ أنْ يَمْنَعَ التَّوَسُّطَ عَلى أصْلِنا، وعَلى أصْلِ المُعْتَزِلَةِ أيْضًا، لا سِيَّما إذا جُعِلَ المُبَكِّتُونَ المَلائِكَةَ كُلَّهُمْ، وعَلى الوَجْهَيْنِ ظَهَرَ فائِدَةُ إبْدالِ ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ﴾ مِن ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى وجْهٍ بَيِّنٍ، والِاعْتِراضُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ بَدَلًا لَكانَ الظّاهِرُ إذْ قالَ رَبِّي لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ﴾ فَلَيْسَ المَقامُ مِمّا يَقْتَضِي الِالتِفاتَ غَيْرَ قادِحٍ، فَإنَّهُ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ ”الذي جعل لكم الأرض“ فالخِطابُ: بِلَكم نَظَرًا إلى أنَّهُ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى تَمَّمَ قَوْلَهُمْ، وذَنْبُهُ كَذَلِكَ ها هُنا هو مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِتَتْمِيمِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ، وهَذا عَلى نَحْوِ ما يَقُولُ مُخاطِبُكَ: جاءَنِي الأمِيرُ، فَتَقُولُ: الَّذِي أكْرَمَكَ وحَباكَ، أوْ يَقُولُ: رَأيْتُ الأمِيرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَتَقُولُ: يَوْمَ خَلَعَ عَلَيْكَ الخِلْعَةَ الفُلانِيَّةَ، ومِنهُ عُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الالتِفاتِ في شَيْءٍ، وأنَّ هَذا الإبْدالَ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ لِمَزِيدِ الحُسْنِ انْتَهى، وجُوِّزَ أنْ يَقُولَ: إنَّ ﴿إذْ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ﴾ ظَرْفٌ لِيَخْتَصِمُونَ، والمُرادُ بِالمَلَإ الأعْلى المَلائِكَةُ وبِاخْتِصامِهِمْ قَوْلُهم لِلَّهِ تَعالى: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ﴾، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ إرادَةِ ذَلِكَ عَلى جَعْلِ اللَّهِ تَعالى مِنَ المَلَإ ولا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ كَلَّمَهم بِواسِطَةِ مَلَكٍ، ولا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الِاخْتِصامِ مُطْلَقًا، بَلْ يَكْفِي ذِكْرُهُ بَعْدَ النُّزُولِ سَواءٌ ذُكِرَ قُرْآنًا أمْ لا، ويُرَجِّحُ تَفْسِيرُ المَلَإ بِما ذُكِرَ عَلى تَفْسِيرِهِ بِما يَعُمُّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ ذاكَ عَلى ما سَمِعْتَ يَسْتَدْعِي القَوْلَ بِأنَّ آدَمَ كانَ في السَّماءِ، وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خُلِقَ في السَّماءِ، أوْ رُفِعَ إلَيْها بَعْدَ خَلْقِهِ في الأرْضِ، وكِلا الأمْرَيْنِ لا يُسَلِّمُهُما كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، وقَدْ نَقَلَ ابْنُ القَيِّمِ في كِتابِهِ مِفْتاحِ دارِ السَّعادَةِ عَنْ جَمْعٍ: أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما خُلِقَ في الأرْضِ وأنَّ الجَنَّةَ الَّتِي أُسْكِنَها بَعْدَ أنْ جَرى ما جَرى كانَتْ فِيها أيْضًا، وأتى بِأدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ قَوِيَّةٍ عَلى ذَلِكَ، ولَمْ يُجِبْ عَنْ شَيْءٍ مِنها فَتَدَبَّرْ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المَلَأ الأعْلى المَلائِكَةُ، وأنَّ اخْتِصامَهم كانَ في الدَّرَجاتِ والكَفّاراتِ.

فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ، والطَّبَرانِيُّ، وغَيْرُهُما عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «”احْتَبَسَ عَنّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ غَداةٍ مِن صَلاةِ الصُّبْحِ حَتّى كِدْنا نَتَراءى عَيْنَ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ سَرِيعًا، فَثُوِّبَ بِالصَّلاةِ فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا سَلَّمَ دَعا بِصَوْتِهِ، فَقالَ: عَلى مَصافِّكم ثُمَّ التَفَتَ إلَيْنا ثُمَّ قالَ: أما إنِّي أُحَدِّثُكم بِما حَبَسَنِي عَنْكُمُ الغَداةَ، إنِّي قُمْتُ اللَّيْلَةَ، فَقُمْتُ، وصَلَّيْتُ ما قُدِّرَ لِي، ونَعَسْتُ في صَلاتِي حَتّى اسْتَثْقَلْتُ، فَإذا أنا بِرَبِّي - تَبارَكَ وتَعالى - في أحْسَنِ صُورَةٍ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّي، قالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ قُلْتُ: لا أدْرِي، فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَوَجَدْتُ بَرْدَ أنامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَتَجَلّى لِي كُلُّ شَيْءٍ، وعَرَفْتُهُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟ قُلْتُ: في الدَّرَجاتِ، والكَفّاراتِ، فَقالَ: ما الدَّرَجاتُ؟ فَقُلْتُ: إطْعامُ الطَّعامِ، وإفْشاءُ السَّلامِ، والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ، والنّاسُ نِيامٌ، قالَ: صَدَقْتَ، فَما الكَفّاراتُ؟ قُلْتُ: إسْباغُ الوُضُوءِ في المَكارِهِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، ونَقْلُ الأقْدامِ

صفحة 224

إلى الجَماعاتِ، قالَ: صَدَقْتَ، سَلْ يا مُحَمَّدُ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ فِعْلَ الخَيْراتِ، وتَرْكَ المُنْكَراتِ، وحُبَّ المَساكِينِ، وأنْ تَغْفِرَ لِي وتَرْحَمَنِي، وإذا أرَدْتَ بِعِبادِكَ فِتْنَةً فاقْبِضْنِي إلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ حُبَّكَ وحُبَّ مَن أحَبَّكَ وحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إلى حُبِّكَ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَعَلَّمُوهُنَّ، وادْرُسُوهُنَّ، فَإنَّهُنَّ حَقٌّ“».

ومَعْنى اخْتِصامِهِمْ في ذَلِكَ عَلى ما في البَحْرِ اخْتِلافُهم في قَدْرِ ثَوابِهِ، ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الِاخْتِصامِ في الآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ بِمَراحِلَ عَنِ السِّياقِ، فَإنَّهُ مِمّا لَمْ يَعْرِفْهُ أهْلُ الكِتابِ فَلا يُسَلِّمُهُ المُشْرِكُونَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أصْلًا، نَعَمْ هو اخْتِصامٌ آخَرُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ، وجَعَلَ هَؤُلاءِ - إذْ - في ﴿إذْ قالَ﴾ مَنصُوبًا بِاذْكُرْ مُقَدَّرًا، وكَذا كُلُّ مَن قالَ: إنَّ الِاخْتِصامَ لَيْسَ في شَأْنِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَجْعَلُهُ كَذَلِكَ.

والشِّهابُ الخَفاجِيُّ قالَ: الأظْهَرُ أيْ مُطْلَقًا تَعَلُّقُ (إذْ) بِاذْكُرِ المُقَدَّرِ عَلى ما عُهِدَ في مِثْلِهِ لِيَبْقى ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ عَلى عُمُومِهِ، ولِئَلّا يُفْصَلَ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، ولِيَشْمَلَ ما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنَ اخْتِصامِهِمْ في الكَفّاراتِ والدَّرَجاتِ، ولِئَلّا يَحْتاجَ إلى تَوْجِيهِ العُدُولِ عَنْ (رَبِّي) إلى ﴿رَبُّكَ﴾ انْتَهى، وفِيهِ شَيْءٌ لا يَخْفى.

ومِن غَرِيبِ ما قِيلَ في اخْتِصامِهِمْ ما حَكاهُ الكِرْمانِيُّ في عَجائِبِهِ: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ مُناظَرَتِهِمْ بَيْنَهم في اسْتِنْباطِ العُلُومِ كَمُناظَرَةِ أهْلِ العِلْمِ في الأرْضِ، ويُرَدُّ بِهِ عَلى مَن يَزْعُمُ أنَّ جَمِيعَ عُلُومِهِمْ بِالفِعْلِ، والمَعْرُوفُ عَنِ السَّلَفِ أنَّهُ المُقاوَلَةُ في شَأْنٍ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والرَّدُّ بِهِ حاصِلٌ أيْضًا، والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ في ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ ما يَعُمُّ إبْلِيسَ، لِأنَّهُ إذْ ذاكَ كانَ مَغْمُورًا فِيهِمْ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِهِمْ دُونَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى المَلَإ الأعْلى عَلى القَوْلِ بِالِاتِّحادِ لِشُيُوعِ تَعَلُّقِ القَوْلِ بِهِمْ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ بِهَذا العُنْوانِ، أوْ لِشُهْرَةِ المُقابَلَةِ بَيْنَ المَلَكِ والبَشَرِ، فَيَلْطُفُ جِدًّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ وقِيلَ: عَبَّرَ بِذَلِكَ إظْهارًا لِلِاسْتِغْراقِ في المَقُولِ لَهُ، والمُرادُ: إنِّي خالِقٌ فِيما سَيَأْتِي، وفي التَّعْبِيرِ بِما ذُكِرَ ما لَيْسَ في التَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى فاعِلٌ البَتَّةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ، والبَشَرُ الجِسْمُ الكَثِيفُ يُلاقِي ويُباشِرُ، أوْ بادِي البَشَرَةِ ظاهِرُ الجِلْدِ غَيْرُ مَسْتُورٍ بِشَعْرٍ، أوْ وبَرٍ أوْ صُوفٍ، والمُرادُ بِهِ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وذُكِرَ هُنا: خَلْقُهُ مَن طِينٍ، وفي آلِ عِمْرانَ: خَلْقُهُ مِن تُرابٍ، وفي الحِجْرِ: مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ، وفي الأنْبِياءِ: مِن عَجَلٍ، ولا مُنافاةَ، غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ ذُكِرَ في بَعْضِ المادَّةِ القَرِيبَةِ، وفي بَعْضِ المادَّةِ البَعِيدَةِ، ثُمَّ إنَّ ما جَرى عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ لَيْسَ اسْمَ البَشَرِ الَّذِي لَمْ يُخْلَقْ مُسَمّاهُ حِينَئِذٍ، فَضْلًا عَنْ تَسْمِيَتِهِ بِهِ، بَلْ عِبارَةٌ كاشِفَةٌ عَنْ حالِهِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِهَذا الِاسْمِ عِنْدَ الحِكايَةِ.

38:72Page 457

فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ٧٢

So when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul,1 then fall down to him in prostration."

﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾ أيْ صَوَّرْتُهُ بِالصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ، والخِلْقَةِ البَشَرِيَّةِ، أوْ سَوَّيْتُ أجْزاءَ بَدَنِهِ بِتَعْدِيلِ طَبائِعِهِ، ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ تَمْثِيلٌ لِإفاضَةِ ما بِهِ الحَياةُ بِالفِعْلِ عَلى المادَّةِ القابِلَةِ لَها، فَلَيْسَ ثَمَّتَ نَفْخٌ ولا مَنفُوخٌ، أيْ فَإذا أكْمَلْتُ اسْتِعْدادَهُ، وأفَضْتُ عَلَيْهِ ما يَحْيا بِهِ مِنَ الرُّوحِ الطّاهِرَةِ الَّتِي هي أمْرِي ﴿فَقَعُوا لَهُ﴾ أمْرٌ مِن وقَعَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الِانْحِناءِ كَما قِيلَ: أيْ فاسْقُطُوا لَهُ، ﴿ساجِدِينَ﴾ تَحِيَّةً لَهُ وتَكْرِيمًا،

38:73Page 457

فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٧٣

So the angels prostrated - all of them entirely,

﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾ أيْ فَخَلَقَهُ فَسَوّاهُ فَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَسَجَدَ لَهُ المَلائِكَةُ، ﴿كُلُّهُمْ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِنهم إلّا سَجَدَ، ﴿أجْمَعُونَ﴾ أيْ بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ بِحَيْثُ لَمْ يَتَأخَّرْ أحَدٌ مِنهم عَنْ أحَدٍ، فَكُلٌّ لِلْإحاطَةِ، وأجْمَعُ لِلِاجْتِماعِ، ولا اخْتِصاصَ لِإفادَتِهِ ذَلِكَ بِالحالِيَّةِ خِلافًا لِبَعْضِهِمْ، وتَحْقِيقُهُ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ الِاشْتِقاقَ الواضِحَ يُرْشِدُ إلى أنَّ فِيهِ مَعْنى الجَمْعِ والضَّمِّ، والأصْلُ في الإطْلاقِ الخِطابِيِّ التَّنْزِيلُ عَلى أكْمَلِ أحْوالِ الشَّيْءِ ولا

صفحة 225

خَفاءَ في أنَّ الجَمْعَ في وقْتٍ واحِدٍ أكْمَلُ أصْنافِهِ، لَكِنْ لَمّا شاعَ اسْتِعْمالُهُ تَأْكِيدًا أُقِيمَ مَقامَ كُلٍّ في إفادَةِ الإحاطَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الكَمالِ، فَإذا فُهِمَتِ الإحاطَةُ بِلَفْظٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مُلاحَظَةِ الأصْلِ صَوْنًا لِلْكَلامِ عَنِ الإلْغاءِ، ولَوْ سُلِّمَ، فَكُلُّ تَأْكِيدِ الشُّمُولِ بِإخْراجِهِ عَنِ الظُّهُورِ إلى النُّصُوصِ، ”وأجمعون“ تَأْكِيدُ ذَلِكَ التَّأْكِيدِ فَيُفِيدُ أتَمَّ أنْواعِ الإحاطَةِ، وهو الإحاطَةُ في وقْتٍ واحِدٍ، واسْتِخْراجُ هَذِهِ الفائِدَةِ مِن جَعْلِهِ كَإقامَةِ المُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ لا يَلُوحُ وجْهُهُ، والنَّقْضُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ مَنشَؤُهُ عَدَمُ تَصَوُّرِ وجْهِ الدِّلالَةِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ الحِجْرِ أنَّ سُجُودَهم مُتَرَتِّبٌ عَلى ما حُكِيَ مِنَ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ، وكَثِيرٌ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ كالَّتِي في البَقَرَةِ والأعْرافِ وغَيْرِهِما ظاهِرَةٌ في أنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلى الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ فَلْيُراجَعْ.

38:74Page 457

إِلَّآ إِبۡلِيسَ ٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٤

Except Iblees;1 he was arrogant and became among the disbelievers.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ لِما أنَّهُ وإنْ كانَ جِنِّيًّا مَعْدُودٌ في زُمْرَةِ المَلائِكَةِ مَوْصُوفٌ بِصِفاتِهِمْ لا يَقُومُ ولا يَقْعُدُ إلّا مَعَهُمْ، فَشَمِلَتْهُ المَلائِكَةُ تَغْلِيبًا ثُمَّ اسْتُثْنِيَ اسْتِثْناءً واحِدًا مِنهُمْ، أوْ لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يَتَوالَدُونَ، وهو مِنهُمْ، أوْ هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَكْبَرَ﴾ عَلى الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ تَرْكِ السُّجُودِ المَفْهُومِ مِنَ الاسْتِثْناءِ، فَإنَّ تَرْكَهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّأمُّلِ والتَّرَوِّي، وبِهِ يَتَحَقَّقُ أنَّهُ لِلْإباءِ والِاسْتِكْبارِ، وعَلى الثّانِي يَجُوزُ اتِّصالُهُ بِما قَبْلَهُ أيْ لَكِنَّ إبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وتَعَظَّمَ، ﴿وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ أيْ وصارَ مِنهم بِاسْتِكْبارِهِ وتَعاظُمِهِ عَلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى، وتَرْكُ الفاءِ المُؤْذِنَةِ بِالسَّبَبِيَّةِ إحالَةٌ عَلى فِطْنَةِ السّامِعِ، أوْ لِظُهُورِ المُرادِ.

وكَوْنُ التَّعاظُمِ عَلى أمْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لا سِيَّما الشِّفاهِيُّ مُوجِبًا لِلْكُفْرِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُشَكَّ فِيهِ، عَلى أنَّ هَذا الِاسْتِكْبارَ كانَ مُتَضَمِّنًا اسْتِقْباحَ الأمْرِ وعَدَّهُ جَوْرًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وكانَ مِنَ الكافِرِينَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لِعِلْمِهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ سَيَعْصِيهِ ويَصْدُرُ عَنْهُ ما يَصْدُرُ بِاخْتِيارِهِ وخُبْثِ طَوِيَّتِهِ واسْتِعْدادِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском