Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:7–8
39:7Page 459
إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧
If you disbelieve - indeed, Allāh is Free from need of you. And He does not approve for His servants disbelief. And if you are grateful, He approves [i.e., likes] it for you; and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you about what you used to do. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾ بِهِ تَعالى مَعَ مُشاهَدَةِ ما ذُكِرَ مِن مُوجِباتِ الإيمانِ والشُّكْرِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ أيْ فَأخْبَرَكم أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - غَنِيٌّ عَنْ إيمانِكُمْ، وشُكْرِكم غَيْرُ مُتَأثِّرٍ مِنَ انْتِفائِهِما ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ، ﴿وإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ﴾ أيِ الشُّكْرَ، ﴿لَكُمْ﴾ لِما فِيهِ مِن نَفْعِكُمْ، ومَن قالَ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ قالَ: عَدَمُ الرِّضا بِالكُفْرِ لِقُبْحِهِ العَقْلِيِّ، والرِّضا بِالشُّكْرِ لِحُسْنِهِ العَقْلِيِّ، والرِّضا إمّا بِمَعْنى المَحَبَّةِ أوْ بِمَعْنى الإرادَةِ مَعَ تَرْكِ الِاعْتِراضِ، ويُقابِلُهُ السُّخْطُ كَما في شَرْحِ المُسايَرَةِ، فَعِبادُهُ عَلى ظاهِرِهِ مِنَ العُمُومِ، ومِنهم مَن فَسَّرَهُ بِالإرادَةِ مِن غَيْرِ قَيْدٍ، ويُقابِلُهُ الكُرْهُ، وهَؤُلاءِ يَقُولُونَهُ قَدْ يَرْضى بِالكُفْرِ أيْ يُرِيدُهُ لِبَعْضِ النّاسِ، كالكَفَرَةِ ونَقَلَهُ السَّخاوِيُّ عَنِ النَّوَوِيِّ في كِتابِهِ الأُصُولِ والضَّوابِطِ. وابْنُ الهُمامِ عَنِ الأشْعَرِيِّ. وإمامُ الحَرَمَيْنِ كَذا قالَهُ الخَفاجِيُّ في حَواشِيهِ عَلى تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ. والَّذِي رَأيْتُهُ في الضَّوابِطِ وهي نُسْخَةٌ صَغِيرَةٌ جِدًّا ما نَصُّهُ: مَسْألَةُ مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ الإيمانُ بِالقَدَرِ، وإثْباتُهُ، وأنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ خَيْرُها وشَرُّها بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ، وهو مُرِيدٌ لَها كُلِّها، ويَكْرَهُ المَعاصِيَ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ مُرِيدٌ لَها لِحِكْمَةٍ يَعْلَمُها جَلَّ وعَلا، وهَلْ يُقالُ: إنَّهُ تَعالى يَرْضى المَعاصِيَ ويُحِبُّها؟ فِيهِ مَذْهَبانِ لِأصْحابِنا المُتَكَلِّمِينَ، حَكاهُما إمامُ الحَرَمَيْنِ، وغَيْرُهُ، قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ: مِمّا اخْتَلَفَ فِيهِ أهْلُ الحَقِّ إطْلاقُ المَحَبَّةِ والرِّضاءِ، فَقالَ بَعْضُ أصْحابِنا: لا يُطْلَقُ القَوْلُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ المَعاصِيَ ويَرْضاها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ ومَن حَقَّقَ مِن أئِمَّتِنا لَمْ يَلْتَفِتْ إلى تَهْوِيلِ المُعْتَزِلَةِ
صفحة 242
بَلْ قالَ: اللَّهُ تَعالى يُرِيدُ الكُفْرَ ويُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، والإرادَةُ والمَحَبَّةُ والرِّضا بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ: والمُرادُ بِعِبادِهِ في الآيَةِ المُوَفَّقُونَ لِلْإيمانِ، وأُضِيفُوا إلى اللَّهِ تَعالى تَشْرِيفًا لَهم كُلٌّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ أيْ خَواصُّهم لا كُلُّهم اهـ، فَلا تَغْفُلْ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ، وحُكِيَ تَخْصِيصُ العِبادِ في البَحْرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقِيلَ: يَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ حَمْلُ العِبادِ عَلى العُمُومِ، ويَكُونُ المَعْنى: ولا يَرْضى لِجَمِيعِ عِبادِهِ الكُفْرَ، بَلْ يَرْضاهُ ويُرِيدُهُ لِبَعْضِهِمْ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ عَلى قَوْلٍ، ولِعَلّامَةِ الأعْصارِ صاحِبِ الكَشْفِ تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ في هَذا المَقامِ لَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ مِنَ العُلَماءِ الأعْلامِ، وهو أنَّ الرِّضا يُقابِلُ السُّخْطَ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِعَنْ والباءِ، ويُعَدّى بِنَفْسِهِ، فَإذا قُلْتَ: رَضِيتُ عَنْ فُلانٍ، فَإنَّما يَدْخُلُ عَلى العَيْنِ لا المَعْنى، ولَكِنْ بِاعْتِبارِ صُدُورِ مَعْنًى مِنهُ يُوجِبُ الرِّضا، وفي مُقابِلِهِ: سَخِطْتُ عَلَيْهِ، وبَيْنَهُما فَرْقانِ: أنَّكَ إذا قُلْتَ: رَضِيتُ عَنْ فُلانٍ بِإحْسانِهِ لَمْ يَتَعَيَّنِ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ بَلْ جازَ أنْ يَكُونَ صِلَةً، مِثْلُهُ فِي: رَضِيتُ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، وإذا قُلْتَ: سَخِطْتُ عَلَيْهِ بِإساءَتِهِ، تَعَيَّنَ السَّبَبِيَّةُ، فَكانَ الأصْلُ ها هُنا ذِكْرُ الصِّلَةِ، لَكِنَّهُ كَثُرَ الحَذْفُ في الِاسْتِعْمالِ بِخِلافِهِ ثَمَّتَ إذْ لا حَذْفَ، وإذا قِيلَ: رَضِيتُ بِهِ، فَهَذا يَجِبُ دُخُولُهُ عَلى المَعْنى إلّا إذا دَخَلَ عَلى الذّاتِ تَمْهِيدًا لِلْمَعْنى، لِيَكُونَ أبْلَغَ، تَقُولُ: رَضِيتُ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، ورَضِيتُ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - رَبًّا وقاضِيًا، وقَرِيبٌ مِنهُ: سَمِعْتُ حَدِيثَ فُلانٍ، وسَمِعْتُهُ يَتَحَدَّثُ، وإذا عُدِّيَ بِنَفْسِهِ جازَ دُخُولُهُ عَلى الذّاتِ كَقَوْلِكَ: رَضِيتُ زَيْدًا، وإنْ كانَ بِاعْتِبارِ المَعْنى تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّهُ مَرْضِيٌّ بِتِلْكَ الخَصْلَةِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ، وجازَ دُخُولُهُ عَلى المَعْنى، كَقَوْلِكَ: رَضِيتُ إمارَةَ فُلانٍ، والأوَّلُ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا، وهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: حَمِدْتُ زَيْدًا، وحَمِدْتُ عِلْمَهُ، وأمّا إذا اسْتُعْمِلَ بِاللّامِ تَعَدّى بِنَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: رَضِيتُ لَكَ هَذا، فَمَعْناهُ ما سَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا، وإذا تَمَهَّدَ هَذا لاحَ لَكَ أنَّ الرِّضا في الأصْلِ مُتَعَلِّقُهُ المَعْنى، وقَدْ يَكُونُ الذّاتَ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِالمَعْنى، أوْ بِاعْتِبارِ التَّمْهِيدِ فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ حُقِّقَتْ بِأمْثِلَتِها، وأنَّهُ في الحَقِيقَةِ حالَةٌ نَفْسانِيَّةٌ تَعْقُبُ حُصُولَ مُلائِمٍ مَعَ ابْتِهاجٍ بِهِ، واكْتِفاءٍ، فَهو غَيْرُ الإرادَةِ بِالضَّرُورَةِ، لِأنَّها تَسْبِقُ الفِعْلَ، وهَذا يَعْقُبُهُ، وهَذا المَعْنى في غَيْرِ المُسْتَعْمَلِ بِاللّامِ مِنَ الوُضُوحِ بِمَكانٍ لا يَخْفى عَلى ذِي عَيْنَيْنِ، وأمّا فِيهِ، فَإنَّما اشْتَبَهَ الأمْرُ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: رَضِيتُ لَكَ التِّجارَةَ، فالرّاضِي بِالتِّجارَةِ هو مُخاطِبُكَ وإنَّما أنْتَ بَيَّنْتَ لَهُ أنَّ التِّجارَةَ مِمّا يَحِقُّ أنْ يُرْضى بِهِ، ولَيْسَ المَعْنى: رَضِيتُ بِتِجارَتِكَ بَلِ المَعْنى اسْتِحْمادُكَ التِّجارَةَ لَهُ، فالمُلاءَمَةُ ها هُنا بَيْنَ الواقِعِ عَلَيْهِ الفِعْلُ والدّاخِلُ عَلَيْهِ اللّامُ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يَرْضى بِما تَرْضاهُ لَهُ، إذا عَرَفَ وجْهَ المُلاءَمَةِ، وقَدْ لا يَرْضى، وفِيهِ تَجَوُّزٌ إمّا لِجَعْلِ الرِّضا مَجازًا عَلى الِاسْتِحْمادِ، لِأنَّ كُلَّ مَرْضِيٍّ مَحْمُودٌ أوْ لِأنَّكَ جَعَلْتَ كَوْنَهُ مَرْضِيًّا لَهُ، بِمَنزِلَةِ كَوْنِهِ مَرْضِيًّا لَكَ، فاعْلَمْ أنَّ الرِّضا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ مُحالٌ، لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَحْدُثُ لَهُ صِفَةٌ عَقِيبَ أمْرٍ البَتَّةَ، فَهو مَجازٌ، كَما أنَّ الغَضَبَ كَذَلِكَ إمّا مِن أسْماءِ الصِّفاتِ إذا فُسِّرَ بِإرادَةِ أنْ يُثِيبَهم إثابَةَ مَن رَضِيَ عَمَّنْ تَحْتَ يَدِهِ، وإمّا مِن أسْماءِ الأفْعالِ إذا أُرِيدَ الِاسْتِحْمادُ، وأنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ إمّا مِن بابِ المُشاكَلَةِ، وإمّا مِن بابِ المَجازِ المَذْكُورِ، وأنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾، مُتَعَيِّنٌ أنْ يَكُونَ مِن ذَلِكَ البابِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يَصِحُّ اتِّصافُهُ بِالرِّضا حَقِيقَةً أيْضًا، فَإذَنْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ كَلامٌ وارِدٌ عَلى نَهْجِهِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ دالٍّ عَلى أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا يَسْتَحْمِدُ الكُفْرَ لِعِبادِهِ كَما يَسْتَحْمِدُ الإسْلامَ لَهُمْ، ويَرْتَضِيهِ، وأمّا أنَّهُ لا يُرِيدُ الكُفْرَ أنْ يُوجَدَ، فَلَيْسَ مِن هَذا البابِ في شَيْءٍ، ولا هو مِن مُقْتَضَياتِ هَذا التَّرْكِيبِ، وأنَّ الخُرُوجَ إلى تَخْصِيصِ العِبادِ مِن ضِيقِ العَطَنِ، وأنَّ قَوْلَ المُحَقِّقِينَ
صفحة 243
رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: إنَّ الطّاعاتِ بِرِضى اللَّهِ تَعالى والمَعاصِي لَيْسَتْ كَذَلِكَ لَيْسَ لِهَذِهِ الآيَةِ، بَلْ لِأنَّ الرِّضا بِالمَعْنى الأصْلِيِّ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعالى، وقَدْ أخْبَرَ أنَّهُ رَضِيَ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ طاعَتِهِمْ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ مِن كِتابِهِ الكَرِيمِ.
والزَّمَخْشَرِيُّ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ فَسَّرَ الرِّضا في نَحْوِهِ بِالِاخْتِيارِ، وهو لا يَنْفَكُّ عَنِ الإرادَةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ سُقُوطَهُ مِمّا حَقَّقَ هَذا، ثُمَّ إنّا نَقُولُ: لَمّا أرْشَدَ سُبْحانَهُ إلى الحَقِّ، وهَدَّدَ عَلى الباطِلِ إكْمالًا لِلرَّحْمَةِ عَلى عِبادِهِ كُلِّهِمُ الفَرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ تَنْبِيهًا عَلى الغِنى الذّاتِيِّ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ تَعالى أنْ يَكُونَ أمْرُهُ بِالخَيْرِ لِانْتِفاعِهِ بِهِ، ونَهْيُهُ عَنِ الشَّرِّ لِتَضَرُّرِهِ مِنهُ، ثُمَّ في العُدُولِ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِنَ الخِطابِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ ما يُنَبِّهُ عَلى أنَّ عُبُودِيَّتَهم ورُبُوبِيَّتَهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَقْتَضِي أنْ لا يَرْضى لَهم ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّهم إذا اتَّصَفُوا بِالكُفْرِ فَكَأنَّهم قَدْ خَرَجُوا عَنْ رُتْبَةِ عُبُودِيَّتِهِ تَعالى، وبَقُوا في الذُّلِّ الدّائِمِ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَزِيدِ الِاخْتِصاصِ، فَهَذا هو النَّظْمُ السِّرِّيُّ الَّذِي يَحارُ دُونَ إدْراكِ طائِفَةٍ مِن لَطائِفِهِ الفِكْرُ البَشَرِيُّ واللَّهُ أعْلَمُ اهـ. وهو كَلامٌ رَصِينٌ وبِالقَبُولِ قَمِينٌ، إلّا أنَّهُ رُبَّما يُقالُ إنَّهُ: لا يَتَمَشّى عَلى مَذْهَبِ السَّلَفِ حَيْثُ إنَّهم لا يُؤَوِّلُونَ الرِّضا في حَقِّهِ تَعالى، وكَوْنُهُ عِبارَةً عَنْ حالَةٍ نَفْسانِيَّةٍ إلى آخِرِ ما ذُكِرَ في تَفْسِيرِهِ، إنَّما هو فِينا، وحَيْثُ إنَّ ذاتَهُ تَعالى مُبايِنَةٌ لِسائِرِ الذَّواتِ، فَصِفاتُهُ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ، فَحَقِيقَةُ الرِّضا في حَقِّهِ تَعالى مُبايِنَةٌ لِحَقِيقَتِهِ فِينا، وأيْنَ التُّرابُ مِن رَبِّ الأرْبابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذا المَقامِ عَلى وجْهٍ يَرْوِي الأُوامَ، ويُبْرِئُ السِّقامَ، فَنَقُولُ: عَدَمُ التَّأْوِيلِ لا يَضُرُّ، فِيما نَحْنُ بِصَدَدِهِ، فالرِّضا إنْ أُوِّلَ أوْ لَمْ يُؤَوَّلْ غَيْرُ الإرادَةِ لِحَدِيثِ السَّبْقِ والتَّأخُّرِ السّابِقِ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ: تَأمَّلِ الإرادَةَ فَإنَّ حَقِيقَتَها إنَّما هي فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِّضا حَقِيقَتُهُ إنَّما هي فِيما وقَعَ، واعْتَبِرْ هَذا في آياتِ القُرْآنِ تَجِدْهُ، وإنْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ تَسْتَعْمِلُ في أشْعارِها عَلى جِهَةِ التَّجَوُّزِ هَذا بَدَلَ هَذا.
وقَدْ ذَهَبَ إلى المُغايَرَةِ بَيْنَهُما بِما ذُكِرَ هُنا ابْنُ المُنِيرِ أيْضًا، إلّا أنَّهُ أوَّلَ الرِّضا، وذَكَرَ أنَّهُ لا يَتَأتّى حَمْلُهُ في الآيَةِ عَلى الإرادَةِ، وشَنَّعَ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في ذَلِكَ جَزاءَ ما تَكَلَّمَ عَلى بَعْضِ أهْلِ السُّنَّةِ المُخالِفِينَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في زَعْمِهِمُ اتِّحادَ الرِّضا والإرادَةِ، وأنَّهُ تَعالى قَدْ يُرِيدُ ما لا يَفْعَلُهُ العَبْدُ، وقَدْ يَفْعَلُ العَبْدُ ما لا يُرِيدُهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَقالَ: هَبْ أنَّ المُصِرَّ عَلى هَذا المُعْتَقَدِ عَلى قَلْبِهِ رَيْنٌ أوْ في مِيزانِ عَقْلِهِ غَيْنٌ، ألَيْسَ يَدَّعِي أوْ يُدَّعى لَهُ أنَّهُ الخِرِّيتُ في مَعابِرِ العِباراتِ، فَكَيْفَ هامَ عَنْ جادَّةِ الإجادَةِ في بَهْماءَ، وأعارَ مُنادِيَ الحَذاقَةِ أُذُنًا صَمّاءَ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ الهَوى إذا تَمَكَّنَ، أرى الباطِلَ حَقًّا، وغَطّى عَلى مَكْشُوفِ العِبارَةِ فَسُحْقًا سُحْقًا، ألَيْسَ مُقْتَضى العَرَبِيَّةِ فَضْلًا عَنِ القَوانِينِ العَقْلِيَّةِ أنَّ المَشْرُوطَ مُرَتَّبٌ عَلى الشَّرْطِ، فَلا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ المَشْرُوطِ قَبْلَ الشَّرْطِ عَقْلًا ولا مُضِيُّهُ واسْتِقْبالُ الشَّرْطِ لُغَةً ونَقْلًا، واسْتَقَرَّ بِاتِّفاقِ الفَرِيقَيْنِ أهْلُ السُّنَّةِ، وأهْلُ البِدْعَةِ أنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى لِشُكْرِ العِبادِ مَثَلًا مُقَدَّمَةٌ عَلى وُجُودِ الشُّكْرِ مِنهُمْ، فَحِينَئِذٍ كَيْفَ يَنْساغُ حَمْلُ الرِّضا عَلى الإرادَةِ، وقَدْ جَعَلَ في الآيَةِ مَشْرُوطًا وجَزاءً، وجَعَلَ وُقُوعَ الشُّكْرِ شَرْطًا ومُجْزِيًا، واللّازِمُ مِن ذَلِكَ عَقْلًا تَقَدَّمَ المُرادُ، وهو الشُّكْرُ عَلى الإرادَةِ، وهي الرِّضا، ولُغَةً تَقَدَّمَ المَشْرُوطُ عَلى الشَّرْطِ، فَإذا ثَبَتَ بُطْلانُ حَمْلِ الرِّضا عَلى الإرادَةِ عَقْلًا ونَقْلًا تَعَيَّنَ المَحْمَلُ الصَّحِيحُ لَهُ، وهو المُجازاةُ عَلى الشُّكْرِ بِما عَهِدَ أنْ يُجازِيَ بِهِ المَرْضِيَّ عَنْهُ مِنَ الثَّوابِ والكَرامَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: وإنْ تَشْكُرُوا يُجازِكم عَلى شُكْرِكم جَزاءَ المَرْضِيِّ عَنْهُ، ولا شَكَّ أنَّ المُجازاةَ مُسْتَقْبَلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الشُّكْرِ، فَجَرى الشَّرْطُ والجَزاءُ عَلى مُقْتَضاها لُغَةً وانْتَظَمَ
صفحة 244
ذَلِكَ بِمُقْتَضى الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلى بُطْلانِ تَقَدُّمِ المُرادِ عَلى الإرادَةِ عَقْلًا، ومِثْلُ هَذا يُقالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ أيْ لا يُجازِي الكافِرَ مُجازاةَ المَرْضِيِّ عَنْهُ، بَلْ مُجازاةَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ مِنَ النَّكالِ والعُقُوبَةِ، انْتَهى.
لا يُقالُ: حَيْثُ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ جَزاءً بِاعْتِبارِ الإخْبارِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَلَفَ، فَلْيَكُنْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ جَزاءً بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، فَحِينَئِذٍ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ نَفْسُ الرِّضا مُؤَخَّرًا، لِأنّا نَقُولُ: مِثْلُ هَذا الِاعْتِبارِ شائِعٌ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُتَحَقِّقِ مَضْمُونُها قَبْلَ الشَّرْطِ نَحْوَ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وفي الفِعْلِ الماضِي إذا وقَعَ جَزاءً نَحْوَ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾، وأمّا في الفِعْلِ المُضارِعِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، والذَّوْقُ السَّلِيمُ يَأْبى هَذا الِاعْتِبارَ فِيهِ، ومَعَ هَذا، أيُّ حاجَةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ هُنا، ولا أُراها إلّا نُصْرَةَ الباطِلِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ يُعْلَمُ مِن مَجْمُوعِ ما قَدَّمْنا حَقِّيَّةُ ما قالُوا مِن أنَّهُ لا تَلازُمَ بَيْنَ الإرادَةِ والرِّضا كَما أنَّ الرِّضا لَيْسَ عِبارَةً عَنْ حَقِيقَةِ الإرادَةِ، لَكِنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ، وتِلْمِيذَهُ ابْنَ القَيِّمَ قَسَّما الإرادَةَ إلى قِسْمَيْنِ تَكْوِينِيَّةٍ وشَرْعِيَّةٍ، وذَكَرا أنَّ المَعاصِيَ كالكُفْرِ، وغَيْرِهِ، واقِعَةٌ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى التَّكْوِينِيَّةِ دُونَ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ الشَّرْعِيَّةِ، وعَلى هَذا فالرِّضا لا يَنْفَكُّ عَنِ الإرادَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَكُلُّ مُرادٍ لِلَّهِ تَعالى بِالإرادَةِ الشَّرْعِيَّةِ مَرْضِيٌّ لَهُ سُبْحانَهُ، وهَذا التَّقْسِيمُ لا أتَعَقَّلُهُ إلّا أنْ تَكُونَ الإرادَةُ الشَّرْعِيَّةُ هي الإرادَةُ الَّتِي يَرْتَضِي المُرادَ بِها فَتَدَبَّرْ هَذا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ ”يَرْضَهُ“ بِإشْباعِ ضَمَّةِ الهاءِ، والقاعِدَةُ في إشْباعِ الهاءِ وعَدَمِهِ أنَّها إنْ سَكَنَ ما قَبْلَها لَمْ تُشْبَعْ نَحْوَ: عَلَيْهِ، وإلَيْهِ، وإنْ تَحَرَّكَ أُشْبِعَتْ نَحْوَ: بِهِ، وغُلامِهِ، وها هُنا قَبْلَها ساكِنٌ تَقْدِيرًا، وهو الألِفُ المَحْذُوفَةُ لِلْجازِمِ، فَإنْ جُعِلَتْ مَوْجُودَةً حُكْمًا لَمْ تُشْبَعْ كَما في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، وحَفْصٍ، وإنْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْها أُشْبِعَتْ كَما في قِراءَةِ مَن سَمِعْتَ، وهَذا هو الفَصِيحُ، وقَدْ تُشْبَعُ، وتُخْتَلَسُ في غَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ يَحْسُنُ إشْباعُها مَعَ فَقْدِ الشَّرْطِ لِنُكْتَةٍ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ ”يَرْضَهْ“ بِسُكُونِ الهاءِ، ولَمْ يَرْضَهُ أبُو حاتِمٍ، وقالَ: هو غَلَطٌ لا يَجُوزُ، وفِيهِ أنَّهُ لُغَةٌ لِبَنِي كِلابٍ وبَنِي عَقِيلٍ إجْراءً لِلْوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ.
﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ سِرايَةِ كُفْرِ الكافِرِ إلى غَيْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ فَتَذَكَّرْ.
39:8Page 459
۞ وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعۡمَةٗ مِّنۡهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدۡعُوٓاْ إِلَيۡهِ مِن قَبۡلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦۚ قُلۡ تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ ٨
And when adversity touches man, he calls upon his Lord, turning to Him [alone]; then when He bestows on him a favor from Himself, he forgets Him whom he called upon before,1 and he attributes to Allāh equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy your disbelief for a little; indeed, you are of the companions of the Fire."
﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾ مِن مَرَضٍ وغَيْرِهِ مِنَ المَكارِهِ، ﴿دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ راجِعًا مِمَّنْ كانَ يَدْعُوهُ في حالَةِ الرَّخاءِ مِن دُونِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِعِلْمِهِ بِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ القُدْرَةِ عَلى كَشْفِ ضُرِّهِ، وهَذا وصْفٌ لِلْجِنْسِ بِحالِ بَعْضِ أفْرادِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ جِنْسُ الكافِرِ، وقِيلَ: هو مُعَيَّنٌ كَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ﴾ أيْ أعْطاهُ نِعْمَةً عَظِيمَةً مِن جَنابِهِ مِنَ الخَوَلِ بِفَتْحَتَيْنِ، وهو تَعَهُّدُ الشَّيْءِ أيِ الرُّجُوعُ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وأُطْلِقَ عَلى العَطاءِ لِما أنَّ المُعْطِيَ الكَرِيمَ يَتَعَهَّدُ مَن هو رَبِيبُ إحْسانِهِ، ونُشُوُّ امْتِنانِهِ بِتَكْرِيرِ العَطاءِ عَلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى ﴿خَوَّلَهُ﴾ في الأصْلِ أعْطاهُ خَوَلًا بِفَتْحَتَيْنِ، أيْ عَبِيدًا وخَدَمًا، أوْ أعْطاهُ ما يَحْتاجُ إلى تَعَهُّدِهِ والقِيامِ عَلَيْهِ، ثُمَّ عُمِّمَ لِمُطْلَقِ العَطاءِ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ مِن خالَ يَخُولُ خَوْلًا بِسُكُونِ الواوِ، إذا افْتَخَرَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ صُرِّحَ في الصِّحاحِ أنَّ خالَ بِمَعْنى افْتَخَرَ يائِيٌّ، والخُيَلاءُ بِمَعْنى التَّكَبُّرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ دِلالَةً بَيِّنَةً، وأيْضًا خَوَّلَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، وأخْذُهُ مِنهُ لا يَقْتَضِي أنْ يَتَعَدّى لِلْمَفْعُولِ الثّانِي.
وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ مِن أئِمَّةِ النَّقْلِ، وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ، وأصْلُهُ مِنَ الخالِ الَّذِي هو العَلامَةُ، وقَدْ نَقَلَ
صفحة 245
فِيهِ الواوَ والياءَ، ثُمَّ قِيلَ: لَسِيَّما الجَمالُ والخَيْرُ خالٌ مِن ذَلِكَ، وأُخِذَ مِنهُ الخَيالُ، وأمّا الِاخْتِيالُ بِمَعْنى التَّكَبُّرِ فَهو مَأْخُوذٌ مِنَ الخَيالِ، لِأنَّهُ خالَ نَفْسَهُ فَوْقَ قَدْرِهِ، أوْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ خالَ الخَيْرِ كَما يُقالُ: أُعْجِبَ الرَّجُلُ، فَقَدْ وضَحَ أنَّ الِاشْتِقاقَ يُناسِبُهُما، ولا يُنْكَرُ ثُبُوتُ الياءِ بِدَلِيلِ الخُيَلاءِ لَكِنْ لا مانِعَ مِن ثُبُوتِ الياءِ أيْضًا، ولَيْسَ الِاخْتِيالُ مَأْخُوذًا مِنَ الخُيَلاءِ، بَلِ الخُيَلاءُ هو الِاسْمُ مِنهُ، فَلا يَصْلُحُ مانِعًا لَكِنْ يَصْلُحُ مُثْبِتًا لِلْياءِ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أنْ خَوَّلَ مُضَعَّفُ خالَ بِمَعْنى افْتَخَرَ حَتّى يُشْكِلَ تَعْدِيَتُهُ لِلْمَفْعُولِ الثّانِي، بَلْ أنَّهُ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِمَعْنى أعْطى، وما ذُكِرَ بَيانٌ لِمَأْخَذِ اشْتِقاقِهِ، وأصْلُ مَعْناهُ المُلاحَظُ في وضْعِهِ لَهُ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، فَأصْلُ خَوَّلَهُ جَعَلَهُ مُفْتَخِرًا بِما أنْعَمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَطَعَ النَّظَرَ عَنْهُ، وصارَ بِمَعْنى أعْطاهُ مُطْلَقًا، ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ﴾ أيْ نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إزالَتَهُ وكَشْفَهُ، ﴿مِن قَبْلُ﴾ التَّخْوِيلِ، فَما واقِعَةٌ عَلى الضُّرِّ، ودَعا مِنَ الدَّعْوَةِ، وهو يَتَعَدّى بِـ ”إلى“ يُقالُ: دَعا المُؤَذِّنُ النّاسَ إلى الصَّلاةِ، ودَعا فُلانٌ النّاسَ إلى مَأْدُبَتِهِ، والدَّعْوَةُ مَجازٌ عَنِ الدُّعاءِ، والمَعْنى عَلى اعْتِبارِ المُضافِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ (بِما) مَعْنى (مَن) لِلدِّلالَةِ عَلى الوَصْفِيَّةِ والتَّفْخِيمِ واقِعًا عَلَيْهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾، والدُّعاءُ عَلى ظاهِرِهِ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ ”إلى“ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإنابَةِ، أوِ التَّضَرُّعِ والِابْتِهالِ، والمَعْنى: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَدْعُو مُنِيبًا أوْ مُتَضَرِّعًا إلَيْهِ، وهو وجْهٌ لا بَأْسَ بِهِ، وما قِيلَ مِن أنَّهُ: تَكَلُّفٌ، إذْ لا يُقالُ: دَعا إلَيْهِ بِمَعْنى دَعاهُ، ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ (ما) بِمَعْنى (مَن)، مَرْدُودٌ لِحُسْنِ مَوْقِعِ التَّضْمِينِ واسْتِعْمالِ (ما) في مَقامِ التَّفْخِيمِ. وفي الإرْشادِ أنَّ في ذَلِكَ الجَعْلِ إيذانًا بِأنَّ نِسْيانَهُ بَلَغَ إلى حَيْثُ لا يَعْرِفُ مَدْعُوَّهُ ما هُوَ؟ فَضْلًا مِن أنْ يَعْرِفَهُ مَن هُوَ؟ وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ نَسِيَ كَوْنَهُ يَدْعُو، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، وتَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَسِيَ﴾ أيْ نَسِيَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ، ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونَ دُعاءُ هَذا الكافِرِ خالِصًا لِلَّهِ تَعالى مِن قَبْلُ، أيْ مِن قَبْلِ الضُّرِّ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، ﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ شُرَكاءَ في العِبادَةِ، والظّاهِرُ مِنَ اسْتِعْمالاتِهِمْ إطْلاقُ الأنْدادِ عَلى الشُّرَكاءِ مُطْلَقًا، وفي البَحْرِ: أنْدادًا أيْ أمْثالًا يُضادُّ بَعْضُها بَعْضًا ويُعارِضُ، قالَ قَتادَةُ: أيِ الرِّجالُ يُطِيعُهم في المَعْصِيَةِ، وقالَ غَيْرُهُ أوْثانًا، ﴿لِيُضِلَّ﴾ النّاسَ بِذَلِكَ ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ - عَزَّ وجَلَّ - الَّذِي هو التَّوْحِيدُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعِيسى (لِيَضِلَّ) بِفَتْحِ الياءِ، أيْ لِيَزْدادَ ضَلالًا، أوْ لِيَثْبُتَ عَلَيْهِ، وإلّا فَأصْلُ الضَّلالِ غَيْرُ مُتَأخِّرٍ عَنِ الجَعْلِ المَذْكُورِ، واللّامُ لامُ العاقِبَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾، بَيْدَ أنَّ هَذا أقْرَبُ إلى الحَقِيقَةِ، لِأنَّ الجاعِلَ ها هُنا قاصِدٌ بِجَعْلِهِ المَذْكُورِ حَقِيقَةَ الإضْلالِ، والضَّلالِ، وإنْ لَمْ يَعْرِفْ بِجَهْلِهِ أنَّهُما إضْلالٌ وضَلالٌ، وأمّا آلُ فِرْعَوْنَ فَهم غَيْرُ قاصِدِينَ بِالتِقاطِهِمُ العَداوَةَ أصْلًا.
﴿قُلْ﴾ تَهْدِيدًا لِذَلِكَ الجاعِلِ، وبَيانًا لِحالِهِ ومَآلِهِ، ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا﴾ أيْ تَمَتُّعًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا، ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ مُلازِمِيها والمُعَذَّبِينَ فِيها عَلى الدَّوامِ، وهو تَعْلِيلٌ لِقِلَّةِ التَّمَتُّعِ، وفِيهِ مِنَ الإقْناطِ مِنَ النَّجاةِ وذَمِّ الكُفْرِ ما لا يَخْفى كَأنَّهُ قِيلَ: إذْ قَدْ أبَيْتَ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ فَمِن حَقِّكَ أنْ تُؤْمَرَ بِتَرْكِهِ لِتَذُوقَ عُقُوبَتَهُ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences