Al-AlusiAn‑Nisa · 4:114–118

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:114–118

4:114Page 97

۞ لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١١٤

No good is there in much of their private conversation, except for those who enjoin charity or that which is right or conciliation between people. And whoever does that seeking means to the approval of Allāh - then We are going to give him a great reward.

﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ يَخْتانُونَ، واخْتارَ جَمْعٌ أنَّ الضَّمِيرَ لِلنّاسِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ مُجاهِدٍ و(نَجْوى) في الكَلامِ كَما قالَ الزَّجّاجُ: ما يَتَفَرَّدُ بِهِ الجَماعَةُ أوِ الِاثْنانِ، وهَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ سِرًّا أمْ لا؟ قَوْلانِ، وتَكُونُ بِمَعْنى التَّناجِي، وتُطْلَقُ عَلى القَوْمِ المُتَناجِينَ، كَـ(إذْ هم نَجْوى) وهو إمّا مِن بابِ (رَجُلٍ عَدْلٍ) أوْ عَلى أنَّهُ جَمَعَ نَجِيٍّ كَما نَقَلَهُ الكِرْمانِيُّ.

والظَّرْفُ الأوَّلُ خَبَرُ (لا) والثّانِي في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِلنَّكِرَةِ أيْ: كائِنٌ (مِن نَجْواهم ﴿إلا مَن أمَرَ﴾ أيْ: إلّا في نَجْوى مَن أمَرَ ﴿بِصَدَقَةٍ﴾ فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وبِهِ يَتَّصِلُ الِاسْتِثْناءُ، وكَذا إنْ أُرِيدَ بِالنَّجْوى المُتَناجُونَ عَلى أحَدِ الِاعْتِبارَيْنِ، ولا يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حِينَئِذٍ، ويَكْفِي في صِحَّةِ الِاتِّصالِ صِحَّةُ الدُّخُولِ، وإنْ لَمْ يُجْزَمْ بِهِ، فَلا يَرِدُ ما تَوَهَّمَهُ عِصامُ الدِّينِ مِن أنَّ (جاءَنِي كَثِيرٌ مِنَ الرِّجالِ إلّا زَيْدًا) لا يَصِحُّ فِيهِ الِاتِّصالُ لِعَدَمِ الجَزْمِ بِدُخُولِ زَيْدٍ في الكَثِيرِ ولا الِانْقِطاعُ لِعَدَمِ الجَزْمِ بِخُرُوجِهِ، ولا حاجَةَ إلى ما تَكَلَّفَ في دَفْعِهِ بِأنَّ المُرادَ: لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْوى واحِدٍ مِنهم إلّا نَجْوى مَن أمَرَ إلَخْ، فَإنَّهُ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُ خَيْرٌ، فَإنَّهُ عَلى ما فِيهِ لا يَتَأتّى مِثْلُهُ عَلى احْتِمالِ الجَمْعِ.

وجَوَّزَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - بَلْ زَعَمَ - أنَّهُ الأوْلى أنْ يُجْعَلَ (إلّا مَن أمَرَ) مُتَعَلِّقًا بِما أُضِيفَ إلَيْهِ النَّجْوى بِالِاسْتِثْناءِ أوِ البَدَلِ، ولا يَخْفى أنَّهُ إنْ سُلِّمَ أنَّ لَهُ مَعْنًى خِلافُ الظّاهِرِ.

وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا عَلى مَعْنى: لَكِنْ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ وإنْ قَلَّتْ، فَفي نَجْواهُ الخَيْرُ ﴿أوْ مَعْرُوفٍ﴾ وهو كُلُّ ما عَرَفَهُ الشَّرْعُ واسْتَحْسَنَهُ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ أصْنافِ البِرِّ؛ كَقَرْضٍ، وإغاثَةِ مَلْهُوفٍ، وإرْشادِ ضالٍّ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ويُرادُ بِهِ هُنا ما عَدا الصَّدَقَةَ، وما عَدا ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ وتَخْصِيصُهُ بِالقَرْضِ وإغاثَةُ المَلْهُوفِ وصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وتَخْصِيصُ الصَّدَقَةِ - فِيما تَقَدَّمَ - بِالصَّدَقَةِ الواجِبَةِ مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ، ولَيْسَ لَهُ سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

وخَصَّ الصَّدَقَةَ والإصْلاحَ بَيْنَ النّاسِ

صفحة 145

بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ ما شَمِلَهُ هَذا العامُّ؛ إيذانًا بِالِاعْتِناءِ بِهِما؛ لِما في الأوَّلِ مِن بَذْلِ المالِ الَّذِي هو شَقِيقُ الرُّوحِ، وما في الثّانِي مِن إزالَةِ فَسادِ ذاتِ البَيْنِ، وهي الحالِقَةُ لِلدِّينِ كَما في الخَبَرِ.

وقَدَّمَ الصَّدَقَةَ عَلى الإصْلاحِ؛ لِما أنَّ الأمْرَ بِها أشَقُّ؛ لِما فِيهِ مِن تَكْلِيفِ بَذْلِ المَحْبُوبِ، والنَّفْسُ تَنْفِرُ عَمَّنْ يُكَلِّفُها ذَلِكَ، ولا كَذَلِكَ الأمْرُ بِالإصْلاحِ.

وذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ أنَّ السِّرَّ في إفْرادِ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ أنَّ عَمَلَ الخَيْرِ المُتَعَدِّي إلى النّاسِ إمّا لِإيصالِ المَنفَعَةِ أوْ لِدَفْعِ المَضَرَّةِ، والمَنفَعَةُ إمّا جُسْمانِيَّةٌ كَإعْطاءِ المالِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: (إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ) وإمّا رُوحانِيَّةٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وأمّا رَفْعُ الضُّرِّ فَقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (أوْ إصْلاحٌ بَيْنَ النّاسِ) ولا يَخْفى ما فِيهِ، والمُرادُ مِنَ الإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ التَّأْلِيفُ بَيْنَهم بِالمَوَدَّةِ إذا تَفاسَدُوا، مِن غَيْرِ أنْ يُجاوِزَ في ذَلِكَ حُدُودَ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ.

نَعَمْ، أُبِيحَ الكَذِبُ لِذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ، أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««لَيْسَ الكَذّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ فَيُنْمِي خَيْرًا أوْ يَقُولُ خَيْرًا»» وقالَتْ: ««لَمْ أسْمَعْهُ يُرَخِّصُ في شَيْءٍ مِمّا يَقُولُهُ النّاسُ إلّا في ثَلاثٍ: في الحَرْبِ، والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ، وحَدِيثِ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ وحَدِيثِ المَرْأةِ زَوْجَها»».

وعَدَّ غَيْرُ واحِدٍ الإصْلاحَ مِنَ الصَّدَقَةِ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي أيُّوبَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: ««يا أبا أيُّوبَ، ألا أدُلَّكَ عَلى صَدَقَةٍ يَرْضى اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ مَوْضِعَها؟ قالَ: بَلى، قالَ: تُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ إذا تَفاسَدُوا، وتُقَرِّبُ بَيْنَهم إذا تَباعَدُوا»».

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أفْضَلُ الصَّدَقَةِ إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ»» وهَذا الخَبَرُ ظاهِرٌ في أنَّ الإصْلاحَ أفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ بِالمالِ.

ومِثْلُهُ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ مِن دَرَجَةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ»» ولا يَخْفى أنَّ هَذا ونَحْوَهُ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ التَّرْغِيبِ، ولَيْسَ المُرادُ ظاهِرَهُ؛ إذْ لا شَكَّ أنَّ الصِّيامَ المَفْرُوضَ والصَّلاةَ المَفْرُوضَةَ والصَّدَقَةُ كَذَلِكَ أفْضَلُ مِنَ الإصْلاحِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ إصْلاحٌ يَتَرَتَّبُ عَلى عَدَمِهِ شَرٌّ عَظِيمٌ، وفَسادٌ بَيْنَ النّاسِ كَبِيرٌ.

﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ: المَذْكُورَ مِنَ الصَّدَقَةِ وأخَوَيْها، والكَلامُ تَذْيِيلٌ لِلِاسْتِثْناءِ، وكانَ الظّاهِرُ: (ومَن يَأْمُرْ) بِذَلِكَ؛ لِيَكُونَ مُطابِقًا لِلْمُذَيَّلِ، إلّا أنَّهُ رَتَّبَ الوَعْدَ عَلى الفِعْلِ إثْرَ بَيانِ خَيْرِيَّةِ الآمِرِ لِما أنَّ المَقْصُودَ التَّرْغِيبُ في الفِعْلِ، وبَيانُ خَيْرِيَّةِ الآمِرِ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى خَيْرِيَّتِهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عُبِّرَ عَنِ الأمْرِ بِالفِعْلِ إذْ هو يُكَنّى بِهِ عَنْ جَمِيعِ الأشْياءِ، كَما إذا قِيلَ: حَلَفْتُ عَلى زَيْدٍ وأكْرَمْتُهُ، وكَذا وكَذا، فَتَقُولُ: نِعْمَ ما فَعَلْتَ، ولَعَلَّ نُكْتَةَ العُدُولِ عَنْ (يَأْمُرْ) إلى (يَفْعَلْ) حِينَئِذٍ الإشارَةُ إلى أنَّ التَّسَبُّبَ لِفِعْلِ الغَيْرِ؛ الصَّدَقَةِ، والإصْلاحِ، والمَعْرُوفِ بَأيِّ وجْهٍ كانَ كافٍ في تَرْتِيبِ الثَّوابِ، ولا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلى اللَّفْظِ، ويَجُوزُ جَعْلُ ذَلِكَ إشارَةً إلى الأمْرِ فَيَكُونُ مَعْنى (مَن أمَرَ) (ومَن يَفْعَلِ) الأمْرَ واحِدًا.

وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى جَعْلِهِ تَذْيِيلًا لِيَحْتاجَ إلى التَّأْوِيلِ تَحْصِيلًا لِلْمُطابَقَةِ، بَلْ لَمّا ذَكَرَ الآمِرَ اسْتَطْرَدَ ذِكْرَ مُمْتَثِلِ أمْرِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَمْتَثِلْ.

﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ أيْ: لِأجْلِ طَلَبِ رِضاءِ اللَّهِ تَعالى ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وقُتَيْبَةُ، عَنِ الكِسائِيِّ، وسَهْلٌ وخَلَفٌ بِالياءِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ الوَصْفِ، قِيلَ: وإنَّما قَيَّدَ الفِعْلَ بِالِابْتِغاءِ المَذْكُورِ؛ لِأنَّ الأعْمالَ بِالنِّيّاتِ، وأنَّ مِن فَعَلَ خَيْرًا لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ غَيْرَ الحِرْمانِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا ظاهِرٌ في أنَّ الرِّياءَ مُحْبِطٌ لِثَوابِ

صفحة 146

الأعْمالِ بِالكُلِّيَّةِ، وهَذا ما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ، والنَّوَوِيُّ.

وقالَ الغَزالِيُّ: إذا غَلَبَ الإخْلاصُ فَهو مُثابٌ وإلّا فَلا، وقِيلَ: هو مُثابٌ غَلَبَ الإخْلاصُ أمْ لا، عَلى قَدْرِ الإخْلاصِ، وفي دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّ غَيْرَ المُخْلِصِ لا يَسْتَحِقُّ غَيْرَ الحِرْمانِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أثْبَتَ فِيها لِلْمُخْلِصِ أجْرًا عَظِيمًا، وهو لا يُنافِي أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ ما دُونَهُ، وكَوْنُ العَظْمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أُمُورِ الدُّنْيا خِلافُ الظّاهِرِ.

4:115Page 97

وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥

And whoever opposes the Messenger after guidance has become clear to him and follows other than the way of the believers - We will give him what he has taken1 and drive him into Hell, and evil it is as a destination.

﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أيْ: يُخالِفُهُ - مِنَ الشِّقِّ - فَإنَّ كُلًّا مِنَ المُتَخالِفَيْنِ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ الآخَرِ، ولِظُهُورِ الِانْفِكاكِ بَيْنَ الرَّسُولِ ومُخالِفِهِ فُكَّ الإدْغامُ هُنا، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في الأنْفالِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ رِعايَةً لِجانِبِ المَعْطُوفِ، ولَمْ يُفَكَّ في قَوْلِهِ تَعالى في الحَشْرِ: ﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ﴾ .

وقالَ الخَطِيبُ في حِكْمَةِ الفَكِّ والإدْغامِ أنَّ (ألْ) في الِاسْمِ الكَرِيمِ لازِمَةٌ بِخِلافِها في الرَّسُولِ، واللُّزُومُ يَقْتَضِي الثِّقَلَ، فَخُفِّفَ بِالإدْغامِ فِيما صَحِبَتْهُ الجَلالَةُ بِخِلافِ ما صَحِبَهُ لَفْظُ الرَّسُولِ، وفي آيَةِ الأنْفالِ صارَ المَعْطُوفُ والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ كالشَّيْءِ الواحِدِ، وما ذَكَرْناهُ أوْلى، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ ما اجْتَرَءُوا إلَيْهِ مِنَ المُشاقَّةِ والمُخالَفَةِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ الآتِي بِذَلِكَ، والآيَةُ نَزَلَتْ كَما قَدَّمْناهُ في سارِقِ الدِّرْعِ أوْ مُودِعِها، وقِيلَ: في قَوْمِ طُعْمَةَ لَمّا ارْتَدُّوا بَعْدَ أنْ أسْلَمُوا، وأيّا ما كانَ فالعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ ذَلِكَ وغَيْرُهُ مِنَ المُشاقِّينَ.

﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ أيْ: ظَهَرَ لَهُ الحَقُّ فِيما حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أوْ فِيما يَدَّعِيهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -بِالوُقُوفِ عَلى المُعْجِزاتِ عَلى نُبُوَّتِهِ ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ ما هم مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ مِن عَقْدٍ وعَمَلٍ، فَيَعُمُّ الأُصُولَ والفُرُوعَ والكُلَّ والبَعْضَ ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ أيْ: نَجْعَلْهُ والِيًا لِما تَوَلّاهُ مِنَ الضَّلالِ، ويُؤُولُ إلى أنّا نُضِلُّهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ نُخَلِّ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ، وقِيلَ: نَكِلْهُ في الآخِرَةِ إلى ما اتَّكَلَ عَلَيْهِ وانْتَصَرَ بِهِ في الدُّنْيا مِنَ الأوْثانِ ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: نُدْخِلْهُ إيّاها، وقَدْ تَقَدَّمَ، وقُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن (صَلّاهُ).

﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ أيْ: جَهَنَّمُ، أوِ التَّوْلِيَةُ، واسْتَدَلَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَلى حُجِّيَّةٍ الإجْماعِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَعَنِ المُزَنِيِّ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ يَوْمًا فَجاءَهُ شَيْخٌ عَلَيْهِ لِباسُ صُوفٍ وبِيَدِهِ عَصًا، فَلَمّا رَآهُ ذا مَهابَةٍ اسْتَوى جالِسًا، وكانَ مُسْتَنِدًا لِأُسْطُوانَةٍ، وسَوّى ثِيابَهُ، فَقالَ لَهُ: ما الحُجَّةُ في دِينِ اللَّهِ تَعالى؟ قالَ: كِتابُهُ، قالَ: وماذا؟ قالَ: سُنَّةُ نَبِيِّهِ ﷺ قالَ: وماذا؟ قالَ: اتِّفاقُ الأُمَّةِ، قالَ: مِن أيْنَ هَذا الأخِيرُ أهُوَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى؟ فَتَدَبَّرَ ساعَةً ساكِتًا، فَقالَ لَهُ الشَّيْخُ: أجَّلْتُكَ ثَلاثَةَ أيّامٍ بِلَيالِيهِنَّ فَإنْ جِئْتَ بِآيَةٍ وإلّا فاعْتَزِلِ النّاسَ، فَمَكَثَ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا يَخْرُجُ، وخَرَجَ في اليَوْمِ الثّالِثِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، وقَدْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، فَجاءَهُ الشَّيْخُ، وسَلَّمَ عَلَيْهِ، وجَلَسَ، وقالَ: حاجَتِي؟ فَقالَ: نَعَمْ، أعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ﴾ إلَخْ لَمْ يَصِلْهُ جَهَنَّمَ عَلى خِلافِ المُؤْمِنِينَ إلّا واتِّباعُهم فَرْضٌ، قالَ: صَدَقْتَ، وقامَ وذَهَبَ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: قَرَأْتُ القُرْآنَ في كُلِّ يَوْمٍ وفي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلاثَ مَرّاتٍ حَتّى ظَفِرْتُ بِها.

ونَقَلَ الإمامُ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى تَدُلُّ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ فَقَرَأ القُرْآنَ ثَلاثَمِائَةِ مَرَّةٍ حَتّى وجَدَ هَذِهِ الآيَةَ.

واعْتَرَضَ ذَلِكَ الرّاغِبُ بِأنَّ سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ الإيمانُ، كَما إذا قِيلَ: اسْلُكْ سَبِيلَ الصّائِمِينَ والمُصَلِّينَ أيْ: في الصَّوْمِ والصَّلاةِ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى حُجِّيَّةٍ الإجْماعِ ووُجُوبِ اتِّباعِ المُؤْمِنِينَ في غَيْرِ الإيمانِ،

صفحة 147

ورَدَّهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ تَخْصِيصٌ بِما يَأْباهُ الشَّرْطُ الأوَّلُ، ثُمَّ إنَّهُ إذا كانَ مَأْلُوفُ الصّائِمِينَ الِاعْتِكافُ مَثَلًا تَناوَلَ الأمْرُ بِاتِّباعِهِمْ ذَلِكَ أيْضًا، فَكَذَلِكَ يَتَناوَلُ ما هو مُقْتَضى الإيمانِ فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَسَبِيلُ المُؤْمِنِينَ هُنا عامٌّ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ المَعْطُوفَ عَلَيْهِ مُقَيَّدٌ بِـ(تَبَيَّنَ الهُدى) فَيَلْزَمُ في المَعْطُوفِ ذَلِكَ، فَإذا لَمْ يَكُنْ في الإجْماعِ فائِدَةٌ لِأنَّ الهُدى عامٌّ لِجَمِيعِ الهِدايَةِ، ومِنها دَلِيلُ الإجْماعِ، وإذا حَصَلَ الدَّلِيلُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَدْلُولِ فائِدَةٌ، وأُجِيبَ بِمَنعِ لُزُومِ القَيْدِ في المَعْطُوفِ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فالمُرادُ بِالهِدايَةِ الدَّلِيلُ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، فَتُفِيدُ الآيَةُ أنَّ مُخالَفَةَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ دَلِيلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ حَرامٌ، فَيَكُونُ الإجْماعُ مُفِيدًا في الفُرُوعِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الأُصُولِ، وأوْضَحَ القاضِي وجْهَ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ وحُرْمَةِ مُخالَفَتِهِ بِأنَّهُ تَعالى رَتَّبَ فِيها الوَعِيدَ الشَّدِيدَ عَلى المُشاقَّةِ واتِّباعِ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ إمّا لِحُرْمَةِ كُلٍّ واحِدٍ مِنهُما أوْ أحَدِهِما أوِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، والثّانِي باطِلٌ؛ إذْ يَقْبُحُ أنْ يُقالَ: مَن شَرِبَ الخَمْرَ وأكَلَ الخُبْزَ اسْتَوْجَبَ الحَدَّ، وكَذا الثّالِثُ؛ لِأنَّ المُشاقَّةَ مُحَرَّمَةٌ ضُمَّ إلَيْها غَيْرُها أوْ لَمْ يُضَمَّ، وإذا كانَ اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ مُحَرَّمًا كانَ اتِّباعُ سَبِيلِهِمْ واجِبًا؛ لِأنَّ تَرْكَ اتِّباعِ سَبِيلِهِمْ - مِمَّنْ عَرَفَ سَبِيلَهُمُ - اتِّباعُ غَيْرِ سَبِيلِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ تَرْكَ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ اتِّباعٌ لِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ لا يُتَّبَعَ سَبِيلُ المُؤْمِنِينَ ولا غَيْرُ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، أُجِيبَ بِأنَّ المُتابَعَةَ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ فِعْلِ الغَيْرِ، فَإذا كانَ مِن شَأْنِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يَقْتَدُوا في أفْعالِهِمْ بِالمُؤْمِنِينَ فَكُلُّ مَن لَمْ يَتَّبِعْ مِنَ المُؤْمِنِينَ سَبِيلَ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ أتى بِفِعْلِ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، واقْتَفى أثَرَهُمْ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُتَّبِعًا لَهم.

وبِعِبارَةٍ أُخْرى: إنَّ تَرْكَ اتِّباعِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ اتِّباعٌ لِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المُكَلَّفَ لا يَخْلُو مِنِ اتِّباعِ سَبِيلٍ البَتَّةَ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ هَذا الدَّلِيلَ غَيْرُ قاطِعٍ؛ لِأنَّ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا مِنَ التَّخْصِيصِ لِجَوازِ أنْ يُرادَ سَبِيلُهم في مُتابَعَةِ الرَّسُولِ أوْ في مُناصَرَتِهِ أوْ في الِاقْتِداءِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -أوْ فِيما صارُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ، وإذا قامَ الِاحْتِمالُ كانَ غايَتُهُ الظُّهُورَ، والتَّمَسُّكُ بِالظّاهِرِ إنَّما يَثْبُتُ بِالإجْماعِ، ولَوْلاهُ لَوَجَبَ العَمَلُ بِالدَّلائِلِ المانِعَةِ مِنِ اتِّباعِ الظَّنِّ، فَيَكُونُ إثْباتًا لِلْإجْماعِ بِما لا يَثْبُتُ حُجِّيَّتُهُ إلّا بِهِ فَيَصِيرُ دَوْرًا، واسْتُصْعِبَ التَّفَصِّي عَنْهُ، وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الحاجِبِ في المُخْتَصَرِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الأصْفَهانِيِّ في اتِّباعِ سَبِيلِهِمْ لَمّا احْتُمِلَ ما ذُكِرَ وغَيْرُهُ صارَ عامًّا، ودَلالَتُهُ عَلى فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ غَيْرُ قَطْعِيَّةٍ لِاحْتِمالِ تَخْصِيصِهِ بِما يُخْرِجُهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الدَّوْرِ.

وأجابَ عَنِ الدَّوْرِ بِأنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ لَوْ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ آخَرُ، وعَلَيْهِ دَلِيلٌ آخَرُ وهو أنَّهُ مَظْنُونٌ يَلْزَمُ العَمَلُ بِهِ؛ لِأنّا إنْ لَمْ نَعْمَلْ بِهِ وحْدَهُ فَإمّا أنْ نَعْمَلَ بِهِ وبِمُقابِلِهِ أوْ لا نَعْمَلَ بِهِما أوْ نَعْمَلَ بِمُقابِلِهِ، وعَلى الأوَّلِ يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وعَلى الثّانِي ارْتِفاعُهُما، وعَلى الثّالِثِ العَمَلُ بِالمَرْجُوحِ مَعَ وُجُودِ الرّاجِحِ، والكُلُّ باطِلٌ، فَيَلْزَمُ العَمَلُ بِهِ قَطْعًا، واعْتُرِضَ أيْضًا بِمَنعِ حُرْمَةِ اتِّباعِ غَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، بَلْ بِشَرْطِ المُشاقَّةِ، وأجابَ عَنْهُ القَوْمُ بِما لا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ، وبِأنَّ الِاسْتِدْلالَ يَتَوَقَّفُ عَلى تَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ بِأهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ في كُلِّ عَصْرٍ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ، وبِأُمُورٍ أُخْرى ذَكَرَها الآمِدِيُّ والتِّلْمَسانِيُّ وغَيْرُهُما، وأجابُوا عَمّا أجابُوا عَنْهُ مِنها.

وبِالجُمْلَةِ لا يَكادُ يَسْلَمُ هَذا الِاسْتِدْلالُ مِن قِيلَ وقالَ، ولَيْسَتْ حُجِّيَّةُ الإجْماعِ مَوْقُوفَةً عَلى ذَلِكَ كَما لا يَخْفى.

4:116Page 97

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١١٦

Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly gone far astray.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ فِيما سَبَقَ، وكُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، وخُصَّ هَذا المَوْضِعُ بِهِ لِيَكُونَ كالتَّكْمِيلِ لِقِصَّةِ مَن سَبَقَ بِذِكْرِ الوَعْدِ بَعْدَ ذِكْرِ الوَعِيدِ في ضِمْنَ الآياتِ السّابِقَةِ، فَلا يَضُرُّ بَعْدَ العَهْدِ، أوْ لِأنَّ لِلْآيَةِ سَبَبًا آخَرَ في النُّزُولِ، فَقَدْ أخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ شَيْخًا مِنَ العَرَبِ جاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «إنِّي شَيْخٌ مُنْهَمِكٌ

صفحة 148

فِي الذُّنُوبِ إلّا أنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ تَعالى مُنْذُ عَرَفْتُهُ وآمَنتُ بِهِ، ولَمْ أتَّخِذْ مِن دُونِهِ ولِيًّا، ولَمْ أُوقِعِ المُعاصِيَ جَراءَةً، وما تَوَهَّمْتُ طَرْفَةَ عَيْنٍ أنّى أُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى هَرَبًا، وإنِّي لَنادِمٌ تائِبٌ، فَما تَرى حالِي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى»؟ فَنَزَلَتْ».

”ومَن يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا“ مِنَ الشِّرْكِ، أوْ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ، وفي مَعْنى الشِّرْكِ بِهِ تَعالى نَفْيُ الصّانِعِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مِن أفْرادِهِ.

﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ عَنِ الحَقِّ، أوِ عَنِ الوُقُوعِ مِمَّنْ لَهُ أدْنى عَقْلٍ، وإنَّما جُعِلَ الجَزاءُ عَلى ما قِيلَ هُنا (فَقَدْ ضَلَّ) إلَخْ، وفِيما تَقَدَّمَ ﴿فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ لِما أنَّ تِلْكَ كانَتْ في أهْلِ الكِتابِ وهم مُطَّلِعُونَ مِن كُتُبِهِمْ عَلى ما يَشُكُّونَ في صِحَّتِهِ مِن أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ ووُجُوبِ اتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، وما يَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى، ومَعَ ذَلِكَ أشْرَكُوا وكَفَرُوا فَصارَ ذَلِكَ افْتِراءً واخْتِلافًا، وجَراءَةً عَظِيمَةً عَلى اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ الآيَةُ كانَتْ في أُناسٍ لَمْ يَعْلَمُوا كِتابًا، ولا عَرَفُوا مِن قَبْلُ وحْيًا، ولَمْ يَأْتِهِمْ سِوى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ، فَأشْرَكُوا بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ – وكَفَرُوا، وضَلُّوا مَعَ وُضُوحِ الحُجَّةِ، وسُطُوعِ البُرْهانِ، فَكانَ ضَلالُهم بَعِيدًا، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَ تِلْكَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾

4:117Page 97

إِن يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثٗا وَإِن يَدۡعُونَ إِلَّا شَيۡطَٰنٗا مَّرِيدٗا ١١٧

They call upon instead of Him none but female [deities], and they [actually] call upon none but a rebellious Satan,

وجاءَ بَعْدَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ أيْ: ما يَعْبُدُونَ أوْ ما يُنادُونَ لِحَوائِجِهِمْ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى إلّا أصْنامًا، والجُمْلَةَ مَبَيِّنَةٌ لِوَجْهِ ما قَبْلَها، ولِذا لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْهِ، وعُبِّرَ عَنِ الأصْنامِ بِالإناثِ لِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ لِكُلِّ حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ، ويُسَمُّونَهُ أُنْثى بَنِي فُلانٍ؛ لِأنَّهم يَجْعَلُونَ عَلَيْهِ الحُلِيَّ وأنْواعَ الزِّينَةِ، كَما يَفْعَلُونَ بِالنِّسْوانِ، أوْ لِما أنَّ أسْماءَها مُؤَنَّثَةٌ كَما قِيلَ، وهم يُسَمُّونَ ما اسْمُهُ مُؤَنَّثٌ أُنْثى كَما في قَوْلِهِ:

وما ذَكَرٌ فَإنْ يَكْبُرْ فَأُنْثى شَدِيدُ اللَّزْمِ لَيْسَ لَهُ ضُرُوسُ

فَإنَّهُ عَنى القُرادَ، وهو ما دامَ صَغِيرًا يُسَمّى قُرادًا، فَإذا كَبَرَ سُمِّيَ حَلَمَةً كَثَمَرَةٍ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ مِنَ الأصْنامِ ما اسْمُهُ مُذَكَّرٌ كَهُبَلَ، ووَدٍّ، وسُواعٍ، وذِي الخَلَصَةِ، وكَوْنُ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ الغالِبِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وقِيلَ: إنَّها جَماداتٌ وهي كَثِيرًا ما تُؤَنَّثُ لِمُضاهاتِها الإناثَ لِانْفِعالِها، فَفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِهَذا الِاسْمِ تَنْبِيهٌ عَلى تَناهِي جَهْلِهِمْ وفَرْطِ حَماقَتِهِمْ، حَيْثُ يَدْعُونَ ما يَنْفَعِلُ، ويَدَعُونَ الفَعّالَ لِما يُرِيدُ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالإناثِ الأمْواتُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ: «أنَّ الأُنْثى كُلُّ مَيِّتٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ مِثْلُ الخَشَبَةِ اليابِسَةِ، والحَجَرِ اليابِسِ» فَفي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ دُونَ (أصْنامًا) التَّنْبِيهُ السّابِقُ أيْضًا، إلّا أنَّ وصْفَ الأصْنامِ بِكَوْنِهِمْ أمْواتًا مَجازٌ.

وقِيلَ: سَمّاها اللَّهُ تَعالى إناثًا لِضَعْفِها، وقِلَّةِ خَيْرِها، وعَدَمِ نَصْرِها، وقِيلَ: لِاتِّضاعِ مَنزِلَتِها، وانْحِطاطِ قَدْرِها بِناءً عَلى أنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ الأُنْثى عَلى كُلِّ ما اتَّضَعَتْ مَنزِلَتُهُ مِن أيِّ جِنْسٍ كانَ.

وقِيلَ: كانَ في كُلِّ صَنَمٍ شَيْطانَةٌ تَتَراءى لِلسَّدَنَةِ وتُكَلِّمُهم أحْيانًا، فَلِذَلِكَ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وقِيلَ: المُرادُ المَلائِكَةُ لِقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ، وهو جَمْعُ أُنْثى كَرِبابٍ ورُبّى في لُغَةِ مَن كَسَرَ الرّاءَ.

وقُرِئَ: (إلّا أُنْثى) عَلى التَّوْحِيدِ (وإلّا أُنُثى) بِضَمَّتَيْنِ كَـ(رُسُلٍ) وهو إمّا صِفَةٌ مُفْرَدَةٌ مِثْلُ امْرَأةٍ جُنُبٍ، وإمّا جَمْعُ أنِيثٍ كَقَلِيبٍ وقُلُبٍ، وقَدْ جاءَ: حَدِيدٌ أنِيثٌ، وإمّا جَمْعُ إناثٍ كَثِمارٍ وثَمَرٍ.

وقُرِئَ وثَنًا وأثَنًا بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ وتَقْدِيمِ الثّاءِ عَلى النُّونِ جَمْعُ (وثَنٍ) كَقَوْلِكَ: أسَدٌ، وأُسْدٌ، وأُسُدٌ، ووُسْدٌ، وقُلِبَتِ الواوُ ألِفًا كَـ(أُجُوهٍ) في وُجُوهٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ كانَ في مُصْحَفِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها – (إلّا أوْثانًا).

﴿وإنْ يَدْعُونَ﴾ أيْ

صفحة 149

وما يَعْبُدُونَ بِعِبادَةِ تِلْكَ الأوْثانِ ﴿إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ إذْ هو الَّذِي أمَرَهم بِعِبادَتِها، وأغْراهم فَكانَتْ طاعَتُهم لَهُ عِبادَةً، فالكَلامُ مَحْمُولٌ عَلى المَجازِ، فَلا يُنافِي الحَصْرَ السّابِقَ، وقِيلَ: المُرادُ مَن يَدْعُونَ يُطِيعُونَ، فَلا مُنافاةَ أيْضًا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُفْيانَ أنَّهُ قالَ: «لَيْسَ مِن صَنَمٍ إلّا فِيهِ شَيْطانٌ» والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الشَّيْطانِ هَنا إبْلِيسُ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ وغَيْرِهِ.

والمَرِيدُ والمارِدُ والمُتَمَرِّدُ: العاتِي الخارِجُ عَنِ الطّاعَةِ، وأصْلُ مادَّةِ (م ر د) لِلْمُلامَسَةِ والتَّجَرُّدِ، ومِنهُ ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ وشَجَرَةٌ مَرْداءُ لِلَّتِي تَناثَرَ ورَقُها، ووُصِفَ الشَّيْطانُ بِذَلِكَ إمّا لِتَجَرُّدِهِ لِلشَّرِّ أوْ لِتَشْبِيهِهِ بِالأمْلَسِ الَّذِي لا يَعْلَقُ بِهِ شَيْءٌ، وقِيلَ: لِظُهُورِ شَرِّهِ كَظُهُورِ ذَقَنِ الأمْرَدِ، وظُهُورِ عِيدانِ الشَّجَرَةِ المَرْداءِ.

4:118Page 97

لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ١١٨

Whom Allāh has cursed. For he had said, "I will surely take from among Your servants a specific portion.

﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: طَرَدَهُ وأبْعَدَهُ عَنْ رَحْمَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِاللَّعْنَةِ فِعْلُ ما يَسْتَحِقُّها بِهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ عَنِ السُّجُودِ، كَقَوْلِهِمْ: أبَيْتَ اللَّعْنَ أيْ: ما فَعَلْتَ ما تَسْتَحِقُّهُ بِهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ ثانِيَةٍ لِشَيْطانٍ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً عَلى الدُّعاءِ فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.

﴿وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والمُرادُ شَيْطانًا مَرِيدًا جامِعًا بَيْنَ لَعْنَةِ اللَّهِ تَعالى وهَذا القَوْلِ الشَّنِيعِ الصّادِرِ مِنهُ عِنْدَ اللَّعْنِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ (قَدْ) أيْ: وقَدْ قالَ، وأنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً مُسْتَطْرَدَةً، كَما أنَّ ما قَبْلَها اعْتِراضِيَّةٌ في رَأْيٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ وإمّا حالٌ مِمّا بَعْدَهُ، واخْتارَهُ البَعْضُ.

والِاتِّخاذُ أخْذُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الِاخْتِصاصِ، وأصْلُ مَعْنى الفَرْضِ القَطْعُ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى المِقْدارِ المُعَيَّنِ لِاقْتِطاعِهِ عَمّا سِواهُ، وهو كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الرَّبِيعِ: «مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ».

والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ وقَعَ نُطْقًا مِنَ اللَّعِينِ، وكَأنَّهُ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - لَمّا نالَ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – ما نالَ طَمَعَ في ولَدِهِ، وقالَ ذَلِكَ ظَنًّا، وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ فَهِمَ طاعَةَ الكَثِيرِ لَهُ مِمّا فَهِمَتْ مِنهُ المَلائِكَةُ حِينَ قالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ .

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ هَذا القَوْلَ حالِيٌّ كَما في قَوْلِهِ:

امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قِطْنِي مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بِطْنِي

وفِي هَذِهِ الجُمَلِ ما يُنادِي عَلى جَهْلِ المُشْرِكِينَ، وغايَةِ انْحِطاطِ دَرَجَتِهِمْ عَنِ الِانْخِراطِ في سِلْكِ العُقَلاءِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ، وفِيها تَوْبِيخٌ لَهم كَما لا يَخْفى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском