Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:133–136
4:133Page 99
إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأۡتِ بِـَٔاخَرِينَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرٗا ١٣٣
If He wills, He can do away with you, O people, and bring others [in your place]. And ever is Allāh competent to do that.
﴿إنْ يَشَأْ﴾ إنْ يُرِدْ إذْهابَكم وإيجادَ آخَرِينَ ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ يُفْنِكم ويُهْلِكْكم ﴿أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ أيْ: يُوجِدُ مَكانَكم دَفْعَةً قَوْمًا آخَرِينَ مِنَ البَشَرِ، فالخِطابُ لِنَوْعٍ مِنَ النّاسِ.
وقَدْ أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: ««أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة 165
﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ ضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ عَلى ظَهْرِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: وقالَ: إنَّهم قَوْمُ هَذا»» وفِيهِ نَوْعُ تَأْيِيدٍ لِما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ، وما نُقِلَ عَنِ العِراقِيِّ أنَّ الضَّرْبَ كانَ عِنْدَ نُزُولِها، وحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ ما ذُكِرَ سَهْوٌ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، ومُقَلِّدُوهُما أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلْقًا آخَرِينَ، أيْ: جِنْسًا غَيْرَ جِنْسِ النّاسِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ خَطَأٌ، وكَوْنُهُ مِن قَبِيلِ المَجازِ - كَما قِيلَ – لا يُتِمُّ بِهِ المُرادُ لِمُخالَفَتِهِ لِاسْتِعْمالِ العَرَبِ، فَإنَّ (غَيْرًا) تَقَعُ عَلى المُغايِرِ في جِنْسٍ أوْ وصْفٍ و(آخَرُ) لا يَقَعُ إلّا عَلى المُغايَرَةِ بَيْنَ أبْعاضِ جِنْسٍ واحِدٍ.
وفِي دُرَّةِ الغَوّاصِ في أوْهامِ الخَواصِّ أنَّهم يَقُولُونَ: ابْتَعْتُ عَبْدًا وجارِيَةً أُخْرى، فَيُوهِمُونَ فِيهِ؛ لِأنَّ العَرَبَ لَمْ تَصِفْ بِلَفْظَيْ (آخَرَ) و(أُخْرى) وجَمْعِهِما إلّا ما يُجانِسُ المَذْكُورَ قَبْلَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ فَوَصَفَ جُلَّ اسْمُهُ مَناةً بِالأُخْرى لَمّا جانَسَتِ العُزّى، ووَصَفَ الأيّامَ بِالأُخَرِ لِكَوْنِها مِن جِنْسِ الشَّهْرِ، والأُمَّةُ لَيْسَتْ مِن جِنْسِ العَبْدِ لِكَوْنِها مُؤَنَّثَةً وهو مُذَكَّرٌ، فَلَمْ يَجُزْ لِذَلِكَ أنْ يَتَّصِفَ بِلَفْظٍ (أُخْرى) كَما لا يُقالُ: جاءَتْ هِنْدٌ ورَجُلٌ آخَرُ، والأصْلُ في ذَلِكَ أنَّ آخَرَ مِن قَبِيلِ أفْعَلَ الَّذِي يَصْحَبُهُ مِن، ويُجانِسُ المَذْكُورَ بَعْدَهُ، كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّكَ إذا قُلْتَ: قالَ: الفِنْدُ الزِّمّانِيُّ وقالَ آخَرُ: كانَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: وقالَ آخَرُ مِنَ الشُّعَراءِ، وإنَّما حُذِفَتْ لَفْظَةُ (مِن) لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْها، وكَثْرَةِ اسْتِعْمالِ (آخَرَ) في النُّطْقِ.
وفِي الدُّرِّ المَصُونِ: إنَّ هَذا غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وإنَّما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ وأهْلُ اللُّغَةِ، وارْتَضاهُ نَجْمُ الأئِمَّةِ الرَّضِيُّ إلّا أنَّهُ يَرُدُّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ ومَن مَعَهُ أنَّ (آخَرِينَ) صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والصِّفَةُ لا تَقُومُ مَقامَ مَوْصُوفِها إلّا إذا كانَتْ خاصَّةً، نَحْوُ: مَرَرْتُ بِكاتِبٍ، أوْ إذا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى تَعْيِينِ المَوْصُوفِ، وهُنا لَيْسَتْ بِخاصَّةٍ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الأوَّلِ لِتَدُلَّ عَلى المَحْذُوفِ.
وقالَ ابْنُ يَسْعُوُنَ والصِّقِلِّيُّ وجَماعَهٌ: إنَّ العَرَبَ لا تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرَجُلَيْنِ وآخَرَ؛ لِأنَّهُ إنَّما يُقابِلُ آخَرُ ما كانَ مِن جِنْسِهِ تَثْنِيَةً وجَمْعًا وإفْرادًا، وقالَ ابْنُ هِشامٍ: هَذا غَيْرُ صَحِيحٍ لِقَوْلِ رَبِيعَةَ بْنِ مُكَدَّمٍ:
ولَقَدْ شَفَعْتُهُما بِآخَرَ ثالِثٍ وأبى الفِرارَ إلى الغَداةِ تَكَرُّمِي
وقالَ أبُو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ:
وكُنْتُ أمْشِي عَلى ثِنْتَيْنِ مُعْتَدِلًا ∗∗∗ فَصِرْتُ أمْشِي عَلى أُخْرى مِنَ الشَّجَرِ
وإنَّما يَعْنُونَ بِكَوْنِهِ مِن جِنْسِ ما قَبْلَهُ أنْ يَكُونَ اسْمُ المَوْصُوفِ بِآخِرَ في اللَّفْظِ، أوِ التَّقْدِيرُ يَصِحُّ وُقُوعُهُ عَلى المُتَقَدِّمِ الَّذِي قُوبِلَ بِآخَرَ عَلى جِهَةِ التَّواطُؤِ، ولِذَلِكَ لَوْ قُلْتَ: جاءَنِي زَيْدٌ وآخَرُ كانَ سائِغًا؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: ورَجُلٌ آخَرُ، وكَذا: جاءَنِي زَيْدٌ وأُخْرى، تُرِيدُ: نَسَمَةً أُخْرى، وكَذا: اشْتَرَيْتُ فَرَسًا ومَرْكُوبًا آخَرَ سائِغٌ، وإنْ كانَ المَرْكُوبُ الآخَرُ جَمَلًا؛ لِوُقُوعِ المَرْكُوبِ عَلَيْهِما بِالتَّواطُؤِ، فَإنْ كانَ وُقُوعُ الِاسْمِ عَلَيْهِما عَلى جِهَةِ الِاشْتِراكِ المَحْضِ فَإنْ كانَتْ حَقِيقَتُهُما واحِدَةً جازَتِ المَسْألَةُ، نَحْوُ: قامَ أحَدُ الزَّيْدَيْنِ وقَعَدَ الآخَرُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ حَقِيقَتُهُما واحِدَةً لَمْ تَجُزْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُقابَلْ بِهِ ما هو مِن جِنْسِهِ، نَحْوُ: رَأيْتُ المُشْتَرِيَ والمُشْتَرِيَ الآخَرَ تُرِيدُ بِأحَدِهِما الكَوْكَبَ وبِالآخَرِ مُقابِلَ البائِعِ، وهَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ التَّواطُؤِ اتِّفاقُهُما في التَّذْكِيرِ؟ فِيهِ خِلافٌ، فَذَهَبَ المُبَرِّدُ إلى عَدَمِ اشْتِراطِهِ، فَيَجُوزُ: جاءَتْنِي جارِيَتُكَ وإنْسانٌ آخَرُ، واشْتَرَطَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ، والصَّحِيحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ بِدَلِيلِ قَوْلِ عَنْتَرَةَ:
والخَيْلُ تَقْتَحِمُ الغُبارَ عَوابِسا ∗∗∗ مِن بَيْنِ مَنظَمَةٍ وآخَرَ يَنْظِمُ
صفحة 166
وما ذُكِرَ مِن أنَّ (آخَرَ) يُقابَلُ بِهِ ما تَقَدَّمَهُ مِن جِنْسِهِ هو المُخْتارُ، وإلّا فَقَدْ يَسْتَعْمِلُونَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَتَقَدَّمَهُ شَيْءٌ مِن جِنْسِهِ، وزَعَمَ أبُو الحَسَنِ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ، فَلَوْ قُلْتَ: جاءَنِي آخَرُ مِن غَيْرِ أنْ تَتَكَلَّمَ قَبْلَهُ بِشَيْءٍ مِن صِنْفِهِ لَمْ يَجُزْ، ولَوْ قُلْتَ: أكَلْتُ رَغِيفًا وهَذا قَمِيصٌ آخَرُ لَمْ يَحْسُنْ.
وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ:
صَلّى عَلى عَزَّةَ الرَّحْمَنُ وابْنَتِها ∗∗∗ لَيْلى وصَلّى عَلى جاراتِها الأُخَرِ
فَحُمُولٌ عَلى أنَّهُ جَعَلَ ابْنَتَها جارَّةً لَها لِتَكُونَ الأُخْرى مِن جِنْسِها، ولَوْلا هَذا التَّقْدِيرُ لَما جارَ أنْ يُعَقِّبَ ذِكْرَ البِنْتِ بِالجاراتِ، بَلْ كانَ يَقُولُ: وصَلّى عَلى بَناتِها الأُخَرِ، وقَدْ قُوبِلَ في البَيْتِ أيْضًا (أُخَرُ) وهو جَمْعٌ بِابْنَتِها وهو مُفْرَدٌ.
وزَعْمٌ السُّهَيْلِيُّ أنَّ أُخْرى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ اسْتُعْمِلَتْ مِن غَيْرِ أنْ يَتَقَدَّمَها شَيْءٌ مِن صِنْفِها؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مَناةَ الطّاغِيَةِ الَّتِي كانُوا يُهِلُّونَ إلَيْها بِقُدَيْدٍ، فَجَعَلَها ثالِثَةَ اللّاةَ والعُزّى، وأُخْرى لِمَناةَ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ وغَيْرُهُ مِن قَوْمِهِ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ، والصَّوابُ أنَّهُ جَعَلَها أُخْرى بِالنَّظَرِ إلى اللّاتِ والعُزّى، وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ المَوْصُوفَ بِالأُخْرى وهو الثّالِثَةُ يَصِحُّ وُقُوعُهُ عَلى اللّاتِ والعُزّى، ألا تَرى أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ ثالِثَةٌ بِالنَّظَرِ إلى صاحِبَتِها؟ وإنَّما اتَّجَهَ ذَلِكَ إلى ما ذَكَرَهُ أبُو الحَسَنِ مِن أنَّ اسْتِعْمالَ آخَرَ وأُخْرى مِن غَيْرِ أنْ يَتَقَدَّمَهُما صِنْفُهُما لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ، انْتَهى.
وهُوَ تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ إلّا أنَّهُ سَيَأْتِي - إنَّ شاءَ اللَّهُ تَعالى - تَحْقِيقُ الكَلامِ في الآيَةِ الَّتِي ذَكَرَها.
وفِي المَسائِلِ الصُّغْرى لِلْأخْفَشِ في بابٍ عَقَدَهُ لِتَحْقِيقِ هَذِهِ المَسْألَةِ أنَّ العَرَبَ لا تَسْتَعْمِلُ آخَرَ إلّا فِيما هو مِن صِنْفِ ما قَبْلَهُ، فَلَوْ قُلْتَ: أتانِي صَدِيقٌ لَكَ وعَدُوٌّ لَكَ آخَرُ لَمْ يَحْسُنْ؛ لِأنَّهُ لَغْوٌ مِنَ الكَلامِ، وهو يُشْبِهُ (سائِرَ، وبَقِيَّةَ، وبَعْضَ) في أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في جِنْسِهِ، فَلَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ رَجُلًا وتَرَكْتُ سائِرَ النِّساءِ لَمْ يَكُنْ كَلامًا، وقَدْ يَجُوزُ ما امْتُنِعَ بِتَأْوِيلٍ، كَـ: رَأيْتُ فَرَسًا وحِمارًا آخَرَ؛ نَظَرًا إلى أنَّهُ دابَّةٌ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
إذا قُلْتُ: هَذا صاحِبِي ورَضِيتُهُ ∗∗∗ وقَرَّتْ بِهِ العَيْنانِ بُدِّلْتُ آخَرا
وفِي الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وجَدَ خِفَّةً في مَرَضِهِ فَقالَ: «انْظُرُوا مَن أتَّكِئُ عَلَيْهِ فَجاءَتْ بَرِيرَةُ ورَجُلٌ آخَرُ فاتَّكَأ عَلَيْهِما»».
وحاصِلُ هَذا أنَّهُ لا يُوصَفُ بِآخَرَ إلّا ما كانَ مِن جِنْسِ ما قَبْلَهُ لِتَتَبَيَّنَ مُغايَرَتُهُ في مَحَلٍّ يُتَوَهَّمُ فِيهِ اتِّحادُهُ ولَوْ تَأْوِيلًا، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ نَصًّا في الخَطَأِ، ومُخالَفَةُ اسْتِعْمالِ العَرَبِ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ﴾ أيْ: إفْنائِكم بِالمَرَّةِ وإيجادِ آخَرِينَ ﴿قَدِيرًا﴾ بَلِيغَ القُدْرَةِ، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَفْعَلْ وأبْقاكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العِصْيانِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ لا لِعَجْزِهِ سُبْحانَهُ، وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
4:134Page 99
مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ١٣٤
Whoever desires the reward of this world - then with Allāh is the reward of this world and the Hereafter. And ever is Allāh Hearing and Seeing.
﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ كالمُجاهِدِ يُرِيدُ بِجِهادِهِ الغَنِيمَةَ والمَنافِعَ الدُّنْيَوِيَّةَ ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ جَزاءُ الشَّرْطِ بِتَقْدِيرِ الإعْلامِ والإخْبارِ، أيْ: (مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا) فَأعْلِمْهُ وأخْبِرْهُ أنَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ثَوابَ الدّارِينَ فَما لَهُ لا يَطْلُبُ ذَلِكَ كَمَن يَقُولُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ أوْ يَطْلُبُ الأشْرَفَ وهو ثَوابُ الآخِرَةِ، فَإنَّ مَن جاهَدَ مَثَلًا خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لَمْ تُخْطِهِ المَنافِعُ الدُّنْيَوِيَّةُ، ولَهُ في الآخِرَةِ ما هي في جَنْبِهِ كَلا شَيْءٍ.
وفِي مُسْنَدِ أحْمَدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن كانَ هَمُّهُ الآخِرَةَ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى شَمْلَهُ، وجَعَلَ غِناهُ في قَلْبِهِ، وأتَتْهُ
صفحة 167
الدُّنْيا وهي راغِمَةٌ، ومَن كانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيا، فَرَّقَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ولَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلّا ما كُتِبَ لَهُ»».
وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ الخُسْرانِ فَيُقالُ: مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَقَطْ فَقَدْ حَسِرَ وهَلَكَ، فَعِنْدَ اللَّهِ تَعالى ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لَهُ إنْ أرادَهُ.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ««أوَّلُ النّاسِ يُقْضى عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَما عَمِلْتَ فِيها؟ قالَ: قاتَلْتُ فِيكَ حَتّى اسْتُشْهِدْتُ قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ قاتَلْتَ لِأنْ يُقالُ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ: ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وجْهِهِ حَتّى أُلْقِيَ في النّارِ.
ورَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وعَلَّمَهُ، وقَرَأ القُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَما عَمِلْتَ فِيها؟ قالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وعَلَّمْتُهُ، وقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقالَ: عالِمٌ، وقَرَأْتَ لِيُقالَ: هو قارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وجْهِهِ حَتّى أُلْقِيَ في النّارِ.
ورَجُلٌ وسَّعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وأعْطاهُ مِن أصْنافِ المالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَما عَمِلْتَ فِيها؟ قالَ: ما تَرَكْتُ مِن سَبِيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنْفَقَ فِيها إلّا أنْفَقْتُ فِيها، قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقالَ: هو جَوادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وجْهِهِ حَتّى أُلْقِيَ في النّارِ»».
وقِيلَ: إنَّهُ الجَزاءُ إلّا أنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِما يَجْعَلُهُ مُرَتَّبًا عَلى الشَّرْطِ؛ لِأنَّ مَآلَهُ أنَّهُ مَلُومٌ مُوَبَّخٌ لِتَرْكِهِ الأهَمَّ الأعْلى الجامِعَ لِما أرادَهُ مَعَ زِيادَةٍ، لَكِنْ مَن يَشْتَرِطُ العائِدَ في الجَزاءِ يُقَدِّرُهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.
وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى عِنْدَهُ ثَوابُ الدّارِينَ، فَيُعْطِي كُلًّا ما يُرِيدُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ الآيَةَ.
﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ تَذْيِيلٌ لِمَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ: كَيْفَ يُرائِي المُرائِي، وأنَّ اللَّهَ تَعالى (سُمَيْعٌ) بِما يَهْجِسُ في خاطِرِهِ وما تَأْمُرُ بِهِ دَواعِيهِ، (بَصِيرٌ) بِأحْوالِهِ كُلِّها ظاهِرِها وباطِنِها، فَيُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: ذُيِّلَ بِذَلِكَ لِأنَّ إرادَةَ الثَّوابِ إمّا بِالدُّعاءِ وإمّا بِالسَّعْيِ، والأوَّلُ مَسْمُوعٌ، والثّانِي مُبْصَرٌ، وقِيلَ: السَّمْعُ والبَصَرُ عِبارَتانِ عَنِ اطِّلاعِهِ تَعالى عَلى غَرَضِ المُرِيدِ لِلدُّنْيا أوِ الآخِرَةِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الجَزاءِ، ولا يَخْفى أنَّهُ – وإنْ كانَ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ - إلّا أنَّهُ يُوهِمُ إرْجاعَ صِفَةِ السَّمْعِ والبَصَرِ إلى العِلْمِ، وهو خِلافُ المُقَرَّرِ في الكَلامِ.
4:135Page 100
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ١٣٥
O you who have believed, be persistently standing firm in justice, witnesses for Allāh, even if it be against yourselves or parents and relatives. Whether one is rich or poor, Allāh is more worthy of both.1 So follow not [personal] inclination, lest you not be just. And if you distort [your testimony] or refuse [to give it], then indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ أيْ: مُواظِبِينَ عَلى العَدْلِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، مُجْتَهِدِينَ في ذَلِكَ كُلَّ الِاجْتِهادِ، لا يَصْرِفْكم عَنْهُ صارِفٌ.
وعَنِ الرّاغِبِ أنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ بِلَفْظِ القَوّامِينَ عَلى أنَّ مُراعاةَ العَدالَةِ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ لا تَكْفِي، بَلْ يَجِبُ أنْ تَكُونَ عَلى الدَّوامِ، فالأُمُورُ الدِّينِيَّةُ لا اعْتِبارَ بِها ما لَمْ تَكُنْ مُسْتَمِرَّةً دائِمَةً، ومَن عَدَلَ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ لا يَكُونُ في الحَقِيقَةِ عادِلًا أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ يُطْلَقَ فِيهِ ذَلِكَ ﴿شُهَداءَ﴾ بِالحَقِّ ﴿لِلَّهِ﴾ بِأنْ تُقِيمُوا شَهاداتِكم لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وانْتِصابُ (شُهَداءَ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لَـ(كُونُوا) ولا يَخْفى ما في تَقْدِيمِ الخَبَرِ الأوَّلِ مِنَ الحُسْنِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، وأُيِّدَ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ: أيْ: كُونُوا قَوّالِينَ بِالحَقِّ في الشَّهادَةِ عَلى مَن كانَتْ، ولِمَن كانَتْ، مِن قَرِيبٍ وبَعِيدٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةُ (قَوّامِينَ) وقِيلَ: إنَّهُ حَبَرُ (كُونُوا) و(قَوّامِينَ) حالٌ ﴿ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكُمْ، وفُسِّرَتِ الشَّهادَةُ بِبَيانِ الحَقِّ مَجازًا، فَتَشْمَلُ الإقْرارَ المُرادَ ها هُنا، والشَّهادَةَ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ المُرادِ فِيما بَعْدُ، فَلا يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وقِيلَ: الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ المُبالِغَةِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ حَقِيقَتَهُ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِعُمُومِ المَجازِ لِيَشْمَلَ الإقْرارَ حَيْثُ إنَّ شَهادَةَ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ لَمْ تُعْهَدْ، والجارُّ - عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ -
صفحة 168
ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ خَبَرًا لَكانَ المَحْذُوفَةِ، وإنْ كانَ في الأصْلِ صِلَةً؛ لِأنَّ مُتَعَلِّقَ المَصْدَرِ قَدْ يُجْعَلُ خَبَرًا عَنْهُ، فَيَصِيرُ مُسْتَقِرًّا، مِثْلُ (الحَمْدُ لِلَّهِ) ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في اسْمِ الفاعِلِ ونَحْوِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم.
وعَلَّقَهُ أبُو البَقاءِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ (شُهَداءَ) أيْ: لَوْ شَهِدْتُمْ عَلى أنْفُسِكُمْ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِـ(قَوّامِينَ) وفِيهِ بُعْدٌ، (ولَوْ) إمّا عَلى أصْلِها أوْ بِمَعْنى إنْ، وهي وصَلِيَّةٌ، وقِيلَ: جَوابُها مُقَدَّرٌ، أيْ: لَوَجَبَ أنْ تَشْهَدُوا عَلَيْها ﴿أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ أيْ: ولَوْ كانَتْ عَلى والِدَيْكُمْ، وأقْرَبِ النّاسِ إلَيْكُمْ، أوْ ذَوِي قَرابَتِكُمْ، وعُطِفَ الأوَّلُ بِـ(أوْ) لِأنَّهُ مُقابِلٌ لِلْأنْفُسِ، وعُطِفَ الثّانِي عَلَيْهِ بِالواوِ لِعَدَمِ المُقابَلَةِ ﴿إنْ يَكُنْ﴾ أيِ: المَشْهُودُ عَلَيْهِ ﴿غَنِيًّا﴾ يُرْجى في العادَةِ ويُخْشى ﴿أوْ فَقِيرًا﴾ يُتَرَحَّمُ عَلَيْهِ في الغالِبِ ويُحْنى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (إنْ يَكُنْ غَنِيٌّ أوْ فَقِيرٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ أيْ: فَلا تَمْتَنِعُوا عَنِ الشَّهادَةِ عَلى الغَنِيِّ طَلَبًا لِرِضاهُ، أوْ عَلى الفَقِيرِ شَفَقَةً عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْلى بِالجِنْسَيْنِ، وأنْظُرُ لَهُما مِن سائِرِ النّاسِ، ولَوْلا أنَّ حَقَّ الشَّهادَةِ مَصْلَحَةٌ لَهُما لَما شَرَعَها، فَراعُوا أمْرَ اللَّهِ، فَإنَّهُ أعْلَمُ بِمَصالِحِ العِبادِ مِنكم.
وقَرَأ أُبَيٌّ: (فاللَّهُ أوْلى بِهِمْ) بِضَمِيرِ الجَمْعِ، وهو شاهِدٌ عَلى أنَّ المُرادَ جِنْسا الغَنِيِّ والفَقِيرِ، وأنَّ ضَمِيرَ التَّثْنِيَةِ لَيْسَ عائِدًا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ المَذْكُورَيْنِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ في الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المَعْطُوفِ بِـ(أوِ) الإفْرادُ كَما قِيلَ: لِأنَّها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ أوِ الأشْياءِ، وقِيلَ: إنَّ (أوْ) بِمَعْنى الواوِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المَذْكُورِينَ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الأخْفَشِ، وقِيلَ: إنَّها عَلى بابِها وهي هُنا لِتَفْصِيلِ ما أُبْهِمَ في الكَلامِ، وذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالشَّهادَةِ ما يَعُمُّ الشَّهادَةَ لِلرَّجُلِ والشَّهادَةَ عَلَيْهِ، فَكُلٌّ مِنَ المَشْهُودِ لَهُ والمَشْهُودِ عَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَنِيًّا وأنْ يَكُونَ فَقِيرًا، فَقَدْ يَكُونانِ غَنِيَّيْنِ وقَدْ يَكُونانِ فَقِيرَيْنِ، وقَدْ يَكُونُ أحَدُهُما فَقِيرًا والآخَرُ غَنِيًّا، فَحَيْثُ لَمْ تُذْكَرِ الأقْسامُ أُتِيَ بِـ(أوْ) لِتَدُلَّ عَلى ذَلِكَ، فَضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ عَلى المَشْهُودِ لَهُ والمَشْهُودِ عَلَيْهِ عَلى أيِّ وصْفٍ كانا عَلَيْهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقالَ الرَّضِيُّ: الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلى المَذْكُورِ المُتَعَدِّدِ الَّذِي عُطِفَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضِ بِـ(أوْ) يَجُوزُ أنْ يُوَحَّدَ وأنْ يُطابِقَ المُتَعَدِّدَ، وذَلِكَ يَدُورُ عَلى القَصْدِ، فَيَجُوزُ: جاءَنِي زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو وذَهَبَ، أوْ وهُما ذاهِبانِ إلى المَسْجِدِ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى التَّوْجِيهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّثْنِيَةِ ووُجُوبِ الإفْرادِ في مِثْلِ هَذا الضَّمِيرِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ الظّاهِرَ الإفْرادُ دُونَ التَّثْنِيَةِ، وإنْ جازَ كُلٌّ مِنهُما فَيَحْتاجُ العُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ إلى نُكْتَةٍ.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّها تَعْمِيمُ الأوْلَوِيَّةِ، ودَفْعُ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِها بِواحِدٍ، فَتَأمَّلْ.
﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى﴾ أيْ: هَوى أنْفُسِكم ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾ مِنَ العُدُولِ والمَيْلِ عَنِ الحَقِّ، أوْ مِنَ العَدْلِ مُقابِلِ الجَوْرِ، وهو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ إمّا لِلِاتِّباعِ المَنهِيِّ عَنْهُ أوْ لِلنَّهْيِ، فالِاحْتِمالاتُ أرْبَعَةٌ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العُدُولِ، وهو عِلَّةٌ لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرٍ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العَدْلِ، وهو عِلَّةٌ لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، فَيُقَدَّرُ مُضافٌ، أيْ: كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العُدُولِ، وهو عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ، فَيَحْتاجُ إلى التَّقْدِيرِ كَما في الِاحْتِمال الثّانِي، أيْ: أنْهاكَمْ عَنِ اتِّباعِ الهَوى؛ كَراهَةَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العَدْلِ، وهو عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ، فَلا يَحْتاجُ إلى التَّقْدِيرِ كَما في الِاحْتِمالِ الأوَّلِ، أيْ: أنْهاكم عَنِ اتِّباعِ الهَوى لِلْعَدْلِ وعَدَمِ الجَوْرِ.
﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ ألْسِنَتَكم عَنِ الشَّهادَةِ، بِأنْ تَأْتُوا بِها عَلى غَيْرِ وجْهِها الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، والضَّحّاكِ، وحُكِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ
صفحة 169
- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: اللَّيُّ المَطْلُّ في أدائِها، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ أيْ: تَتْرُكُوا إقامَتَها رَأْسًا، وهو خِطابٌ لِلشُّهُودِ،وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ لِلْحُكّامِ، واللَّيُّ الحُكْمُ بِالباطِلِ، والإعْراضُ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلى أحَدِ الخَصْمَيْنِ، ونُسِبَ هَذا إلى السُّدِّيِّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – أيْضًا، وقَرَأ حَمْزَةُ: (وإنْ تَلُوا) بِضَمِّ اللّامِ وواوٍ ساكِنَةٍ، وهو مِنَ الوِلايَةِ بِمَعْنى مُباشَرَةِ الشَّهادَةِ، وقِيلَ: إنَّ أصْلَهُ تَلْوُوا بِواوَيْنِ أيْضًا، نُقِلَتْ ضَمَّةُ الواوِ بَعْدَ قَلْبِها هَمْزَةً أوِ ابْتِداءً إلى ما قَبْلَها، ثُمَّ حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وعَلى هَذا فالقِراءَتانِ بِمَعْنًى ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ اللَّيِّ والإعْراضِ، أوْ مِن جَمِيعِ الأعْمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ ﴿خَبِيرًا﴾ عالِمًا مُطَّلِعًا، فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ، وهو وعِيدٌ مَحْضٌ عَلى القِراءَةِ الأُولى، وعَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وأنْ يَكُونَ مُتَضَمِّنًا لِلْوَعْدِ.
والآيَةُ - كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ - نَزَلَتْ في النَّبِيِّ ﷺ ««اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلانِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ، فَكانَ خُلُقُهُ مَعَ الفَقِيرِ، يَرى أنَّ الفَقِيرَ لا يَظْلِمُ الغَنِيَّ، فَأبى اللَّهُ تَعالى إلّا أنْ يَقُولَ بِالقِسْطِ في الغَنِيِّ والفَقِيرِ»» وهي مُتَضَمِّنَةٌ لِلشَّهادَةِ عَلى مَن ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا تَعَرُّضَ فِيها لِلشَّهادَةِ لَهم عَلى ما هو الظّاهِرُ، وحَمَلَها بَعْضُهم عَلى ما يَشْمَلُ القِسْمَيْنِ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - كَما أشَرْنا إلَيْهِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُ شَهادَةُ الوَلَدِ لِوالِدِهِ، والوالِدِ لِوَلَدِهِ.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ سَلَفُ المُسْلِمِينَ عَلى ذَلِكَ حَتّى ظَهَرَ مِنَ النّاسِ أُمُورٌ حَمَلَتِ الوُلاةَ عَلى اتِّهامِهِمْ، فَتُرِكَتْ شَهادَةُ مَن يُتَّهَمُ، ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ بَعِيدٌ جِدًّا، وأبْعَدُ مِنهُ بِمَراحِلَ - بَلْ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإشارَةِ - كَوْنُ المُرادِ مِنها: (كُونُوا شُهَداءَ لِلَّهِ) تَعالى بِوَحْدانِيَّتِهِ، وكَمالِ صِفاتِهِ، وحِقِّيَّةِ أحْكامِهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُضِرًّا لِأنْفُسِكم أوْ لِوالِدَيْكم وأقْرَبِيكُمْ، بِأنْ تُوجِبَ الشَّهادَةُ ذَهابَ حَياةِ هَؤُلاءِ أوْ أمْوالِهِمْ أوْ غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿إنْ يَكُنْ﴾ أيِ: الشّاهِدُ ﴿غَنِيًّا﴾ تَضُرُّ شَهادَتُهُ بِغِناهُ ﴿أوْ فَقِيرًا﴾ تَسُدُّ شَهادَتُهُ بابَ دَفْعِ الحاجَةِ عَلَيْهِ ﴿فاللَّهُ﴾ تَعالى ﴿أوْلى بِهِما﴾ مِن أنْفُسِهِما، فَيَنْبَغِي أنْ يُرَجِّحا اللَّهَ تَعالى عَلى أنْفُسِهِما.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا مَدْخَلَ لَهُ في الشَّهادَةِ؛ إذْ لَيْسَ قَوّامًا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنَ الخُرُوجِ إلى القاضِي، وعَلى وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ عَلى الحاكِمِ، وهو ظاهِرٌ عَلى رَأْيٍ.
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما تَقَدَّمَ - عَلى ما في البَحْرِ - أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ النِّساءَ والنُّشُوزَ والمُصالَحَةَ عَقَّبَهُ بِالقِيامِ لِأداءِ الحُقُوقِ، وفي الشَّهادَةِ حُقُوقٌ، أوْ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَمّا بَيَّنَ أنَّ طالِبَ الدُّنْيا مَلُومٌ وأشارَ إلى أنَّ طالِبَ الأمْرَيْنِ أوْ أشْرَفَهُما هو المَمْدُوحُ بَيَّنَ أنَّ كَمالَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الإنْسانِ وفِعْلُهُ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ - تَعالى شَأْنُهُ - لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ والإشْهادَ عِنْدَ دَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ، وأمَرَ بِبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَ قِصَّةَ الخائِنِ واجْتِماعَ قَوْمِهِ عَلى الكَذِبِ والشَّهادَةِ بِالباطِلِ، ونَدَبَ لِلْمُصالَحَةِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنْ أمْرَ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالعَدْلِ والشَّهادَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى.
4:136Page 100
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٣٦
O you who have believed, believe1 in Allāh and His Messenger and the Book that He sent down upon His Messenger and the Scripture which He sent down before. And whoever disbelieves in Allāh, His angels, His books, His messengers, and the Last Day has certainly gone far astray.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ كافَّةً، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ اثْبُتُوا عَلى الإيمانِ بِذَلِكَ، وداوِمُوا عَلَيْهِ.
ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وقِيلَ: الخِطابُ لَهُمْ، والمُرادُ: ازْدادُوا في الإيمانِ طُمَأْنِينَةً ويَقِينًا، أوْ (آمِنُوا) بِما ذُكِرَ مُفَصَّلًا بِناءً عَلى أنَّ إيمانَ بَعْضِهِمْ إجْمالِيٌّ، وأيّا ما كانَ فَلا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الحاصِلِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ المُؤْمِنِينَ ظاهِرًا، فَمَعْنى (آمِنُوا) أخْلِصُوا الإيمانَ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وقِيلَ: لِمُؤْمِنِي اليَهُودِ خاصَّةً، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، وأسَدَ
صفحة 170
وأُسَيْدُ ابْنَيْ كَعْبٍ، وثَعْلَبَةَ بْنَ قَيْسٍ، وابْنَ أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامِ، ويامِينَ بْنَ يامِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ – وقالُوا: «نُؤْمِنُ بِكَ وبِكِتابِكَ، وبِمُوسى وبِالتَّوْراةِ وعُزَيْرٍ، ونَكْفُرُ بِما سِواهُ مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ آمِنُوا بِاللَّهِ تَعالى، ومُحَمَّدٍ ﷺ وبِكِتابِهِ القُرْآنِ، وبِكُلِّ كِتابٍ كانَ قَبْلَهُ، فَقالُوا: لا نَفْعَلُ، فَنَزَلَتْ، فَآمَنُوا كُلُّهُمْ»».
وقِيلَ: لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابَيْنِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ.
وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ المُؤْمِنِينَ بِاللّاتِ والعُزّى.
وقِيلَ: لِجَمِيعِ الخَلْقِ؛ لِإيمانِهِمْ يَوْمَ أخْذِ المِيثاقِ حِينَ قالَ لَهم سُبْحانَهُ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ .
والكِتابُ الأوَّلُ القُرْآنُ، والمُرادُ مِنَ الكِتابِ الثّانِي الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لِجَمِيعِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى فِيما بَعْدُ: (وكُتُبِهِ)، والمُرادُ بِالإيمانِ بِها الإيمانُ بِها في ضِمْنِ الإيمانِ بِالكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ عَلى مَعْنى أنَّ الإيمانَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الإيمانِ بِذَلِكَ الكِتابِ، وأنَّ أحْكامَ كُلٍّ مِنها كانَتْ حَقَّةً ثابِتَةً يَجِبُ الأخْذُ بِها إلى وُرُودِ ما نَسَخَها، وأنَّ ما لَمْ يُنْسَخْ مِنها إلى الآنَ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ ثابِتَةٌ مِن حَيْثُ إنَّها مِن أحْكامِ ذَلِكَ الكِتابِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ ولا تَغْيِيرٌ يَعْتَرِيهِ.
ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ أمْرَ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ بِالإيمانِ بِكِتابِهِمْ بِناءً عَلى أنَّ الخِطابَ لَهم لَيْسَ عَلى مَعْنى الثَّباتِ؛ لِأنَّ هَذا النَّحْوَ مِنَ الإيمانِ غَيْرُ حاصِلٍ لَهُمْ، وهو المَقْصُودُ، ولا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ مُتَعَلِّقَ الأمْرِ حَقِيقَةً هو الإيمانُ بِما عَداهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: آمِنُوا بِالكُلِّ ولا تَخُصُّوهُ بِالبَعْضِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (نُزِّلَ) و(أُنْزِلَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واسْتِعْمالُ (نَزَّلَ) أوَّلًا و(أنْزَلَ) ثانِيًا؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُفْرَّقًا بِالإجْماعِ، وكانَ تَمامُهُ في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً عَلى الصَّحِيحِ، ولا كَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الكُتُبِ، فَتَذَكَّرْ.
﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أيْ: بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَإنَّ الحُكْمَ المُتَعَلِّقَ بِالأُمُورِ المُتَعاطِفَةِ بِالواوِ - كَما قالَ العَلامَةُ الثّانِي - قَدْ يَرْجِعُ إلى كُلِّ واحِدٍ، وقَدْ يَرْجِعُ إلى المَجْمُوعِ، والتَّعْوِيلُ عَلى القَرائِنِ، وها هُنا قَدْ دَلَّتِ القَرِينَةُ عَلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ الإيمانَ بِالكُلِّ واجِبٌ، والكُلُّ يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ البَعْضِ، ومِثْلُ هَذا لَيْسَ مِن جَعْلِ (الواوِ) بِمَعْنى (أوْ) في شَيْءٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم رُجُوعَهُ إلى المَجْمُوعِ لِوَصْفِ الضَّلالِ بِغايَةِ البُعْدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ .
ويُسْتَفادُ مِنهُ أنَّ الكُفْرَ بِأيِّ بَعْضٍ كانَ ضَلالٌ مُتَّصِفٌ بِـ(بُعْدٍ)، والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ بِالضَّلالِ البَعِيدِ الضَّلالُ البَعِيدُ عَنِ المَقْصِدِ، بِحَيْثُ لا يَكادُ يَعُودُ المُتَّصِفُ بِهِ إلى طَرِيقِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ (ضَلالًا بَعِيدًا) عَنِ الوُقُوعِ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ السّابِقِ، وتَأْكِيدٌ لَهُ.
وزِيادَةُ المَلائِكَةِ واليَوْمِ الآخِرِ في جانِبِ الكُفْرِ - عَلى ما ذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ - لِما أنَّ بِالكُفْرِ بِأحَدِهِما لا يَتَحَقَّقُ الإيمانُ أصْلًا، وجَمْعُ الكُتُبِ والرُّسُلِ لِما أنَّ الكُفْرَ بِكِتابٍ أوْ رَسُولٍ كُفْرٌ بِالكُلِّ، وتَقْدِيمُ الرَّسُولِ فِيما سَبَقَ لِذِكْرِ الكِتابِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا عَلَيْهِ، وتَقْدِيمُ المَلائِكَةِ والكُتُبِ عَلى الرُّسُلِ؛ لِأنَّهم وسائِطُ بَيْنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وبَيْنَ الرُّسُلِ في إنْزالِ الكُتُبِ، وقِيلَ: اخْتِلافُ التَّرْتِيبِ في المَوْضِعَيْنِ مِن بابِ التَّفَنُّنِ في الأسالِيبِ، والزِّيادَةُ في الثّانِي لِمُجَرَّدِ المُبالِغَةِ، وقُرِئَ: (بِكِتابِهِ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences