Al-AlusiAz‑Zumar · 39:69–74

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:69–74

39:69Page 466

وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٩

And the earth will shine with the light of its Lord, and the record [of deeds] will be placed, and the prophets and the witnesses will be brought, and it will be judged between them in truth, and they will not be wronged.

﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ﴾ أيْ أرْضُ المَحْشَرِ وهي الأرْضُ المُبْدَلَةُ مِنَ الأرْضِ المَعْرُوفَةِ. وفي الصَّحِيحِ «يُحْشَرُ النّاسُ عَلى أرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ كَقُرْصَةِ النَّقْيِ لَيْسَ فِيها عَلَمٌ لِأحَدٍ» وهي أوْسَعُ بِكَثِيرٍ مِنَ الأرْضِ المَعْرُوفَةِ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ «أنَّها يَوْمَئِذٍ مِن فِضَّةٍ» ولا يَصِحُّ، أيْ أضاءَتْ ﴿بِنُورِ رَبِّها﴾ هو عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نُورٌ

صفحة 30

يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى بِلا واسِطَةِ أجْسامٍ مُضِيئَةٍ كَشَمْسٍ وقَمَرٍ، واخْتارَهُ الإمامُ وجَعَلَ الإضافَةَ مِن بابِ ( ناقَةُ اَللَّهِ ) [الأعْرافَ: 73، هُودَ: 64، الشَّمْسَ: 13] وعَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ تَفْسِيرُهُ بِتَجَلِّي الرَّبِّ لِفَصْلِ القَضاءِ، وعَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ تَفْسِيرُهُ بِالعَدْلِ وهو مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ وقَدِ اسْتُعِيرَ لِذَلِكَ ولِلْقُرْآنِ والبُرْهانِ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ أيْ وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِما يُقِيمُهُ فِيها مِنَ الحَقِّ والعَدْلِ ويَبْسُطُهُ سُبْحانَهُ مِنَ القِسْطِ في الحِسابِ ووَزْنِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، واخْتارَ هَذا الزَّمَخْشَرِيُّ وصَحَّحَ أوَّلًا تِلْكَ الِاسْتِعارَةَ بِتَكَرُّرِها في القُرْآنِ العَظِيمِ، وحَقَّقَها ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ويُنادِي عَلى ذَلِكَ إضافَتُهُ إلى اسْمِهِ تَعالى لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو الحَقُّ العَدْلُ إشارَةً إلى الصّارِفِ إلى التَّأْوِيلِ، وعَيْنُها ثالِثُها بِإضافَةِ اسْمِهِ تَعالى الرَّبُّ إلى الأرْضِ لِأنَّ العَدْلَ هو الَّذِي يَتَزَيَّنُ بِهِ الأرْضُ لا البُرْهانُ مَثَلًا، ورابِعًا بِما عَطَفَ عَلى إشْراقِ الأرْضِ مِن وضْعِ الكِتابِ والمَجِيءِ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ والقَضاءِ بِالحَقِّ لِأنَّهُ كُلَّهُ تَفْصِيلُ العَدْلِ بِالحَقِيقَةِ، وأيَّدَها خامِسًا بِالعُرْفِ العامِّ فَإنَّ النّاسَ يَقُولُونَ لِلْمَلِكِ العادِلِ: أشْرَقَتِ الآفاقُ بَعْدُ لَكَ وأضاءَتِ الدُّنْيا بِقِسْطِكَ، وسادِسًا بِقَوْلِهِ ﷺ: ««الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ»» فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ العَدْلُ نُورًا فِيهِ، وسابِعًا بِأنَّ فَتْحَ الآيَةِ وخَتْمَها بِنَفْيِ الظُّلْمِ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِيَكُونَ مِن بابِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ عَلى طَرِيقَةِ الطَّرْدِ والعَكْسِ. ورَجَّحَ ما اخْتارَهُ الإمامُ بِأنَّ الأصْلَ الحَقِيقَةُ ولا صارِفَ لِأنَّ الإضافَةَ تَصِحُّ بِأدْنى مُلابَسَةٍ، وأيَّدَ ما حُكِيَ عَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ بِبَعْضِ الأحادِيثِ.

وتَعَقَّبَ ذَلِكَ صاحِبُ الكَشْفِ فَقالَ: إنَّ إضافَةَ المُلابَسَةِ مَجازٌ والتَّرْجِيحُ لِما اخْتارَهُ جارُ اللَّهِ لِما ذُكِرَ مِنَ الفَوائِدِ ولِأنَّهُ الشّائِعُ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [النُّورَ: 35] وأمّا تَجَلِّي الرَّبِّ سُبْحانَهُ فَسَواءٌ حُمِلَ عَلى تَجَلِّي الجَلالِ أوْ تَجَلِّي الجَمالِ لا يَقْتَضِي إشْراقَ الأرْضِ بِنُورٍ إلّا بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ أعُنِيَ العَدْلَ أوْ عَرَضًا يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ التَّجَلِّي في الأرْضِ فَلَوْ تُوُهِّمَ مِن تَجَلِّيهِ تَعالى أنَّهُ يَنْعَكِسُ نُورٌ مِنهُ عَلى الأرْضِ لاسْتَحالَ إلّا بِالتَّفْسِيرِ المَذْكُورِ فَلَيْسَ قَوْلًا ثالِثًا لِيُنْصَرَ ويُؤَيَّدَ بِالحَدِيثِ الَّذِي لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرُ الآيَةِ المُشْتَمِلُ عَلى حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ وإلْقاءِ سِتْرِهِ تَعالى عَلى العَبْدِ يُذَكِّرُ ما فَعَلَ بِهِ وما جَنى. انْتَهى. ولَعَلَّ الأوْفَقَ بِما يُشْعِرُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الأخْبارِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ إشارَةٌ إلى تَجَلِّيهِ عَزَّ وجَلَّ لِفَصْلِ القَضاءِ وقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالإتْيانِ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ [البَقَرَةَ: 210] ولَمْ يَتَأوَّلْ ذَلِكَ السَّلَفُ بَلْ أثْبَتُوهُ لَهُ سُبْحانَهُ كالنُّزُولِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أثْبَتَهُ عَزَّ وجَلَّ لِنَفْسِهِ.

ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ هَذا النُّورُ هو النُّورُ الوارِدُ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ ««إنَّ اللَّهَ لا يَنامُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنامَ يَخْفِضُ القِسْطَ ويَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهارِ وعَمَلُ النَّهارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجابُهُ النُّورُ»» ويُقالُ فِيهِ كالحِجابِ نَحْوَ ما قالَ السَّلَفُ في سائِرِ المُتَشابِهاتِ أوْ هو نُورٌ آخَرُ يَظْهَرُ عِنْدَ ذَلِكَ التَّجَلِّي، ولا أقُولُ: هو نُورٌ مُنْعَكِسٌ مِنَ الذّاتِ المُقَدَّسِ انْعِكاسَ نُورِ الشَّمْسِ مَثَلًا مِنَ الشَّمْسِ بَلِ الأمْرُ فَوْقَ ما تَنْتَهِي إلَيْهِ العُقُولُ، وأنّى وهَيْهاتَ وكَيْفَ ومَتى يُتَصَوَّرُ إلى حَقِيقَةِ ذَلِكَ الوُصُولِ، ويُومِئُ إلى أنَّ ذَلِكَ التَّجَلِّيَ مَقْرُونٌ بِالعَدْلِ التَّعْبِيرُ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الأرْضِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وأبُو الجَوْزاءِ ( أشْرَقَتِ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن شَرِقَتْ بِالضَّوْءِ تَشْرَقُ إذا امْتَلَأتْ بِهِ واغْتَصَّتْ وأشْرَقَها اللَّهُ تَعالى كَما تَقُولُ: مَلَأ الأرْضَ عَدْلًا وطَبَّقَها عَدْلًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا إنَّما يَتَرَتَّبُ مِن فِعْلٍ يَتَعَدّى فَهَذا

صفحة 31

عَلى أنْ يُقالَ: أشْرَقَ البَيْتُ وأشْرَقَهُ السِّراجُ فَيَكُونُ الفِعْلُ مُجاوِزًا وغَيْرَ مُجاوِزٍ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ وجَبَ أنْ يَكُونَ الإشْراقُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَنقُولًا مِن شَرِقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ فَيَصِيرُ مُتَعَدِّيًا والمَعْنى أذْهَبَتْ ظُلْمَةَ الأرْضِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ فَإنَّ ذَلِكَ لازِمٌ وهَذا قَدْ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ ( ووُضِعَ اَلْكِتابُ ) قالَ السُّدِّيُّ الحِسابُ، فالكِتابُ مَجازٌ عَنِ الحِسابِ ووَضْعُهُ تَرْشِيحٌ لَهُ، والمُرادُ بِهِ الشُّرُوعُ فِيهِ ويَجُوزُ جَعْلُ الكَلامِ تَمْثِيلًا.

وقالَ بَعْضُهم: صَحائِفُ الأعْمالِ وُضِعَتْ بِأيْدِي العُمّالِ فالتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ أوِ الِاسْتِغْراقِ، وقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ وُضِعَ لِيُقابَلَ بِهِ الصَّحائِفُ فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ وقالَ: لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ قِيلَ لِيُسْألُوا هَلْ بَلَّغُوا أُمَمَهم ؟ وقِيلَ: لِيَحْضُرُوا حِسابَهم ﴿والشُّهَداءِ﴾ قالَ عَطاءٌ ومُقاتِلٌ وابْنُ زَيْدٍ: الحَفَظَةُ، وكَأنَّهم أرادُوا أنَّهم يَشْهَدُونَ عَلى كُلٍّ مِنَ الأُمَمِ أنَّهم بُلِّغُوا أوْ يَشْهَدُونَ عَلى كُلٍّ بِعَمَلِهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾ [ق: 21]

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ يُؤْتى بِاللَّوْحِ المَحْفُوظِ وهو يَرْتَعِدُ فَيُقالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ إسْرافِيلَ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ بَلَّغْتُهُ فَيُؤْتى بِإسْرافِيلَ وهو يَرْتَعِدُ فَيُقالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغَكَ اللَّوْحُ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْكُنُ رَوْعُ اللَّوْحِ ثُمَّ يُقالُ لِإسْرافِيلَ فَأنْتَ هَلْ بَلَّغْتَ جِبْرائِيلَ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ فَيُؤْتى بِجِبْرائِيلَ وهو يَرْتَعِدُ فَيُقالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغَكَ إسْرافِيلُ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَسْكُنُ رَوْعُ إسْرافِيلَ ثُمَّ يُقالُ لِجِبْرائِيلَ: فَأنْتَ هَلْ بَلَّغْتَ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ فَيُؤْتى بِالمُرْسَلِينَ وهم يَرْتَعِدُونَ فَيُقالُ لَهم: هَلْ بَلَّغَكم جِبْرائِيلُ ؟

فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيَسْكُنُ عِنْدَ ذَلِكَ رَوْعُ جِبْرائِيلَ ثُمَّ يُقالُ لَهم: فَأنْتُمْ هَلْ بَلَّغْتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُقالُ لِلْأُمَمِ: هَلْ بَلَّغَكُمُ الرُّسُلُ ؟ فَيَقُولُ كَفَرَتُهم: ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَيَعْظُمُ عَلى الرُّسُلِ الحالُ ويَشْتَدُّ البِلْبالُ فَيُقالُ لَهم: مَن يَشْهَدُ لَكم ؟ فَيَقُولُونَ: النَّبِيُّ الأُمِّيُّ وأُمَّتُهُ فَيُؤْتى بِالأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ فَيَشْهَدُونَ لَهم أنَّهم بَلَّغُوا فَيُقالُ لَهم: مِن أيْنَ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُونَ: مِن كِتابٍ أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْنا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيهِ أنَّ الرُّسُلَ بَلَّغُوا أُمَمَهم ويُزَكِّيهِمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البَقَرَةَ: 143] ومِن هُنا قِيلَ: المُرادُ بِالشُّهَداءِ في الآيَةِ أُمَّةُ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقالَ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ هم عُدُولُ الآخِرَةِ يَشْهَدُونَ لِلْأُمَمِ وعَلَيْهِمْ، وقِيلَ: جَمِيعُ الشُّهَداءِ مِنَ المَلائِكَةِ وأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والجَوارِحُ والمَكانُ، وأيًّا ما كانَ فالشُّهَداءُ جَمْعُ شاهِدٍ، وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: المُرادُ بِهِمُ المُسْتَشْهَدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَهو جَمْعُ شَهِيدٍ ولَيْسَ بِذاكَ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ العِبادِ المَفْهُومِ مِنَ السِّياقِ ﴿بِالحَقِّ﴾ بِالعَدْلِ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ أوْ زِيادَةِ عِقابٍ عَلى ما جَرى بِهِ الوَعْدُ بِناءً عَلى أنَّ الظُّلْمَ حَقِيقَةٌ لا يُتَصَوَّرُ في حَقِّهِ تَعالى فَإنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ.

39:70Page 466

وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٧٠

And every soul will be fully compensated [for] what it did; and He is most knowing1 of what they do.

﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ أيْ أُعْطِيَتْ جَزاءَ ذَلِكَ كامِلًا ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ فَلا يَفُوتُهُ سُبْحانَهُ شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ،

39:71Page 466

وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنۡ حَقَّتۡ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧١

And those who disbelieved will be driven to Hell in groups until, when they reach it, its gates are opened and its keepers will say, "Did there not come to you messengers from yourselves, reciting to you the verses of your Lord and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "Yes, but the word [i.e., decree] of punishment has come into effect upon the disbelievers."

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ .. إلَخْ. تَفْصِيلٌ لِلتَّوْفِيَةِ وبَيانٌ لِكَيْفِيَّتِها، والفاءُ لَيْسَ بِلازِمٍ، والسَّوْقُ يَقْتَضِي الحَثَّ عَلى المَسِيرِ بِعُنْفٍ وإزْعاجٍ وهو الغالِبُ ويُشْعِرُ بِالإهانَةِ وهو المُرادُ هُنا أيْ سِيقُوا إلَيْها بِالعُنْفِ والإهانَةِ أفْواجًا مُتَفَرِّقَةً بَعْضُها في أثَرِ بَعْضٍ مُتَرَتِّبَةً حَسَبَ تَرَتُّبِ طَبَقاتِهِمْ

صفحة 32

فِي الضَّلالَةِ والشَّرارَةِ، والزُّمَرُ جَمْعُ زُمْرَةٍ قالَ الرّاغِبُ: هي الجَماعَةُ القَلِيلَةُ: ومِنهُ قِيلَ شاةٌ زُمْرَةٌ قَلِيلَةُ الشَّعَرِ ورَجُلٌ زُمْرٌ قَلِيلُ المُرُوءَةِ، ومِنهُ اشْتُقَّ الزَّمْرُ، والزَّمّارَةُ كِنايَةً عَنِ الفاجِرَةِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: اشْتِقاقُ الزُّمْرَةِ مِنَ الزَّمْرِ وهو الصَّوْتُ إذِ الجَماعَةُ لا تَخْلُو عَنْهُ ﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ لِيَدْخُلُوها وكانَتْ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ غَيْرَ مَفْتُوحَةٍ فَهي كَسائِرِ أبْوابِ السُّجُونِ لا تَزالُ مُغْلَقَةً حَتّى يَأْتِيَ أصْحابُ الجَرائِمِ الَّذِينَ يُسْجَنُونَ فِيها فَتُفْتَحُ لِيَدْخُلُوها فَإذا دَخَلُوها أُغْلِقَتْ عَلَيْهِمْ، ( وحَتّى ) هي الَّتِي تُحْكى بَعْدَها الجُمْلَةُ، والكَلامُ عَلى إذا الواقِعَةِ بَعْدَها قَدْ مَرَّ في الأنْعامِ. وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ «فُتِّحَتْ» بِالتَّشْدِيدِ ﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها﴾ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ أيْ مِن جِنْسِكم تَفْهَمُونَ ما يُنْبِؤُونَكم بِهِ ويَسْهُلُ عَلَيْكم مُراجَعَتُهم.

وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ «تَأْتِكم» بِتاءِ التَّأْنِيثِ، وقُرِئَ «نُذُرٌ مِنكم» ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكُمْ﴾ المُنَزَّلَةَ لِمَصْلَحَتِكم ﴿ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾ هَذا أيْ وقْتَكم هَذا وهو وقْتُ دُخُولِكُمُ النّارَ لِأنَّ المُنْذَرَ بِهِ في الحَقِيقَةِ العَذابُ ووَقْتُهُ، وجُوِّزَ أنَّ يُرادَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ والآخِرَةُ لِاشْتِمالِهِ عَلى هَذا الوَقْتِ أوْ عَلى ما يُخْتَصُّ بِهِمْ مِن عَذابِهِ وأهْوالِهِ، ولا يُنافِيهِ كَوْنُهُ في ذاتِهِ غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِهِمْ والإضافَةُ لامِيَّةٌ تُفِيدُ الِاخْتِصاصَ لِأنَّهُ يَكْفِي لِلِاخْتِصاصِ ما ذُكِرَ، نَعَمِ الأوَّلُ أظْهَرُ فِيهِ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ قَبْلَ الشَّرْعِ لِأنَّهم وبَّخُوهم بِكُفْرِهِمْ بَعْدَ تَبْلِيغِ الرُّسُلِ لِلشَّرائِعِ وإنْذارِهِمْ ولَوْ كانَ قُبْحُ الكُفْرِ مَعْلُومًا بِالعَقْلِ دُونَ الشَّرْعِ لَقِيلَ. ألَمْ تَعْلَمُوا بِما أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى فِيكم مِنَ العَقْلِ قُبْحَ كُفْرِكم، ولا وجْهَ لِتَفْسِيرِ الرُّسُلِ بِالعُقُولِ لِإباءِ الأفْعالِ المُسْتَنِدَةِ إلَيْها عَنْ ذَلِكَ، نَعَمْ هو دَلِيلٌ إقْناعِيٌّ لِأنَّهُ إنَّما يَتِمُّ عَلى اعْتِبارِ المَفْهُومِ وعُمُومِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكِلاهُما مَحَلُّ نِزاعٍ، وقِيلَ في وجْهِ الِاسْتِدْلالِ: إنَّ الخِطابَ لِلدّاخِلِينَ عُمُومًا يَقْتَضِي أنَّهم جَمِيعًا أنْذَرَهُمُ الرُّسُلُ ولَوْ تَحَقَّقَ تَكْلِيفٌ قَبْلَ الشَّرْعِ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ لِلْخَصْمِ أنْ لا يُسَلِّمَ العُمُومَ، ولِمَن قالَ بِوُجُوبِ الإيمانِ عَقْلًا أنْ يَقُولَ: إنَّما وبَّخُوهم بِالكُفْرِ بَعْدَ التَّبْلِيغِ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الِاعْتِذارِ وأحَقُّ بِالتَّوْبِيخِ والإنْكارِ ﴿قالُوا بَلى﴾ قَدْ أتانا رُسُلٌ مِنّا تَلَوْا عَلَيْنا آياتِ رَبِّنا وأنْذَرُونا لِقاءَ يَوْمِنا هَذا ﴿ولَكِنْ حَقَّتْ﴾ أيْ وجَبَتْ ﴿كَلِمَةُ العَذابِ﴾ أيْ كَلِمَةُ اللَّهِ تَعالى المُقْتَضِيَةُ لَهُ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ والمُرادُ بِها الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِالشَّقاوَةِ وأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ أوْ قَوْلُهُ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: 85] ووَضَعُوا الكافِرِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإيماءِ إلى عَلِيَّة الكُفْرِ، والكَلامُ اعْتِرافٌ لا اعْتِذارٌ

39:72Page 466

قِيلَ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٧٢

[To them] it will be said, "Enter the gates of Hell to abide eternally therein, and wretched is the residence of the arrogant."

﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ مُقَدَّرًا خُلُودُكم فِيها، والقائِلُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخَزَنَةَ وتُرِكَ ذِكْرُهم لِلْعِلْمِ بِهِ مِمّا قَبْلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَهم ولَمْ يُذْكَرْ لِأنَّ المَقْصُودَ ذُكِرُ هَذا المَقُولِ المَهُولِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى قائِلِهِ وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: أُبْهِمَ القائِلُ لِتَهْوِيلِ المَقُولِ.

﴿فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ ألْ فِيهِ سَواءٌ كانَتْ حَرْفَ تَعْرِيفٍ أمِ اسْمَ مَوْصُولٍ لِلْجِنْسِ وفاءً بِحَقِّ فاعِلِ بابِ نِعْمَ وبِئْسَ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِذِكْرِهِ آنِفًا أيْ فَبِئْسَ مَثْواهم جَهَنَّمُ والتَّعْبِيرُ بِالمَثْوى لِمَكانِ ( خالِدِينَ ) وفي التَّعْبِيرِ بِالمُتَكَبِّرِينَ إيماءٌ إلى أنَّ دُخُولَهُمُ النّارَ لِتَكَبُّرِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ والِانْقِيادِ لِلرُّسُلِ المُنْذِرِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو في مَعْنى التَّعْلِيلِ بِالكُفْرِ، ولا يُنافِي تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِسَبْقِ كَلِمَةِ العَذابِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ حُكْمَهُ تَعالى

صفحة 33

وقَضاءَهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِدُخُولِ النّارِ لَيْسَ إلّا بِسَبَبِ تَكَبُّرِهِمْ وكُفْرِهِمْ لِسُوءِ اخْتِيارِهِمُ المَعْلُومِ لَهُ سُبْحانَهُ في الأزَلِ، وكَذا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ لَأمْلَأنَّ فَهُناكَ سَبَبانِ قَرِيبٌ وبَعِيدٌ والتَّعْلِيلُ بِأحَدِهِما لا يُنافِي التَّعْلِيلَ بِآخَرَ فَتَذَكَّرْ وتَدَبَّرْ.

39:73Page 466

وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ ٧٣

But those who feared their Lord will be driven to Paradise in groups until, when they reach it while its gates have been opened and its keepers say, "Peace be upon you; you have become pure; so enter it to abide eternally therein," [they will enter].1

﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾ جَماعاتٍ مُرَتَّبَةً حَسَبَ تَرَتُّبِ طَبَقاتِهِمْ في الفَضْلِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِي عَلى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم عَلى أشَدِّ نَجْمٍ في السَّماءِ إضاءَةً ثُمَّ هم بَعْدَ ذَلِكَ مَنازِلُ»» والمُرادُ بِالسَّوْقِ هُنا الحَثُّ عَلى المَسِيرِ لِلْإسْراعِ إلى الإكْرامِ بِخِلافِهِ فِيما تَقَدَّمَ فَإنَّهُ لِإهانَةِ الكَفَرَةِ وتَعْجِيلِهِمْ إلى العِقابِ والآلامِ واخْتِيرَ لِلْمُشاكَلَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلى الجَنَّةِ﴾ يَدْفَعُ إيهامَ الإهانَةِ مَعَ أنَّهُ قَدْ يُقالُ: إنَّهم لَمّا أحَبُّوا لِقاءَ اللَّهِ تَعالى أحَبَّ اللَّهُ تَعالى لِقاءَهم فَلِذا حُثُّوا عَلى دُخُولِ دارِ كَرامَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ قالَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ المُرادَ هُنا بِسَوْقِهِمْ سَوْقُ مَراكِبِهِمْ لِأنَّهُ لا يُذْهَبُ بِهِمْ إلّا راكِبِينَ، وهَذا السَّوْقُ والحَثُّ أيْضًا لِلْإسْراعِ بِهِمْ إلى دارِ الكَرامَةِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ وكَوْنُ جَمِيعِ المُتَّقِينَ لا يُذْهَبُ بِهِمْ إلّا راكِبِينَ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، والِاسْتِدْلالُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ [مَرْيَمَ: 85] لا يَتِمُّ إلّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الوَفْدَ لا يَكُونُونَ إلّا رُكْبانًا وأنَّ الرُّكُوبَ يَسْتَمِرُّ لَهم إلى أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ تَفْسِيرٌ ظاهِرٌ يُؤَيِّدُهُ الأحادِيثُ الكَثِيرَةُ ويُناسِبُ المَقامَ لِأنَّ السَّوْقَيْنِ بَعْدَ فَصْلِ القَضاءِ واللُّطْفُ الخالِصُ في شَأْنِ البَعْضِ والقَهْرُ الخالِصُ في شَأْنِ البَعْضِ ولا يُنافِي مَقامَ عَظَمَةِ مالِكِ المُلُوكِ عَلى ما تُوُهِّمَ. انْتَهى. وأقُولُ: إنَّ حَمْلَ الَّذِينَ اتَّقَوْا عَلى المُخْلَصِينَ فالقَوْلُ بِرُكُوبِهِمْ قَوْلٌ قَوِيٌّ وإنْ حُمِلَ عَلى المُحْتَرَزِ عَنِ الشِّرْكِ خاصَّةً لِيَشْمَلَ المُخْلَصِينَ فالقَوْلُ بِذَلِكَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ إذْ مِنهم مَن لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ النّارَ ويُعَذَّبَ فِيها، وظاهِرُ كَثِيرٍ مِنَ الأخْبارِ أنَّ مِن هَذا الصِّنْفِ مَن يَذْهَبُ إلى الجَنَّةِ مَشْيًا. فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««آخِرُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ رَجُلٌ فَهو يَمْشِي مَرَّةً ويَكْبُو أُخْرى وتَسْفَعُهُ النّارُ مَرَّةً فَإذا ما جاوَزَها التَفَتَ إلَيْها فَقالَ تَبارَكَ الَّذِي نَجّانِي مِنكِ لَقَدْ أعْطانِي اللَّهُ تَعالى شَيْئًا ما أعْطاهُ أحَدًا مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ أدْنِنِي مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلِأسْتَظِلَّ بِظِلِّها فَأشْرَبَ مِن مائِها فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: يا ابْنَ آدَمَ لَعَلِّي إنْ أعْطَيْتُكَها سَألْتَنِي غَيْرَها فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ ويُعاهِدُهُ أنْ لا يَسْألَهُ غَيْرَها ورَبُّهُ يَعْذُرُهُ لِأنَّهُ يَرى ما لا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ فَيُدْنِيهِ»» الحَدِيثَ، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ المُتَّقِينَ يُساقُونَ إلى الجَنَّةِ لِأنَّهم قَدْ رَأوُا اللَّهَ تَعالى في المَحْشَرِ فَلِرَغْبَتِهِمْ في رُؤْيَتِهِ عَزَّ وجَلَّ ثانِيًا لا يُحِبُّونَ فِراقَ ذَلِكَ المَوْطِنِ الَّذِي رَأوْهُ فِيهِ ولِشِدَّةِ حُبِّهِمْ وشَغَفِهِمْ لا يَكادُ يَخْطُرُ لَهم أنَّهم سَيَرَوْنَهُ سُبْحانَهُ إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ، والمَحَبَّةُ إذا عَظُمَتْ فَعَلَتْ بِصاحِبِها أعْظَمَ مِن ذَلِكَ وأعْظَمَ فَكَأنَّها غَلَبَتْهم حَتّى خُيِّلَتْ إلَيْهِمْ أنَّ ذَلِكَ المَوْطِنَ هو المَوْطِنُ الَّذِي يَرى فِيهِ عَزَّ وجَلَّ وهو مَحَلُّ تَجَلِّيهِ عَلى مُحِبِّيهِ جَلَّ جَلالُهُ وعَظُمَ نَوالُهُ فَأحْجَمُوا عَنِ المَسِيرِ ووَقَفُوا مُنْتَظَرِينَ رُؤْيَةَ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ وغَدا لِسانُ حالِ كُلٍّ مِنهم يَقُولُ:

وقَفَ الهَوى بِي حَيْثُ أنْتَ فَلَيْسَ لِي مُتَأخَّرٌ عَنْهُ ولا مُتَقَدَّمُ

ويَدُلُّ عَلى رُؤْيَتِهِمْ إيّاهُ عَزَّ وجَلَّ هُناكَ ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««إنَّ أُناسًا قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرى رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هَلْ تُضارُونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ ؟ قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: هَلْ تُضارُونَ في الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَها سَحابٌ ؟ قالُوا: لا قالَ:

صفحة 34

فَإنَّكم تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ: مَن كانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ فَيَتْبَعُ مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ ويَتْبَعُ مَن يَعْبُدُ القَمَرَ القَمَرَ ويَتْبَعُ مَن يَعْبُدُ الطَّواغِيتَ الطَّواغِيتَ وتَبْقى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيها مُنافِقُوها فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى في صُورَةٍ غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أنا رَبُّكم فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنكَ هَذا مَكانُنا حَتّى يَأْتِيَنا رَبُّنا فَإذا جاءَ رَبُّنا عَرَفْناهُ فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ في صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أنا رَبُّكم فَيَقُولُونَ: أنْتَ رَبُّنا فَيَتْبَعُونَهُ ويُضْرَبُ الصِّراطُ بَيْنَ ظَهْرانَيْ جَهَنَّمَ فَأكُونُ أنا وأُمَّتِي أوَّلَ مَن يُجِيزُ ولا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إلّا الرُّسُلُ ودَعْوى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ»» الحَدِيثَ، ومَعَ هَذا فَسَوْقُهم لَيْسَ كَسَوْقِ الَّذِينَ كَفَرُوا كَما لا يَخْفى.

وقِيلَ: السّائِقُ لِلْكَفَرَةِ مَلائِكَةُ الغَضَبِ والسّائِقُ لِلْمُتَّقِينَ شَوْقُهم إلى مَوْلاهم فَهو سُبْحانَهُ لَهم غايَةَ الإرْبِ، ولَيْسَتِ الجَنَّةُ عِنْدَهم هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ ولا مُجَرَّدَ الحُلُولِ بِها أقْصى اللَّذّاتِ وإنَّما هي وسِيلَةٌ لِلِقاءِ مَحْبُوبِهِمُ الَّذِي هو نِهايَةُ مَطْلُوبِهِمْ ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ، والواوُ لِلْحالِ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ عَلى المَشْهُورِ أيْ جاءُوها وقَدْ فُتِحَتْ لَهم أبْوابُها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: 50] ويُشْعِرُ ذَلِكَ بِتَقَدُّمِ الفَتْحِ كَأنَّ خَزَنَةَ الجَنّاتِ فَتَحُوا أبْوابَها ووَقَفُوا مُنْتَظِرِينَ لَهم، وهَذا كَما تَفْتَحُ الخَدَمُ بابَ المَنزِلِ لِلْمَدْعُوِّ لِلضِّيافَةِ قَبْلَ قُدُومِهِ وتَقِفُ مُنْتَظِرَةً لَهُ، وفي ذَلِكَ مِنَ الِاحْتِرامِ والإكْرامِ ما فِيهِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها﴾ .. إلَخْ. عَطْفٌ عَلى ( فُتِحَتْ أبْوابُها ) وجَوابُ ( إذا ) مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ ( خالِدِينَ ) لِلْإيذانِ بِأنَّ لَهم حِينَئِذٍ مِن فُنُونِ الكَراماتِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ العِباراتِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا جاءُوها مُفَتَّحَةً لَهم أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ المَكارِهِ والآلامِ وهو يَحْتَمِلُ الإخْبارَ والإنْشاءَ.

﴿طِبْتُمْ﴾ أيْ مِن دَنَسِ المَعاصِي، وقِيلَ: طِبْتُمْ نَفْسًا بِما أُتِيحَ لَكم مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وهو الأظْهَرُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ أيْ مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ كانَ ما كانَ مِمّا يَقْصُرُ عَنْهُ البَيانُ أوْ فازُوا بِما لا يُعَدُّ ولا يُحْصى مِنَ التَّكْرِيمِ والتَّعْظِيمِ، وقَدَّرَهُ المُبَرِّدُ سَعِدُوا بَعْدَ ( خالِدِينَ ) أيْضًا، ومِنهم مَن قَدَّرَهُ قَبْلَ ( وفُتِحَتْ ) أيْ حَتّى إذا جاءُوها جاءُوها وقَدْ فُتِحَتْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِنهم مَن قَدَّرَهُ نَحْوَ ما قُلْنا قَبْلَ ( وقالَ ) وجَعَلَ جُمْلَةَ «قالَ».. إلَخْ. مَعْطُوفَةً عَلَيْهِ، وما تَقَدَّمَ أقْوى مَعْنًى وأظْهَرُ.

وقالَ الكُوفِيُّونَ: واوُ ( وفُتِحَتْ ) زائِدَةٌ والجَوابُ جُمْلَةُ ( فُتِحَتْ ) وقِيلَ: الجَوابُ ( قالَ لَهم خَزَنَتُها ) والواوُ زائِدَةٌ، والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذَكَرْنا أوَّلًا وبِهِ يُعْلَمُ وجْهُ اخْتِلافِ الجُمْلَتَيْنِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى في أهْلِ النّارِ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ وقَوْلَهُ جَلَّ شَأْنُهُ في أهْلِ الجَنَّةِ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ حَيْثُ جِيءَ بِواوٍ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ وحُذِفَ الجَوابُ ولَمْ يُفْعَلْ كَذَلِكَ في الجُمْلَةِ الأُولى، فَما قِيلَ: إنَّ الواوَ في الثّانِيَةِ واوُ الثَّمانِيَةِ لِأنَّ المُفَتَّحَ ثَمانِيَةُ أبْوابٍ ولَمّا كانَتْ أبْوابُ النّارِ سَبْعَةً لا ثَمانِيَةً لَمْ يُؤْتَ بِها وجْهٌ ضَعِيفٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿طِبْتُمْ فادْخُلُوها﴾ حَيْثُ رَتَّبَ فِيهِ الأمْرَ بِالدُّخُولِ عَلى الطِّيبِ والطَّهارَةِ مِن دَنَسِ المَعاصِي عَلى أنَّ أحَدًا لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا وهو طَيِّبٌ طاهِرٌ مِنَ المَعاصِي إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنها أوْ لِأنَّهُ تابَ عَمّا فَعَلَ تَوْبَةً مَقْبُولَةً في الدُّنْيا. ورُدَّ بِأنَّهُ وإنْ دَلَّ عَلى أنَّ أحَدًا لا يَدْخُلُها إلّا وهو طَيِّبٌ لَكِنْ قَدْ يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ المَقْبُولَةِ وقَدْ يَكُونُ بِالعَفْوِ عَنْهُ أوِ الشَّفاعَةِ لَهُ أوْ بَعْدَ تَمْحِيصِهِ بِالعَذابِ فَلا مُتَمَسَّكَ فِيها لِلْمُعْتَزِلَةِ.

صفحة 35

وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِينِ اتَّقَوُا المُحْتَرِزُونَ عَنِ الشِّرْكِ خاصَّةً فَطِبْتُمْ عَلى مَعْنى طِبْتُمْ عَنْ دَنَسِ الشِّرْكِ ولا خِلافَ في أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ مُسَبَّبٌ عَنِ الطِّيبِ والطَّهارَةِ عَنْهُ. وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذاكَ خِلافُ الظّاهِرِ لِأنَّ التَّقْوى في العُرْفِ الغالِبِ تَقَعُ عَلى أخَصِّ مِن ذَلِكَ لا سِيَّما في مَعْرِضِ الإطْلاقِ والمَدْحِ بِما عَقَبَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ فَتَدَبَّرْ

39:74Page 466

وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٧٤

And they will say, "Praise to Allāh, who has fulfilled for us His promise and made us inherit the earth [so] we may settle in Paradise wherever we will. And excellent is the reward of [righteous] workers."

﴿وقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ( قالَ ) أوْ عَلى الجَوابِ المُقَدَّرِ بَعْدَ ( خالِدِينَ ) أوْ عَلى مُقَدَّرٍ غَيْرِهِ أيْ فَدَخَلُوها وقالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾ بِالبَعْثِ والثَّوابِ ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ يُرِيدُونَ المَكانَ الَّذِي اسْتَقَرُّوا فِيهِ فَإنْ كانَتْ أرْضَ الآخِرَةِ الَّتِي يَمْشِي عَلَيْها تُسَمّى أرْضًا حَقِيقَةً فَذاكَ وإلّا فَإطْلاقُهُمُ الأرْضَ عَلى ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا لَهُ بِأرْضِ الدُّنْيا، والظّاهِرُ الأوَّلُ، وحُكِيَ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ والسُّدِّيِّ أنَّ المُرادَ أرْضُ الدُّنْيا ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وإيراثُها تَمْلِيكُها مُخَلَّفَةً عَلَيْهِمْ مِن أعْمالِهِمْ أوْ تَمْكِينُهم مِنَ التَّصَرُّفِ فِيها تَمْكِينَ الوارِثِ فِيما يَرِثُهُ بِناءً عَلى أنَّهُ لا مِلْكَ في الآخِرَةِ لِغَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وإنَّما هو إباحَةُ التَّصَرُّفِ والتَّمْكِينِ مِمّا هو مِلْكُهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وقِيلَ: ورِثُوها مِن أهْلِ النّارِ فَإنَّ لِكُلٍّ مِنهم مَكانًا في الجَنَّةِ كُتِبَ لَهُ بِشَرْطِ الإيمانِ.

﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ أيْ يَتَبَوَّأُ كُلٌّ مِنّا في أيِّ مَكانٍ أرادَهُ مِن جَنَّتِهِ الواسِعَةِ لا أنَّ كُلًّا مِنهم يَتَبَوَّأُ في أيِّ مَكانٍ مِن مُطْلَقِ الجَنَّةِ أوْ مِن جَنّاتِ غَيْرِهِ المُعَيَّنَةِ لِذَلِكَ الغَيْرِ، فَلا يُقالُ: إنَّهُ يَلْزَمُ جَوازُ تَبَوُّءِ الجَمِيعِ في مَكانٍ واحِدٍ وحْدَةً حَقِيقَةً وهو مُحالٌ أوْ أنْ يَأْخُذَ أحَدُهم جَنَّةَ غَيْرِهِ وهو غَيْرُ مُرادٍ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ ولِكُلٍّ مِنهم أنْ يَتَبَوَّأ في أيِّ مَكانٍ شاءَ مِن مُطْلَقِ الجَنَّةِ ومِن جَنّاتِ غَيْرِهِ إلّا أنَّهُ لا يَشاءُ غَيْرَ مَكانِهِ لِسَلامَةِ نَفْسِهِ وعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَنْ تِلْكَ المَشِيئَةِ، وقالَ الإمامُ: قالَتْ حُكَماءُ الإسْلامِ: إنَّ ( لِكُلّ ) جَنَّتَيْنِ جُسْمانِيَّةٌ ورُوحانِيَّةٌ ومَقاماتُ الثّانِيَةِ لا تَمانُعَ فِيها فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَقامٍ واحِدٍ مِنها ما لا يَتَناهى مِن أرْبابِها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ فالمَعْنى أوْرَثَنا مَقاماتِ الجَنَّةِ حالَةَ كَوْنِنا نَسْرَحُ في مَنازِلِ الأرْواحِ كَما نَشاءُ.

وقَدْ قالَ بَعْضُ مُتَألِّهِي الحُكَماءِ: الدّارُ الضَّيِّقَةُ تَسَعُ ألْفَ ألْفٍ مِنَ الأرْواحِ والصُّوَرِ المِثالِيَّةِ الَّتِي هي أبْدانُ المُتَجَرِّدِينَ عَنِ الأبْدانِ العُنْصُرِيَّةِ لِعَدَمِ تَمانُعِها كَما قِيلَ:

سَمُّ الخِياطِ مَعَ الأحْبابِ مَيْدانُ وفُسِّرَ المَقامُ الرُّوحانِيُّ بِما تُدْرِكُهُ الرُّوحُ مِنَ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ وتُشاهِدُهُ مِن رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى وعِنايَتِهِ القُدُسِيَّةِ مِمّا لا عَيْنَ رَأتْ ولا أُذُنَ سَمِعَتْ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا إنْ عُدَّ مِن بُطُونِ القُرْآنِ العَظِيمِ فَلا كَلامَ وإلّا فَحَمْلُ الجَنَّةِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ مِمّا لا تَعْرِفُهُ العَرَبُ ولا يَنْبَغِي أنْ يُفَسَّرَ بِهِ، عَلى أنَّهُ رُبَّما يُقالُ: يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَصِلَ إلى مَقامٍ رُوحانِيٍّ مِن مَقاماتِها مَعَ أنَّ مِنها ما يَخُصُّ الأنْبِياءَ المُكَرَّمِينَ والمَلائِكَةَ المُقَرَّبِينَ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَصِلُ إلى مَقاماتِهِمْ كُلُّ أحَدٍ مِنَ العارِفِينَ فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ ﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ مِن كَلامِ الدّاخِلِينَ عِنْدَ الأكْثَرِ والمَخْصُوصُ بِالمَدْحِ مَحْذُوفٌ أيْ هَذا الأجْرُ أوِ الجَنَّةُ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ - بِأجْرِ العامِلِينَ - دُونَ أجْرِنا لِلتَّعْرِيضِ بِأهْلِ النّارِ أنَّهم غَيْرُ عامِلِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском