Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:105–113
4:105Page 95
إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا ١٠٥
Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book in truth so you may judge between the people by that which Allāh has shown you. And do not be for the deceitful an advocate.
﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: ««كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهُمْ: بَنُو أُبَيْرِقٍ؛ بِشْرٌ وبُشَيْرٌ ومُبَشِّرٌ، وكانَ بِشْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ، يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ العَرَبِ، ويَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا، وقالَ فُلانٌ كَذا، فَإذا سَمِعَ أصْحابُ النَّبِيِّ -ﷺ - ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا
صفحة 139
الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثُ، فَقالَ:
أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها
وكانُوا أهْلَ حاجَةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ طَعامُ النّاسِ بِالمَدِينَةِ التَّمْرَ والشَّعِيرَ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ مِنهُ فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ فابْتاعَ عَمِّي رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرَبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرَبَةِ سِلاحٌ لَهُ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعَدا عَدِيٌّ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ فَنَقَبَ المَشْرَبَةَ وأخَذَ الطَّعامَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا، فَتَجَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ قَدِ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ، فَقالَ بَنُو أُبَيْرِقٍ: ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ واللَّهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لُبَيْدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لُبَيْدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقالَ: أنا أسْرِقُ فَواللَّهِ لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها، فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها.
فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ لَهُ ذَلِكَ، فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهْلُ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رِفاعَةَ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ، وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ، فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، وأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَأنْظُرُ في ذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانَ وعَمَّهُ عَمَدا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ فَقالَ: عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، فَرَجَعْتُ ولَوَدِدْتُ أنّى خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ.
فَأتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ تَعالى المُسْتَعانُ، فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ إلَخْ، فَلَمّا نَزَلَ أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ – بِالسِّلاحِ، فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ، فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ - وكانَ شَيْخًا قَدْ عَمِيَ في الجاهِلِيَّةِ، وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا - قالَ: يا ابْنَ أخِي هو في سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ كانَ صَحِيحًا، ثُمَّ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ إنَّ حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - هَجا سُلافَةَ فَقالَ:
فَقَدْ أنْزَلَتْهُ بِنْتُ سَعْدٍ وأصْبَحَتْ ∗∗∗ يُنازِعُها جِلْدَ إسْتِها وتُنازِعُهْ
ظَنَنْتُمْ بِأنْ يَخْفى الَّذِي صَنَعْتُمُ ∗∗∗ وفِينا نَبِيٌّ عِنْدَهُ الوَحْيُ واضِعُهْ
فَلَمّا سَمِعَتْ ذَلِكَ حَمَلَتْ رَحْلَهُ عَلى رَأْسِها فَألْقَتْهُ بِالأبْطَحِ، فَقالَتْ: أهْدَيْتَ إلَيَّ شِعْرَ حَسّانَ! ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ».
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ - واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ - ««أنَّ يَهُودِيًّا اسْتَوْدَعَ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ دِرْعًا، فانْطَلَقَ بِها إلى دارِهِ، فَحَفَرَ لَها اليَهُودِيُّ ودَفَنَها، فَخالَفَ إلَيْها طُعْمَةُ فاحْتَفَرَ عَنْها فَأخَذَها، فَلَمّا جاءَ اليَهُودِيُّ يَطْلُبُ دِرْعَهُ كافَرَهُ عَنْها، فانْطَلَقَ إلى أُناسٍ مِنَ اليَهُودِ مِن عَشِيرَتِهِ فَقالَ: انْطَلِقُوا مَعِيَ فَإنِّي أعْرِفُ مَوْضِعَ الدِّرْعِ، فَلَمّا عَلِمَ بِهِ طُعْمَةُ أخَذَ الدِّرْعَ فَألْقاها في دارِ أبِي مُلَيْكٍ الأنْصارِيِّ، فَلَمّا جاءَتِ اليَهُودُ تَطْلُبُ الدِّرْعَ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلَيْها وقَعَ بِهِ طُعْمَةُ وأُناسٌ
صفحة 140
مِن قَوْمِهِ، فَسَبُّوهُ، وقالَ طُعْمَةُ: أتَخُونُونِي؟! فانْطَلَقُوا يَطْلُبُونَها في دارِهِ، فَأشْرَفُوا عَلى دارِ أبِي مُلَيْكٍ فَإذا هم بِالدِّرْعِ، فَقالَ طُعْمَةُ: أخَذَها أبُو مُلَيْكٍ، وجادَلَتِ الأنْصارُ دُونَ طُعْمَةَ، وقالَ لَهُمُ: انْطَلِقُوا مَعِيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولُوا لَهُ يَنْضَحُ عَنِّي ويُكَذِّبُ حُجَّةَ اليَهُودِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَهَمَّ أنْ يَفْعَلَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ، فَلَمّا فَضَحَ اللَّهُ تَعالى طُعْمَةَ بِالقُرْآنِ هَرَبَ حَتّى أتى مَكَّةَ، فَكَفَرَ بَعْدَ إسْلامِهِ، ونَزَلَ عَلى الحَجّاجِ بْنِ عِلاطٍ السُّلَمِيِّ، فَنَقَبَ بَيْتَهُ وأرادَ أنْ يَسْرِقَهُ، فَسَمِعَ الحَجّاجُ خَشْخَشَةً في بَيْتِهِ وقَعْقَعَةَ جُلُودٍ كانَتْ عِنْدَهُ، فَنَظَرَ فَإذا هو بِطُعْمَةَ فَقالَ: ضَيْفِي وابْنُ عَمِّي أرَدْتَ أنْ تَسْرِقَنِي؟! فَأخْرَجَهُ، فَماتَ بِحَرَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ كافِرًا، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ﴾» إلَخْ».
وعَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ طُعْمَةَ لَمّا نَزَلَ فِيهِ القُرْآنُ ولَحِقَ بِقُرَيْشٍ، ورَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وعَدا عَلى مَشْرَبَةٍ لِلْحَجّاجِ سَقَطَ عَلَيْهِ حَجَرٌ فَلُحِجَ، فَلَمّا أصْبَحَ أخْرَجُوهُ مِن مَكَّةَ، فَخَرَجَ، فَلَقِيَ رَكْبًا مِن قُضاعَةَ فَعَرَضَ لَهُمْ، فَقالُوا: ابْنُ سَبِيلٍ مُنْقَطِعٌ، فَحَمَلُوهُ، حَتّى إذا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ عَدا عَلَيْهِمْ فَسَرَقَهُمْ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَرَجَعُوا في طَلَبِهِ فَأدْرَكُوهُ، فَقَذَفُوهُ بِالحِجارَةِ حَتّى ماتَ.
وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ بَعْدَ أنْ لَحِقَ بِمَكَّةَ نَقَبَ بَيْتًا يَسْرِقُهُ فَهَدَمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ أُخْرِجَ فَرَكِبَ سَفِينَةً إلى جُدَّةَ فَسَرَقَ فِيها كِيسًا فِيهِ دَنانِيرُ، فَأُخِذَ وأُلْقِيَ في البَحْرِ.
هَذا، وفي تَأْكِيدِ الحُكْمِ إيذانٌ بِالِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ كَما في إسْنادِ الإنْزالِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ تَعْظِيمًا لِأمْرِ المُسْنَدِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الغَيْرِ الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ والتَّشْوِيقِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (بِالحَقِّ) في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: إنّا أنْزَلَنا إلَيْكَ القُرْآنَ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما عَرَّفَكَ وأوْحى بِهِ إلَيْكَ، و(ما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ(أرى) وهي مِن رَأى بِمَعْنى عَرَفَ المُتَعَدِّيَةِ لِواحِدٍ، وقَدْ تَعَدَّتْ لِاثْنَيْنِ بِالهَمْزَةِ، وقِيلَ: إنَّها مِنَ الرَّأْيِ مِن قَوْلِهِمْ: رَأْيُ الشّافِعِيِّ كَذا، وجَعْلُها عِلْمِيَّةً يَقْتَضِي التَّعَدِّي إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ وحَذْفَ اثْنَيْنِ مِنها، أيْ: بِما أراكَهُ اللَّهَ تَعالى حَقًّا، وهو بَعِيدٌ، وأمّا جَعْلُها مِن رَأى البَصَرِيَّةِ مَجازًا فَلا حاجَةَ إلَيْهِ.
﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ وهم بَنُو أُبَيْرِقٍ، أوْ طُعْمَةُ ومَن يُعِينُهُ، أوْ هو ومَن يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وقِيلَ: بِمَعْنى عَنْ، أيْ: لا تَكُنْ لِأجْلِهِمْ، أوْ عَنْهم ﴿خَصِيمًا﴾ أيْ: مُخاصِمًا لِلْبُرَآءِ، والنَّهْيُ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أنْزَلَنا إلَيْكَ الكِتابَ فاحْكم بِهِ ولا تَكُنْ إلَخْ.
وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى (أنْزَلَنا) بِتَقْدِيرِ (قُلْنا) وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى الكِتابِ لِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.
4:106Page 96
وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٦
And seek forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، أوْ مِمّا هَمَمْتَ بِهِ في أمْرِ طُعْمَةَ وبَراءَتِهِ لِظاهِرِ الحالِ، وما قالَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِقَتادَةَ، وكَذا الهَمُّ بِالشَّيْءِ خُصُوصًا إذْ يُظَنُّ أنَّهُ الحَقُّ لَيْسَ بِذَنْبٍ حَتّى يُسْتَغْفَرَ مِنهُ، لَكِنْ لِعَظَمِ النَّبِيِّ ﷺ وعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى لَهُ وتَنْزِيهِهِ عَمّا يُوهِمُ النَّقْصَ - وحاشاهُ - أمَرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ؛ لِزِيادَةِ الثَّوابِ، وإرْشادِهِ إلى التَّثَبُّتِ، وأنَّ ما لَيْسَ بِذَنْبٍ مِمّا يَكادُ يُعَدُّ حَسَنَةً مِن غَيْرِهِ إذا صَدَرَ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -بِالنِّسْبَةِ لِعَظْمَتِهِ ومَقامِهِ المَحْمُودِ يُوشِكُ أنْ يَكُونَ كالذَّنْبِ، فَلا مُتَمَسَّكَ بِالأمْرِ بِالِاسْتِغْفارِ في عَدَمِ العِصْمَةِ كَما زَعَمَهُ البَعْضُ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ (واسْتَغْفِرْ) لِأُولَئِكَ الَّذِينَ بَرَّءُوا ذَلِكَ الخائِنَ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مُبالِغًا في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِمَنِ اسْتَغْفَرَهُ، وقِيلَ: لِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ
4:107Page 96
وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا ١٠٧
And do not argue on behalf of those who deceive themselves. Indeed, Allāh loves not one who is a habitually sinful deceiver.
﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: يَخُونُونَها، وجُعِلَتْ خِيانَةُ الغَيْرِ خِيانَةً لِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ وبالَها وضَرَرَها عائِدٌ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ جُعِلَتِ المَعْصِيَةُ خِيانَةً فَمَعْنى (يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ)
صفحة 141
يَظْلِمُونَها بِاكْتِسابِ المَعاصِي وارْتِكابِ الآثامِ، وقِيلَ: الخِيانَةُ مَجازٌ عَنِ المَضَرَّةِ، ولا بُعْدَ فِيهِ.
والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا السّارِقُ أوَ المُودِعُ المُكافِرُ وأمْثالُهُ، وإمّا مَن عاوَنَهُ، فَإنَّهُ شَرِيكٌ في الإثْمِ والخِيانَةِ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وهو - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -المَقْصُودُ بِالنَّهْيِ، والنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ يَقْتَضِي كَوْنَ المَنهِيِّ مُرْتَكِبًا لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ومِن هُنا قِيلَ: المَعْنى لا تُجادِلْ أيُّها الإنْسانُ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا﴾ كَثِيرَ الخِيانَةِ، مُفْرِطًا فِيها ﴿أثِيمًا﴾ مُنْهَمِكًا في الإثْمِ، وتَعْلِيقُ عَدَمِ المَحَبَّةِ المُرادُ مِنهُ البُغْضُ والسُّخْطُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ لَيْسَ لِتَخْصِيصِهِ بَلْ لِبَيانِ إفْراطِ بَنِي أُبَيْرِقٍ وقَوْمِهِمْ في الخِيانَةِ والإثْمِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: أتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ فِيهِما؛ لِيَخْرُجَ مِنهُ مَن وقَعَ مِنهُ الإثْمُ والخِيانَةُ مَرَّةً، ومَن صَدَرَ مِنهُ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الغَفْلَةِ وعَدَمِ القَصْدِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
وإرْدافُ الخَوّانِ بِالأثِيمِ قِيلَ: لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ بِاعْتِبارِ السَّرِقَةِ أوْ إنْكارِ الوَدِيعَةِ، والثّانِيَ بِاعْتِبارِ تُهْمَةِ البَرِئِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وقُدِّمَتْ صِفَةُ الخِيانَةِ عَلى صِفَةِ الإثْمِ؛ لِأنَّها سَبَبٌ لَهُ، أوْ لِأنَّ وُقُوعَهُما كانَ كَذَلِكَ، أوْ لِتَواخِي الفَواصِلِ عَلى ما قِيلَ.
4:108Page 96
يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا ١٠٨
They conceal [their evil intentions and deeds] from the people, but they cannot conceal [them] from Allāh, and He is with them [in His knowledge] when they spend the night in such as He does not accept of speech. And ever is Allāh, of what they do, encompassing.
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: يَسْتَتِرُونَ مِنهم حَياءً وخَوْفًا مِن ضَرَرِهِمْ، وأصْلُ ذَلِكَ طَلَبُ الخَفاءِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ يَخْتانُونَ عَلى الأظْهَرِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: هي في مَوْضِعِ الحالِ مِن (مِن) و﴿ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: ولا يَسْتَحْيَوْنَ مِنهُ سُبْحانَهُ، وهو أحَقُّ بِأنْ يُسْتَحى مِنهُ، ويُخافَ مِن عِقابِهِ، وإنَّما فُسِّرَ الِاسْتِخْفاءُ مِن تَعالى بِالِاسْتِحْياءِ لِأنَّ الِاسْتِتارَ مِنهُ - عَزَّ شَأْنُهُ - مُحالٌ لا فائِدَةَ في نَفْيِهِ، ولا مَعْنى لِلذَّمِّ في عَدَمِهِ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ ﴿وهُوَ مَعَهُمْ﴾ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ بِذاتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: المُرادُ: إنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِهِمْ وبِأحْوالِهِمْ فَلا طَرِيقَ إلى الِاسْتِخْفاءِ مِنهُ تَعالى سِوى تَرْكِ ما يُؤاخِذُ عَلَيْهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَسْتَخِفُّونَ).
﴿إذْ يُبَيِّتُونَ﴾ أيْ: يُدَبِّرُونَ، ولَمّا كانَ أكْثَرُ التَّدْبِيرِ مِمّا يُبَيَّتُ عُبِّرَ بِهِ عَنْهُ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَسْتَخِفُّونَ).
﴿ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ مِن رَمْيِ البَرِئِ وشَهادَةِ الزُّورِ، قالَ النَّيْسابُورِيُّ: وتَسْمِيَةُ التَّدْبِيرِ - وهو مَعْنًى في النَّفْسِ - قَوْلًا لا إشْكالَ فِيها عِنْدَ القائِلِينَ بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ، وأمّا عِنْدُ غَيْرِهِمْ فَمَجازٌ، أوْ لَعَلَّهُمُ اجْتَمَعُوا في اللَّيْلِ ورَتَّبُوا كَيْفِيَّةَ المَكْرِ فَسَمّى اللَّهُ تَعالى كَلامَهم ذَلِكَ بِالقَوْلِ المُبَيَّتِ الَّذِي لا يَرْضاهُ سُبْحانَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ في المُقَدِّماتِ ما يَنْفَعُكَ ها هُنا، فَتَذَكَّرْ.
﴿وكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: بِعَمَلِهِمْ أوْ بِالَّذِي يَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والخافِيَةِ ﴿مُحِيطًا﴾ أيْ: حَفِيظًا، كَما قالَ الحَسَنُ، أوْ عالِمًا لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ ولا يَفُوتُ كَما قالَ غَيْرُهُ، وعَلى القَوْلَيْنِ الإحاطَةُ هُنا مَجازٌ، ونَظَمَها البَعْضُ في سِلْكِ المُتَشابَهِ.
4:109Page 96
هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ١٠٩
Here you are - those who argue on their behalf in [this] worldly life - but who will argue with Allāh for them on the Day of Resurrection, or who will [then] be their representative?
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ خِطابٌ لِلذّابِّينَ مُؤْذِنٌ بِأنَّ تَعْدِيدَ جِناياتِهِمْ يُوجِبُ مُشافَهَتَهم بِالتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ جُمْلَةٌ مَبَيِّنَةٌ لِوُقُوعِ (أُولاءِ) خَبَرًا، فَهو بِمَعْنى المُجادِلِينَ، وبِهِ تَتِمُّ الفائِدَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (أُولاءِ) اسْمًا مَوْصُولًا كَما هو مَذْهَبُ بَعْضِ النُّحاةِ في كُلِّ اسْمٍ إشارَةٍ، و(جادَلْتُمْ) صِلَتُهُ، فالحَمْلُ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، والمُجادَلَةُ أشَدُّ المُخاصَمَةِ، وأصْلُها مِنَ الجَدَلِ وهو شِدَّةُ القَتْلِ، ومِنهُ قِيلَ لِلصَّقْرِ: أجْدَلُ، والمَعْنى: هَبُوا أنَّكم بَذَلْتُمُ الجُهْدَ في المُخاصَمَةِ عَمَّنْ أشارَتْ إلَيْهِ الأخْبارُ في الدُّنْيا.
صفحة 142
﴿فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: فَمَن يُخاصِمُهُ سُبْحانَهُ عَنْهم يَوْمَ لا يَكْتُمُونَ حَدِيثًا، ولا يُغْنِي عَنْهم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ ﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ﴾ يَوْمَئِذٍ ﴿وكِيلا﴾ أيْ: حافِظًا ومُحامِيًا مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى وعِقابِهِ، وأصْلُ مَعْنى الوَكِيلِ الشَّخْصُ الَّذِي تُوكَلُ الأُمُورُ لَهُ وتُسْنَدُ إلَيْهِ، وتَفْسِيرُهُ بِالحافِظِ المُحامِي مَجازٌ مِن بابِ اسْتِعْمالِ الشَّيْءِ في لازِمِ مَعْناهُ.
و(أمْ) هَذِهِ مُنْقَطِعَةٌ كَما قالَ السَّمِينُ، وقِيلَ: عاطِفَةٌ كَما نَقَلَهُ في الدُّرِّ المَصُونِ، والِاسْتِفْهامُ - كَما قالَ الكَرْخِيُّ -: في المَوْضِعَيْنِ لِلنَّفْيِ، أيْ: لا أحَدَ يُجادِلُ عَنْهُمْ، ولا أحَدَ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا.
4:110Page 96
وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١١٠
And whoever does a wrong or wrongs himself but then seeks forgiveness of Allāh will find Allāh Forgiving and Merciful.
﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ أيْ: شَيْئًا يَسُوءُ بِهِ غَيْرَهُ كَما فَعَلَ بُشَيْرٌ بِرِفاعَةَ أوْ طُعْمَةُ بِاليَهُودِيِّ ﴿أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بِما يَخْتَصُّ بِهِ كالإنْكارِ، وقِيلَ: السُّوءُ ما دُونَ الشِّرْكِ، والظُّلْمُ الشِّرْكُ، وقِيلَ: السُّوءُ الصَّغِيرَةُ، والظُّلْمُ الكَبِيرَةُ.
﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ بِالتَّوْبَةِ الصّادِقَةِ، ولَوْ قَبْلَ المَوْتِ بِيَسِيرٍ ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾ لِما اسْتَغْفَرَهُ مِنهُ كائِنًا ما كانَ ﴿رَحِيمًا﴾ مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِ، وفِيهِ حَثٌّ لِمَن فِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ مِنَ المُذْنِبِينَ عَلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ، قِيلَ: وتَخْوِيفٌ لِمَن لَمْ يَسْتَغْفِرْ ولَمْ يَتُبْ بِحَسَبِ المَفْهُومِ، فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ مَن لَمْ يَسْتَغْفِرْ حُرِمَ مِن رَحْمَتِهِ تَعالى وابْتُلِيَ بِغَضَبِهِ
4:111Page 96
وَمَن يَكۡسِبۡ إِثۡمٗا فَإِنَّمَا يَكۡسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١١
And whoever earns [i.e., commits] a sin only earns it against himself. And Allāh is ever Knowing and Wise.
﴿ومَن يَكْسِبْ﴾ أيْ: يَفْعَلْ ﴿إثْمًا﴾ ذَنْبًا مِنَ الذُّنُوبِ ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ بِحَيْثُ لا يَتَعَدّى ضَرَرُهُ إلى غَيْرِها، فَلْيَحْتَرِزْ عَنْ تَعْرِيضِها لِلْعِقابِ والوَبالِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومِنهُ الكَسْبُ ﴿حَكِيمًا﴾ في كَلِّ ما قَدَّرَ وقَضى ومِن ذَلِكَ لا تَحْمِلُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وقِيلَ: (عَلِيمًا) بِالسّارِقِ (حَكِيمًا) في إيجابِ القَطْعِ عَلَيْهِ، والأوَّلُ أوْلى.
4:112Page 96
وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓـٔٗا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ١١٢
But whoever earns an offense or a sin and then blames it on an innocent [person] has taken upon himself a slander and manifest sin.
﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ أيْ: صَغِيرَةً، أوْ ما لا عَمْدَ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ (يَكِسِّبُ) بِكَسْرِ الكافِ والسِّينِ المُشَدَّدَةِ، أصْلُهُ (يَكْتَسِبُ ﴿أوْ إثْمًا﴾ أيْ: كَبِيرَةً، أوْ ما كانَ عَنْ عَمْدٍ، وقِيلَ: الخَطِيئَةُ الشِّرْكُ، والإثْمُ ما دُونَهُ.
وفِي الكَشّافِ: الإثْمُ الذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صاحِبُهُ العِقابَ، والهَمْزَةُ فِيهِ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، كَأنَّهُ يَثِمُ الأعْمال أيْ: يَكْسِرُها بِإحْباطِهِ، وفي الكَشْفِ: كَأنَّ هَذا أصِلُهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مُطْلَقِ الذَّنْبِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ”كَبائِرُ الإثم“ ومِن هَذا يُعْلَمُ ضَعْفُ ما ذَكَرَهُ صاحِبُ القِيلِ ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ أيْ: يَقْذِفْ بِهِ ويُسْنِدُهُ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ؛ لِأنَّهُ عائِدٌ عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ عَلى التَّعْيِينِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ يَرْمِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ، وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى (إثْمًا) فَإنَّ المُتَعاطِفَيْنِ بِـ(أْوْ) يَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِيما بَعْدَهُما عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، نَحْوُ: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ وعَلى المَعْطُوفِ نَحْوُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾ .
وقِيلَ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى الكَسْبِ عَلى حَدِّ ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ، أيْ: يَرْمِ بِها وبِهِ، و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ، وقُرِئَ بِهِما ﴿بَرِيئًا﴾ مِمّا رَماهُ بِهِ لِيُحَمِّلَهُ عُقُوبَةَ العاجِلَةِ، كَما فَعَلَ مَن عِنْدَهُ الدِّرْعُ بِلُبَيْدِ بْنِ سَهْلٍ، أوْ بِأبِي مُلَيْكٍ ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾ بِما فَعَلَ مِن رَمْيِ البَرِئِ، وقَصْدِهِ تَحْمِيلَ جَرِيرَتِهِ عَلَيْهِ، وهو أبْلَغُ مِن (حَمَلَ) وقِيلَ: افْتَعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، فاقْتَدَرَ وقَدَرَ ﴿بُهْتانًا﴾ وهو الكَذِبُ عَلى الغَيْرِ بِما يُبْهَتُ مِنهُ ويُتَحَيَّرُ عِنْدَ سَماعِهِ لِفَظاعَتِهِ، وقِيلَ: هو الكَذِبُ الَّذِي يُتَحَيَّرُ في عِظَمِهِ، والماضِي بَهَتَ كَمَنَعَ، ويُقالُ في المَصْدَرِ: بَهْتًا وبَهَتًا وبُهْتًا ﴿وإثْمًا مُبِينًا﴾ أيْ: بَيِّنًا لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا خَفاءَ، وهو صِفَةٌ لِـ(إثْمًا) وقَدِ اكْتُفِيَ في بَيانِ عِظَمِ البُهْتانِ بِالتَّنْكِيرِ التَّفْخِيمِيِّ عَلى أنَّ وصْفَ الإثْمِ بِما ذُكِرَ بِمَنزِلَةِ وصْفِ البُهْتانِ بِهِ؛ لِأنَّهُما عِبارَةٌ عَنْ أمْرٍ واحِدٍ
صفحة 143
هُوَ رَمِيُ البَرِئِ بِجِنايَةِ نَفْسِهِ.
وعَبَّرَ عَنْهُ بِهِما تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ وتَفْظِيعًا لِحالِهِ، فَمَدارُ العِظَمِ والفَخامَةِ كَوْنُ المَرْمِيِّ بِهِ لِلَّرامِي، فَإنَّ رَمْيَ البَرِئِ بِجانِيَةٍ ما خَطِيئَةً كانَتْ أوْ إثْمًا بُهْتانٌ وإثْمٌ في نَفْسِهِ، أمّا كَوْنُهُ بُهْتانًا فَظاهِرٌ، وأمّا كَوْنُهُ إثْمًا فَلِأنَّ كَوْنَ الذَّنْبِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن فَعَلَهُ خَطِيئَةً لا يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن نَسَبَهُ إلى البَرِئِ مِنهُ أيْضًا كَذَلِكَ، بَلْ لا يَجُوزُ ذَلِكَ قَطْعًا، كَيْفَ لا وهو كَذِبٌ مُحَرَّمٌ في سائِرِ الأدْيانِ، فَهو في نَفْسِهِ بُهْتانٌ وإثْمٌ لا مَحالَةَ، وبِكَوْنِ تِلْكَ الجِنايَةِ لِلَّرامِيِّ يَتَضاعَفُ ذَلِكَ شِدَّةً ويَزْدادُ قُبْحًا، لَكِنْ لا لِانْضِمامِ جِنايَتِهِ المَكْسُوبَةِ إلى رَمْيِ البَرِئِ، وإلّا لَكانَ الرَّمْيُ بِغَيْرِ جِنايَتِهِ مِثْلَهُ في العِظَمِ، ولا لِمُجَرَّدِ اشْتِمالِهِ عَلى تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ الخاطِئَةِ، وإلّا لَكانَ الرَّمْيُ بِغَيْرِ جِنايَتِهِ مَعَ تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ مِثْلَهُ في العِظَمِ بَلْ لِاشْتِمالِهِ عَلى قَصْدِ تَحْمِيلِ جِنايَتِهِ عَلى البَرِئٍ، وإجْراءِ عُقُوبَتِها عَلَيْهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيثارُ الِاحْتِمالِ عَلى الِاكْتِسابِ ونَحْوِهِ لِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِانْعِكاسِ تَقْدِيرِهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِثِقَلِ الوِزْرِ وصُعُوبَةِ الأمْرِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ صِيغَةِ الِافْتِعالِ.
نَعَمْ، بِما ذُكِرَ مِنِ انْضِمامِ كَسْبِهِ وتَبْرِئَةِ نَفْسِهِ إلى رَمْيِ البَرِئِ تَزْدادُ الجِنايَةَ قُبْحًا، لَكِنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ وصْفٌ لِلْمَجْمُوعِ لا لِلْإثْمِ فَقَطْ، كَذا قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، ولا يَخْفى أنَّهُ أوْلى مِمّا يُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ الكَشّافِ مِن أنَّ في التَّنْزِيلِ لَفًّا ونَشْرًا غَيْرُ مُرَتَّبٍ حَيْثُ قالَ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: (فَقَدِ احْتَمَلَ) إلَخْ: لِأنَّهُ بِكَسْبِهِ الإثْمَ آثِمٌ، وبِرَمْيِهِ البَرِئِ باهِتٌ، فَهو جامِعٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِخُلُوِّهِ عَمّا يَلْزَمُهُ، وإنْ أُجِيبَ عَنْهُ، فافْهَمْ.
4:113Page 96
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا ١١٣
And if it was not for the favor of Allāh upon you, [O Muḥammad], and His mercy, a group of them would have determined to mislead you. But they do not mislead except themselves, and they will not harm you at all. And Allāh has revealed to you the Book and wisdom and has taught you that which you did not know. And ever has the favor of Allāh upon you been great.
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ﴾ بِإعْلامِكَ بِما هم عَلَيْهِ بِالوَحْيِ وتَنْبِيهِكَ عَلى الحَقِّ، وقِيلَ: لَوْلا فَضْلُهُ بِالنُّبُوَّةِ ورَحْمَتُهُ بِالعِصْمَةِ، وقِيلَ: لَوْلا فَضْلُهُ بِالنُّبُوَّةِ ورَحْمَتُهُ بِالوَحْيِ، وقِيلَ: المُرادُ لَوْلا حِفْظُهُ لَكَ وحِراسَتُهُ إيّاكَ.
﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ (يَخْتانُونَ) والمُرادُ بِهِمْ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ وأصْحابُهُ، أوِ الذّابُّونَ عَنْ طُعْمَةَ، المُطَّلِعُونَ عَلى كُنْهِ القِصَّةِ، العالِمُونَ بِحَقِيقَتِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى النّاسِ، والمُرادُ بِالطّائِفَةِ الَّذِينَ انْتَصَرُوا لِلسّارِقِ، أوِ المُودِعِ الخائِنِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ وفْدُ ثَقِيفٍ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّهم قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: يا مُحَمَّدُ، جِئْناكَ نُبايِعُكَ عَلى أنْ لا نَكْسِرَ أصْنامَنا بِأيْدِينا، وعَلى أنْ نَتَمَتَّعَ بِالعُزّى سَنَةً، فَلَمْ يُجِبْهم صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وعَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ».
وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُمُ المُنافِقُونَ (هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا) مِن إهْلاكِ النَّبِيِّ ﷺ فَحَفِظَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُمْ، وحَرَسَهُ بِعَيْنِ عِنايَتِهِ ﴿أنْ يُضِلُّوكَ﴾ أيْ: بِأنْ يُضِلُّوكَ عَنِ القَضاءِ بِالحَقِّ، أوْ عَنِ اتِّباعِ ما جاءَكَ في أمْرِ الأصْنامِ، أوْ بِأنْ يُهْلِكُوكَ، وقَدْ جاءَ الإضْلالُ بِهَذا المَعْنى، ومِنهُ عَلى ما قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ والجُمْلَةُ جَوابُ لَوْلا، وإنَّما نُفِيَ هَمُّهم مَعَ أنَّ المَنفِيَّ إنَّما هو ثَأْثِيرُهُ فَقَطْ إيذانًا بِانْتِفاءِ تَأْثِيرِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: المُرادُ هو الهَمُّ المُؤَثِّرُ، ولا رَيْبَ في انْتِفائِهِ حَقِيقَةً.
وقالَ الرّاغِبُ: إنَّ القَوْمَ كانُوا مُسْلِمِينَ، ولَمْ يُهِمُّوا بِإضَلالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أصْلًا، وإنَّما كانَ ذَلِكَ صَوابًا عِنْدَهم وفي ظَنِّهِمْ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الجَوابُ مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَأضَلُّوكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (لَهَمَّتْ) أيْ: لَقَدْ هَمَّتْ بِذَلِكَ ﴿وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: ما يُزِيلُونَ عَنِ الحَقِّ إلّا أنْفُسَهُمْ، أوْ ما يُهْلِكُونَ إلّا إيّاها لِعَوْدِ وبالِ ذَلِكَ وضَرَرِهِ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، وعَطْفُهُ عَلى (أنْ يُضِلُّوكَ) وهْمٌ مَحْضٌ و(مِن) صِلَةٌ، والمَجْرُورُ
صفحة 144
فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ: وما يَضُرُّونَكَ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ لِما أنَّهُ تَعالى عاصِمُكَ عَنِ الزَّيْغِ في الحُكْمِ.
وأمّا ما خَطَرَ بِبالِكَ فَكانَ عَمَلًا مِنكَ بِظاهِرِ الحالِ ثِقَةً بِأقْوالِ القائِلِينَ مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ لَكَ أنَّ الحَقِيقَةَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، أوْ لِما أنَّهُ سُبْحانَهُ عاصِمُكَ عَنِ المُداهَنَةِ والمَيْلِ إلى آراءِ المُلْحِدِينَ، والأمْرُ بِخِلافِ ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ، أوْ لِما أنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ وعَدَكَ العِصْمَةَ مِنَ النّاسِ، وحَجَبَهم عَنِ التَّمَكُّنِ مِنكَ.
﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ أيِ: القُرْآنَ الجامِعَ بَيْنَ العُنْوانَيْنِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالحِكْمَةِ السُّنَّةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ، والجُمْلَةُ - عَلى ما قالَهُ الأجْهُورِيُّ: - في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها، وإلى ذَلِكَ أشارَ الطَّبَرْسِيُّ، وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو مُسْلِمٍ.
﴿وعَلَّمَكَ﴾ بِأنْواعِ الوَحْيِ ﴿ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ أيِ: الَّذِي لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُهُ مِن خَفِيّاتِ الأُمُورِ وضَمائِرِ الصُّدُورِ، ومِن جُمْلَتِها وُجُوهُ إبْطالِ كَيْدِ الكائِدِينَ، أوْ مِن أُمُورِ الدُّنْيا وأحْكامِ الشَّرْعِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أوْ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ - كَما قالَ الضَّحّاكُ - أوْ مِن أخْبارِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ - كَما قِيلَ - أوْ مِن جَمِيعِ ما ذُكِرَ كَما يُقالُ.
ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ المَوْصُولَ بِأسْرارِ الكِتابِ والحِكْمَةِ أيْ: أنَّهُ سُبْحانَهُ أنْزَلَ عَلَيْكَ ذَلِكَ، وأطْلَعَكَ عَلى أسْرارِهِ، وأوْقَفَكَ عَلى حَقائِقِهِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ كالتَّتِمَّةِ لِلْجُمْلَةِ الأوْلى، واسْتَظْهِرْ في البَحْرِ العُمُومَ.
﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ لا تَحْوِيهِ عِبارَةٌ، ولا تُحِيطُ بِهِ إشارَةٌ، ومِن ذَلِكَ النُّبُوَّةُ العامَّةُ، والرِّياسَةُ التّامَّةُ، والشَّفاعَةُ العُظْمى يَوْمَ القِيامَةِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences