Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:14–16
4:14Page 79
وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٤
And whoever disobeys Allāh and His Messenger and transgresses His limits - He will put him into the Fire to abide eternally therein, and he will have a humiliating punishment.
﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فِيما أمَرَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ أوْ فِيما فَرَضَ مِنَ الفَرائِضِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَن لا يُؤْمِنُ بِما فَصَّلَ سُبْحانَهُ مِنَ المَوارِيثِ، وحُكِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ.
﴿ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ الَّتِي جاءَ بِها رَسُولُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومِن جُمْلَتِها ما قَصَّ لَنا قَبْلُ، أوْ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ في القِسْمَةِ المَذْكُورَةِ اسْتِحْلالًا كَما حُكِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ ﴿يُدْخِلْهُ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِالنُّونِ في المَوْضِعَيْنِ ﴿نارًا﴾ أيْ عَظِيمَةً هائِلَةً ﴿خالِدًا فِيها﴾ حالٌ كَما سَبَقَ، وأُفْرِدَ هُنا وجُمِعَ هُناكَ لِأنَّ أهْلَ الطّاعَةِ أهْلُ الشَّفاعَةِ وإذا شَفَعَ أحَدُهم في غَيْرِهِ دَخَلَها مَعَهُ، وأهْلُ المَعاصِي لا يَشْفَعُونَ فَلا يَدْخُلُ بِهِمْ غَيْرُهم فَيَبْقَوْنَ فُرادى، أوْ لِلْإيذانِ بِأنَّ الخُلُودَ في دارِ الثَّوابِ بِصِيغَةِ الِاجْتِماعِ الَّذِي هو أجْلَبُ لِلْأُنْسِ، والخُلُودَ في دارِ العِقابِ بِصِيغَةِ الِانْفِرادِ الَّذِي هو أشَدُّ في اسْتِجْلابِ الوَحْشَةِ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ والتَّبْرِيزِيُّ كَوْنَ ( خالِدِينَ ) هُناكَ و( خالِدًا ) هُنا صِفَتَيْنِ لِجَنّاتٍ
صفحة 234
أوْ نارٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ إبْرازُ الضَّمِيرِ لِأنَّهُما جَرَيا عَلى غَيْرِ مَن هُما لَهُ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ هَذا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ جَوازُ الوَصْفِيَّةِ في مِثْلِ ذَلِكَ ولا يَحْتاجُ إلى إبْرازِ الضَّمِيرِ إذْ لا لَبْسَ ﴿ولَهُ عَذابٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ لا يُكْتَنَهُ ﴿مُهِينٌ﴾ أيْ مُذِلٌّ لَهُ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، والمُرادُ جَمْعُ أمْرَيْنِ لِلْعُصاةِ المُعْتَدِينَ عَذابٍ جُسْمانِيٍّ وعَذابٍ رُوحانِيٍّ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العافِيَةَ.
واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن زَعَمَ أنَّ المُؤْمِنَ العاصِيَ مُخَلَّدٌ في النّارِ، والجَوابُ أنَّها لا تَصْدُقُ عَلَيْهِ إمّا لِأنَّها في الكافِرِ عَلى ما سَمِعْتُ عَنِ الكَلْبِيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ وابْنِ جُرَيْجٍ وإمّا لِأنَّ المُرادَ مِن حُدُودِ اللَّهِ تَعالى جَمِيعُ حُدُودِهِ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ، والمُؤْمِنُ العاصِي واقِفٌ عِنْدَ حَدِّ التَّوْحِيدِ، وإمّا لِأنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ العَفْوِ كَما أنَّهُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ عِنْدَ الزّاعِمِ، وفي خَتْمِ آياتِ المَوارِيثِ بِهَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى عِظَمِ أمْرِ المِيراثِ ولُزُومِ الِاحْتِياطِ والتَّحَرِّي وعَدَمِ الظُّلْمِ فِيهِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««مَن قَطَعَ مِيراثًا فَرَضَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ قَطَعَ اللَّهُ مِيراثَهُ مِنَ الجَنَّةِ»».
وأخْرَجَ أبُو مَنصُورٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ ذَلِكَ، وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ السّاعَةَ لا تَقُومُ حَتّى لا يُقَسَّمَ مِيراثٌ ولا يُفْرَحَ بِغَنِيمَةِ عَدُوٍّ، وكَأنَّ عَدَمَ القِسْمَةِ إمّا لِلتَّهاوُنِ في الدِّينِ وعَدَمِ المُبالاةِ وكَثْرَةِ الظُّلْمِ بَيْنَ النّاسِ، وإمّا لِفُشُوِّ الجَهْلِ وعَدَمِ مَن يَعْرِفُ الفَرائِضَ، فَقَدْ ورَدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ««إنَّ عِلْمَ الفَرائِضِ أوَّلُ ما يُنْزَعُ مِنَ الأُمَّةِ»»، وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««تَعَلَّمُوا الفَرائِضَ وعَلِّمُوهُ النّاسَ فَإنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ وإنَّ العِلْمَ سَيُقْبَضُ وتَظْهَرُ الفِتَنُ حَتّى يَخْتَلِفَ الِاثْنانِ في الفَرِيضَةِ لا يَجِدانِ مَن يَقْضِي بِها»» ولَعَلَّ الِاحْتِمالَ الأوَّلَ أظْهَرُ.
هَذا وقَدْ سَدَّدْنا بابَ الإشارَةِ في الآياتِ لِما في فَتْحِهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وقَدْ تَرَكْناهُ لِأهْلِهِ.
4:15Page 80
وَٱلَّٰتِي يَأۡتِينَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِنَّ أَرۡبَعَةٗ مِّنكُمۡۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِي ٱلۡبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ أَوۡ يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلٗا ١٥
Those who commit immorality [i.e., unlawful sexual intercourse] of your women - bring against them four [witnesses] from among you. And if they testify,1 confine them [i.e., the guilty women] to houses until death takes them or Allāh ordains for them [another] way.2
﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالرِّجالِ والنِّساءِ إثْرَ بَيانِ أحْكامِ المَوارِيثِ، و( اللّاتِي ) جَمْعُ الَّتِي عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وقِيلَ: هي صِيغَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْجَمْعِ، ومَوْضِعُها رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والفاحِشَةُ ما اشْتَدَّ قُبْحُهُ، واسْتُعْمِلَتْ كَثِيرًا في الزِّنا لِأنَّهُ مِن أقْبَحِ القَبائِحِ، وهو المُرادُ هُنا عَلى الصَّحِيحِ، والإتْيانُ في الأصْلِ المَجِيءُ، وفي «الصَّحّاحِ» يُقالُ: أتَيْتُهُ أتْيًا قالَ الشّاعِرُ:
فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ أتْيِ العَسْكَرِ
وأتَوْتُهُ أتْوَةً لُغَةٌ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
كُنْتُ إذا أتَوْتُهُ مِن غَيْبِ
وفِي «القامُوسِ» أتَوْتُهُ أتْوَةً وأتَيْتُهُ أتْيًا وإتْيانًا وإتْيانَةً بِكَسْرِهِما، ومَأْتاةً وإتِيًّا كَعِتِيٍّ، ويُكْسَرُ جِئْتُهُ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِهِ كالمَجِيءِ والرَّهَقِ والغِشِيِّ عَنِ الفِعْلِ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، وهو المُرادُ هُنا فالمَعْنى يَفْعَلْنَ الزِّنا أيْ يَزْنِينَ، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ لِمَزِيدِ التَّهْجِينِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( يَأْتِينَ ) بِالفاحِشَةِ - فالإتْيانُ عَلى أصْلِهِ المَشْهُورِ، و( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ ( يَأْتِينَ ) والمُرادُ مِنَ النِّساءِ كَما قالَ السُّدِّيُّ وأخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ - النِّساءَ اللّاتِي قَدْ أُنْكِحْنَ وأُحْصِنَّ ومِثْلُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ﴿فاسْتَشْهِدُوا﴾ أيْ فاطْلُبُوا أنْ يَشْهَدَ ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ بِإتْيانِهِنَّ الفاحِشَةَ ﴿أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ أيْ أرْبَعَةً مِن رِجالِ المُؤْمِنِينَ وأحْرارِهِمْ قالَ الزُّهْرِيُّ: «مَضَتِ السُّنَّةُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والخَلِيفَتَيْنِ بَعْدَهُ أنْ لا تُقْبَلَ شَهادَةُ النِّساءِ في الحُدُودِ»، واشْتَرَطَ الأرْبَعَةُ في الزِّنا تَغْلِيظًا عَلى المُدَّعِي وسَتْرًا عَلى العِبادِ، وقِيلَ: لِيَقُومَ نِصابُ الشَّهادَةِ كامِلًا عَلى كُلٍّ واحِدٍ مِنَ الزّانِيَيْنِ كَسائِرِ الحُقُوقِ ولا يَخْفى ضَعْفُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ والفاءُ مَزِيدَةٌ فِيهِ لِتَضَمُّنِ مَعْنى الشَّرْطِ، وجازَ الإخْبارُ بِذَلِكَ لِأنَّ
صفحة 235
الكَلامَ صارَ في حُكْمِ الشَّرْطِ حَيْثُ وصَلَتِ اللّاتِي بِالفِعْلِ قالَهُ أبُو البَقاءِ وذَكَرَ أنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْسُنِ النَّصْبُ عَلى الِاشْتِغالِ لِأنَّ تَقْدِيرَ الفِعْلِ قَبْلَ أداةِ الشَّرْطِ لا يَجُوزُ، وتَقْدِيرُهُ بَعْدَ الصِّلَةِ يَحْتاجُ إلى إضْمارِ فِعْلٍ غَيْرِ فاسْتَشْهِدُوا لِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ النَّصْبُ في اللّاتِي، وذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ مَعَ صِحَّةِ الِابْتِداءِ وأجازَ قَوْمٌ النَّصْبَ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اقْصِدُوا اللّاتِي أوْ تَعَمَّدُوا، وقِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ فِيما يُتْلى عَلَيْكم حُكْمُ اللّاتِي، فالجارُّ والمَجْرُورُ هو الخَبَرُ وحُكْمٌ هو المُبْتَدَأُ فَحُذِفا لِدَلالَةِ فاسْتَشْهَدُوا لِأنَّهُ الحُكْمُ المَتْلُوُّ عَلَيْهِمْ، والخِطابُ قِيلَ: لِلْحُكّامِ، وقِيلَ: لِلْأزْواجِ.
﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾ عَلَيْهِنَّ بِالإتْيانِ.
﴿فَأمْسِكُوهُنَّ﴾ أيْ فاحْبِسُوهُنَّ عُقُوبَةً لَهُنَّ ﴿فِي البُيُوتِ﴾ واجْعَلُوها سِجْنًا عَلَيْهِنَّ ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ﴾ المُرادُ بِالتَّوَفِّي أصْلُ مَعْناهُ أيِ الِاسْتِيفاءُ وهو القَبْضُ تَقُولُ: تَوَفَّيْتُ مالِي عَلى فُلانٍ واسْتَوْفَيْتُهُ إذا قَبَضْتَهُ. وإسْنادُهُ إلى المَوْتِ بِاعْتِبارِ تَشْبِيهِهِ بِشَخْصٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَهُناكَ اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، والمَعْنى حَتّى يَقْبِضَ أرْواحَهُنَّ المَوْتُ ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ التَّوَفِّي مَعْناهُ المَشْهُورُ إذْ يَصِيرُ الكَلامُ بِمَنزِلَةِ حَتّى يُمِيتَهُنَّ المَوْتُ ولا مَعْنى لَهُ إلّا أنْ يُقَدَّرَ مُضافٌ يُسْنَدُ إلَيْهِ الفِعْلُ أيْ مَلائِكَةُ المَوْتِ، أوْ يُجْعَلَ الإسْنادُ مَجازًا مِن إسْنادِ ما لِلْفاعِلِ الحَقِيقِيِّ إلى أثَرِ فِعْلِهِ.
﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ أيْ مَخْرَجًا مِنَ الحَبْسِ بِما يَشْرَعُهُ مِنَ الحَدِّ لَهُنَّ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وأخْرَجَ الإمامانِ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وغَيْرُهُما عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ كُرِبَ لِذَلِكَ وارْبَدَّ وجْهُهُ»، وفي لَفْظٍ لِابْنِ جَرِيرٍ «يَأْخُذُهُ كَهَيْئَةِ الغِشِيِّ لِما يَجِدُ مِن ثِقَلِ ذَلِكَ فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ ذاتَ يَوْمٍ فَلَمّا سُرِّيَ عَنْهُ قالَ: ”خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ الثَّيِّبُ جَلْدُ مِائَةٍ ورَجْمٌ بِالحِجارَةِ والبِكْرُ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ نَفْيُ سَنَةٍ»“ ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ أوَّلَ الإسْلامِ إذا شَهِدَ عَلَيْها أرْبَعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عُدُولٌ بِالزِّنا حُبِسَتْ في السَّجْنِ فَإنْ كانَ لَها زَوْجٌ أخَذَ المَهْرَ مِنها ولَكِنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْها مِن غَيْرِ طَلاقٍ ولَيْسَ عَلَيْها حَدٌّ ولا يُجامِعُها.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ كانَتِ المَرْأةُ في بَدْءِ الإسْلامِ إذا زَنَتْ حُبِسَتْ في البَيْتِ وأخَذَ زَوْجُها مَهْرَها حَتّى جاءَتِ الحُدُودُ فَنَسَخَتْها، وحِكايَةُ النَّسْخِ قَدْ ورَدَتْ في غَيْرِ ما طَرِيقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ ورُوِيَتْ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والنّاسِخُ عِنْدَ بَعْضِ آيَةِ الجَلَدِ عَلى ما في سُورَةِ النُّورِ وعِنْدَ آخَرِينَ إنَّ آيَةَ الحَبْسِ نُسِخَتْ بِالحَدِيثِ، والحَدِيثُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ الجَلَدِ، وآيَةُ الجَلَدِ بِدَلائِلِ الرَّجْمِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «مِنَ الجائِزِ أنْ لا تَكُونَ الآيَةُ مَنسُوخَةً بِأنْ يُتْرَكَ ذِكْرُ الحَدِّ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، ويُوصِي بِإمْساكِهِنَّ في البُيُوتِ بَعْدَ أنْ يَحْدُدْنَ صِيانَةً لَهُنَّ عَنْ مَثَلِ ما جَرى عَلَيْهِنَّ بِسَبَبِ الخُرُوجِ مِنَ البُيُوتِ والتَّعَرُّضِ لِلرِّجالِ، ويَكُونُ السَّبِيلُ عَلى هَذا النِّكاحِ المُغْنِي عَنِ السِّفاحِ» وقالَ الشَّيْخُ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ في «مَعالِمِ السُّنَنِ»: إنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ النَّسْخُ في الآيَةِ ولا في الحَدِيثِ وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ إمْساكَهُنَّ في البُيُوتِ مَمْدُودٌ إلى غايَةِ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُنَّ سَبِيلًا، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ السَّبِيلَ كانَ مُجْمَلًا فَلَمّا قالَ ﷺ: «خُذُوا عَنِّي» إلى آخِرِ ما في الحَدِيثِ صارَ ذَلِكَ بَيانًا لِما في تِلْكَ الآيَةِ لا ناسِخًا لَهُ، وصارَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ آيَةِ الجَلْدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ما يَنْفَعُكَ في تَحْقِيقِ هَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْهُ.
4:16Page 80
وَٱلَّذَانِ يَأۡتِيَٰنِهَا مِنكُمۡ فَـَٔاذُوهُمَاۖ فَإِن تَابَا وَأَصۡلَحَا فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابٗا رَّحِيمًا ١٦
And the two1 who commit it [i.e., unlawful sexual intercourse] among you - punish [i.e., dishonor] them both. But if they repent and correct themselves, leave them alone. Indeed, Allāh is ever Accepting of Repentance and Merciful.
﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾ هُما الزّانِي والزّانِيَةُ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ وابْنُ جُبَيْرٍ، أرادَ بِهِما البِكْرانِ اللَّذانِ لَمْ يُحَصَّنا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ كَوْنُ
صفحة 236
عُقُوبَتِهِما أخَفَّ مِنَ الحَبْسِ المُخَلَّدِ، وبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ التَّكْرارُ لَكِنْ يَبْقى حُكْمُ الزّانِي المُحْصَنِ غَيْرِ ظاهِرٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿واللَّذانِ﴾ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وهي لُغَةٌ ولَيْسَ مَخْصُوصًا بِالألِفِ كَما قِيلَ بَلْ يَكُونُ مَعَ الياءِ أيْضًا وهو عِوَضٌ عَنْ ياءِ الَّذِي المَحْذُوفِ إذْ قِياسُهُ اللَّذِيانِ والتِقاءُ السّاكِنَيْنِ هُنا عَلى حَدِّهِ كَما في دابَّةٍ وشابَّةٍ ﴿فَآذُوهُما﴾ أيْ بَعْدَ اسْتِشْهادِ أرْبَعَةِ شُهُودٍ عَلَيْهِما بِالإتْيانِ، وتَرْكُ ذِكْرِ ذَلِكَ تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ آنِفًا، واخْتُلِفَ في الإيذاءِ عَلى قَوْلَيْنِ: فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ بِالتَّعْيِيرِ والضَّرْبِ بِالنِّعالِ، وعَنِ السُّدِّيِّ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ أنَّهُ بِالتَّعْيِيرِ والتَّوْبِيخِ فَقَطْ ﴿فَإنْ تابا﴾ عَمّا فَعَلا مِنَ الفاحِشَةِ بِسَبَبِ الإيذاءِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ ﴿وأصْلَحا﴾ أيِ العَمَلَ.
﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ أيِ اصْفَحُوا عَنْهُما وكُفُّوا عَنْ أذاهُما ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ تَوّابًا﴾ مُبالِغًا في قَبُولِ التَّوْبَةِ ﴿رَحِيمًا﴾ واسِعَ الرَّحْمَةِ والجُمْلَةُ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالإعْراضِ، والخِطابُ هُنا لِلْحُكّامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلشُّهُودِ الواقِفِينَ عَلى فِعْلَتِهِما، ويُرادُ بِالإيذاءِ ذَمُّهُما وتَعْنِيفُهُما وتَهْدِيدُهُما بِالرَّفْعِ إلى القُضاةِ والجَرِّ إلى الوُلاةِ وفَتْحِ بابِ الشَّرِّ عَلَيْهِما، وبِالإعْراضِ عَنْهُما تَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُما بِذَلِكَ، والوَجْهُ الأوَّلُ هو المَشْهُورُ، والحُكْمُ عَلَيْهِ مَنسُوخٌ بِالحَدِّ المَفْرُوضِ في سُورَةِ النُّورِ أيْضًا عِنْدَ الحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ والضَّحّاكِ وابْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِمْ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ البَلْخِيُّ والجُبّائِيُّ والطَّبَرِيُّ وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَتِ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها، وهَذا مِمّا لا يَتَمَشّى عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ البِكْرانِ كَما لا يَخْفى، وذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ إلى أنَّهُ لا نَسْخَ لِحُكْمِ الآيَتَيْنِ بَلِ الآيَةُ الأُولى في السَّحّاقاتِ وهُنَّ النِّساءُ اللّاتِي يَسْتَمْتِعُ بَعْضُهُنَّ بِبَعْضٍ وحَدُّهُنَّ الحَبْسُ، والآيَةُ الثّانِيَةُ في اللّائِطَيْنِ وحْدَهُما الإيذاءُ، وأمّا حُكْمُ الزُّناةِ فَسَيَأْتِي في سُورَةِ النُّورِ، وزُيِّفَ هَذا القَوْلُ بِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، وبِأنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ اخْتَلَفُوا في حُكْمِ اللُّوطِيِّ ولَمْ يَتَمَسَّكْ أحَدٌ مِنهم بِهَذِهِ الآيَةِ، وعَدَمُ تَمَسُّكِهِمْ بِها مَعَ شِدَّةِ احْتِياجِهِمْ إلى نَصٍّ يَدُلُّ عَلى الحُكْمِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ في ذَلِكَ، وأيْضًا جَعَلَ الحَبْسَ في البَيْتِ عُقُوبَةَ السِّحاقِ مِمّا لا مَعْنى لَهُ لِأنَّهُ مِمّا لا يَتَوَقَّفُ عَلى الخُرُوجِ كالزِّنا، فَلَوْ كانَ المُرادُ السَّحّاقاتِ لَكانَتِ العُقُوبَةُ لَهُنَّ عَدَمَ اخْتِلاطِ بَعْضِهِنَّ بِبَعْضٍ لا الحَبْسُ والمَنعُ مِنَ الخُرُوجِ، فَحَيْثُ جُعِلَ هو عُقُوبَةً دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِاللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ الزّانِياتُ، وأجابَ أبُو مُسْلِمٍ بِأنَّهُ قَوْلُ مُجاهِدٍ وهو مِن أكابِرِ المُفَسِّرِينَ المُتَقَدِّمِينَ وقَدْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إذا جاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجاهِدٍ فَحَسْبُكَ عَلى أنَّهُ تَبَيَّنَ في الأُصُولِ أنَّ اسْتِنْباطَ تَأْوِيلٍ جَدِيدٍ في الآيَةِ لَمْ يَذْكُرْهُ المُتَقَدِّمُونَ جائِزٌ، وبِأنَّ مَطْلُوبَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَعْرِفَةُ حَدِّ اللُّوطِيِّ وكَمِّيَّةُ ذَلِكَ، ولَيْسَ في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلَيْهِ بِالنَّفْيِ والإثْباتِ، ومُطْلَقُ الإيذاءِ لا يَصْلُحُ حَدًّا ولا بَيانًا لِلْكَمِّيَّةِ فَلِذا اخْتَلَفُوا، وبِأنَّ المُرادَ مِن إمْساكِهِنَّ في البُيُوتِ حَبْسُهُنَّ فِيها واتِّخاذُها سِجْنًا عَلَيْهِنَّ ومِن حالِ المَسْجُونِ مُنِعَ مَن يُرِيدُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ وعَدِمَ تَمْكِينَهُ مِنَ الِاخْتِلاطِ، فَكانَ الكَلامُ في قُوَّةِ فامْنَعُوهُنَّ عَنِ اخْتِلاطِ بَعْضِهِنَّ بِبَعْضٍ عَلى أنَّ الحَبْسَ المَذْكُورَ حَدٌّ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ إلّا الزَّجْرَ والتَّنْكِيلَ، وأُيِّدَ مَذْهَبُهُ بِتَمْحِيضِ التَّأْنِيثِ في الآيَةِ الأُولى والتَّذْكِيرِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ، والتَّغْلِيبُ خِلافُ الأصْلِ، ويُبْعِدُهُ أيْضًا لَفْظُ مِنكم فَإنَّ المُتَبادِرَ مِنهُ مِن رِجالِكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾ وأيْضًا لَوْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الآيَتَيْنِ وارِدًا في الزِّنا يَلْزَمُ أنْ يُذْكَرَ الشَّيْءُ الواحِدُ في المَوْضِعِ الواحِدِ مَرَّتَيْنِ وأنَّهُ تَكْرِيرٌ لا وجْهَ لَهُ، وأيْضًا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا يَحْتاجُ إلى التِزامِ النَّسْخِ في شَيْءٍ مِنَ الآيَتَيْنِ بَلْ يَكُونُ حُكْمُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُقَرَّرًا عَلى حالِهِ، وعَلى ما قالَهُ الغَيْرُ يَحْتاجُ إلى التِزامِ القَوْلِ بِالنَّسْخِ وهو خِلافُ الأصْلِ، وأيْضًا عَلى ما قالُوهُ يَكُونُ الكِتابُ
صفحة 237
خالِيًا عَنْ بَيانِ حُكْمِ السِّحاقِ واللِّواطَةِ، وعَلى ما قُلْناهُ يَكُونُ مُتَضَمِّنًا لِذَلِكَ وهو الأنْسَبُ بِحالِهِ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾، و﴿تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا قَوْلٌ لِمُجاهِدٍ، فَفي «مُجْمَعِ البَيانِ» أنَّهُ حَمَلَ اللَّذانِ يَأْتِيانِها عَلى الرَّجُلَيْنِ الزّانِيَيْنِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُما الفاعِلانِ وهو لَيْسَ بِنَصٍّ عَلى أنَّهُما اللّائِطانِ عَلى أنَّ حَمْلَ ( اللّاتِي ) في الآيَةِ الأُولى عَلى السَّحّاقاتِ لَمْ نَجِدْ فِيهِ عَنْهُ رِوايَةً صَحِيحَةً بَلْ قَدْ أخْرَجُوا عَنْهُ ما هو ظاهِرٌ في خِلافِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ آدَمُ والبَيْهَقِيُّ في «سُنَنِهِ» عَنْهُ في تِلْكَ الآيَةِ أنَّهُ كانَ أمَرَ أنْ يُحْبَسَ ثُمَّ نَسَخَتْها ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا﴾ وما ذُكِرَ مِنَ العِلاوَةِ مُسَلَّمٌ لَكِنْ يَبْعُدُ هَذا التَّأْوِيلُ أنَّهُ لا مَعْنى لِلتَّثْنِيَةِ في الآيَةِ الثّانِيَةِ لِأنَّ الوَعْدَ والوَعِيدَ إنَّما عُهِدا بِلَفْظِ الجَمْعِ لِيَعُمَّ الآحادَ أوْ بِلَفْظِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الجِنْسِ ولا نُكْتَةَ لِلْعُدُولِ عَنْ ذَلِكَ هُنا عَلى تَقْرِيرِ أبِي مُسْلِمٍ بَلْ كانَ المُناسِبُ عَلَيْهِ الجَمْعَ لِتَكُونَ آيَةِ اللِّواطَةِ كَآيَةِ السِّحاقِ، ولا يَرُدُّ هَذا عَلى ما قَرَّرَهُ الجُمْهُورُ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى عِنْدَهم لِلْإناثِ الثَّيِّباتِ إذا زَنَيْنَ، والآيَةَ الثّانِيَةَ لِلذَّكَرِ البِكْرِ والأُنْثى البِكْرِ إذا زَنَيا فَغُويِرَ بَيْنَ التَّعْبِيرَيْنِ لِقُوَّةِ المُغايَرَةِ بَيْنَ المَوْرِدَيْنِ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ تَكُونَ المُغايِرَةُ عَلى رَأْيِهِمْ لِلْإيذانِ بِعِزَّةِ وُقُوعِ زِنا البِكْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى وُقُوعِ زِنا الثَّيِّبِ لِأنَّ البِكْرَ مِنَ النِّساءِ تَخْشى الفَضِيحَةَ أكْثَرَ مِن غَيْرِها مِن جِهَةِ ظُهُورِ أثَرِ الزِّنا، وهو زَوالُ البَكارَةِ فِيها ولا كَذَلِكَ الثَّيِّبُ، ولا يُمْكِنُ اعْتِبارُ مِثْلِ هَذِهِ النُّكْتَةِ في المُغايَرَةِ عَلى رَأْيِ أبِي مُسْلِمٍ إذْ لا نُسَلِّمُ أنَّ وُقُوعَ اللِّواطَةِ مِنَ الرِّجالِ أقَلُّ مِن وُقُوعِ السِّحاقِ مِنَ النِّساءِ بَلْ لَعَلَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ، وكَوْنُ مَطْلُوبِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مَعْرِفَةَ حَدِّ اللُّوطِيِّ وكَمِّيَّةِ ذَلِكَ والإيذاءُ لا يَصْلُحُ حَدًّا ولا بَيانًا لِلْكَمِّيَّةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ أنَّ مِنهم مَن لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ شَيْئًا، وقالَ: تُؤَخَّرُ عُقُوبَتُهُ إلى الآخِرَةِ، وبِهِ أخَذَ الأئِمَّةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى أنَّهُ أيُّ مانِعٍ مِن أنْ يُعْتَبَرَ الإيذاءُ حَدًّا بَعْدَ أنْ ذُكِرَ في مَعْرِضِ الحَدِّ وتَفَوُّضِ كَيْفِيَّتِهِ إلى رَأْيِ الإمامِ فَيَفْعَلُ مَعَ اللُّوطِيِّ ما يَنْزَجِرُ بِهِ مِمّا لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ القَتْلِ؛ وكَوْنُ الكَلامِ في قُوَّةِ فامْنَعُوهُنَّ عَنِ اخْتِلاطٍ بِعَضِّهِنَّ بِبَعْضٍ في غايَةِ الخَفاءِ كَما لا يَخْفى.
نَعَمْ ما في حَيِّزِ العِلاوَةِ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، وما ذُكِرَ مِن أنَّ التَّغْلِيبَ خِلافُ الأصْلِ مُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ في القُرْآنِ العَظِيمِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، واعْتِبارُهُ في مِنكم تَبَعَ لِاعْتِبارِهِ في اللَّذانِ وذِكْرُ مِثْلِهِ قَبْلُ بِلا تَغْلِيبٍ فِيهِ رُبَّما يُؤَيِّدُ اعْتِبارَ التَّغْلِيبِ فِيهِ لِيُغايِرَ الأوَّلَ فَيَكُونُ لِذِكْرِهِ بَعْدَهُ أتَمُّ فائِدَةٍ ألا تَرى كَيْفَ أُسْقِطَ مِنَ الآيَةِ الثّانِيَةِ الِاسْتِشْهادُ مَعَ اشْتِراطِهِ إجْماعًا اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في الآيَةِ الأُولى لِاتِّحادِ الِاسْتِشْهادَيْنِ في المَسْألَتَيْنِ، ودَعْوى لُزُومِ التَّكْرارِ في المَوْضِعِ الواحِدِ عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ لَيْسَتْ في مَحَلِّها عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، ودَعْوى الِاحْتِياجِ إلى التِزامِ القَوْلِ بِالنَّسْخِ لا تَضُرُّ لِأنَّ النَّسْخَ أمْرٌ مَأْلُوفٌ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ هُنا جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ عَلى أنَّ في كَوْنِ فَرْضِيَّةِ الحَدِّ نَسْخًا في الآيَةِ الأُولى مَقالًا يُعْلَمُ مِمّا قَدَّمْناهُ في البَقَرَةِ، وإذا جُعِلَ ﴿أوْ يَجْعَلَ﴾ إلَخْ مُعْتَبَرًا في الآيَةِ الثّانِيَةِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ مِنها اكْتِفاءً بِما في الأُولى كَما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ خَبَرُ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ جَرى المَقالُ في الآيَتَيْنِ ولُزُومُ خُلُوِّ الكِتابِ عَنْ بَيانِ حُكْمِ السِّحاقِ واللِّواطَةِ عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ دُونَ رَأْيِهِ في حَيِّزِ المَنعِ أمّا عَلى تَقْدِيرِ تَسْمِيَةِ السِّحاقِ واللِّواطَةِ زِنًا فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ فَلِأنَّ ذِكْرَ ما يُمْكِنُ قِياسُهُما عَلَيْهِ في حُكْمِ البَيانِ لِحُكْمِهِما، وكَمْ حُكْمٍ تُرِكَ التَّصْرِيحُ بِهِ في الكِتابِ اعْتِمادًا عَلى القِياسِ كَحُكْمِ النَّبِيذِ، وكَحُكْمِ الجَدِّ وغَيْرِهِما اعْتِمادًا عَلى بَيانِ ما يُمْكِنُ القِياسُ عَلَيْهِ وذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَهُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وأنَّهُ ما فَرَّطَ فِيهِ مِن شَيْءٍ،
صفحة 238
ومَنِ ادَّعى أنَّ جَمِيعَ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ مَذْكُورَةٌ في القُرْآنِ صَرِيحًا مِن غَيْرِ اعْتِبارِ قِياسٍ، فَقَدِ ارْتَكَبَ شَطَطًا وقالَ غَلَطًا، وبِالجُمْلَةِ: المُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، ويَدُ اللَّهِ تَعالى مَعَ الجَماعَةِ، ومَذْهَبُ أبِي مُسْلِمٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الفَسادِ بِمَحَلٍّ إلّا أنَّهُ لَمْ يُعَوَّلْ عَلَيْهِ ولَمْ تَحُطَّ رِحالُ القَبُولِ لَدَيْهِ، وهَذا ما عِنْدِي في تَحْقِيقِ المَقامِ وبِاللَّهِ سُبْحانَهُ الِاعْتِصامُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences