Al-AlusiAz‑Zumar · 39:22–28

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:22–28

39:22Page 461

أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ فَوَيۡلٞ لِّلۡقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٢

So is one whose breast Allāh has expanded to [accept] Islām and he is upon [i.e., guided by] a light from his Lord [like one whose heart rejects it]? Then woe to those whose hearts are hardened against the remembrance of Allāh. Those are in manifest error.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ إلَخِ، اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِن تَخْصِيصِ الذِّكْرى بِأُولِي الألْبابِ، والشَّرْحُ في الأصْلِ البَسْطُ والمَدُّ لِلْحَمِ، ونَحْوِهِ ويُكَنّى بِهِ عَنِ التَّوْسِيعِ، وتُجُوِّزَ بِهِ هُنا عَنْ خَلْقِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ مُسْتَعِدَّةً اسْتِعْدادًا تامًّا لِلْقَبُولِ بِجامِعِ عَدَمِ التَّأبِّي عَنِ القَبُولِ، وسُهُولَةِ الحُصُولِ، وذَلِكَ بَعْدَ التَّجَوُّزِ في الصَّدْرِ، وإرادَةِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ مِنهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَحَلٌّ لِلْقَلْبِ، وفي تَجْوِيفِهِ بُخارٌ لَطِيفٌ، يَتَكَوَّنُ مِن صَفْوَةِ الأغْذِيَةِ، وبِهِ تَتَعَلَّقُ النَّفْسُ أوَّلًا وبِواسِطَتِهِ تَتَعَلَّقُ بِسائِرِ البَدَنِ تَعَلُّقَ التَّدْبِيرِ والتَّصْرِيفِ، وتِلْكَ النَّفْسُ هي الَّتِي تَتَّصِفُ بِالإسْلامِ، والإيمانِ، وجَعَلَ بَعْضُ الأجِلَّةِ (شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ) اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ داخِلَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ المارَّيْنِ آنِفًا، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ، وخَبَرُ (مَن) مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: أكُلُّ النّاسِ سَواءٌ فَمَن شَرَحَ اللَّهُ تَعالى صَدْرَهُ، وخَلَقَهُ مُسْتَعِدًّا لِلْإسْلامِ، فَبَقِيَ عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ، ولَمْ تَتَغَيَّرْ بِالعَوارِضِ المُكْتَسَبَةِ القادِحَةِ فِيها ﴿فَهُوَ﴾ بِمُوجَبِ ذَلِكَ مُسْتَقِرٌّ، ﴿عَلى نُورٍ﴾ عَظِيمٍ، ﴿مِن رَبِّهِ﴾ وهو اللُّطْفُ الإلَهِيُّ المُشْرِقُ عَلَيْهِ مِن بُرُوجِ الرَّحْمَةِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ، والتَّوْفِيقِ لِلِاهْتِداءِ بِها إلى الحَقِّ كَمَن قَسا قَلْبُهُ، وحَرَجَ صَدْرُهُ بِتَبْدِيلِ فِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، واسْتَوْلى عَلَيْهِ ظُلُماتُ الغَيِّ والضَّلالِ، فَأعْرَضَ عَنْ تِلْكَ الآياتِ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يَتَذَكَّرَ بِها، ولا يَغْتَنِمَها، وعُدِلَ عَنْ فَعِنْدَهُ، أوْ فَلَهُ نُورٌ، إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ ذَلِكَ، واسْتِقْرارِهِ في النُّورِ، وهو مُسْتَعارٌ لِلُّطْفِ، والتَّوْفِيقِ لِلِاهْتِداءِ، وقَدْ يُقالُ: هو أمْرٌ إلَهِيٌّ غَيْرُ اللُّطْفِ والتَّوْفِيقِ يُدْرَكُ بِهِ الحَقُّ.

وجاءَ بِرِوايَةِ الثَّعْلَبِيِّ في تَفْسِيرِهِ، والحاكِمِ في مُسْتَدْرَكِهِ، والبَيْهَقِيِّ في شُعَبِ الإيمانِ وابْنِ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: «(تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ إلَخْ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ انْشِراحُ الصَّدْرِ؟ قالَ: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ، وانْفَسَحَ، قُلْنا: فَما عَلامَةُ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ)».

واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ تَرَتُّبُ دُخُولِ النُّورِ عَلى الِانْشِراحِ، لِأنَّهُ الِاسْتِعْدادُ لِقَبُولِهِ، وما في الحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَكْسُهُ، والظّاهِرُ أنَّ السُّؤالَ عَمّا في الآيَةِ، وأنَّ الجَوابَ بَيانٌ لِكَيْفِيَّتِهِ. وأُجِيبَ بِأنَّ الِاهْتِداءَ لَهُ مَراتِبُ بَعْضُها مُقَدَّمٌ وبَعْضُها مُؤَخَّرٌ، وانْشِراحُ الصَّدْرِ بِحَسَبِ الفِطْرَةِ والخُلُقِ، وبِحَسَبِ ما يَطْرَأُ عَلَيْهِ بَعْدَ فَيْضِ الألْطافِ عَلَيْهِ، وبَيْنَهُما تَلازُمٌ، والمُرادُ بِانْشِراحِ الصَّدْرِ في الحَدِيثِ ما يَكُونُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ فِيهِ، وفي الآيَةِ ما تَقَدَّمَ، وقِسْ عَلَيْهِ النُّورَ، والجَوابُ مِن قَبِيلِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، فَتَأمَّلْ.

﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ مِن أجْلِ ذِكْرِهِ سُبْحانَهُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ تَلِينَ مِنهُ القُلُوبُ، أيْ إذا ذُكِرَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَهُمْ، أوْ آياتُهُ - عَزَّ وجَلَّ - اشْمَأزُّوا مِن ذَلِكَ، وزادَتْ قُلُوبُهم قَساوَةً. وقُرِئَ: ”عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ“ والمُتَواتِرَةُ أبْلَغُ، لِأنَّ القاسِيَ مِن أجْلِ الشَّيْءِ أشَدُّ تَأبِّيًا مِن قَبُولِهِ مِنَ القاسِي عَنْهُ بِسَبَبٍ آخَرَ، ولِلْمُبالَغَةِ في وصْفِ أُولَئِكَ بِالقَبُولِ، وهَؤُلاءِ بِالِامْتِناعِ، ذَكَرَ شَرْحَ الصَّدْرِ، لِأنَّ تَوْسِعَتَهُ وجَعْلَهُ مَحَلًّا لِلْإسْلامِ دُونَ القَلْبِ الَّذِي فِيهِ يَدُلُّ عَلى شِدَّتِهِ، وإفْراطِ كَثْرَتِهِ الَّتِي فاضَتْ حَتّى مَلَأتِ الصَّدْرَ فَضْلًا عَنِ القَلْبِ، وإسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى الظّاهِرُ

صفحة 258

فِي أنَّهُ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ، لِأنَّهُ فِعْلُ قادِرٍ حَكِيمٍ، وقابَلَهُ بِالقَساوَةِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى المُقابَلَةِ أنْ يُعَبِّرَ بِالضِّيقِ، لِأنَّ القَساوَةَ كَما في الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ تَقْتَضِي عَدَمَ قَبُولِ شَيْءٍ بِخِلافِ الضِّيقِ، فَإنَّهُ مُشْعِرٌ بِقَبُولِ شَيْءٍ قَلِيلٍ، وعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِما يُفِيدُ مَجْعُولِيَّةَ القَساوَةِ لَهُ تَعالى وخَلْقَهُ إيّاها لِلْإشارَةِ إلى غايَةِ لُزُومِها لَهُمْ، حَتّى كَأنَّها لَوْ لَمْ تُجْعَلْ لَتَحَقَّقَتْ فِيهِمْ بِمُقْتَضى ذَواتِهِمْ، وأمّا إسْنادُها إلى القُلُوبِ دُونَ الصُّدُورِ فَلِلتَّنْصِيصِ عَلى فَسادِ هَذا العُضْوِ الَّذِي إذا فَسَدَ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، واعْتُبِرَ الجَمْعُ في هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، والإفْرادُ في أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ دُونَ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صُدُورَهُمْ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ وإنْ تَعَدَّدُوا كَرَجُلٍ واحِدٍ، ولا كَذَلِكَ الكُفّارُ.

﴿أُولَئِكَ﴾ البُعَداءُ المُتَّصِفُونَ بِما ذُكِرَ مِن قَساوَةِ القُلُوبِ ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ظاهِرٍ كَوْنُهُ ضَلالًا لِكُلِّ أحَدٍ.

والآيَةُ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ وحَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبِي لَهَبٍ، وابْنِهِ، فَعَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وحَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِمَّنْ شَرَحَ اللَّهُ تَعالى صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ، وأبُو لَهَبٍ، وابْنُهُ مِنَ القاسِيَةِ قُلُوبُهم.

39:23Page 461

ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ ٢٣

Allāh has sent down the best statement: a consistent Book wherein is reiteration. The skins shiver therefrom of those who fear their Lord; then their skins and their hearts relax at the remembrance [i.e., mention] of Allāh. That is the guidance of Allāh by which He guides whom He wills. And one whom Allāh sends astray - for him there is no guide.

﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ هو القُرْآنُ الكَرِيمُ، وكَوْنُهُ حَدِيثًا بِمَعْنى كَوْنِهِ كَلامًا مُحَدَّثًا بِهِ، لا بِمَعْنى كَوْنِهِ مُقابِلًا لِلْقَدِيمِ، ومَن قالَ بِالتَّلازُمِ مِنَ الأشاعِرَةِ القائِلِينَ بِحُدُوثِ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ جَعَلَ الأوْصافَ الدّالَّةَ عَلى الحُدُوثِ لِذَلِكَ الكَلامِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ إطْلاقَ الحَدِيثِ هُنا عَلى القُرْآنِ مِن بابِ المُشاكَلَةِ.

عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنا بِأحادِيثَ حِسانٍ وبِأخْبارِ الدَّهْرِ، فَنَزَلَتْ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الصَّحابَةَ مَلُّوا مَلَّةً، فَقالُوا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: حَدِّثْنا فَنَزَلَتْ.

أيْ إرْشادًا لَهم إلى ما يُزِيلُ مَلَلَهُمْ، وهو تِلاوَةُ القُرْآنِ واسْتِماعُهُ مِنهُ ﷺ غَضًّا طَرِيًّا. وفي إيقاعِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى مُبْتَدَأً وبِناءِ ﴿نَزَّلَ﴾ عَلَيْهِ تَفْخِيمٌ لِأحْسَنِ الحَدِيثِ واسْتِشْهادٌ عَلى أحْسَنِيَّتِهِ، وتَأْكِيدٌ لِاسْتِنادِهِ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وأنَّ مِثْلَهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، أمّا التَّفْخِيمُ، فَلِأنَّهُ مِن بابِ الخَلِيفَةِ عِنْدَ فُلانٍ، وأمّا الِاسْتِشْهادُ عَلى أحْسَنِيَّتِهِ فَلِكَوْنِهِ مِمَّنْ لا يُتَصَوَّرُ أكْمَلُ مِنهُ بَلْ لا كَمالَ لِشَيْءٍ ما في جَنْبِهِ بِوَجْهٍ، وأمّا تَوْكِيدُ الِاسْتِنادِ إلَيْهِ تَعالى فَمِنَ التَّقْوى، وأمّا أنَّ مِثْلَهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ فَلِمَكانِ التَّناسُبِ، لِأنَّ أكْمَلَ الحَدِيثِ إنَّما يَكُونُ مِن أكْمَلِ مُتَكَلِّمٍ ضَرُورَةً، ومَذْهَبُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ مِثْلَ هَذا التَّرْكِيبِ يُفِيدُ الحَصْرَ، وأنَّهُ لا تَنافِيَ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّقْوى جَمْعًا، فافْهَمْ.

﴿كِتابًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ أوْ حالٌ مِنهُ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ إضافَةَ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ تُفِيدُهُ تَعْرِيفًا كَما ظَنَّ أبُو حَيّانَ، فَإنَّ مُطْلَقَ الإضافَةِ كافِيَةٌ في صِحَّةِ الحالِيَّةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى إلْمامٍ بِالعَرَبِيَّةِ، ووُقُوعُهُ حالًا مَعَ كَوْنِهِ اسْمًا لا صِفَةً إمّا لِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَشابِهًا﴾ أوْ لِكَوْنِهِ في قُوَّةِ مَكْتُوبًا.

والمُرادُ بِكَوْنِهِ مُتَشابِهًا هُنا تَشابُهُ مَعانِيهِ في الصِّحَّةِ، والإحْكامِ، والِابْتِناءِ عَلى الحَقِّ والصِّدْقِ، واسْتِتْباعِ مَنافِعِ الخَلْقِ في المَعادِ والمَعاشِ، وتَناسُبِ ألْفاظِهِ في الفَصاحَةِ وتَجاوُبِ نَظْمِهِ في الإعْجازِ، وما أشْبَهَ هَذا بِقَوْلِ العَرَبِ في الوَجْهِ الكامِلِ حُسْنًا: وجْهٌ مُتَناصِفٌ، كَأنَّ بَعْضَهُ أنْصَفَ بَعْضًا في القِسْطِ مِنَ الجَمالِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثانِيَ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِكِتابًا، أوْ حالٌ أُخْرى مِنهُ، وهو جَمْعُ مُثَنًّى، بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ النُّونِ المُشَدَّدَةِ عَلى خِلافِ القِياسِ، إذْ قِياسُهُ مُثَنَّياتٌ بِمَعْنى مُرَدَّدٍ ومُكَرَّرٍ لِما كُرِّرَ وثُنِّيَ مِن أحْكامِهِ ومَواعِظِهِ وقِصَصِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يُثَنّى في التِّلاوَةِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ مَثْنًى بِالفَتْحِ مُخَفَّفًا مِنَ التَّثْنِيَةِ بِمَعْنى التَّكْرِيرِ والإعادَةِ، كَما كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ

صفحة 259

كَرَّتَيْنِ﴾، بِمَعْنى كَرَّةٍ بَعْدَ كَرَّةٍ، وكَذَلِكَ لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والمُرادُ أنَّهُ جَمْعٌ لِمَعْنى التَّكْرِيرِ والإعادَةِ كَما ثَنّى ما ذَكَرَ لِذَلِكَ، لَكِنَّ اسْتِعْمالَ المُثَنّى في هَذا المَعْنى أكْثَرُ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَراتِبِ التَّكْرارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ أنَّ مُثَنًّى بِمَعْنى التَّكْرِيرِ والإعادَةِ كَما أنَّ صَرِيحَ المُثَنّى كَذَلِكَ في نَحْوِ: كَرَّتَيْنِ، ثُمَّ جُمِعَ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: جَمْعُ مَثْنِيَةٍ لِاشْتِمالِ آياتِهِ عَلى الثَّناءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّها تُثْنِي بِبَلاغَتِها وإعْجازِها عَلى المُتَكَلِّمِ بِها، ولا يَخْفى أنَّ رِعايَةَ المُناسَبَةِ مَعَ ﴿مُتَشابِهًا﴾ تَجْعَلُ ذَلِكَ مَرْجُوحًا، وأنَّهُ حَسَنٌ إذا حُمِلَ عَلى الثَّناءِ بِاعْتِبارِ الإعْجازِ، وفي الكَشْفِ: الأقْيَسُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ أنَّ ﴿مَثانِيَ﴾ اشْتُقَّتْ مِنَ الثَّناءِ، أوِ الثَّنْيِ جَمْعُ مُثَنًّى مُفَعَّلٍ مِنهُما، إمّا بِمَعْنى المَصْدَرِ جَمْعٌ لِما صُيِّرَ صِفَةً أوْ بِمَعْنى المَكانِ في الأصْلِ نُقِلَ إلى الوَصْفِ مُبالَغَةً نَحْوَ: أرْضٌ مَأْسَدَةٌ، لِأنَّ مَحَلَّ الثَّناءِ يَقَعُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَلى الثّانِي والمُثْنى عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ مَحَلُّ الثَّنْيِ انْتَهى، ووُقُوعُهُ صِفَةً لِكِتابٍ بِاعْتِبارِ تَفاصِيلِهِ، وتَفاصِيلُ الشَّيْءِ هي جُمْلَتُهُ لا غَيْرُ، ألا تَراكَ تَقُولُ: القُرْآنُ أسْباعٌ وأخْماسٌ، وسُوَرٌ وآياتٌ، فَكَذَلِكَ تَقُولُ: هو أحْكامٌ ومَواعِظُ وأقاصِيصُ مَثانِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: الإنْسانُ عُرُوقٌ وعِظامٌ وأعْصابٌ، إلّا أنَّكَ تَرَكْتَ المَوْصُوفَ إلى الصِّفَةِ، والأصْلُ: كِتابًا مُتَشابِهًا فُصُولًا مَثانِيَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا مُحَوَّلًا عَنِ الفاعِلِ، والأصْلُ: مُتَشابِهًا مَثانِيهِ، فَحُوِّلَ ونُكِّرَ، لِأنَّ الأكْثَرَ فِيهِ التَّنْكِيرُ وهَذا كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ رَجُلًا حَسَنًا شَمائِلَ، وقَرَأ هِشامٌ، وأبُو بِشْرٍ ”مَثانِي“ بِسُكُونِ الياءِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا، وسُكِّنَ الياءُ عَلى لُغَةِ مَن يُسَكِّنُها في كُلِّ الأحْوالِ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها اسْتِثْقالًا لِلْحَرَكَةِ عَلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ قِيلَ: صِفَةٌ لِكِتابًا، أوْ حالٌ مِنهُ، لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، وقالَ بَعْضٌ: الأظْهَرُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ آثارِهِ الظّاهِرَةِ في سامِعِيهِ بَعْدَ بَيانِ أوْصافِهِ في نَفْسِهِ، ولِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ أحْسَنَ الحَدِيثِ.

والِاقْشِعْرارُ التَّقَبُّضُ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ الجِلْدُ إذا تَقَبَّضَ تَقَبُّضًا شَدِيدًا، وتَرْكِيبُهُ مِنَ القَشْعِ وهو الأدِيمُ اليابِسُ قَدْ ضُمَّ إلَيْهِ الرّاءُ لِيَكُونَ رُباعِيًّا ودالًّا عَلى مَعْنًى زائِدٍ، يُقالُ: اقْشَعَرَّ جِلْدُهُ وقَفَ شَعْرُهُ إذا عَرَضَ لَهُ خَوْفٌ شَدِيدٌ مِن أمْرٍ هائِلٍ دَهَمَهُ بَغْتَةً، والمُرادُ تَصْوِيرُ خَوْفِهِمْ بِذِكْرِ لَوازِمِهِ المَحْسُوسَةِ، ويُطْلَقُ عَلَيْهِ التَّمْثِيلُ، وإنْ كانَ مِن بابِ الكِنايَةِ.

وقِيلَ: هو تَصْوِيرٌ لِلْخَوْفِ بِذِكْرِ آثارِهِ وتَشْبِيهُ حالَةٍ بِحالَةٍ، فَيَكُونُ تَمْثِيلًا حَقِيقَةً، والأوَّلُ أحْسَنُ، لِأنَّ تَشْبِيهَ القِصَّةِ بِالقِصَّةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ ها هُنا لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، واسْتُظْهِرَ كَوْنُ المُرادِ بَيانَ حُصُولِ تِلْكَ الحالَةِ وعُرُوضَها لَهم بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ، والمَعْنى: أنَّهم إذا سَمِعُوا القُرْآنَ وقَوارِعَ آياتِ وعِيدِهِ أصابَتْهم رَهْبَةٌ وخَشْيَةٌ، تَقْشَعِرُّ مِنها جُلُودُهُمْ، وإذا ذَكَرُوا رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى عِنْدَ سَماعِ آياتِ وعْدِهِ تَعالى، وألْطافِهِ تَبَدَّلَتْ خَشْيَتُهم رَجاءً ورَهْبَتُهم رَغْبَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ ساكِنَةً مُطْمَئِنَّةً إلى ذِكْرِ رَحْمَتِهِ تَعالى، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِالرَّحْمَةِ إيذانًا بِأنَّها أوَّلُ ما يَخْطُرُ بِالبالِ عِنْدَ ذِكْرِهِ تَعالى لِأصالَتِها، كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ خَبَرُ: «(سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي)،» وذِكْرُ القُلُوبِ لِتَقَدُّمِ الخَشْيَةِ الَّتِي هي مِن عَوارِضِها، ولَعَلَّهُ إنَّما لَمْ تُذْكَرْ هُناكَ عَلى طُرُزِ ذِكْرِها هُنا لِأنَّها لا تُوصَفُ بِالِاقْشِعْرارِ، وتُوصَفُ بِاللِّينِ، ولَيْسَ في الآيَةِ أكْثَرُ مِن نَعْتِ أوْلِيائِهِ بِاقْشِعْرارِ الجُلُودِ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ سُكُونُهم إلى رَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ فِيها نَعْتُهم بِالصَّعْقِ، والتَّواجُدِ، والصَّفْقِ، كَما يَفْعَلُهُ بَعْضُ النّاسِ، أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: قُلْتُ لِجَدَّتِي أسْماءَ: كَيْفَ كانَ يَصْنَعُ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا قَرَؤُوا القُرْآنَ؟ قالَتْ: كانُوا كَما نَعَتَهُمُ اللَّهُ تَعالى تَدْفَعُ أعْيُنُهُمْ، وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ، قُلْتُ: فَإنَّ ناسًا ها هُنا إذا سَمِعُوا ذَلِكَ تَأْخُذُهم غِشْيَةٌ، قالَتْ: أعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ، وأخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في

صفحة 260

المُوَفَّقِيّاتِ، عَنْ عامِرٍ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: جِئْتُ أُمِّي، فَقُلْتُ: وجَدْتُ قَوْمًا ما رَأيْتُ خَيْرًا مِنهم قَطُّ، يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فَيُرْعِدُ أحَدُهم حَتّى يُغْشى عَلَيْهِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَقالَتْ: لا تَقْعُدْ مَعَهُمْ، ثُمَّ قالَتْ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتْلُو القُرْآنَ، ورَأيْتُ أبا بَكْرٍ، وعُمَرَ يَتْلُوانِ القُرْآنَ، فَلا يُصِيبُهم هَذا، أفَتُراهم أخْشى مِن أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ،» وقالَ ابْنُ عُمَرَ وقَدْ رَأى ساقِطًا مِن سَماعِ القُرْآنِ، فَقالَ: إنّا لَنَخْشى اللَّهَ تَعالى، وما نَسْقُطُ، هَؤُلاءِ يَدْخُلُ الشَّيْطانُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هَذا نَعْتُ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى، قالَ: تَقْشَعِرُّ جُلُودُهم وتَبْكِي أعْيُنُهُمْ، وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يَنْعَتْهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِذَهابِ عُقُولِهِمْ، والغَشَيانِ عَلَيْهِمْ، إنَّما هَذا في أهْلِ البِدَعِ، وإنَّما هو مِنَ الشَّيْطانِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: قالَ الصَّعْقَةُ مِنَ الشَّيْطانِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: بَيْنَنا وبَيْنَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أنْ يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حائِطٍ باسِطًا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ كُلُّهُ، فَإنْ رَمى بِنَفْسِهِ، فَهو صادِقٌ، فَهَذِهِ أخْبارٌ ناعِيَةٌ عَلى بَعْضِ المُتَصَوِّفَةِ صَعْقَهُمْ، وتَواجُدَهُمْ، وضَرْبَ رُؤُوسِهِمُ الأرْضَ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، ويَقُولُ مَشايِخُهُمْ: إنَّ ذَلِكَ لِضَعْفِ القُلُوبِ عَنْ تَحَمُّلِ الوارِدِ، ولَيْسَ فاعِلُو ذَلِكَ في الكَمالِ كالصَّحابَةِ أهْلِ الصَّدْرِ الأوَّلِ في قُوَّةِ التَّحَمُّلِ، فَما هو إلّا دَلِيلُ النَّقْصِ بِدَلِيلِ أنَّ السّالِكَ إذا كَمُلَ رَسَخَ وقَوِيَ قَلْبُهُ، ولَمْ يَصْدُرْ مِنهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ويَقُولُونَ: لَيْسَ في الآيَةِ أكْثَرُ مِن إثْباتِ الِاقْشِعْرارِ واللِّينِ، ولَيْسَ فِيها نَفْيُ أنْ يَعْتَرِيَهم حالٌ آخَرُ، بَلْ في الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ المَذْكُورَ حالُ الرّاسِخِينَ الكامِلِينَ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ فَعَبَّرَ بِالمَوْصُولِ ومُقْتَضى مَعْلُومِيَّةِ الصِّلَةِ أنَّ لَهم رُسُوخًا في الخَشْيَةِ حَتّى يُعْلَمُوا بِها، فَلا يَلْزَمُ مِن كَوْنِ حالِهِمْ ما ذُكِرَ لَيْسَ إلّا عَلى فَرْضِ دِلالَتِها عَلى الحَصْرِ كَوْنُ حالِ غَيْرِهِمْ كَذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ ضَرُورِيًّا كالعُطاسِ لا اعْتِراضَ عَلى مَن يَتَّصِفُ بِهِ، وفي كَلامِ ابْنِ سِيرِينَ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وهَذا غايَةُ ما يُقالُ في هَذا المَجالِ، ونَحْنُ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْنا بِما تَفَضَّلَ بِهِ عَلى أصْحابِ نَبِيِّهِ ﷺ، ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ﴾ الإشارَةُ إلى الكِتابِ الَّذِي شَرَحَ أحْوالَهُ، ﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾ أيْ مَن يَشاءُ اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهُ بِأنْ يُوَفِّقَهُ سُبْحانَهُ لِلتَّأمُّلِ فِيما في تَضاعِيفِهِ مِن شَواهِدِ الحَقِّيَّةِ، ودَلائِلِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿يَشاءُ﴾ لِمَن، والمَعْنى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ تَعالى مَن يَشاءُ هِدايَةَ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ بِذاكَ.

﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ يَخْلُقُ سُبْحانَهُ فِيهِ الضَّلالَ لِإعْراضِهِ عَمّا يُرْشِدُهُ إلى الحَقِّ بِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ، ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يُخَلِّصُهُ مِن ورْطَةِ الضَّلالِ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ مِنَ الِاقْشِعْرارِ واللِّينِ، والمَعْنى ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الخَشْيَةِ والرَّجاءِ أثَرُ هُداهُ تَعالى، يَهْدِي بِذَلِكَ الأثَرِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، ومَن يُضْلِلْهُ، أيْ ومَن لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ لِقَسْوَةِ قَلْبِهِ وإصْرارِهِ عَلى فُجُورِهِ، فَما لَهُ مِن هادٍ، أيْ مِن مُؤَثِّرٍ فِيهِ بِشَيْءٍ قَطُّ، وهو كَما تَرى.

39:24Page 461

أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجۡهِهِۦ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٢٤

Then is he who will shield with his face1 the worst of the punishment on the Day of Resurrection [like one secure from it]? And it will be said to the wrongdoers, "Taste what you used to earn."

﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِن تَبايُنِ حالِ المُهْتَدِي، والضّالِّ، والكَلامُ في الهَمْزَةِ، والفاءِ، والخَبَرِ، كالَّذِي مَرَّ في نَظائِرِهِ، ويُقالُ: هُنا عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ: التَّقْدِيرُ: أكُلُّ النّاسِ سَواءٌ، فَمَن شَأْنُهُ أنْ يَتَّقِيَ بِوَجْهِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ أعْضائِهِ يَوْمَ القِيامَةِ العَذابَ السَّيِّئَ الشَّدِيدَ لِكَوْنِ يَدِهِ الَّتِي بِها كانَ يَتَّقِي المَكارِهَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِهِ، كَمَن هو آمِنٌ لا يَعْتَرِيهِ مَكْرُوهٌ، ولا يَحْتاجُ إلى الِاتِّقاءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فالوَجْهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وقَدْ يُحْمَلُ عَلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى حَدِيثِ كَوْنِ اليَدِ مَغْلُولَةً تَصْوِيرًا لِكَمالِ اتِّقائِهِ وجَدَهُ فِيهِ، وهو أبْلَغُ، وفي هَذا المِضْمارِ يَجْرِي قَوْلُ الشّاعِرِ:

صفحة 261

يَلْقى السُّيُوفَ بِوَجْهِهِ وبِنَحْرِهِ ويُقِيمُ هامَتَهُ مَقامَ المِغْفَرِ

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الوَجْهُ بِمَعْنى الجُمْلَةِ، والمُبالَغَةُ عَلَيْهِ دُونَ المُبالَغَةِ فِيما قَبْلَهُ. وقِيلَ: الِاتِّقاءُ بِالوَجْهِ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ ما يُتَّقى بِهِ، إذِ الِاتِّقاءُ بِالوَجْهِ لا وجْهَ لَهُ، لِأنَّهُ مِمّا لا يُتَّقى بِهِ، ولا يَخْلُو عَنْ خَدْشٍ، وإضافَةُ سُوءٍ إلى العَذابِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، ”ويوم القيامة“ مَعْمُولُ يَتَّقِي كَما أشَرْنا إلى ذَلِكَ. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ سُوءِ العَذابِ، والمَعْنى: أفَمَن يَتَّقِي عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ كالمُصِرِّ عَلى كُفْرِهِ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ والوَجْهُ حِينَئِذٍ كَما في الوَجْهِ السّابِقِ إمّا الجُمْلَةُ مُبالَغَةً في تَقْواهُ، وإمّا عَلى الحَقِيقَةِ تَصْوِيرًا لِكَمالِ تَقْواهُ، وجَدَهُ فِيها، وهو أبْلَغُ. والمُتَبادِرُ إلى الذِّهْنِ المَعْنى السّابِقُ، والآيَةُ قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، ﴿وقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى يَتَّقِي، أيْ ويُقالُ لَهم مِن جِهَةِ خَزَنَةِ النّارِ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدِّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، والتَّقَرُّرِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿يَتَّقِي﴾ بِإضْمارِ قَدْ، أوْ بِدُونِهِ، ووُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أيْ وبالَ ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ في الدُّنْيا عَلى الدَّوامِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

39:25Page 461

كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٥

Those before them denied, and punishment came upon them from where they did not perceive.

﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما أصابَ بَعْضَ الكَفَرَةِ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ إثْرَ بَيانِ ما يُصِيبُ الكُلَّ مِنَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ، أيْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ﴾ المُقَدَّرُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنهُمْ، ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي لا يَحْتَسِبُونَ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ إتْيانُهُ مِنها لِأنَّ ذَلِكَ أشَدُّ عَلى النَّفْسِ،

39:26Page 461

فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلۡخِزۡيَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٢٦

So Allāh made them taste disgrace in worldly life. But the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.

﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ﴾ أيِ الذُّلَّ والصَّغارَ، ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ كالمَسْخِ والخَسْفِ والقَتْلِ والسَّبْيِ والإجْلاءِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ النَّكالِ، والفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ﴾، ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ﴾ المُعَدُّ لَهُمْ، ﴿أكْبَرُ﴾ لِشِدَّتِهِ وسَرْمَدِيَّتِهِ، ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَوْ كانُوا مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَعْلَمُوا شَيْئًا لَعَلِمُوا ذَلِكَ، واعْتَبَرُوا بِهِ،

39:27Page 461

وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٧

And We have certainly presented for the people in this Qur’ān from every [kind of] example - that they might remember.

﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ﴾ العَظِيمِ الشَّأْنِ ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاظِرُ أُمُورَ دِينِهِ، ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ كَيْ يَتَذَكَّرُوا ويَتَّعِظُوا، أوْ مَرْجُوًّا تَذَكُّرُهم واتِّعاظُهُمْ، والرَّجاءُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ تَعالى والتَّعْلِيلُ أظْهَرُ.

39:28Page 461

قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٢٨

[It is] an Arabic Qur’ān, without any deviance1 that they might become righteous.2

﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حالٌ مِن هَذا، والِاعْتِمادُ فِيها عَلى الصِّفَةِ أعْنِي عَرَبِيًّا، وإلّا فَقُرْآنًا جامِدًا لا يَصْلُحُ لِلْحالِيَّةِ، وهو أيْضًا عَيْنُ ذِي الحالِ، فَلا يَظْهَرُ حالُهُ فالحالُ في الحَقِيقَةِ ﴿عَرَبِيًّا﴾ وقُرْآنًا لِلتَّمْهِيدِ، ونَظِيرُهُ: جاءَ زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا، قِيلَ: وذَلِكَ بِمَنزِلَةِ عَرَبِيًّا مُحَقَّقًا.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: أعْنِي، أوْ أخُصُّ، أوْ أمْدَحُ، ونَحْوُهُ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ﴿يَتَذَكَّرُونَ﴾ وهو كَما تَرى، ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ لا اخْتِلالَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وهو أبْلَغُ مِن مُسْتَقِيمٍ، لِأنَّ عِوَجًا نَكِرَةٌ، وقَعَتْ في سِياقِ النَّفْيِ لِما في غَيْرُ مِن مَعْناهُ، والِاسْتِقامَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ، ونَفْيُ مُصاحَبَةِ العِوَجِ عَنْهُ يَقْتَضِي نَفْيَ اتِّصافِهِ بِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، فَهو أبْلَغُ مِن غَيْرِ مُعْوَجٍّ، والعِوَجُ بِالكَسْرِ يُقالُ فِيما يُدْرَكُ بِفِكْرٍ وبَصِيرَةٍ، والعَوَجُ بِالفَتْحِ يُقالُ فِيما يُدْرَكُ بِالحِسِّ، وعُبِّرَ بِالأوَّلِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ بَلَغَ إلى حَدٍّ لا يُدْرِكُ العَقْلُ فِيهِ عِوَجًا فَضْلًا عَنِ الحِسِّ، وتَمامُ الكَلامِ مَرَّ في الكَهْفِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالعِوَجِ الشَّكُّ واللَّبْسُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وأنْشَدُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:

صفحة 262

وقَدْ أتاكَ يَقِينٌ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ مِنَ الإلَهِ وقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبِ

ولا اسْتِدْلالَ بِهِ، عَلى أنَّ العَوَجَ بِمَعْنى الشَّكِّ، لِأنَّ عِوَجَ اليَقِينِ هو الشَّكُّ لا مَحالَةَ، والقَوْلُ في وجْهِ الِاسْتِدْلالِ أنَّ الشّاعِرَ فَهِمَ هَذا المَعْنى مِنَ الآيَةِ، لِأنَّهُ اقْتِباسٌ، وإذا فَهِمَهُ الفَصِيحُ مَعَ صِحَّةِ التَّجَوُّزِ كانَ مُحَمَّلًا تَعَسُّفًا ظاهِرًا، لِأنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ أنَّهُ اقْتَبَسَهُ مِنها، ولَوْ سُلِّمَ يَكُونُ مُحْتَمِلًا لِما يَحْتَمِلُهُ العِوَجُ في النَّظْمِ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ، وقَدْ يُقالُ: مُرادُ مَن قالَ: أيْ لا لَبْسَ فِيهِ، ولا شَكَّ نَفْيُ بَعْضِ أنْواعِ الِاخْتِلالِ، وعَلى ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ مِن أنَّهُ قالَ: أيْ غَيْرُ مُضْطَرِبٍ ولا مُتَناقِضٍ، وما قِيلَ: أيْ غَيْرُ ذِي لَحْنٍ.

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ، عَنْ أنَسٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: غَيْرُ ذِي عِوَجٍ غَيْرُ مَخْلُوقٍ».

ولَعَلَّهُ إنْ صَحَّ الخَبَرُ تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ فَتَأمَّلْ.

﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ عِلَّةٌ أُخْرى مُتَرَتِّبَةٌ عَلى الأُولى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском