Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Sad 38:75–86
38:75Page 457
قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ ٧٥
[Allāh] said, "O Iblees, what prevented you from prostrating to that which I created with My hands?1 Were you arrogant [then], or were you [already] among the haughty?"
﴿قالَ﴾ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ: ﴿يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾ أيْ مِنَ السُّجُودِ ﴿لِما خَلَقْتُ﴾ أيْ لِلَّذِي خَلَقْتُهُ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ، والعائِدَ مَحْذُوفٌ، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ إطْلاقِ ما عَلى آحادِ مَن يَعْقِلُ، ومَن لَمْ يُجِزْ قالَ: إنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، ويُرادُ بِالمَصْدَرِ المَفْعُولُ أيْ أنْ تَسْجُدَ لِمَخْلُوقٍ ﴿بِيَدَيَّ﴾ وهَذا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ التَّأْوِيلِ مِنَ الخُلْفِ تَمْثِيلٌ لِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُعْتَنًى بِخَلْقِهِ، فَإنَّ مِن شَأْنِ المُعْتَنى بِهِ أنْ يَعْمَلَ بِاليَدَيْنِ، ومِن آثارِ ذَلِكَ خَلْقُهُ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ أبٍ وأُمٍّ، وكَوْنُهُ جِسْمًا صَغِيرًا انْطَوى فِيهِ العالَمُ الأكْبَرُ، وكَوْنُهُ أهْلًا لِأنْ يُفاضَ عَلَيْهِ ما لا يُفاضُ عَلى غَيْرِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَزايا الآدَمِيَّةِ. وعِنْدَ بَعْضٍ آخَرَ مِنهُمُ اليَدُ بِمَعْنى القُدْرَةِ، والتَّثْنِيَةُ لِلتَّأْكِيدِ الدّالِّ عَلى مَزِيدِ قُدْرَتِهِ تَعالى، لِأنَّها تَرِدُ لِمُجَرَّدِ التَّكْرِيرِ نَحْوَ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾، فَأُرِيدَ بِهِ لازِمُهُ، وهو التَّأْكِيدُ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى في خَلْقِهِ أفْعالًا مُخْتَلِفَةً مِن جَعْلِهِ طِينًا مُخَمَّرًا، ثُمَّ جِسْمًا ذا لَحْمٍ وعَظْمٍ، ثُمَّ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وإعْطائِهِ قُوَّةَ العِلْمِ والعَمَلِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا هو دالٌّ عَلى مَزِيدِ قُدْرَةِ خالِقِ القُوى والقُدَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ فِعْلِ آدَمَ فَقَدْ يَصْدُرُ مِنهُ أفْعالٌ مَلَكِيَّةٌ كَأنَّها مِن آثارِ اليَمِينِ، وقَدْ يَصْدُرُ مِنهُ أفْعالٌ حَيَوانِيَّةٌ كَأنَّها مِن آثارِ الشِّمالِ، وكِلْتا يَدَيْهِ سُبْحانَهُ يَمِينٌ. وعِنْدَ بَعْضٍ: اليَدُ بِمَعْنى النِّعْمَةِ، والتَّثْنِيَةُ إمّا لِنَحْوِ ما مَرَّ، وإمّا عَلى إرادَةِ نِعْمَةِ الدُّنْيا ونِعْمَةِ الآخِرَةِ.
والسَّلَفُ يَقُولُونَ: اليَدُ مُفْرَدَةٌ وغَيْرُ مُفْرَدَةٍ ثابِتَةٌ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى المَعْنى اللّائِقِ بِهِ سُبْحانَهُ، ولا يَقُولُونَ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ إنَّها بِمَعْنى القُدْرَةِ أوِ النِّعْمَةِ، وظاهِرُ الأخْبارِ أنَّ لِلْمَخْلُوقِ بِها مَزِيَّةً عَلى غَيْرِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ
صفحة 226
فِي الصَّحِيحِ أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ في جَوابِ المَلائِكَةِ: اجْعَلْ لَهُمُ الدُّنْيا، ولَنا الآخِرَةَ، وعِزَّتِي وجَلالِي، لا أجْعَلُ مَن خَلَقْتُهُ بِيَدَيَّ كَمَن قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى أرْبَعًا بِيَدِهِ: العَرْشَ، وجَنّاتِ عَدْنٍ، والقَلَمَ، وآدَمَ، ثُمَّ قالَ لِكُلِّ شَيْءٍ: كُنْ فَكانَ.
وجاءَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ أنَّهُ تَعالى كَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ، وفي حَدِيثِ مُحاجَّةِ آدَمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَخْلُوقِيَّةَ بِها وصْفُ تَعْظِيمٍ، حَيْثُ قالَ لَهُ مُوسى: أنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ تَعالى بِيَدِهِ، وكَذَلِكَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ أنَّ أهْلَ المَوْقِفِ يَأْتُونَ آدَمَ ويَقُولُونَ لَهُ: أنْتَ آدَمُ أبُو النّاسِ خَلَقَكَ اللَّهُ تَعالى بِيَدِهِ، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ تَرْتِيبَ الإنْكارِ في ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِيَدَيْهِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما مَنَعَكَ أنْ تُعَظِّمَ بِالسُّجُودِ مَن هو أهْلٌ لِلتَّعْظِيمِ لِلْعِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ الَّتِي حَفَّتْ إيجادَهُ.
وزَعَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ مِن بابِ: رَأيْتُهُ بِعَيْنِي فَبِيَدِي لِتَأْكِيدِ أنَّهُ مَخْلُوقٌ لا شَكَّ فِيهِ، وحَيْثُ إنَّ إبْلِيسَ تَرَكَ السُّجُودَ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِشُبْهَةِ أنَّهُ سُجُودٌ لِمَخْلُوقٍ، وانْضَمَّ إلى ذَلِكَ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن طِينٍ، وأنَّهُ هو مَخْلُوقٌ مِن نارٍ، وزَلَّ عَنْهُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ حِينَ أمَرَ مَن هو أجَلُّ مِنهُ، وأقْرَبُ عِبادِهِ إلَيْهِ زُلْفى وهُمُ المَلائِكَةُ امْتَثَلُوا، ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلى التَّفاوُتِ بَيْنَ السّاجِدِ والمَسْجُودِ لَهُ تَعْظِيمًا لِأمْرِ رَبِّهِمْ، وإجْلالًا لِخِطابِهِ، ذَكَرَ لَهُ ما يَتَشَبَّثُ بِهِ مِنَ الشُّبْهَةِ، وأخْرَجَ لَهُ الكَلامَ مَخْرَجَ القَوْلِ بِالمُوجِبِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى مَزَلَّةِ القَدَمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: ما مَنَعَكَ مِنَ السُّجُودِ لِشَيْءٍ هو كَما تَقُولُ: مَخْلُوقٌ خَلَقْتُهُ بِيَدَيَّ، لا شَكَّ في كَوْنِهِ مَخْلُوقًا امْتِثالًا لِأمْرِي وإعْظامًا لِخِطابِي، كَما فَعَلَتِ المَلائِكَةُ، ولا يَخْفى أنَّ المَقامَ نابٍ عَمّا ذَكَرَهُ أشَدَّ النَّبْوِ، وجَعْلُ ذَلِكَ مِن بابِ: رَأيْتُ بِعَيْنِي، لا يُفِيدُ إلّا تَأْكِيدَ المَخْلُوقِيَّةِ، وإخْراجُ الكَلامِ مَخْرَجَ القَوْلِ بِالمُوجِبِ مِمّا لا يَكادُ يُقْبَلُ، فَإنَّ سِياقَ القَوْلِ بِالمُوجِبِ أنْ يُسَلَّمَ لَهُ، ثُمَّ يُنْكَرَ عَلَيْهِ، لا أنْ يُقَدَّمَ الإنْكارُ أصْلًا، ويُؤْتى بِهِ كالرَّمْزِ، بَلْ كالإلْغازِ، وأيْضًا الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ ذاكَ وصْفُ تَعْظِيمٍ، لا كَما زَعَمَهُ، وأيْضًا جَعْلُ سُجُودِ المَلائِكَةِ لِآدَمَ راجِعًا إلى مَحْضِ الِامْتِثالِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَكْرِيمِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَرْدُودٌ بِما سُلِّمَ في عِدَّةِ مَواضِعَ أنَّهُ سُجُودُ تَكْرِيمٍ، كَيْفَ وهو يُقابِلُ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها﴾ وكَذَلِكَ تَعْلِيمُهُ إيّاهم فَلْيُلْحَظْ فِيهِ جانِبُ الآمِرِ تَعالى شَأْنُهُ وجانِبُ المَسْجُودِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - تَوْفِيَةً لِلْحَقَّيْنِ، وكَأنَّهُ قالَ ما قالَ، وأخْرَجَ الآيَةَ عَلى وجْهٍ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِ إبْلِيسَ حَذَرًا مِن خَرْمِ مَذْهَبِهِ، ولا عَلَيْهِ أنْ يُسَلِّمَ دِلالَةَ الآيَةِ عَلى التَّكْرِيمِ، ويَخُصَّهُ بِوَجْهٍ، وحِينَئِذٍ لا تَدُلُّ عَلى الأفْضَلِيَّةِ مُطْلَقًا حَتّى يَلْزَمَ خَرْمُ مَذْهَبِهِ، ولَعَمْرِي إنَّ هَذا الرَّجُلَ عَقَّ أباهُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذا المَبْحَثِ مِن كَشّافِهِ، حَيْثُ أوْرَدَ فِيهِ مِثالًا لِما قَرَّرَهُ في الآيَةِ جَعَلَ فِيهِ سِقاطَ الحَشَمِ مِثالًا لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَرَّ عَدُوَّ اللَّهِ تَعالى إبْلِيسَ حَيْثُ أقامَ لَهُ عُذْرَهُ وصَوَّبَ اعْتِقادَهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِن آدَمَ لِكَوْنِهِ مِن نارٍ وآدَمَ مِن طِينٍ، وإنَّما غَلَطُهُ مِن جِهَةٍ أُخْرى، وهو أنَّهُ لَمْ يَقِسْ نَفْسَهُ عَلى المَلائِكَةِ، إذْ سَجَدُوا لَهُ عَلى عِلْمِهِمْ أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ مَحْطُوطُ الرُّتْبَةِ ساقِطُ المَنزِلَةِ، وكَمْ لَهُ مِن عَثْرَةٍ لا يُقالُ لِصاحِبِها لَعًا، مَعَ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ في هَذا المَقامِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَعْصِمَنا مِن مَهاوِي الهَوى، ويُثَبِّتَ لَنا الأقْدامَ، وقُرِئَ ”بِيَدِيَّ“ بِكَسْرِ الدّالِ كَمُصْرِخِيَّ، و”بِيَدِي“ عَلى التَّوْحِيدِ، ﴿أسْتَكْبَرْتَ﴾ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ وطَرْحِ هَمْزَةِ الوَصْلِ، أيْ أتَكَبَّرْتَ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، ﴿أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ أوْ كُنْتَ مُسْتَحِقًّا لِلْعُلُوِّ فائِقًا فِيهِ، وقِيلَ: المَعْنى أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ أمْ لَمْ تَزَلْ مُنْذُ كُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ فالتَّقابُلُ عَلى الأوَّلِ بِاعْتِبارِ الِاسْتِحْقاقِ وعَدَمِهِ.
صفحة 227
وعَلى الثّانِي بِاعْتِبارِ الحُدُوثِ، والقِدَمِ، ولِذا قِيلَ: ﴿كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ دُونَ: أنْتَ مِنَ العالِينَ، وقِيلَ: إنَّ العالِينَ صِنْفٌ مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: المُهِيمُونَ، مُسْتَغْرِقُونَ بِمُلاحَظَةِ جَمالِ اللَّهِ تَعالى وجَلالِهِ، لا يَعْلَمُ أحَدُهم أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ غَيْرَهُ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ هم مَلائِكَةُ السَّماءِ، ولَمْ يُؤْمَرُوا بِالسُّجُودِ، وإنَّما المَأْمُورُ مَلائِكَةُ الأرْضِ، فالمَعْنى: أتَرَكْتَ السُّجُودَ اسْتِكْبارًا أمْ تَرَكْتَهُ لِكَوْنِكَ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، وأمْ في كُلِّ ذَلِكَ مُتَّصِلَةٌ، ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أنَّها لا تَكُونُ كَذَلِكَ إذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ نَحْوَ: أضْرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ؟
وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ مَذْهَبٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وأنَّ سِيبَوَيْهِ صَرَّحَ بِخِلافِهِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ فِيما قِيلَ: (اسْتَكْبَرْتَ) بِصِلَةِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ولَيْسَتْ في مَشْهُورِ ابْنِ كَثِيرٍ، فاحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ قَدْ حُذِفَتْ لِدِلالَةِ (أمْ) عَلَيْها كَقَوْلِهِ: بِسَبْعٍ رَمَيْنا الجَمْرَ أمْ بِثَمانِ
واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ إخْبارًا، وأمْ مُنْقَطِعَةً، والمَعْنى: بَلْ أنْتَ مِنَ العالِينَ، والمُرادُ اسْتِخْفافُهُ سُبْحانَهُ بِهِ،
38:76Page 457
قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ٧٦
He said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay."
﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ قِيلَ: هو جَوابٌ عَنِ الِاسْتِفْهامِ الأخِيرِ، يُؤَدِّي مُؤَدّى أنَّهُ كَذَلِكَ أيْ هو مِنَ العالِينَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الاسْتِكْبارِ سابِقًا ولاحِقًا في شَيْءٍ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، ويَجْرِي مَجْرى التَّعْلِيلِ كَوْنُهُ فائِقًا إلّا أنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ وافِيًا بِالمَقْصُودِ، لِأنَّهُ مُجَرَّدُ دَعْوى، أُوثِرَ بَيانُهُ بِما يُفِيدُ ذَلِكَ، وزِيادَةٌ، وهو قَوْلُهُ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ أمّا الأوَّلُ فَظاهِرٌ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ ذَكَرَ النَّوْعَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُماثَلَةَ كافِيَةٌ فَضْلًا عَنِ الأفْضَلِيَّةِ، ولِهَذا أبْهَمَ، وفَصَّلَ وقابَلَ وآثَرَ، (خَلَقْتَنِي وخَلَقْتَهُ) دُونَ: أنا مِن نارٍ، وهو مِن طِينٍ، لِيَدُلَّ عَلى أنَّ المُماثَلَةَ في المَخْلُوقِيَّةِ مانِعَةٌ، فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلَيْها خَيْرِيَّةُ المادَّةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الآمِرَ كانَ أوْلى أنْ يَسْتَنْكِفَ، فَإنَّهُ أعْنِي السُّجُودَ حَقُّ الآمِرِ، واسْتَلْطَفَهُ صاحِبُ الكَشْفِ، ثُمَّ قالَ: ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ جَوابَ إبْلِيسَ مِنَ الأُسْلُوبِ الأحْمَقِ. وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ قَوْلَهُ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ جَوابًا أوَّلًا، وبِالذّاتِ عَنِ الِاسْتِفْهامِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾ بِادِّعاءِ شَيْءٍ مُسْتَلْزِمٍ لِلْمانِعِ مِنَ السُّجُودِ عَلى زَعْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقْتَنِي﴾ إلَخْ، تَعْلِيلًا لِدَعْوى الخَيْرِيَّةِ.
وأيًّا ما كانَ فَقَدْ أخْطَأ اللَّعِينُ إذْ لا مُماثَلَةَ في المَخْلُوقِيَّةِ فَمَخْلُوقِيَّةُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِاليَدَيْنِ، ولا كَذَلِكَ مَخْلُوقِيَّتُهُ، وأمْرُ خَيْرِيَّةِ المادَّةِ عَلى العَكْسِ في النَّظَرِ الدَّقِيقِ، ومَعَ هَذا الفَضْلُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ بِما كانَ مِن جِهَتِها، بَلْ يَكُونُ مِن جِهَةِ الصُّورَةِ، والغايَةِ أيْضًا، وفَضْلُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ذَلِكَ لا يَخْفى، وكَأنَّ خُطاهُ لِظُهُورِهِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِبَيانِهِ، بَلْ جَعَلَ جَوابَهُ طَرْدَهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:
38:77Page 457
قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٧٧
[Allāh] said, "Then get out of it [i.e., Paradise], for indeed, you are expelled.
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما ظَهَرَ مِنَ اللَّعِينِ مِنَ المُخالَفَةِ لِلْأمْرِ الجَلِيلِ وتَعْلِيلِها بِأظْهَرِ الأباطِيلِ، أيْ فاخْرُجْ مِنَ الجَنَّةِ، والإضْمارُ قَبْلَ ذِكْرِها لِشُهْرَةِ كَوْنِهِ مِن سُكّانِها.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ في عَدْنٍ لا في جَنَّةِ الخُلْدِ، ثُمَّ إنَّهُ يَكْفِي في صِحَّةِ الأمْرِ كَوْنُهُ مِمَّنِ اتَّخَذَ الجَنَّةَ وطَنًا ومَسْكَنًا، ولا تَتَوَقَّفُ عَلى كَوْنِهِ فِيها بِالفِعْلِ وقْتَ الخِطابِ كَما هو شائِعٌ في المُحاوَراتِ، يَقُولُ مَن يُخاصِمُ صاحِبَهُ في السُّوقِ، أوْ غَيْرَهُ في دارٍ: اخْرُجْ مِنَ الدّارِ، مَعَ أنَّهُ وقْتَ المُخاصَمَةِ لَيْسَ فِيها بِالفِعْلِ، وهَذا إنْ قِيلَ: إنَّ المُحاوَرَةَ لَمْ تَكُنْ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: مِنها أيْ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُعَزَّزِينَ، وهو المُرادُ بِالهُبُوطِ لا الهُبُوطُ مِنَ السَّماءِ كَما قِيلَ، فَإنَّ وسْوَسَتَهُ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ بَعْدَ هَذا الطَّرْدِ، وكانَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحِسِّ بِطَرِيقِ النِّداءِ مِن بابِ الجَنَّةِ، عَلى أنَّ كَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ أنْكَرُوا الهُبُوطَ مِنَ السَّماءِ بِالكُلِّيَّةِ، بِناءً عَلى أنَّ الجَنَّةَ الَّتِي أُسْكِنَها آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ في الأرْضِ، وقِيلَ: اخْرُجْ مِنَ الخِلْقَةِ الَّتِي أنْتَ فِيها، وانْسَلِخْ مِنها، والأمْرُ لِلتَّكْوِينِ، وكانَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ يَفْتَخِرُ
صفحة 228
بِخِلْقَتِهِ، فَغَيَّرَ اللَّهُ تَعالى خِلْقَتَهُ فاسْوَدَّ بَعْدَ ما كانَ أبْيَضَ، وقَبُحَ بَعْدَ ما كانَ حَسَنًا، وأظْلَمَ بَعْدَ ما كانَ نُورانِيًّا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالخُرُوجِ، أيْ مَطْرُودٌ مِن كُلِّ خَيْرٍ وكَرامَةٍ، فالرَّجْمُ كِنايَةٌ عَنِ الطَّرْدِ، لِأنَّ المَطْرُودَ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ، أوْ شَيْطانٌ يُرْجَمُ بِالشُّهُبِ كَذا قالُوا، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ بِرَجِيمٍ ذَلِيلٌ، فَإنَّ الرَّجْمَ يَسْتَدْعِي الذِّلَّةَ، وهو أبْعَدُ مِن تَوَهُّمِ التَّكْرارِ مَعَ الجُمْلَةِ بَعْدُ مِنَ الوَجْهِ الأوَّلِ، وأوْفَقُ لِما في الأعْرافِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾
38:78Page 457
وَإِنَّ عَلَيۡكَ لَعۡنَتِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٧٨
And indeed, upon you is My curse until the Day of Recompense."
﴿وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ أيْ إبْعادِي عَنِ الرَّحْمَةِ، وفي الحِجْرِ ”اللعنة“ فَإنْ كانَتْ ألْ فِيهِ لِلْعَهْدِ أوْ عِوَضًا عَنِ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ، فَعَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ ما هُناكَ وما هَنا ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ كُلُّ لَعْنَةٍ فَذاكَ لِما أنَّ لَعْنَةَ اللّاعِنِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، والثَّقَلَيْنِ أيْضًا مِن جِهَتِهِ تَعالى، فَهم يَدْعُونَ عَلَيْهِ بِلَعْنَةِ اللَّهِ تَعالى، وإبْعادِهِ مِن رَحْمَتِهِ، ﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ يَوْمِ الجَزاءِ والعُقُوبَةِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ اللَّعْنَةَ مَعَ كَمالِ فَظاعَتِها لَيْسَتْ كافِيَةً في جَزاءِ جِنايَتِهِ، بَلْ هي أُنْمُوذَجٌ مِمّا سَيَلْقاهُ مُسْتَمِرَّةٌ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، لَكِنْ لا عَلى أنَّها تَنْقَطِعُ يَوْمَئِذٍ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ التَّوْقِيتِ، ونُسِبَ القَوْلُ بِهِ إلى بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ بَلْ عَلى أنَّهُ سَيَلْقى يَوْمَئِذٍ مِن ألْوانِ العَذابِ وأفانِينِ العِقابِ ما تَنْسى عِنْدَهُ اللَّعْنَةَ وتَصِيرُ كالزّائِلِ، ألا يَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾،
38:79Page 457
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٧٩
He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."
﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي﴾ أيْ أمْهِلْنِي، وأخِّرْنِي، والفاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قالَ: إذا جَعَلْتَنِي رَجِيمًا فَأمْهِلْنِي ولا تُمِتْنِي، ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ لِلْجَزاءِ بَعْدَ المَوْتِ، وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وأرادَ اللَّعِينُ بِذَلِكَ أنْ يَجِدَ فُسْحَةً مِن إغْوائِهِمْ ويَأْخُذَ مِنهم ثَأْرَهُ، ويَنْجُوَ مِنَ المَوْتِ لِأنَّهُ لا يَكُونُ بَعْدَ البَعْثِ، وكانَ أمْرُ البَعْثِ مَعْرُوفًا بَيْنَ المَلائِكَةِ، فَسَمِعَهُ مِنهم فَقالَ ما قالَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَهُ عَقْلًا حَيْثُ عَرَفَ بِبَعْضِ الأماراتِ، أوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ مِن طُرُقِ المَعْرِفَةِ أنَّ أفْرادَ هَذا الجِنْسِ لا تَخْلُو مِن وُقُوعِ ظُلْمِ بَيْنَها، وأنَّ الدّارَ لَيْسَتْ دارَ قَرارٍ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ فِيها، وأنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي الجَزاءَ.
38:80–81Page 457
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٨٠
[Allāh] said, "So indeed, you are of those reprieved
إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ ٨١
Until the Day of the time well-known."
﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ وُرُودُ الجَوابِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِشُمُولِ ما سَألَهُ الآخَرِينَ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِأنَّ السّائِلَ تَبَعٌ لَهم في ذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّهُ إخْبارٌ بِالإنْظارِ المُقَدَّرِ لَهم أزَلًا لا إنْشاءً، لِإنْظارٍ خاصٍّ بِهِ، قَدْ وقَعَ إجابَةً لِدُعائِهِ، وأنَّ اسْتِنْظارَهُ كانَ طَلَبًا لِتَأْخِيرِ المَوْتِ، إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ مِنهُمْ، لا لِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما قِيلَ، فَإنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن إضافَةِ اليَوْمِ إلى الدِّينِ، أيْ إنَّكَ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ أُخِّرَتْ آجالُهم أزَلًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَةُ التَّكْوِينِ، ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ الَّذِي قَدَّرْتُهُ وعَيَّنْتُهُ لِفَناءِ الخَلائِقِ، وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الأُولى، لا إلى وقْتِ البَعْثِ الَّذِي هو المَسْؤُولُ، فالفاءُ لَيْسَتْ لِرَبْطِ نَفْسِ الإنْظارِ بِالِاسْتِنْظارِ، بَلْ لِرَبْطِ الإخْبارِ المُؤَكَّدِ بِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾، وقَوْلِ الشّافِعِيِّ: فَإنْ تَرْحَمْ فَأنْتَ لِذَلِكَ أهْلُ
38:82–83Page 457
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٢
[Iblees] said, "By Your might, I will surely mislead them all
إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٨٣
Except, among them, Your chosen servants."
﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾ قَسَمٌ بِسُلْطانِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وقَهْرِهِ، وهو كَما يَكُونُ بِالذّاتِ يَكُونُ بِالصِّفَةِ، فالباءُ لِلْقَسَمِ عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ عَلى الإنْظارِ، أيْ فَأُقْسِمُ بِعِزَّتِكَ، ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ أيْ أفْرادَ هَذا النَّوْعِ بِتَزْيِينِ المَعاصِي لَهُمْ، ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِطاعَتِهِ، وعَصَمَهم عَنِ الغَوايَةِ.
وقُرِئَ ”المُخْلِصِينَ“ عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ، أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا قُلُوبَهُمْ، أوْ أعْمالَهم لِلَّهِ تَعالى.
38:84–85Page 458
قَالَ فَٱلۡحَقُّ وَٱلۡحَقَّ أَقُولُ ٨٤
[Allāh] said, "The truth [is My oath], and the truth I say -
لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٥
[That] I will surely fill Hell with you and those of them that follow you all together."
صفحة 229
﴿قالَ﴾ أيِ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ بِرَفْعِ الأوَّلِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أوْ خَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَإ، ونَصْبِ الثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ، أيْ لا أقُولُ إلّا الحَقَّ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، أيْ فالحَقُّ قَسَمِي، ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ عَلى أنَّ الحَقَّ إمّا اسْمُهُ تَعالى، أوْ نَقِيضُ الباطِلِ عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعالى بِإقْسامِهِ بِهِ، ورَجَحَ بِحَدِيثِ إعادَةِ الِاسْمِ مَعْرِفَةً أوْ فَأنا الحَقُّ، أوْ فَقَوْلِي الحَقُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ﴾ إلَخْ، حِينَئِذٍ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، أيْ واللَّهِ لَأمْلَأنَّ إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والحَقَّ أقُولُ﴾ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِراضٍ مُقَرِّرٍ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ أعْنِي فَقَوْلِي الحَقُّ.
وقَوْلُ: ﴿فالحَقُّ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿لأمْلأنَّ﴾ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ، لَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فالحَقَّ، والحَقَّ“ بِنَصْبِهِما، وخُرِّجَ عَلى أنَّ الثّانِيَ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ كَما تَقَدَّمَ، والأوَّلَ مُقْسَمٌ بِهِ حُذِفَ مِنهُ حَرْفُ القَسَمِ، فانْتَصَبَ كَما في بَيْتِ الكِتابِ:
إنَّ عَلَيْكَ اللَّهَ أنْ تُبايِعا تُؤْخَذُ كَرْهًا أوْ تَجِيءُ طائِعا
وقَوْلِكَ: اللَّهَ لَأفْعَلَنَّ، وجَوابُهُ ﴿لأمْلأنَّ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ، أيْ فالزَمُوا الحَقَّ، ”ولأملأن“ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وقالَ الفَرّاءُ: هو عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: حَقًّا لَآتِيَنَّكَ، ووُجُودُ ألْ، وطَرْحُها سَواءٌ، أيْ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا، فَهو عِنْدَهُ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا المَصْدَرَ لا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ النُّحاةِ، وأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالجُمْلَةِ الَّتِي جُزْآها مَعْرِفَتانِ جامِدانِ جُمُودًا مَحْضًا. وقالَ صاحِبُ البَسِيطِ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ نَكِرَةً، والمُبْتَدَأُ يَكُونُ ضَمِيرًا نَحْوَ: هو زَيْدٌ مَعْرُوفًا، وهو الحَقُّ بَيِّنًا، وأنا الأمِيرُ مُفْتَخِرًا، ويَكُونَ ظاهِرًا نَحْوَ: زَيْدٌ أبُوكَ عَطُوفًا، وأخُوكَ زَيْدٌ مَعْرُوفًا، اهـ، فَكَأنَّ الفَرّاءَ لا يَشْتَرِطُ في ذَلِكَ ما يَشْتَرِطُونَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ بِالرَّفْعِ فِيهِما، وخُرِّجَ رَفْعُ الأوَّلِ عَلى ما مَرَّ، ورَفْعُ الثّانِي عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ أقُولُهُ، كَقِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ: (وكُلٌّ وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى)، وقَوْلِ أبِي النَّجْمِ:
قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي ∗∗∗ عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ
بِرَفْعِ كُلٍّ لِيَتَأتّى السَّلْبُ الكُلِّيُّ المَقْصُودُ لِلشّاعِرِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حَمّادٍ، عَنْ أبِي بَكْرٍ بِجَرِّهِما، وخُرِّجَ عَلى أنَّ الأوَّلَ مَجْرُورٌ بِواوِ القَسَمِ مَحْذُوفَةً، أيْ فَوالحَقِّ، والثّانِي مَجْرُورٌ بِالعَطْفِ عَلَيْهِ كَما تَقُولُ: واللَّهِ واللَّهِ لَأقُومَنَّ، و﴿أقُولُ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَفْعُولًا مُقَدَّمًا، (لِأقُولُ)، والجَرُّ عَلى حِكايَةِ لَفْظِ المُقْسَمِ بِهِ قالَ: ومَعْناهُ التَّوْكِيدُ والتَّشْدِيدُ، وإفادَتُهُ ذَلِكَ زِيادَةٌ عَلى ما يُفِيدُهُ أصْلُ الِاعْتِراضِ، لِأنَّ العُدُولَ عَمّا يَقْتَضِيهِ مِنَ الإعْرابِ إلى الحِكايَةِ، لَمّا كانَ لِاسْتِبْقاءِ الصُّورَةِ الأُولى دَلَّ عَلى أنَّها مِنَ العِنايَةِ في شَأْنِها بِمَكانٍ، وهَذا جارٍ في كُلِّ حِكايَةٍ مِن دُونِ فِعْلِ قَوْلٍ، وما يَقُومُ مَقامَهُ فَيَدُلُّ فِيما نَحْنُ فِيهِ عَلى فَضْلِ عِنايَةٍ بِشَأْنِ القَسَمِ، ويُفِيدُ التَّشْدِيدَ والتَّوْكِيدَ.
وقُرِئَ بِجَرِّ الأوَّلِ عَلى إضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ ونَصْبِ الثّانِي عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ﴿مِنكَ﴾ أيْ مِن جِنْسِكَ مِنَ الشَّياطِينِ، ﴿ومِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ في الغَوايَةِ والضَّلالَةِ ﴿مِنهُمْ﴾ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أجْمَعِينَ﴾ تَوْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في ﴿مِنكَ﴾ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِمِنَ الثّانِيَةِ، والمَعْنى: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ المَتْبُوعِينَ، والتّابِعِينَ أجْمَعِينَ، لا أتْرُكُ مِنهم أحَدًا، أوْ تَوْكِيدٌ لِلتّابِعِينَ فَحَسْبُ، والمَعْنى: لَأمْلَأنَّها مِنَ الشَّياطِينِ، ومِمَّنْ تَبِعَهم مِن جَمِيعِ النّاسِ، لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ ناسٍ وناسٍ، بَعْدَ وُجُودِ الأتْباعِ مِنهم مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ، وتَأْكِيدُ التّابِعِينَ دُونَ المَتْبُوعِينَ لِما
صفحة 230
أنَّ حالَ التّابِعِينَ إذا بَلَغَ إلى أنِ اتَّصَلَ إلى أوْلادِ الأنْبِياءِ فَما بالُ المَتْبُوعِينَ. وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: صاحِبُ هَذا القَوْلِ اعْتَبَرَ القُرْبَ، وأنَّ الكَلامَ بَيْنَ الحَقِّ تَعالى شَأْنُهُ وبَيْنَ المَلْعُونِ في شَأْنِ التّابِعِينَ، فَأكَّدَ ما هو المَقْصُودُ، وتَرَكَ تَوْكِيدَ الآخَرِ لِلِاكْتِفاءِ. هَذا واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قَدْ ذُكِرَتْ في عِدَّةِ سُوَرٍ، وقَدْ تُرِكَ في بَعْضِها بَعْضُ ما ذُكِرَ في البَعْضِ الآخَرِ لِلْإيجازِ ثِقَةَ ما ذُكِرَ في ذَلِكَ، وقَدْ يَكُونُ فِيها في مَوْضِعَيْنِ مَثَلًا لَفْظانِ مُتَّحِدانِ مَآلًا مُخْتَلِفانِ لَفْظًا رِعايَةً لِلتَّفَنُّنِ، وقَدْ يُحْمَلُ الِاخْتِلافُ عَلى تَعَدُّدِ الصُّدُورِ، فَيُقالُ مَثَلًا: إنَّ اللَّعِينَ أقْسَمَ مَرَّةً بِالعِزَّةِ، فَحَكى ذَلِكَ في سُورَةِ (ص) بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾ وأُخْرى بِإغْواءِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي هو أثَرٌ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وحُكْمٌ مِن أحْكامِ سُلْطانِهِ، فَحَكى ذَلِكَ في سُورَةِ الأعْرافِ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ وقَدْ يُحْمَلُ الِاخْتِلافُ عَلى اخْتِلافِ المَقاماتِ كَتَرْكِ الفاءِ مِن قَوْلِهِ ﴿أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ في الأعْرافِ مَعَ ذِكْرِها فِيهِما في (ص)، والَّذِي يَجِبُ اعْتِبارُهُ في نَقْلِ الكَلامِ إنَّما هو أصْلُ مَعْناهُ، ونَفْسُ مَدْلُولِهِ الَّذِي يُفِيدُهُ، وأمّا كَيْفِيَّةُ إفادَتِهِ لَهُ فَلَيْسَ مِمّا يَجِبُ مُراعاتُهُ عِنْدَ النَّقْلِ البَتَّةَ، بَلْ قَدْ تُراعى، وقَدْ لا تُراعى حَسَبَ اقْتِضاءِ المَقامِ، ولا يَقْدَحُ في أصْلِ الكَلامِ تَجْرِيدُهُ عَنْها، بَلْ قَدْ تُراعى عِنْدَ نَقْلِهِ كَيْفِيّاتٌ وخُصُوصِيّاتٌ لَمْ يُراعِها المُتَكَلِّمُ أصْلًا حَيْثُ إنَّ مَقامَ الحِكايَةِ اقْتَضَتْها، وهي مِلاكُ الأمْرِ، ولا يُخِلُّ ذَلِكَ بِكَوْنِ المَنقُولِ أصْلَ المَعْنى، كَما قَدْ حَقَّقَهُ صَدْرُ المُفْتِينَ أبُو السُّعُودِ، وأطالَ الكَلامَ فِيهِ، فَلْيُراجَعْ،
38:86Page 458
قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُتَكَلِّفِينَ ٨٦
Say, [O Muḥammad], "I do not ask you for it [i.e., the Qur’ān] any payment, and I am not of the pretentious.
﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى القُرْآنِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ عَلى تَبْلِيغِ ما يُوحى إلَيَّ، أوْ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى ما قِيلَ، ﴿مِن أجْرٍ﴾ أيْ أجْرًا دُنْيَوِيًّا، جَلَّ أوْ قَلَّ، ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ مِنَ الَّذِينَ يَتَصَنَّعُونَ، ويَتَحَلَّوْنَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ وما عَرَفْتُمُونِي قَطُّ مُتَصَنِّعًا، ولا مُدَّعِيًا ما لَيْسَ عِنْدِي حَتّى أنْتَحِلَ النُّبُوَّةَ وأتَقَوَّلَ القُرْآنَ، فَأمَرَهُ ﷺ أنْ يَقُولَ لَهم عَنْ نَفْسِهِ هَذِهِ المَقالَةَ لَيْسَ لِإعْلامِهِمْ بِالمَضْمُونِ، بَلْ لِلِاسْتِشْهادِ بِما عَرَفُوهُ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولِلتَّذْكِيرِ بِما عَلِمُوهُ، وفي ذَلِكَ ذَمُّ التَّكَلُّفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، عَنْ أبِي بَرْزَةَ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا أُنَبِّئُكم بِأهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْنا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: هُمُ الرُّحَماءُ بَيْنَهُمْ، قالَ: ألا أُنَبِّئُكم بِأهْلِ النّارِ؟ قُلْنا: بَلى، قالَ: هُمُ الآيِسُونَ القانِطُونَ الكَذّابُونَ المُتَكَلِّفُونَ“».
وعَلامَةُ المُتَكَلِّفِ كَما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ المُنْذِرِ ثَلاثٌ: أنْ يُنازِلَ مَن فَوْقَهُ، ويَتَعاطى ما لا يَنالُ، ويَقُولَ ما لا يَعْلَمُ، وفي الصَّحِيحَيْنِ: أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قالَ: أيُّها النّاسُ، مَن عَلِمَ مِنكم عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، قالَ اللَّهُ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِن المُتَكَلِّفِينَ﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences