Al-AlusiAn‑Nisa · 4:154–158

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:154–158

4:154Page 102

وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ١٥٤

And We raised over them the mount for [refusal of] their covenant; and We said to them, "Enter the gate bowing humbly"; and We said to them, "Do not transgress on the sabbath"; and We took from them a solemn covenant.

﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ وهو ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ جَبَلٌ كانُوا في أصْلِهِ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى فَجَعَلَهُ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، وكانَ كَمُعَسْكَرِهِمْ قَدْرَ فَرْسَخٍ في فَرْسَخٍ، ولَيْسَ هو - عَلى ما في البَحْرِ - الجَبَلُ المَعْرُوفُ بِطُورِ سَيْناءَ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(رَفَعْنا) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الطُّورِ أيْ: رَفَعْنا الطُّورَ كائِنًا فَوْقَهم ﴿بِمِيثاقِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مِيثاقِهِمْ؛ لِيُعْطُوهُ عَلى ما رُوِيَ أنَّهُمُ امْتَنَعُوا عَنْ قَبُولِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ فَرُفِعَ عَلَيْهِمْ فَقَبِلُوها، أوْ لِيَخافُوا فَلا يَنْقَضُّوا المِيثاقَ عَلى ما رُوِيَ أنَّهم هَمُّوا بِنَقْضِهِ فَرُفِعَ عَلَيْهِمُ الجَبَلُ فَخافُوا وأقْلَعُوا عَنِ النَّقْضِ، قِيلَ: وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدُ: ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ .

وزَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ المُرادَ بِنَقْضِ مِيثاقِهِمُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَعْلَمُوا بِما في التَّوْراةِ فَنَقَضُوهُ بِعِبادَةِ العِجْلِ، وفِيهِ: إنَّ التَّوْراةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ كَما مَرَّ آنِفًا، فَلا يَتَأتّى هَذا، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: إنَّما رَفَعَ اللَّهِ تَعالى الجَبَلَ فَوْقَهم إظْلالًا لَهم مِنَ الشَّمْسِ جَزاءً لِعَهْدِهِمْ، وكَرامَةً لَهُمْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا خَرْقٌ لِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ، ولَيْسَ لَهُ مُسْتَنِدٌ أصْلًا.

﴿وقُلْنا لَهُمُ﴾ عَلى لِسانِ يُوشَعَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ مُضِيِّ زَمانِ التِّيهِ ﴿ادْخُلُوا البابَ﴾ قالَ قَتادَةُ - فِيما رَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْهُ -: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: هو إيلِياءُ، وقِيلَ: أرِيحاءُ، وقِيلَ: هو اسْمُ قَرْيَةٍ، أوْ (قُلْنا لَهُمْ) عَلى لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والطُّورُ مُظِلٌّ عَلَيْهِمُ (ادْخُلُوا البابَ) المَذْكُورَ إذا خَرَجْتُمْ مِنَ التِّيهِ، أوْ بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ إلَيْها؛ لِأنَّهم لَمْ يَخْرُجُوا مِنَ التِّيهِ في حَياتِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ.

والظّاهِرُ عَدَمُ القَيْدِ ﴿سُجَّدًا﴾ مُتَطامِنِينَ خاضِعِينَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – رُكَّعًا، وقِيلَ: ساجِدِينَ عَلى جِباهِكم شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى ﴿وقُلْنا لَهُمُ﴾ عَلى لِسانِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – ﴿لا تَعْدُوا﴾ أيْ: لا تَتَجاوَزُوا ما أُبِيحَ لَكُمْ، أوْ لا تَظْلِمُوا بِاصْطِيادِ الحِيتانِ ﴿فِي السَّبْتِ﴾ .

ويُحْتَمَلُ - كَما قالَ القاضِي بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غُرَّةَ أحْوالِهِ - أنْ يُرادَ عَلى لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ ظَلَّلَ الجَبَلُ عَلَيْهِمْ فَإنَّهُ شُرِعَ السَّبْتُ، لَكِنْ كانَ الِاعْتِداءُ فِيهِ والمَسْخُ في زَمَنِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَرَأ ورْشٌ، عَنْ نافِعٍ (لا تَعَدُّوا) بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِّ، ورُوِيَ عَنْ قالُونَ تارَةً سُكُونُ العَيْنِ سُكُونًا مَحْضًا، وتارَةً إخْفاءُ فَتْحَةِ العَيْنِ، فَأمّا الأوَّلُ فَأصْلُها (تَعْتَدُوا) لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِنَ الِاعْتِداءِ، وهو افْتِعالٌ مِنَ العُدْوانِ، فَأُرِيدَ إدْغامُ تائِهِ في الدّالِّ، فَنُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى العَيْنِ، وقُلِبَتْ دالًّا، وأُدْغِمَتْ، وأمّا السُّكُونُ المَحْضُ فَشَيْءٌ يَراهُ النَّحْوِيُّونَ؛ لِأنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنِينَ عَلى غَيْرِ حَدِّهِما، وأمّا الإخْفاءُ والِاخْتِلاسُ فَهو أخَفُّ مِن ذَلِكَ لِما أنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الإتْيانِ بِحَرَكَةٍ ما، وقَرَأ الأعْمَشُ (تَعْتَدُوا)

صفحة 8

عَلى الأصْلِ، وأصْلُ (تَعَدَّوْا) في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ تَعَدُّوُوا بِواوَيْنِ، الأُولى واوُ الكَلِمَةِ، والثّانِيَةُ ضَمِيرُ الفاعِلِ، فاسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى لامِ الكَلِمَةِ فَحُذِفَتْ، فالتَقى ساكِنانِ، فَحُذِفَ الأوَّلُ وهو الواوُ الأُولى، وبَقِيَ ضَمِيرُ الفاعِلِ.

﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا وثِيقًا مُؤَكَّدًا، بِأنْ يَأْتَمِرُوا بِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى، ويَنْتَهُوا عَنْ مَناهِيهِ، قِيلَ: هو قَوْلُهُمْ: ( سَمِعْنا وأطَعْنا ) وكَوْنُهُ (مِيثاقًا) ظاهِرٌ، وكَوْنُهُ (غَلِيظًا) يُؤْخَذُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالماضِي، أوْ مِن عَطْفِ الإطاعَةِ عَلى السَّمْعِ، بِناءً عَلى تَفْسِيرِهِ بِها، وفي أخْذِ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ خَفاءٌ لا يَخْفى، وحُكِيَ أنَّهم بَعْدَ أنْ قَبِلُوا ما كُلِّفُوا بِهِ مِنَ الدِّينِ أُعْطُوا المِيثاقَ عَلى أنَّهم إنْ هَمُّوا بِالرُّجُوعِ عَنْهُ فاللَّهُ تَعالى يُعَذِّبُهم بِأيِّ أنْواعِ العَذابِ أرادَ، فَإنْ صَحَّ هَذا كانَتْ وكادَةُ المِيثاقِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا المِيثاقَ هو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والإيمانِ بِهِ، وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ﴾ الآيَةَ، وكَوْنُهُ (غَلِيظًا) بِاعْتِبارِ أخْذِهِ مِن كُلِّ نَبِيٍّ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وأخْذِ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ لَهُ مِن أُمَّتِهِ، فَهو مِيثاقٌ مُؤَكَّدٌ مُتَكَرِّرٌ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّياقُ.

4:155Page 103

فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥٥

And [We cursed them]1 for their breaking of the covenant and their disbelief in the signs of Allāh and their killing of the prophets without right and their saying, "Our hearts are wrapped" [i.e., sealed against reception]. Rather, Allāh has sealed them because of their disbelief, so they believe not, except for a few.2

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ في الكَلامِ مُقَدَّرٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ أيْضًا، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ و(ما) مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِها، والإشارَةُ إلى أنَّها سَبَبِيَّةٌ قَوِيَّةٌ، وقَدْ يُفِيدُ ذَلِكَ الحَصْرَ بِمَعُونَةِ المَقامِ كَما يُفِيدُهُ التَّقْدِيمُ عَلى العامِلِ إنِ التُزِمَ هُنا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (ما) نَكِرَةً تامَّةً، ويَكُونُ (نَقْضِهِمْ) بَدَلًا مِنهُما أيْ: فَخالَفُوا ونَقَضُوا، فَفَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا بِنَقْضِهِمْ، وإنْ شِئْتَ أخَّرْتَ العامِلَ.

واخْتارَ أبُو حَيّانَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - تَقْدِيرَ (لَعَنّاهُمْ) مُؤَخَّرًا؛ لِوُرُودِهِ مُصَرَّحًا بِهِ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ) وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ تَعَلُّقَ الجارِّ بِـ(حَرَّمْنا) الآتِي، عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (فَبِظُلْمٍ) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فَبِما نَقْضِهِمْ) وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، ولِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى السَّبَبِ سَبَبٌ، فَيَلْزَمُ تَأخُّرُ بَعْضِ أجْزاءِ السَّبَبِ الَّذِي لِلتَّحْرِيمِ عَنِ التَّحْرِيمِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ سَبَبٍ أوْ سَبَبًا إلّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا، وقَوْلَهم (إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ) مُتَأخِّرٌ في الزَّمانِ عَنْ تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ، واسْتَحْسَنَهُ السَّفاقِسِيُّ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ يُتَكَلَّفُ لِحَلِّهِ بِأنَّ دَوامَ التَّحْرِيمِ في كُلِّ زَمَنٍ كابْتِدائِهِ، وفِيهِ بَحْثٌ، وجَعَلَ العَلامَةُ الثّانِي الفاءَ في (فَبِظُلْمٍ) عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكْرارًا لِلْفاءِ في (فَبِما نَقْضِهِمْ) عَطْفًا عَلى (أخَذْنا مِنهُمْ) أوْ جَزاءَ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، واسْتَبْعَدَهُ أيْضًا مِن وجْهَيْنِ: لَفْظِيٍّ ومَعْنَوِيٍّ، وبَيَّنَ الأوَّلَ بِطُولِ الفَصْلِ وبِكَوْنِهِ مِن إبْدالِ الجارِّ والمَجْرُورِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ أوِ الجَزاءِ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ المَعْمُولَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ فَقَطْ، والثّانِيَ بِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ تَحْرِيمَ بَعْضِ الطَّيِّباتِ مُسَبَّبٌ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الجَرائِمِ العَظِيمَةِ ومُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ولَوْ جُعِلَتِ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى (فَبِما نَقْضِهِمْ) كَما في قَوْلِكَ: بِزَيْدٍ (وبِحُسْنِهِ أوْ فَبِحُسْنِهِ أوْ ثُمَّ حُسْنِهِ) افْتَتَنْتُ لَمْ يُحْتَجْ إلى جَعْلِهِ بَدَلًا.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ التَّعَلُّقَ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ ورُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَصْلُحُ مُفَسِّرًا ولا قَرِينَةً لِلْمَحْذُوفِ، أمّا الأوَّلُ فَلِتَعَلُّقِهِ بِكَلامٍ آخَرَ؛ لِأنَّهُ رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ (قُلُوبُنا غُلْفٌ) وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ اسْتِطْرادٌ يَتِمُّ الكَلامُ دُونَهُ، وكَوْنُهُ قَرِينَةً لِما هو عُمْدَةٌ في الكَلامِ يُوجِبُ أنْ لا يَتِمَّ دُونَهُ.

والحاصِلُ أنَّهُ لا بُدَّ لِلْقَرِينَةِ مِنَ التَّعَلُّقِ المَعْنَوِيِّ بِسابِقَتِها حَتّى تَصْلُحَ لِذَلِكَ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ لا مَوْرِدَ لِلنَّظَرِ بِأنَّ الطَّبْعَيْنِ

صفحة 9

مُتَوافِقانِ في العُرُوضِ، أحَدُهُما بِالكَفْرِ، والآخَرُ بِالنَّقْضِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ(لا يُؤْمِنُونَ) والفاءُ زائِدَةٌ، وقِيلَ: بِما دَلَّ عَلَيْهِ، ولا يَخْفى رَدَّ ذَلِكَ.

﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: حُجَجِهِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ أنْبِيائِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ – والقُرْآنِ، أوْ ما في كِتابِهِمْ لِتَحْرِيفِهِ وإنْكارِهِ، وعَدَمِ العَمَلِ بِهِ ﴿وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ كَزَكَرِيّا ويَحْيى - عَلَيْهِما السَّلامُ - ﴿وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ جَمْعُ غِلافٍ بِمَعْنى الظَّرْفِ، وأصْلُهُ غُلُفٌ بِضَمَّتَيْنِ فَخُفِّفَ أيْ: أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ، فَنَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِما فِيها عَنْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – وعَطاءٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنُونَ إنَّ قُلُوبَنا بِحَيْثُ لا يَصِلُ إلَيْها شَيْءٌ إلّا وعَتْهُ، ولَوْ كانَ في حَدِيثِكَ شَيْءٌ لَوْعَتْهُ أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ أغْلُفٍ أيْ: هي مُغَشّاةٌ بِأغْشِيَةٍ خَلْقِيَّةٍ لا يَكادُ يَصِلُ إلَيْها ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ .

﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ جِيءَ بِهِ عَلى وجْهِ الِاسْتِطْرادِ مُسارَعَةً إلى رَدِّ زَعْمِهِمُ الفاسِدِ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ مِن أنَّها أوْعِيَهُ العِلْمِ؛ فَإنَّها مَطْبُوعٌ عَلَيْها، مَحْجُوبَةٌ مِنَ العِلْمِ، لَمْ يَصِلْ إلَيْها شَيْءٌ مِنهُ، كالبَيْتِ المُقْفَلِ المَخْتُومِ عَلَيْهِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْآلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَيْسَ عَدَمُ وُصُولِ الحَقِّ إلى قُلُوبِكم لِكَوْنِها في أكِنَّةٍ وحُجُبٍ خَلْقِيَّةٍ - كَما زَعَمْتُمْ - بَلْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَتَمَ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ الكَسْبِيِّ، وهَذا الطَّبْعُ بِمَعْنى الخِذْلانِ والمَنعِ مِنَ التَّوْفِيقِ لِلتَّدَبُّرِ في الآياتِ والتَّذَكُّرِ بِالمَواعِظِ عِنْدَ الكَثِيرِ، و(طَبَعَ) حَقِيقِيٌّ عِنْدَ البَعْضِ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ البَزّازُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««الطّابَعُ مُعَلَّقٌ بِقائِمَةِ العَرْشِ، فَإذا انْتُهِكَتِ الحُرْمَةُ وعُمِلَ بِالمُعاصِي واجْتُرِئَ عَلى اللَّهِ تَعالى بَعَثَ اللَّهُ تَعالى الطّابَعَ فَطَبَعَ عَلى قَلْبِهِ فَلا يَعْقِلُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا»» وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا في الشُّعَبِ إلّا أنَّهُ ضَعَّفَهُ.

﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا، فَهو كالتَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو غَيْرُ مُفِيدٍ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بِالبَعْضِ كُفْرٌ بِالكُلِّ كَما مَرَّ، أوْ صِفَةٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: زَمانًا قَلِيلًا، أوْ نُصِبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن ضَمِيرِ (لا يُؤْمِنُونَ) أيْ: إلّا قَلِيلًا مِنهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، ورَدَّهُ السَّمِينُ بِأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، ومَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ بِالكُفْرِ لا يَقَعُ مِنهُ إيمانٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِما مَرَّ الإسْنادُ إلى الكُلِّ ما هو لِلْبَعْضِ بِاعْتِبارِ الأكْثَرِ.

وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: كَما يَجِبُ اسْتِثْناءُ القَلِيلِ مِن عَدَمِ الإيمانِ المُتَفَرِّعِ عَلى الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ يَجِبُ اسْتِثْناءُ قَلِيلٍ مِنَ القُلُوبِ مِن قُلُوبِهِمْ، فَكَأنَّ المُرادَ: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى أكْثَرِها، فَلْيُفْهَمْ.

4:156Page 103

وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا ١٥٦

And [We cursed them] for their disbelief and their saying against Mary a great slander1

﴿وبِكُفْرِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (بِكُفْرِهِمْ) الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ مِن عَطْفٍ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ ولا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالكُفْرِ المَعْطُوفِ الكُفْرُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُرادَ بِالكُفْرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ إمّا الكُفْرُ المُطْلَقُ، أوِ الكُفْرُ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِاقْتِرانِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (قُلُوبُنا غُلْفٌ) وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذِهِ المَقالَةَ في مُواجَهَتِهِمْ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في مَواضِعَ، فَفي العَطْفِ إيذانٌ بِصَلاحِيَةِ كُلٍّ مِنَ الكُفْرَيْنِ لِلسَّبَبِيَّةِ.

وقَدْ يُعْتَبَرُ في جانِبِ المَعْطُوفِ المَجْمُوعِ، ومُغايَرَتُهُ لِلْمُفْرَدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ظاهِرَةٌ، أوْ عَطْفٌ عَلى (فَبِما نَقْضِهِمْ) ويَجُوزُ اعْتِبارُ عَطْفِ مَجْمُوعِ هَذا وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهَ، ولا يُتَوَهَّمُ المَحْذُورُ، وإنْ قُلْنا بِاتِّحادِ الكُفْرِ أيْضًا لِمُغايَرَةِ المَجْمُوعِ لِلْمَجْمُوعِ، وإنْ لَمْ يُغايِرْ بَعْضُ أجْزائِهِ بَعْضًا، وقَدْ يُقالُ بِمُغايَرَةِ الكُفْرِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ

صفحة 10

بِحَمْلِهِ في الأخِيرَيْنِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، وفي الأوَّلِ عَلى الكُفْرِ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِاقْتِرانِهِ بِنَقْضِ المِيثاقِ.

وتَقَدَّمَ حَدِيثُ العُدُوِّ في السَّبْتِ ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ؛ حَيْثُ نَسَبُوها - وحاشاها - إلى ما هي عَنْهُ في نَفْسِها بِألْفِ ألْفِ مَنزِلٍ، وتَمادَوْا عَلى ذَلِكَ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِقِيامِ المُعْجِزَةِ بِالبَراءَةِ، والبُهْتانُ الكَذِبُ الَّذِي يُتَحَيَّرُ مِن شَدَّتِهِ وعِظَمِهِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ(قَوْلِهِمْ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: قَوْلًا بُهْتانًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مُباهِتِينَ،

4:157–158Page 103

وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧

And [for] their saying, "Indeed, we have killed the Messiah, Jesus the son of Mary, the messenger of Allāh." And they did not kill him, nor did they crucify him; but [another] was made to resemble him to them. And indeed, those who differ over it are in doubt about it. They have no knowledge of it except the following of assumption. And they did not kill him, for certain.1

بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨

Rather, Allāh raised him to Himself. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

﴿وقَوْلِهِمْ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّبَجُّحِ.

﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ذَكَرُوهُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ تَهَكُّمًا واسْتِهْزاءً، كَما في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنِ الكُفّارِ: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ إلَخْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنهم بِناءً عَلى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ لَمْ يَعْتَقِدُوهُ، وقِيلَ: إنَّهم وصَفُوهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الذَّمِّ، فَغُيِّرَ في الحِكايَةِ فَيَكُونُ مِنَ الحِكايَةِ لا مِنَ المَحْكِيِّ، وقِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ مِنهُ؛ مَدْحًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَفْعًا لِمَحَلِّهِ، وإظْهارًا لِغايَةِ جَراءَتِهِمْ في تَصَدِّيهِمْ لِقَتْلِهِ، ونِهايَةَ وقاحَتِهِمْ في تَبَجُّحِهِمْ ﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾ حالٌ أوِ اعْتِراضٌ ﴿ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَبُّوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ يَهُوذا رَأْسَ اليَهُودِ، فَخافَ فَجَمَعَ اليَهُودَ، فاتَّفَقُوا عَلى قَتْلِهِ، فَسارُوا إلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَأدْخَلَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – بَيْتًا، ورَفَعَهُ مِنهُ إلى السَّماءِ، ولَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ طِيطانُوسُ لِيَقْتُلَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وأبْطَأ عَلَيْهِمْ، وألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا خَرَجَ قَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ في خَبَرٍ طَوِيلٍ، رَواهُ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ: «أتى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَعَهُ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ مِنَ الحَوارِيُّونَ في بَيْتٍ، فَأحاطُوا بِهِمْ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِمْ صَيَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى كُلَّهم عَلى صُورَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالُوا لَهُمْ: سَحَرْتُمُونا، لِيَبْرُزْ لَنا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْ لَنَقْتُلَنَّكم جَمِيعًا، فَقالَ عِيسى لِأصْحابِهِ: مَن يَشْتَرِي نَفْسَهُ مِنكُمُ اليَوْمَ بِالجَنَّةِ؟ فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: أنا، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: أنا عِيسى، فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، ورَفَعَ اللَّهُ تَعالى عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ».

وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ إسْحاقَ، وإنِ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ الحَوارِيِّينَ، ولَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ غَيْرُ وهْبٍ أنَّ شَبَهَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُلْقِيَ عَلى جَمِيعِهِمْ، بَلْ قالُوا: أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى واحِدٍ، ورُفِعَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بَيْنِهِمْ.

ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ وهْبٍ، وقالَ: إنَّهُ الأشْبَهُ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: إنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ أخَذُوا إنْسانًا فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ عَلى مَوْضِعٍ عالٍ، ولَمْ يُمَكِّنُوا أحَدًا مِنَ الدُّنُوِّ مِنهُ، فَتَغَيَّرَتْ حِلْيَتُهُ، وقالُوا: إنّا قَتَلْنا عِيسى لِيُوهِمُوا بِذَلِكَ عَلى عَوامِّهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا أحاطُوا بِالبَيْتِ الَّذِي بِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا دَخَلُوهُ ولَمْ يَجِدُوهُ فَخافُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإيمانِ اليَهُودِ، فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا.

وقِيلَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ الحَوارِيِّينَ يُنافِقُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا أرادُوا قَتْلَهُ قالَ: أنا أدُلُّكم عَلَيْهِ، وأخَذَ عَلى ذَلِكَ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا، فَدَخَلَ بَيْتَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرُفِعَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى المُنافِقِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، و(شُبِّهَ) مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، والمُرادُ وقَعَ لَهم تَشْبِيهٌ بَيْنَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن صُلِبَ، أوْ في الأمْرِ - عَلى قَوْلِ الجُبّائِيِّ - أوْ هو مُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ (إنّا قَتَلْنا) أيْ: (شُبِّهَ لَهُمْ) مَن قَتَلُوهُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوِ الضَّمِيرُ لِلْأمْرِ، و(شُبِّهَ) مِنَ الشُّبْهَةِ، أيِ: التَبَسَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ بِناءً عَلى ذَلِكَ القَوْلِ، ولَيْسَ المُسْنَدُ إلَيْهِ ضَمِيرَ المَسِيحِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِهِ لا مُشَبَّهٌ.

﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ لَمّا وقَعَتْ تِلْكَ

صفحة 11

الواقِعَةُ اخْتَلَفَ النّاسُ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ كانَ كاذِبًا فَقَتَلْناهُ حَقًّا، وتَرَدَّدَ آخَرُونَ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ هَذا عِيسى فَأيْنَ صاحِبُنا؟! وإنْ كانَ صاحِبَنا فَأيْنَ عِيسى ؟! وقالَ بَعْضُهُمُ: الوَجْهُ وجْهُ عِيسى، والبَدَنُ بَدَنُ صاحِبِنا، وقالَ مَن سَمِعَ مِنهُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَرْفَعُنِي إلى السَّماءِ: إنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ، وقالَتِ النَّصارى الَّذِينَ يَدَّعُونَ رُبُوبِيَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: صُلِبَ النّاسُوتُ وصَعِدَ اللّاهُوتُ، ولِهَذا لا يَعُدُّونَ القَتْلَ نَقِيصَةً حَيْثُ لَمْ يُضِيفُوهُ إلى اللّاهُوتِ، ويَرُدُّ هَؤُلاءِ إنَّ ذَلِكَ يَمْتَنِعُ عِنْدَ اليَعْقُوبِيَّةِ القائِلِينَ: إنَّ المَسِيحَ قَدْ صارَ بِالِاتِّحادِ طَبِيعَةً واحِدَةً، إذِ الطَّبِيعَةُ الواحِدَةُ لَمْ يَبْقَ فِيها ناسُوتٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ لاهُوتٍ، والشَّيْءُ الواحِدُ لا يُقالُ: ماتَ ولَمْ يَمُتْ، وأُهِينَ ولَمْ يُهَنْ.

وأمّا الرُّومُ القائِلُونَ بِأنَّ المَسِيحَ بَعْدَ الِاتِّحادِ باقٍ عَلى طَبِيعَتَيْنِ فَيُقالُ لَهُمْ: فَهَلْ فارَقَ اللّاهُوتُ ناسُوتَهُ عِنْدَ القَتْلِ؟ فَإنْ قالُوا: فارَقَهُ، فَقَدْ أبْطَلُوا دِينَهُمْ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ المَسِيحُ الرُّبُوبِيَّةَ عِنْدَهم إلّا بِالِاتِّحادِ، وإنْ قالُوا: لَمْ يُفارِقْهُ فَقَدِ التَزَمُوا ما ورَدَ عَلى اليَعْقُوبِيَّةِ، وهو قَتْلُ اللّاهُوتِ مَعَ النّاسُوتِ، وإنْ فَسَّرُوا الِاتِّحادَ بِالتَّدَرُّعِ، وهو أنَّ الإلَهَ جَعَلَهُ مَسْكَنًا وبَيْتًا ثُمَّ فارَقَهُ عِنْدَ وُرُودِ ما ورَدَ عَلى النّاسُوتِ أبْطَلُوا إلَهِيَّتَهُ في تِلْكَ الحالَةِ، وقُلْنا لَهُمْ: ألَيْسَ قَدْ أُهِينَ، وهَذا القَدْرُ يَكْفِي في إثْباتِ النَّقِيصَةِ، إذْ لَمْ يَأْنَفِ اللّاهُوتُ لِمَسْكَنِهِ أنَّ تَنالَهُ هَذِهِ النَّقائِصُ، فَإنْ كانَ قادِرًا عَلى نَفْيِها فَقَدْ أساءَ مُجاوَرَتَهُ ورَضِيَ بِنَقِيصَتِهِ، وذَلِكَ عائِدٌ بِالنَّقْصِ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قادِرًا فَذَلِكَ أبْعَدُ لَهُ عَنْ عِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وهَؤُلاءِ يُنْكِرُونَ إلْقاءَ الشَّبَهِ، ويَقُولُونَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إضْلالُ، ورَدُّهُ أظْهَرُ مِن أنْ يُخْفى، ويُكْفى في إثْباتِهِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ثابِتًا لَزِمَ تَكْذِيبُ المَسِيحِ، وإبْطالُ نُبُوَّتِهِ، بَلْ وسائِرُ النُّبُوّاتِ، عَلى أنَّ قَوْلَهم في الفَصْلِ: إنَّ المَصْلُوبَ قالَ: إلَهِي إلَهِي لِمَ تَرَكْتَنِي وخَذَلْتَنِي، وهو يُنافِي الرِّضا بِمُرِّ القَضا، ويُناقِضُ التَّسْلِيمَ لِأحْكامِ الحَكِيمِ، وأنَّهُ شَكى العَطَشَ وطَلَبَ الماءَ، والإنْجِيلُ مُصَرِّحٌ بِأنَّ المَسِيحَ كانَ يَطْوِي أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَهم فِيهِ - إنْ صَحَّ - مِمّا يُنادِي عَلى أنَّ المَصْلُوبَ هو الشَّبَهُ كَما لا يَخْفى.

فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ ما يَعُمُّ اليَهُودَ والنَّصارى جَمِيعًا ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ: لَفي تَرَدُّدٍ، وأصْلُ الشَّكِّ أنْ يُسْتَعْمَلَ في تَساوِي الطَّرَفَيْنِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو التَّرَدُّدُ مُطْلَقًا، وإنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ أحَدُ طَرَفَيْهِ، وهو المُرادُ هُنا، ولِذا أكَّدَهُ بِنَفْيِ العِلْمِ الشّامِلِ لِذَلِكَ أيْضًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ.

وجُوِّزَ أنْ يُفَسَّرَ الشَّكُّ بِالجَهْلِ، والعِلْمُ بِالِاعْتِقادِ الَّذِي تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ جَزْمًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، فالِاسْتِثْناءُ حِينَئِذٍ مُتَّصِلٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ، إلّا أنَّهُ خِلافُ المَشْهُورِ، وما قِيلَ: إنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ لَيْسَ مِنَ العِلْمِ قَطْعًا فَلا يُتَصَوَّرُ اتِّصالُهُ فَمَدْفُوعٌ بِأنَّ مَن قالَ بِهِ جَعَلَهُ بِمَعْنى الظَّنِّ المُتَّبَعِ ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ الضَّمِيرُ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما هو الظّاهِرُ، أيْ: ما قَتَلُوهُ قَتْلًا يَقِينًا، أوْ مُتَيَقِّنِينَ، ولا يَرِدُ أنَّ نَفْيَ القَتْلِ المُتَيَقَّنِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ القَتْلِ المَشْكُوكِ؛ لِأنَّهُ لِنَفْيِ القَيْدِ، ولا مانِعَ مِن أنَّهُ قُتِلَ في ظَنِّهِمْ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهُ لَيْسَ في نَفْسِ الأمْرِ كَذَلِكَ، فَلا حاجَةَ إلى التِزامِ جَعْلِ (يَقِينًا) مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ تَيَقَّنُوا ذَلِكَ يَقِينًا، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى العِلْمِ، وإلَيْهِ ذَهَبُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ أيْ: وما قَتَلُوا العِلْمَ (يَقِينًا) مِن قَوْلِهِمْ: قَتَلْتُ العِلْمَ والرَّأْيَ، وقَتَلْتُ كَذا عِلْمًا إذا تَبالَغَ عِلْمُكَ فِيهِ، وهو مَجازٌ كَما في الأساسِ، والمَعْنى: ما عَلِمُوهُ يَقِينًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلظَّنِّ، أيْ: ما قَطَعُوا الظَّنَّ يَقِينًا، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما – والسُّدِّيِّ، وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وأنَّ (يَقِينًا)

صفحة 12

مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ﴾ أيْ: بَلْ رَفَعَهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ (يَقِينًا) ورَدَّهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ قَدْ نَصَّ الخَلِيلُ عَلى أنَّهُ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَ بَلْ فِيما قَبْلَها، والكَلامُ رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَتْلِهِ وإثْباتٌ لِرَفْعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وفِيهِ تَقْدِيرُ مُضافٍ عِنْدَ أبِي حَيّانَ أيْ: إلى سَمائِهِ، قالَ: وهو حَيٌّ في السَّماءِ الثّانِيَةِ عَلى ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في حَدِيثِ المِعْراجِ، وهو هُنالِكَ مُقِيمٌ حَتّى يَنْزِلَ إلى الأرْضِ، يَقْتُلُ الدَّجّالَ، ويَمْلَؤُها عَدْلًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ثُمَّ يَحْيا فِيها أرْبَعِينَ سَنَةً أوْ تَمامَها مِن سِنِّ رَفْعِهِ، وكانَ إذْ ذاكَ ابْنَ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، ويَمُوتُ كَما تَمُوتُ البَشَرُ، ويُدْفَنُ في حُجْرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ في بَيْتِ المَقْدِسِ.

وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ تَعالى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِ فَكَساهُ الرِّيشَ، وألْبَسَهُ النُّورَ، وقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، فَطارَ مَعَ المَلائِكَةِ، فَهو مَعَهم حَوْلَ العَرْشِ، فَصارَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا سَماوِيًّا أرْضِيًّا، وهَذا الرَّفْعُ عَلى المُخْتارِ كانَ قَبْلَ صَلْبِ الشَّبَهِ، وفي إنْجِيلِ لُوقا ما يُؤَيِّدُهُ.

وأمّا رُؤْيَةُ بَعْضِ الحَوارِيِّينَ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ الصَّلْبِ فَهو مِن بابِ تَطَوُّرِ الرُّوحِ فَإنَّ لِلْقِدِّسِيِّينَ قُوَّةُ التَّطَوُّرِ في هَذا العالَمِ، وإنْ رُفِعَتْ أرْواحُهم إلى المَحَلِّ الأسْنى، وقَدْ وقَعَ التَّطَوُّرُ لِكَثِيرٍ مِن أوْلِياءِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وحِكاياتُهم في ذَلِكَ يَضِيقُ عَنْها نِطاقُ الحَصْرِ.

﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يُغْلَبُ فِيما يُرِيدُهُ ﴿حَكِيمًا﴾ في جَمِيعِ أفْعالِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ تَدْبِيراتُهُ سُبْحانَهُ في أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإلْقاءُ الشَّبَهِ عَلى مَن ألْقاهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском