Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:35–42
39:35Page 462
لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٥
That Allāh may remove from them the worst of what they did and reward them their due for the best of what they used to do.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ .. إلَخْ. مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم ويَجْزِيَهم خَصَّهم سُبْحانَهُ بِما خَصَّ أوْ بِما قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ فَحَواهُ عَلى ما قِيلَ أيْ وعَدَهُمُ اللَّهُ جَمِيعَ ما يَشاءُونَهُ مِن زَوالِ المَضارِّ وحُصُولِ المَسارِّ لِيُكَفِّرَ عَنْهم بِمُوجِبِ ذَلِكَ الوَعْدِ أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا.. إلَخْ، ولَيْسَ بِبَعِيدِ مَعْنى عَنِ الأوَّلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الثُّبُوتِ أوْ بِالمُحْسِنِينَ كَما قالَ أبُو حَيّانَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وذَلِكَ جَزاءُ الَّذِينَ أحْسَنُوا أعْمالَهم لِيُكَفِّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوهُ ﴿ويَجْزِيَهم أجْرَهُمْ﴾ ويُعْطِيَهم ثَوابَهم ﴿بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وتَقْدِيمُ التَّكْفِيرِ عَلى إعْطاءِ الثَّوابِ لِأنَّ دَرْءَ المَضارِّ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَسارِّ.
وأُقِيمَ الِاسْمُ الجَلِيلُ مَقامَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى ( رَبِّهِمْ ) لِإبْرازِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الكَلامِ، وإضافَةُ ( أسْوَأ ) و( أحْسَنَ ) إلى ما بَعْدَهُما مِن إضافَةِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ إلى غَيْرِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ لِلْبَيانِ والتَّوْضِيحِ كَما في: الأشَجُّ أعْدَلُ بَنِي مَرْوانَ ويُوسُفُ أحْسَنُ إخْوَتِهِ، والتَّفْضِيلُ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الزَّلَّةَ المُكَفَّرَةَ عِنْدَهم هي الأسْوَأُ لِاسْتِعْظامِهِمُ المَعْصِيَةَ مُطْلَقًا لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ، والحُسْنُ الَّذِي يَعْمَلُونَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى هو الأحْسَنُ لِحُسْنِ إخْلاصِهِمْ فِيهِ.
وذَلِكَ عَلى ما قَرَّرَ في الكَشْفِ لِأنَّ التَّفْضِيلَ هُنا مِن بابِ الزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مُفَضَّلٍ عَلَيْهِ نَظَرًا إلى وُصُولِهِ إلى أقْصى الغايَةِ الكَمالِيَّةِ، ثُمَّ لَمّا كانُوا مُتَّقِينَ كامِلِي التُّقى لَمْ يَكُنْ في عَمَلِهِمْ أسْوَأُ إلّا فَرْضًا وتَقْدِيرًا.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ دُونَ أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُسْنَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأحْسَنِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ جَمِيعَ أجْرِهِمْ يَجْرِي عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ فَلَوْ لَمْ يَعْمَلُوا إلّا الأحْسَنَ كانَ التَّفْضِيلُ بِحَسَبِ الأمْرِ نَفْسِهِ ولَوْ كانَ في العَمَلِ الأحْسَنُ والحَسَنُ وكانَ الجَزاءُ بِالأحْسَنِ بِأنْ يُنْظَرَ إلى أحْسَنِ الأعْمالِ فَيَجْرِي الباقِي في الجَزاءِ عَلى قِياسِهِ دَلَّ أنَّ الحَسَنَ عِنْدَ المُجازِي كالأحْسَنِ، فَصَحَّ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ أنَّ حُسْنَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى هو الأحْسَنُ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنْ لا اعْتِزالَ فِيما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ كَما تَوَهَّمَهُ أبُو حَيّانَ، وأمّا قَوْلُهُ في الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ: إنَّهُ قَدِ اسْتَعْمَلَ ( أسْوَأ ) في التَّفْضِيلِ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ و( أحْسَنَ ) في التَّفْضِيلِ عَلى ما هو عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وذَلِكَ تَوْزِيعٌ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ. فَقَدْ يُسَلَّمُ إذا لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ ما يُؤْذِنُ بِالمُغايِرَةِ فَحَيْثُ كانَ فِيهِ ها هُنا ذَلِكَ عَلى ما قَرَّرَ لا يُسَلَّمُ أنَّ التَّوْزِيعَ خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: إنَّ ( أسْوَأ ) عَلى ما هو الشّائِعُ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ لَهم عَمَلًا سَيِّئًا وعَمَلًا أسْوَأ والمُكَفَّرُ هو الأسْوَأُ فَإنَّهُمُ المُتَّقُونَ الَّذِينَ وإنْ كانَتْ لَهم سَيِّئاتٌ لا تَكُونُ سَيِّئاتُهم مِنَ الكَبائِرِ العَظِيمَةِ، ولا يُناسِبُ التَّعَرُّضُ لَها في مَقامِ مَدْحِهِمْ بَلِ الكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ تَكْفِيرِ جَمِيعِ سَيِّئاتِهِمْ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، فَإنَّ الأسْوَأ إذا كُفِّرَ كانَ غَيْرُهُ أوْلى بِالتَّكْفِيرِ لا أنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِنهم، ولا نُسَلِّمُ
صفحة 5
وُجُوبَ تَحَقُّقِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ في الكِنايَةِ وهو كَما تَرى، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: أفْعَلُ عَلى ما هو الشّائِعُ والأسْوَأُ الكُفْرُ السّابِقُ عَلى التَّقْوى والإحْسانِ، والمُرادُ تَكْفِيرُ جَمِيعِ ما سَلَفَ مِنهم قَبْلَ الإيمانِ مِنَ المَعاصِي بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ.
وعَلى هَذا لا يَتَسَنّى تَفْسِيرُ ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾ بِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إذْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ كُفْرٌ أصْلِيٌّ ولا يَكادُ يُعَبَّرُ عَنِ الكَفْرِ التَّبَعِيِّ بِأسْوَأِ العَمَلِ، وقِيلَ: أفْعَلُ لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ أصْلًا فَأسْوَأُ بِمَعْنى ( السيّء ) صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا كَما هو وجْهٌ أيْضًا في: الأشَجُّ أعْدَلُ بَنِي مَرْوانَ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ مُقْسِمٍ وحامِدِ بْنِ يَحْيى عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ رِوايَةً عَنِ البَزِّيِّ عَنْهُ «أسْواءَ» بِوَزْنِ أفْعالٍ جَمْعَ سُوءٍ وأحْسَنُ عِنْدَ أكْثَرِ أهْلٍ هَذِهِ الأقْوالِ عَلى بابِهِ عَلى مَعْنى أنَّهُ تَعالى يَنْظُرُ إلى أحْسَنِ طاعاتِهِمْ فَيَجْزِي سُبْحانَهُ الباقِيَ في الجَزاءِ عَلى قِياسِهِ لُطْفًا وكَرَمًا، وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الأحْسَنَ الواجِبُ والمَندُوبُ والحَسَنَ المُباحُ والجَزاءُ إنَّما هو عَلى الأوَّلَيْنِ دُونَ المُباحِ، وقِيلَ: المُرادُ يَجْزِيهِمْ بِأحْسَنَ مِن عَمَلِهِمْ وهو الجَنَّةُ، وفِيهِ ما فِيهِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ في صِلَةِ المَوْصُولِ الثّانِي دُونَ الأوَّلِ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ بِخِلافِ السَّيِّئَةِ.
39:36Page 462
أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٦
Is not Allāh sufficient for His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)]? And [yet], they threaten you with those [they worship] other than Him. And whoever Allāh leaves astray - for him there is no guide.
﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِعَدَمِ كِفايَتِهِ تَعالى عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَأنَّ الكِفايَةَ مِنَ التَّحَقُّقِ والظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يَتَفَوَّهَ بِعَدَمِها أوْ يَتَلَعْثَمَ في الجَوابِ بِوُجُودِها، والمُرادُ - بِعَبْدِهِ - إمّا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ أيِ الأوْثانُ الَّتِي اتَّخَذُوها آلِهَةً فَإنَّ الخِطابَ سَواءٌ كانَتِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا أوْ حالًا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: وقَدْ رُوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنّا نَخافُ أنْ تَخْبِلَكَ آلِهَتُنا وتُصِيبَكَ مَعَرَّتُها لِعَيْبِكَ إيّاها فَنَزَلَتْ،» وفي رِوايَةٍ «قالُوا: لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنا أوْ لَيُصِيبَنَّكَ مِنها خَبَلٌ فَنَزَلَتْ»، أوِ الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ انْتِظامًا أوَّلِيًّا، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ وثّابٍ وطَلْحَةَ والأعْمَشِ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ «عِبادَهُ» بِالجَمْعِ وفُسِّرَ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والمُؤْمِنِينَ، وعَلى الأوَّلِ يُرادُ أيْضًا الأتْباعُ كَما سَمِعْتَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾، ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾ شامِلٌ لَهم أيْضًا عَلى ما سَلَفَ والتِئامُ الكَلامِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ إلى هَذا المَقامِ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ تَعالى يَكْفِي نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَهَمَّ دِينِهِ ودُنْياهُ ويَكْفِي أتْباعَهُ المُؤْمِنِينَ أيْضًا المَهَمَّيْنِ وفِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَكْفِيهِمْ شَرَّ الكافِرِينَ مِن وجْهَيْنِ مِن طَرِيقِ المُقابَلَةِ ومِن أنَّهُ داخِلٌ في كِفايَةِ مَهْمِيِّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأتْباعِهِ، وهَذا ما تَقْتَضِيهِ البَلاغَةُ القُرْآنِيَّةُ ويُلائِمُ ما بُنِيَ عَلَيْهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ مِن ذِكْرِ الفَرِيقَيْنِ وأحْوالِهِما تَوْكِيدًا لِما أمَرَ بِهِ أوَّلًا مِنَ العِبادَةِ والإخْلاصِ وقُرِئَ «بِكافِي عِبادِهِ» بِالإضافَةِ و«يُكافِي عِبادَهُ» مُضارِعَ كافى ونَصْبَ «عِبادَهُ» فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُفاعَلَةً مِنَ الكِفايَةِ كَقَوْلِكَ: يُجارِي في يَجْرِي وهو أبْلَغُ مِن كَفى لِبِنائِهِ عَلى لَفْظِ المُبالَغَةِ وهو الظّاهِرُ لِكَثْرَةِ تَرَدُّدِ هَذا المَعْنى في القُرْآنِ نَحْوَ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البَقَرَةَ: 137] ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَهْمُوزًا مِنَ المُكافَأةِ وهي المُجازاةُ، ووَجْهُ الِارْتِباطِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ وجَزاءَهُ وحالَ مُقابِلِهِ أعْنِي الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ وجَزاءَهُ وعَرَضَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ بِأنَّ ما سَلَفَ جَزاءُ الكافِرِينَ المُسِيئِينَ لِما هو مَعْرُوفٌ مِن فائِدَةِ البِناءِ عَلى اسْمِ الإشارَةِ ثُمَّ عَقَّبَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِيُكَفِّرَ﴾ .. إلَخْ. عَلى مَعْنى لِيُكَفِّرَ عَنْهم ويَجْزِيَهم خَصَّهم بِما خَصَّ فَنَبَّهَ عَلى المُقابِلِ أيْضًا مِن ضَرُورَةِ الِاخْتِصاصِ والتَّعْلِيلِ، وفِيهِ أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى حُكْمِ المُقابِلِ عَلى اعْتِبارِ المُتَعَلِّقِ غَيْرَ
صفحة 6
ما ذَكَرَ كَما يَظْهَرُ بِأدْنى التِفاتٍ أُرْدِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ وحَيْثُ إنَّ مَطْمَحَ النَّظَرِ مِنَ العِبادِ السَّيِّدُ الحَبِيبُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ المَعْنى اللَّهُ تَعالى يُجازِي عَبْدَهُ ونَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَذا الجَزاءَ المَذْكُورَ وفِيهِ أنَّهُ الَّذِي يَجْزِيهِ البَتَّةَ ويُلائِمُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾ فَإنَّهُ لَمّا كانَ في مُقابَلَةِ ذَمِّ آلِهَتِهِمْ كَما سَمِعْتَ في سَبَبِ النُّزُولِ كانَ تَحْذِيرًا مِن جَزاءِ الآلِهَةِ فَلا مَغْمَزَ بِعَدَمِ المُلاءَمَةِ. نَعَمْ لا نُنْكِرُ أنَّ مَعْنى الكِفايَةِ أبْلَغُ كَما هو مُقْتَضى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فاعْلَمْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ.
﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ حَتّى غَفَلَ عَنْ كِفايَتِهِ تَعالى عَبْدُهُ وخَوَّفَ بِما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ أصْلًا ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ يَهْدِيهِ إلى خَيْرٍ ما
39:37Page 462
وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٖ ذِي ٱنتِقَامٖ ٣٧
And whoever Allāh guides - for him there is no misleader. Is not Allāh Exalted in Might and Owner of Retribution?
﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ فَيَجْعَلُ كَوْنَهُ تَعالى كافِيًا نُصْبَ عَيْنِهِ عامِلًا بِمُقْتَضاهُ ﴿فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾ يَصْرِفُهُ عَنْ مَقْصِدِهِ أوْ يُصِيبُهُ بِسُوءٍ يُخِلُّ بِسُلُوكِهِ إذْ لا رادَّ لِفِعْلِهِ ولا مُعارِضَ لِإرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ غالِبٌ لا يُغالَبُ مَنِيعٌ لا يُمانَعُ ولا يُنازَعُ ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾ يَنْتَقِمُ مِن أعْدائِهِ لِأوْلِيائِهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ الكَلامِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.
39:38Page 462
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٣٨
And if you asked them, "Who created the heavens and the earth?" they would surely say, "Allāh." Say, "Then have you considered1 what you invoke besides Allāh? If Allāh intended me harm, are they removers of His harm; or if He intended me mercy, are they withholders of His mercy?" Say, "Sufficient for me is Allāh; upon Him [alone] rely the [wise] reliers."
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لِظُهُورِ الدَّلِيلِ ووُضُوحِ السَّبِيلِ فَقَدْ تَقَرَّرَ في العُقُولِ وُجُوبُ انْتِهاءِ المُمْكِناتِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، والِاسْمُ الجَلِيلُ فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ خَلَقَهُنَّ اللَّهُ ﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إنْ أرادَنِيَ اللَّهِ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ أيْ إذا كانَ خالِقُ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَما أقْرَرْتُمْ فَأخْبِرُونِي أنَّ آلِهَتَكم إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ يَكْشِفْنَ عَنِّي ذَلِكَ الضُّرَّ، فالفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ وقالَ بَعْضُهُمُ: التَّقْدِيرُ إذا لَمْ يَكُنْ خالِقٌ سِواهُ تَعالى فَهَلْ يُمْكِنُ غَيْرُهُ كَشْفَ ما أرادَ مِنَ الضُّرِّ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى مُقَدَّرٍ أيْ أتَفَكَّرْتُمْ بَعْدَ ما أقْرَرْتُمْ فَرَأيْتُمْ ما تَدَّعُونَ.. إلَخْ.
﴿أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ أيْ أوْ إنْ أرادَنِي بِنَفْعٍ ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ فَيَمْنَعُها سُبْحانَهُ عَنِّي. وقَرَأ الأعْرَجُ وشَيْبَةُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وعِيسى بِخِلافٍ عَنْهُ. وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ «كاشِفاتٌ» و«مُمْسِكاتٌ» بِالتَّنْوِينِ فِيهِما ونَصْبِ ما بَعْدَهُما وتَعْلِيقِ إرادَةِ الضُّرِّ والرَّحْمَةِ بِنَفْسِهِ النَّفِيسَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلرَّدِّ في نُحُورِهِمْ حَيْثُ كانُوا خَوَّفُوهُ مَعَرَّةَ الأوْثانِ ولِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِإمْحاضِ النَّصِيحَةِ، وقَدَّمَ الضُّرَّ لِأنَّ دَفْعَهُ أهَمُّ، وقِيلَ: «كاشِفاتٌ» و«مُمْسِكاتٌ» عَلى ما يَصِفُونَها بِهِ مِنَ الأُنُوثَةِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ ضَعْفِها ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ كافِي جَلَّ شَأْنُهُ في جَمِيعِ أُمُورِي مِن إصابَةِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ.
رَوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا سَألَهم سَكَتُوا فَنَزَلَ ذَلِكَ.
﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ﴾ لا عَلى غَيْرِهِ في كُلِّ شَيْءٍ ﴿المُتَوَكِّلُونَ﴾ لِعِلْمِهِمْ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ تَعالى.
39:39Page 462
قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٩
Say, "O my people, work according to your position, [for] indeed, I am working; and you are going to know
﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنَ العَداوَةِ الَّتِي تَمَكَّنَتْهم فِيها فَإنَّ المَكانَةَ نُقِلَتْ مِنَ المَكانِ المَحْسُوسِ إلى الحالَةِ الَّتِي عَلَيْها الشَّخْصُ واسْتُعِيرَتْ لَها اسْتِعارَةَ مَحْسُوسٍ لِمَعْقُولٍ، وهَذا كَما تُسْتَعارُ حَيْثُ وهُنا لِلزَّمانِ بِجامِعِ الشُّمُولِ والإحاطَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى اعْمَلُوا عَلى حَسَبِ تَمَكُّنِكم واسْتِطاعَتِكم.
ورَوِيَ عَنْ عاصِمٍ «مَكاناتِكم» بِالجَمْعِ والأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ وعِيدٌ لَهم وإطْلاقُهُ لِزِيادَةِ الوَعِيدِ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: عَلى مَكانَتِي لَتَراءى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ لا تَتَغَيَّرُ ولا تَزْدادُ فَلَمّا
صفحة 7
أطْلَقَ أشْعَرَ بِأنَّ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كُلَّ زَمانٍ مَكانَةً أُخْرى وأنَّهُ لا يَزالُ يَزْدادُ قُوَّةً بِنَصْرِ اللَّهِ تَعالى وتَأْيِيدِهِ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فَإنَّهُ دالٌّ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَنصُورٌ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِدَلِيلِ
39:40Page 462
مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٤٠
To whom will come a torment disgracing him and on whom will descend an enduring punishment."
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ فَإنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ وقَدْ نالَهم يَوْمَ بَدْرٍ والثّانِيَ إشارَةٌ إلى العَذابِ الأُخْرَوِيِّ فَإنَّ العَذابَ المُقِيمَ عَذابُ النّارِ فَلَوْ قِيلَ إنِّي عامِلٌ عَلى مَكانَتِي وكانَ إذْ ذاكَ غَيْرَ غالِبٍ بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ لَمْ يُلائِمِ المَقْصُودَ، ( ومَن ) تَحْتَمِلُ الِاسْتِفْهامِيَّةَ والمَوْصُولِيَّةَ وجُمْلَةُ ( يُخْزِيهِ ) صِفَةٌ ( عَذابٌ ) والمُرادُ بِمُقِيمٍ دائِمٌ وفي الكَلامِ مَجازٌ في الظَّرْفِ أوِ الإسْنادِ وأصْلُهُ مُقِيمٌ فِيهِ صاحِبِهِ
39:41Page 463
إِنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٍ ٤١
Indeed, We sent down to you the Book for the people in truth. So whoever is guided - it is for [the benefit of] his soul; and whoever goes astray only goes astray to its detriment. And you are not a manager [i.e., authority] over them.
﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ﴾ لِأجْلِهِمْ فَإنَّهُ مَناطُ مَصالِحِهِمْ في المَعاشِ والمَعادِ ﴿بِالحَقِّ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( أنْزَلْنا ) أوْ مِن فاعِلِهِ أيْ أنْزَلْنا الكِتابَ مُلْتَبِسًا أوْ مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ بِأنْ عَمِلَ بِما فِيهِ ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ إذْ نَفَعَ بِهِ نَفْسَهُ ﴿ومَن ضَلَّ﴾ بِأنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمُوجِبِهِ ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ لِما أنَّ وبالَ ضَلالِهِ مَقْصُورٌ عَلَيْها ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ لِتَجَبُّرِهِمْ عَلى الهُدى وما وظِيفَتُكَ إلّا البَلاغُ وقَدْ بَلَّغْتَ أيَّ بَلاغٍ.
39:42Page 463
ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٤٢
Allāh takes the souls at the time of their death, and those that do not die [He takes] during their sleep. Then He keeps those for which He has decreed death and releases the others for a specified term. Indeed in that are signs for a people who give thought.
﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾ أيْ يَقْبِضُها عَنِ الأبْدانِ بِأنْ يَقْطَعَ تَعَلُّقَها تَعُلَّقَ التَّصَرُّفِ فِيها عَنْها ﴿حِينَ مَوْتِها﴾ أيْ في وقْتِ مَوْتِها ﴿والَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ أيْ ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ ﴿فِي مَنامِها﴾ مُتَعَلِّقٌ - بِيَتَوَفّى - أيْ يَتَوَفّاها في وقْتِ نَوْمِها عَلى أنَّ مَنامًا اسْمُ زَمانٍ، وجُوِّزَ فِيهِ كَوْنُهُ مَصْدَرًا مِيمِيًّا بِأنْ يَقْطَعَ سُبْحانَهُ تَعَلُّقَها بِالأبْدانِ تَعَلُّقَ التَّصَرُّفِ فِيها عَنْها أيْضًا فَتَوَفِّي الأنْفُسِ حِينَ المَوْتِ وتَوَفِّيها في وقْتِ النَّوْمِ بِمَعْنى قَبْضِها عَنِ الأبْدانِ وقَطْعِ تَعَلُّقِها بِها تَعَلُّقَ التَّصَرُّفِ إلّا أنْ تَوَفِّيها حِينَ المَوْتِ قَطْعٌ لِتَعَلُّقِها بِها تَعَلُّقَ التَّصَرُّفِ ظاهِرًا أوْ باطِنًا وتَوَفِّيها في وقْتِ النَّوْمِ قَطْعٌ لِذَلِكَ ظاهِرًا فَقَطْ، وكَأنَّ التَّوَفِّيَ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ المَوْتِ لِكَوْنِهِ شَيْئًا واحِدًا في أوَّلِ زَمانِ المَوْتِ وبَعْدَ مُضِيِّ أيّامٍ مِنهُ قِيلَ: ﴿حِينَ مَوْتِها﴾ والتَّوَفِّي الَّذِي يَكُونُ في وقْتِ النَّوْمِ لِكَوْنِهِ يَتَفاوَتُ في أوَّلِ وقْتِ النَّوْمِ وبَعْدَ مُضِيِّ زَمانٍ مِنهُ قُوَّةً وضَعْفًا قِيلَ:﴿فِي مَنامِها﴾ أيْ في وقْتِ نَوْمِها كَذا قِيلَ فَتَدَبَّرْهُ ولِمَسْلَكِ الذِّهْنِ السَّلِيمِ اتِّساعٌ، وإسْنادُ المَوْتِ والنَّوْمِ إلى الأنْفُسِ قِيلَ: مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُما حالا أبْدانِها لا حالاها، وزَعَمَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الكَلامَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أعْنِي الأبْدانَ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ الأنْفُسَ عِبارَةً عَنِ الجُمْلَةِ دُونَ ما يُقابِلُ الأبْدانَ، وحَمَلَ تَوَفِّيَها عَلى إماتَتِها وسَلْبِ صِحَّةِ أجْزائِها بِالكُلِّيَّةِ فَلا تَبْقى حَيَّةً حَسّاسَةً دَرّاكَةً حَتّى كَأنَّ ذاتَها قَدْ سُلِبَتْ، وحَيْثُ لَمْ يَتَحَقَّقْ هَذا المَعْنى في التَّوَفِّي حِينَ النَّوْمِ لِأنَّهُ لَيْسَ إلّا سَلْبَ كَمالِ الصِّحَّةِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الحَرَكاتِ الِاخْتِيارِيَّةِ وغَيْرِها قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ أيْ يَتَوَفّاها حِينَ تَنامُ تَشْبِيهًا لِلنّائِمِينَ بِالمَوْتى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنْعامَ: 60] حَيْثُ لا تُمَيِّزُونَ ولا تَتَصَرَّفُونَ كَما أنَّ المَوْتى كَذَلِكَ، وما يَتَخايَلُ فِيهِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ يُدْفَعُ بِالتَّأمُّلِ وتَقْدِيمُ الِاسْمِ الجَلِيلِ وبِناءُ ( يَتَوَفّى ) عَلَيْهِ لِلْحَصْرِ أوْ لِلتَّقْوى أوْ لَهُما، واعْتِبارُ الحَصْرِ أوْفَقُ بِالمَقامِ مِنَ اعْتِبارِ التَّقْوى وحْدَهُ أيِ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حَقِيقَةً لا غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي﴾ أيِ الأنْفُسَ الَّتِي ﴿قَضى﴾ في الأزَلِ ﴿عَلَيْها المَوْتَ﴾ ولا يَرُدُّها إلى أبْدانِها بَلْ يُبْقِيها عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ قَطْعُ تَعَلُّقِ التَّصَرُّفِ باطِنًا، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإمْساكِ لِيُناسِبَ التَّوَفِّيَ.
صفحة 8
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعِيسى وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ «قُضِيَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ «المَوْتِ» ﴿ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾ أيِ الأنْفُسُ الأُخْرى وهي النّائِمَةُ إلى أبْدانِها فَتَكُونُ كَما كانَتْ حالَ اليَقَظَةِ مُتَعَلِّقَةً بِها تَعَلُّقَ التَّصَرُّفِ ظاهِرًا وباطِنًا، وعَبَّرَ بِالإرْسالِ رِعايَةً لِلتَّقابُلِ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِلْمَوْتِ حَقِيقَةً وهو غايَةٌ لِجِنْسِ الإرْسالِ الواقِعِ بَعْدَ الإمْساكِ لا لِفَرْدٍ مِنهُ فَإنَّهُ آنِيٌّ لا امْتِدادَ لَهُ فَلا يَغْيا، واعْتَبَرَ بَعْضُهم كَوْنَ الغايَةِ لِلْجِنْسِ لِئَلّا يَرِدَ لُزُومُ أنْ لا يَقَعَ نَوْمٌ بَعْدَ اليَقَظَةِ الأُولى أصْلًا وهو حَسَنٌ، وقِيلَ: ( يُرْسِلُ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى الحِفْظِ والمُرادُ يُرْسِلُ الأُخْرى حافِظًا إيّاها عَنِ المَوْتِ الحَقِيقِيِّ إلى أجَلٍ مُسَمّى، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ في ابْنِ آدَمَ نَفْسًا ورُوحًا بَيْنَهُما مِثْلُ شُعاعِ الشَّمْسِ فالنَّفْسُ هي الَّتِي بِها العَقْلُ والتَّمْيِيزُ والرُّوحُ هي الَّتِي بِها النَّفْسُ والتَّحَرُّكُ فَيُتَوَفَّيانِ عِنْدَ المَوْتِ وتُتَوَفّى النَّفْسُ وحْدَها عِنْدَ النَّوْمِ، وهو قَوْلٌ بِالفَرْقِ بَيْنَ النَّفْسِ والرُّوحِ، ونَسَبَهُ بَعْضُهم إلى الأكْثَرِينَ ويُعَبَّرُ عَنِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ النّاطِقَةِ وبِالرُّوحِ الأمْرِيَّةِ وبِالرُّوحِ الإلَهِيَّةِ، وعَنِ الرُّوحِ بِالرُّوحِ الحَيَوانِيَّةِ وكَذا بِالنَّفْسِ الحَيَوانِيَّةِ، والثّانِيَةُ كالعَرْشِ لِلْأُولى، قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ المُتَألِّهِينَ إنَّ القَلْبَ الصَّنَوْبَرِيَّ فِيهِ بُخارٌ لِطَيْفٌ هو عَرْشٌ لِلرُّوحِ الحَيَوانِيَّةِ وحافِظٌ لَها وآلَةٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْها آثارُها، والرُّوحُ الحَيَوانِيَّةُ عَرْشٌ ومِرْآةٌ لِلرُّوحِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي هي النَّفْسُ النّاطِقَةُ وواسِطَةٌ بَيْنَها وبَيْنَ البَدَنِ بِها يَصِلُ حُكْمُ تَدْبِيرِ النَّفْسِ إلَيْهِ، وإلى عَدَمِ التَّغايُرِ ذَهَبَ جَماعَةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ وأحَدُ قَوْلَيْنِ لِابْنِ عَبّاسٍ، وما رُوِيَ عَنْهُ أوَّلًا في الآيَةِ يُوافِقُ ما ذَكَرْناهُ مِن حَيْثُ ( إنَّ ) النَّفْسُ عَلَيْهِ لَيْسَتْ بِمَعْنى الجُمْلَةِ كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وادَّعى أنَّ الصَّحِيحَ ما ذَكَرَهُ دُونَ هَذا المَرْوِيِّ بِدَلِيلِ مَوْتِها ومَنامِها، والضَّمِيرُ لِلْأنْفُسِ وما أُرِيدَ مِنها غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِالمَوْتِ والنَّوْمِ وإنَّما الجُمْلَةُ هي الَّتِي تَتَّصِفُ بِهِما.
وقالَ في الكَشْفِ ولِأنَّ الفَرْقَ بَيْنَ النَّفْسَيْنِ رَأْيٌ يَدْفَعُهُ البُرْهانُ، وإيقاعُ الِاسْتِيفاءِ أيْضًا لا بُدَّ لَهُ مِن تَأْوِيلٍ أيْضًا فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعْدَلَ عَنِ المَشْهُورِ المُلائِمِ يَعْنِي حَمْلَ التَّوَفِّي عَلى الأمانَةِ فَإنَّ أصْلَهُ أخْذُ الشَّيْءِ مِنَ المُسْتَوْفى مِنهُ وافِيًا كَمِلًا وسَلْبُهُ مِنهُ بِالكُلِّيَّةِ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ ذَلِكَ إلى الإماتَةِ لِما أنَّهُ مَوْجُودٌ فِيها حَتّى صارَتِ المُتَبادِرَةَ إلى الفَهْمِ مِنهُ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ، والَّذِي يَشْهَدُ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ الآثارِ الصَّحِيحَةِ أنَّ المُتَوَفّى في الأنْفُسِ الَّتِي تُقابِلُ الأبْدانَ دُونَ الجُمْلَةِ.
أخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «إذا أوى أحَدُكم إلى فِراشِهِ فَلْيَنْفُضْهُ بِداخِلَةِ إزارِهِ فَإنَّهُ لا يَدْرِي ما خَلَّفَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ لِيَقُلِ اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ رَبِّي وضَعْتُ جَنْبِي وبِاسْمِكَ أرْفَعُهُ إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها وإنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِهِ الصّالِحِينَ مِن عِبادِكَ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي قَتادَةَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهم لَيْلَةَ الوادِي: «إنَّ اللَّهَ تَعالى قَبَضَ أرْواحَكم حِينَ شاءَ ورَدَّها عَلَيْكم حِينَ شاءَ»» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: ««كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في سِفْرٍ فَقالَ: مَن يَكْلَؤُنا اللَّيْلَةَ ؟ فَقُلْتُ: أنا فَنامَ ونامَ النّاسُ ونِمْتُ فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ إلّا بِحَرِّ الشَّمْسِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أيُّها النّاسُ إنَّ هَذِهِ الأرْواحَ عارِيَةٌ في أجْسادِ العِبادِ فَيَقْبِضُها اللَّهُ إذا شاءَ ويُرْسِلُها إذا شاءَ»».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عامِرٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: العَجَبُ مِن رُؤْيا الرَّجُلِ أنَّهُ يَبِيتُ فَيَرى الشَّيْءَ لَمْ يَخْطُرْ لَهُ عَلى بالٍ فَتَكُونُ رُؤْياهُ كَأخْذٍ بِاليَدِ ويَرى الرَّجُلُ الرُّؤْيا فَلا تَكُونُ رُؤْياهُ شَيْئًا فَقالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ تَعالى وجْهَهُ: أفَلا أُخْبِرُكَ بِذَلِكَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؟ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ فاللَّهُ تَعالى يَتَوَفّى الأنْفُسَ
صفحة 9
كُلَّها فَما رَأتْ وهي عِنْدَهُ سُبْحانَهُ في السَّماءِ فَهي الرُّؤْيا الصّادِقَةُ وما رَأتْ إذا أُرْسِلَتْ إلى أجْسادِها فَهي الكاذِبَةُ لِأنَّها إذا أُرْسِلَتْ إلى أجْسادِها تَلَقَّتْها الشَّياطِينُ في الهَواءِ فَكَذَبَتْها وأخْبَرَتْها بِالأباطِيلِ فَكَذَبَتْ فِيها فَعَجِبَ عُمَرُ مِن قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وظاهِرُ هَذا الأثَرِ أنَّ النَّفْسَ النّائِمَةَ المَقْبُوضَةَ تَكُونُ في السَّماءِ حَتّى تُرْسَلَ، ومِثْلُ ذَلِكَ مِمّا يَجِبُ تَأْوِيلُهُ عَلى القَوْلِ بِتَجَرُّدِ النَّفْسِ ولا يَجِبُ عَلى القَوْلِ الآخَرِ. نَعَمْ لَعَلَّكَ تَخْتارُهُ وكَأنَّكَ تَقُولُ: إنَّ النَّفْسَ شَرِيفَةٌ عُلْوِيَّةٌ هَبَطَتْ مِنَ المَحَلِّ الأرْفَعِ وأُرْسِلَتْ مِن حِمى مُمَنَعٍ وشُغِلَتْ بِتَدْبِيرِ مَنزِلِها في نَهارِها ولَيْلِها ولَمْ تَزَلْ تَنْتَظِرُ فُرْصَةَ العَوْدِ إلى ذِياكَ الحِمى والمَحَلِّ الرَّفِيعِ الأسْمى وعِنْدَ النَّوْمِ تَنْتَهِزُ تِلْكَ الفُرْصَةَ وتَهُونُ عَلَيْها في الجُمْلَةِ هاتِيكَ الغُصَّةُ فَيَحْصُلُ لَها نَوْعُ تَوَجُّهٍ إلى عالَمِ النُّورِ ومَعْلَمِ السُّرُورِ الخالِي مِنَ الشُّرُورِ بِحَيْثُ تَسْتَعِدُّ اسْتِعْدادًا ما لِقَبُولِ بَعْضِ آثارِهِ والِاسْتِضاءَةِ بِشَيْءٍ مِن أنْوارِهِ وجَعْلُها كَذَلِكَ هو قَبْضُها وبِهِ لَعَمْرِي بَسْطُها وقَبْضُها، فَمَتى رَأتْ وهي راجِعَةٌ في تِلْكَ الحالِ مُسْتَفِيضَةٌ مِن ذَلِكَ العالَمِ المَوْصُوفِ بِالكَمالِ رُؤْيا كانَتْ صادِقَةً ومَتى رَأتْ وهي القَهْقَرى إلى ما ابْتُلِيَتْ بِهِ مِن تَدْبِيرِ مَنزِلٍ تَحُومُ فِيهِ شَياطِينُ الأوْهامِ وتَزْدَحِمُ فِيهِ أيَّ ازْدِحامٍ كانَتْ رُؤْياها كاذِبَةً ثُمَّ إنَّها في كِلا الحالَيْنِ مُتَفاوِتَةُ الإفْرادُ فِيما يَكُونُ مِنَ الِاسْتِعْدادِ، والوُقُوفِ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ لا يَتِمُّ إلّا بِالكَشْفِ دُونَ القِيلِ والقالِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّوَفِّي والإمْساكِ والإرْسالِ، والإفْرادُ لِتَأْوِيلِهِ بِالمَذْكُورِ أوْ نَحْوِهِ، وصِيغَةُ البَعِيدِ بِاعْتِبارِ مَبْدَئِهِ أوْ تَقَضِّي ذِكْرِهِ أوْ بُعْدِ مَنزِلَتِهِ، والتَّنْوِينُ في ( آياتٍ ) لِلتَّكْثِيرِ والتَّعْظِيمِ أيْ أنَّ فِيما ذَكَرَ الآياتِ كَثِيرَةً عَظِيمَةً دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ وشُمُولِ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ الأنْفُسِ بِالأبْدانِ وتَوَفِّيها عَنْها تارَةً بِالكُلِّيَّةِ عِنْدَ المَوْتِ وإمْساكُها باقِيَةً لا تَفْنى بِفَنائِها إلى أنْ يُعِيدَ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ وما يَعْتَرِيها مِنَ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ وأُخْرى عَنْ ظَواهِرِها فَقَطْ كَما عِنْدَ النَّوْمِ وإرْسالُها حِينًا بَعْدَ حِينٍ إلى انْقِضاءِ آجالِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences