Al-AlusiAn‑Nisa · 4:23

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:23

4:23Page 81

حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُمۡ وَعَمَّٰتُكُمۡ وَخَٰلَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُ ٱلۡأَخِ وَبَنَاتُ ٱلۡأُخۡتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِيٓ أَرۡضَعۡنَكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمۡ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمۡ تَكُونُواْ دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ وَحَلَٰٓئِلُ أَبۡنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنۡ أَصۡلَٰبِكُمۡ وَأَن تَجۡمَعُواْ بَيۡنَ ٱلۡأُخۡتَيۡنِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٣

Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred.1 Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ﴾ لَيْسَ المُرادُ تَحْرِيمَ ذاتِهِنَّ لِأنَّ الحُرْمَةَ وأخَواتِها إنَّما تَتَعَلَّقُ بِأفْعالِ المُكَلَّفِينَ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ بِدَلالَةِ العَقْلِ، والمُرادُ تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يُقْصَدُ مِنهُنَّ ولِأنَّهُ المُتَبادَرُ إلى الفَهْمِ ولِأنَّ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ في النِّكاحِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ هَذا كَأنْ تَخَلَّلَ أجْنَبِيٌّ بَيْنَهُما مِن غَيْرِ نُكْتَةٍ فَلا إجْمالَ في الآيَةِ خِلافًا لِلْكَرْخِيِّ، والجُمْلَةُ إنْشائِيَّةٌ ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنها الإخْبارَ عَنِ التَّحْرِيمِ في الزَّمانِ الماضِي؛ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا مانِعَ مِن كَوْنِها إخْبارِيَّةً والفِعْلُ الماضِي فِيها مِثْلُهُ في التَّعارِيفِ نَحْوَ الِاسْمِ ما دَلَّ عَلى مَعْنًى في نَفْسِهِ ولَمْ يَقْتَرِنْ بِأحَدِ الأزْمِنَةِ، والفِعْلُ ما دَلَّ واقْتَرَنَ، فَإنَّهم صَرَّحُوا أنَّ الجُمْلَةَ الماضَوِيَّةَ هُناكَ خَبَرِيَّةٌ وإلّا لَما صَحَّ كَوْنُها صِلَةَ المَوْصُولِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ مِنَ الفِعْلِ فِيها الدَّلالَةَ عَلى الزَّمانِ الماضِي فَقَطْ، وإلّا لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ حالُ المُعَرَّفِ في الزَّمانِ الحالَ والمُسْتَقْبَلَ لَيْسَ ذَلِكَ الحالَ، وبَنى الفِعْلَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ لِأنَّهُ لا يُشْتَبَهُ أنَّ المُحَرَّمَ هو اللَّهُ تَعالى.

و﴿أُمَّهاتُكُمْ﴾ تَعُمُّ الجَدّاتِ كَيْفَ كُنَّ إذِ الأُمُّ هي الأصْلُ في الأصْلِ كَأُمِّ الكِتابِ وأُمِّ القُرى فَتَثْبُتُ حُرْمَةُ الجَدّاتِ بِمَوْضُوعِ اللَّفْظِ وحَقِيقَتِهِ لِأنَّ الأُمَّ عَلى هَذا مِن قَبِيلِ المُشَكِّكِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ إطْلاقَ الأُمِّ عَلى الجَدَّةِ مَجازٌ، وأنَّ إثْباتَ حُرْمَةِ الجَدّاتِ بِالإجْماعِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الأُمَّ مُرادٌ بِهِ الأصْلُ عَلى كُلِّ حالٍ لِأنَّهُ إنِ اسْتُعْمِلَ فِيهِ حَقِيقَةً فَظاهِرٌ، وإلّا فَيَجِبُ أنْ يُحْكُمَ بِإرادَتِهِ مَجازًا فَتَدْخُلُ الجَدّاتُ في عُمُومِ المَجازِ والمُعَرِّفُ لِإرادَةِ ذَلِكَ في النَّصِّ الإجْماعُ عَلى حُرْمَتِهِنَّ.

صفحة 250

/ والمُرادُ بِالبَناتِ مَن ولَدَتْها أوْ ولَدَتْ مَن ولَدَها؛ وتَسْمِيَةُ الثّانِيَةِ بِنْتًا حَقِيقَةً بِاعْتِبارِ أنَّ البِنْتَ يُرادُ بِهِ الفَرْعُ كَما قِيلَ بِهِ فَيَتَناوَلُها النَّصُّ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا عِنْدَ البَعْضِ، أوْ عِنْدَ الكُلِّ، ومَن مَنَعَ إطْلاقَ البِنْتِ عَلى الفَرْعِ مُطْلَقًا قالَ: إنَّ ثُبُوتَ حُرْمَةِ بَناتِ الأوْلادِ بِالإجْماعِ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلى تَحْرِيمِ الجَدّاتِ وبَناتِ الأوْلادِ بِدَلالَةِ النَّصِّ المُحَرِّمِ لِلْعَمّاتِ والخالاتِ وبَناتِ الأخِ والأُخْتِ، فَفي الأوَّلِ: لِأنَّ الأشِقّاءَ مِنهُنَّ أوْلادُ الجَدّاتِ فَتَحْرِيمُ الجَدّاتِ وهُنَّ أقْرَبُ أوْلى، وفي الثّانِي: لِأنَّ بَناتَ الأوْلادِ أقْرَبُ مِن بَناتِ الإخْوَةِ، ثُمَّ ظاهِرُ النَّصِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُحَرَّمُ لِلرَّجُلِ بِنْتُهُ مِنَ الزِّنا لِأنَّها بِنْتُهُ، والخِطابُ إنَّما هو بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ ما لَمْ يَثْبُتْ نَقْلٌ كَلَفْظِ الصَّلاةِ ونَحْوِهِ فَيَصِيرُ مَنقُولًا شَرْعِيًّا، وفي ذَلِكَ خِلافُ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدْ قالَ: إنَّ المَخْلُوقَةَ مِن ماءِ الزِّنا تَحِلُّ لِلزّانِي لِأنَّها أجْنَبِيَّةٌ عَنْهُ إذْ لا يَثْبُتُ لَها تَوارُثٌ ولا غَيْرُهُ مِن أحْكامِ النِّسَبِ، ولِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الوَلَدُ لِلْفِراشِ»» وهو يَقْتَضِي حَصْرَ النَّسَبِ في الفِراشِ.

وقالَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ: تَحْرُمُ إنْ أخْبَرَهُ نَبِيٌّ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقْتَ نُزُولِهِ بِأنَّها مِن مائِهِ، ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الشّارِعَ قَطَعَ نَسَبَها عَنْهُ كَما تَقَرَّرَ فَلا نَظَرَ لِكَوْنِها مِن ماءِ سِفاحِهِ، واعْتَرَضُوا عَلى القائِلِينَ بِالحُرْمَةِ بِأنَّهم إمّا أنْ يُثْبِتُوا كَوْنَها بِنْتًا لَهُ بِناءً عَلى الحَقِيقَةِ لِكَوْنِها مَخْلُوقَةً مِن مائِهِ، أوْ بِناءً عَلى حُكْمِ الشَّرْعِ، والأوَّلُ: باطِلٌ عَلى مَذْهَبِهِمْ طَرْدًا وعَكْسًا، أمّا الأوَّلُ: فَلِأنَّهُ لَوِ اشْتَرى بِكْرًا وافْتَضَّها وحَبَسَها إلى أنْ تَلِدَ فَهَذا الوَلَدُ مَخْلُوقٌ مِن مائِهِ بِلا شُبْهَةٍ مَعَ أنَّهُ لا يَثْبُتُ نَسَبُهُ إلّا عِنْدَ الِاسْتِلْحاقِ، وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ المَشْرِقِيَّ لَوْ تَزَوَّجَ مَغْرِبِيَّةً وحَصَلَ هُناكَ ولَدٌ مِنها مَعَ عَدَمِ اجْتِماعِها مَعَ زَوْجِها وحَيْلُولَةِ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ بَيْنَهُما فَإنَّهُ يُثْبِتُ النَّسَبَ مَعَ القَطْعِ بِأنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِن مائِهِ، والثّانِي: باطِلٌ بِإجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّهُ لا نَسَبَ لِوَلَدِ الزِّنا مِنَ الزّانِي ولَوِ انْتَسَبَ إلَيْهِ وجَبَ عَلى القاضِي مَنعُهُ، وأُجِيبُ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الأوَّلِ إذْ لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ اللِّسانِ في أنَّ المَخْلُوقَةَ مِن ماءِ إنْسانٍ بِنْتُهُ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الماءُ ماءَ حَلالٍ أوْ سِفاحٍ والجُزْئِيَّةُ ثابِتَةٌ في الصُّورَتَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّها هي مَبْدَأُ حُرْمَةِ النِّكاحِ، ألا تَرى كَيْفَ حُرِّمَ عَلى المَرْأةِ ولَدُها مِنَ الزِّنا إجْماعًا، والتَّفْرِقَةُ بَيْنَ المَسْألَتَيْنِ بِأنَّ الوَلَدَ في المَسْألَةِ الثّانِيَةِ بَعْضُها، وانْفَصَلَ مِنها إنْسانًا، ولا كَذَلِكَ البِنْتُ في المَسْألَةِ الأُولى لِأنَّها انْفَصَلَتْ مِنهُ مَنِيًّا لا تُفِيدُ سِوى أنَّ البَعْضِيَّةَ في المَسْألَةِ الثّانِيَةِ أظَهَرُ، وأمّا إنَّها تَنْفِي البَعْضِيَّةَ في المَسْألَةِ الأُولى فَلا لِأنَّهم يُطْلِقُونَ البُضْعَةَ وهي تَقْتَضِي البَعْضِيَّةَ عَلى الوَلَدِ المُنْفَصِلِ مَنِيًّا مِن أبِيهِ، فَيَقُولُونَ: فُلانٌ بُضْعَةٌ وفُلانَةٌ بُضْعَةٌ مِن فُلانٍ، وإنْكارُ وُجُودِ الجُزْئِيَّةِ في المَسْألَتَيْنِ مُكابَرَةٌ، وعَدَمُ ثُبُوتِ التَّوارُثِ مَثَلًا بَيْنَ المَخْلُوقَةِ مِن ماءِ الزِّنا وصاحِبِ الماءِ لَيْسَ لِعَدَمِ الجُزْئِيَّةِ وكَوْنِها لَيْسَتْ بِنْتَهُ حَقِيقَةً بَلْ لِلْإجْماعِ عَلى ذَلِكَ، ولَوْلاهُ لَوَرِثَتْ كَما يَرِثُ ولَدُ الزِّنا أُمَّهُ. وما ذُكِرَ في بَيانِ إبْطالِ الطَّرْدِ مِن أنَّهُ لَوِ اشْتَرى بِكْرًا فافْتَضَّها وحَبَسَها فَوُلِدَتْ فالوَلَدُ مَخْلُوقٌ مِن مائِهِ قَطْعًا مَعَ أنَّهُ لا يَثْبُتُ نَسَبُهُ إلّا بِالِاسْتِلْحاقِ أخَذَهُ مِن قَوْلِ الفُقَهاءِ في الأُمَّةِ إذا وُلِدَتْ عِنْدَ المَوْلى أنَّهُ لا يَثْبُتُ نَسَبُ ولَدِها مِنهُ إلّا أنْ يَعْتَرِفَ بِهِ، ولا يَكْفِيَ أنَّهُ وطَأها فَوَلَدَتْ، لَكِنْ في «الهِدايَةِ» وغَيْرِها إنَّ هَذا حُكْمٌ، فَأمّا الدِّيانَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى فالمُرْوى عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ إنْ كانَ حِينَ وطِئَها لَمْ يُعْزَلْ عَنْها وحَصَنَها عَنْ مَظانِّ رِيبَةِ الزِّنا يَلْزَمُهُ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى أنَّ يَدَّعِيَهُ بِالإجْماعِ لِأنَّ الظّاهِرَ والحالَ هَذِهِ كَوْنُهُ مِنهُ، والعَمَلُ بِالظّاهِرِ واجِبٌ، وإنْ كانَ عَزَلَ عَنْها حَصَنَها أوَّلًا أوْ لَمْ يَعْزِلْ.

ولَكِنْ لَمْ يُحْصِنْها فَتَرَكَها تَدْخُلُ وتَخْرُجُ بِلا رَقِيبٍ مَأْمُونٍ جازَ لَهُ أنْ يَنْفِيَهُ لِأنَّ هَذا الظّاهِرَ وهو كَوْنُهُ مِنهُ بِسَبَبِ أنَّ الظّاهِرَ عَدَمُ زِنا المُسْلِمَةِ يُعارِضُهُ ظاهِرٌ آخَرُ وهو كَوْنُهُ مِن غَيْرِهِ لِوُجُودِ أحَدِ

صفحة 251

الدَّلِيلَيْنِ عَلى ذَلِكَ، وهُما العَزْلُ أوْ عَدَمُ التَّحْصِينِ، وفِيهِ رِوايَتانِ أُخْرَيانِ عَنْ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ ذَكَرَهُما في «المَبْسُوطِ» فَقالَ: وعَنْ أبِي يُوسُفَ إذا وطِئَها ولَمْ يَسْتَبْرِئَها بَعْدَ ذَلِكَ حَتّى جاءَتْ بِوَلَدٍ فَعَلَيْهِ أنْ يَدَّعِيَهُ سَواءٌ عَزَلَ عَنْها أوْ لَمْ يَعْزِلْ حَصَنَها أوْ لَمْ يُحْصِنْها تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِها وحَمْلًا لِأمْرِها عَلى الصَّلاحِ ما لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلافُهُ، وهَذا كَمَذْهَبِ الجُمْهُورِ لِأنَّ ما ظَهَرَ بِسَبَبِهِ يَكُونُ حالًا بِهِ عَلَيْهِ حَتّى يَتَبَيَّنَ خِلافُهُ وعَنْ مُحَمَّدٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَدَّعِيَ ولَدَها إذا لَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ مِنهُ ولَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْتِقَ الوَلَدَ، وفي «الإيضاحِ» ذِكْرُهُما بِلَفْظِ الِاسْتِحْبابِ، فَقالَ: قالَ أبُو يُوسُفَ: أُحِبُّ أنْ يَدَّعِيَهُ، وقالَ مُحَمَّدٌ: أُحِبُّ أنْ يُعْتِقَ الوَلَدَ، وقالَ في «الفَتْحِ» بَعْدَ كَلامٍ: وعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ لَوِ اعْتَرَفَ فَقالَ: كُنْتُ أطَأُ لِقَصْدِ الوَلَدِ عِنْدَ مَجِيئِها بِالوَلَدِ أنْ يُثْبِتَ نَسَبَ ما أتَتْ بِهِ وإنْ لَمْ يَقُلْ هو ولَدِي لِأنَّ ثُبُوتَهُ بِقَوْلِهِ: هو ولَدِي بِناءً عَلى أنَّ وطْأهُ حِينَئِذٍ لِقَصْدِ الوَلَدِ، وعَلى هَذا قالَ بَعْضُ فُضَلاءِ الدَّرْسِ: يَنْبَغِي أنَّهُ لَوْ أقَرَّ أنَّهُ كانَ لا يَعْزِلُ عَنْها وحَصَنَها أنْ يَثْبُتَ نَسَبُهُ مِن غَيْرِ تَوَقُّفِ دَعْواهُ، وإنْ كُنّا نُوجِبُ عَلَيْهِ في هَذِهِ الحالَةِ الِاعْتِرافَ بِهِ فَلا حاجَةَ إلى أنْ نُوجِبَ عَلَيْهِ الِاعْتِرافَ لِيَعْتَرِفَ فَيَثْبُتَ نَسَبُهُ بَلْ يَثْبُتَ نَسَبُهُ ابْتِداءً، وأظُنُّ أنْ لا بُعْدَ في أنْ يُحْكَمَ عَلى المَذْهَبِ بِذَلِكَ انْتَهى، وفي «المَبْسُوطِ» أنَّهُ إذا تَطاوَلَ الزَّمانُ أُلْحِقَ بِهِ لِأنَّ التَّطاوُلَ دَلِيلُ إقْرارِهِ لِأنَّهُ يُوجَدُ مِنهُ حِينَئِذٍ ما يَدُلُّ عَلى الإقْرارِ مِن قَبُولِ التَّهْنِئَةِ ونَحْوِهِ فَيَكُونُ كالتَّصْرِيحِ بِإقْرارِهِ.

ومِن مَجْمُوعِ ما ذُكِرَ يُعْلَمُ ما في كَلامِ المُعْتَرِضِ، وأنَّ لِلْخَصْمِ عَدَمَ تَسْلِيمِهِ لَكِنْ ذُكِرَ في «البَحْرِ» مُتَعَقِّبًا: ظَنَّ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُحْكَمَ عَلى المَذْهَبِ بِهِ لِتَصْرِيحِ أهْلِهِ بِخِلافِهِ، ونُقِلَ نَصُّ «البَدائِعِ» في ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ فَإنْ أرادَ الثُّبُوتَ عِنْدَ القاضِي ظاهِرًا فَقَدْ صَرَّحُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الدَّعْوَةِ مُطْلَقًا، وإنْ أرادَ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ صَرَّحَ في «الهِدايَةِ» وغَيْرِها بِأنَّ ما ذَكَرْناهُ مِنِ اشْتِراطِ الدَّعْوَةِ إنَّما هو في القَضاءِ إلى آخِرِ ما ذَكَرْناهُ لَكِنْ في «المُجْتَبى» لا يَصِحُّ إعْتاقُ المَجْنُونِ وتَدْبِيرُهُ ويَصِحُّ اسْتِيلادُهُ، فَهَذا إنْ صَحَّ يُسْتَثْنى مِنَ الحُكْمِ وهو مُشْكِلٌ انْتَهى، وعَلى هَذا يُقالُ في المَسْألَةِ الَّتِي ذَكَرَها المُعْتَرِضُ: المَوْلُودُ ولَدٌ لِلْمَوْلى في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن مِائِهِ ووَلَدُ الزِّنا كَذَلِكَ وزِيادَةٌ حَيْثُ انْضَمَّ إلى ذَلِكَ الإقْرارِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ مَناطَ الحُرْمَةِ البُنُوَّةَ وهي مُتَحَقِّقَةٌ في مَسْألَتِنا فَكَيْفَ يَحِلُّ النِّكاحُ في نَفْسِ الأمْرِ، وعَدَمُ ثُبُوتِ التَّوارُثِ ونَحْوِهِ كَما قُلْنا كانَ إجْماعًا، وعَدَمُ الِاسْتِلْحاقِ قَضاءً إلّا بِالدَّعْوى أمْرٌ آخَرُ وراءَ تَحَقُّقِ البُنُوَّةِ في نَفْسِ الأمْرِ، فَكَمْ مُتَحَقِّقٌ في نَفْسِ الأمْرِ لا يُقْضى بِهِ وكَمْ مَقْضِيٌّ بِهِ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ في نَفْسِ الأمْرِ كَما في خَبَرِ «الفَرَسِ الَّتِي اشْتَراها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ الأعْرابِيِّ وشَهِدَ لَهُ خُزَيْمَةُ لَمّا أنْكَرَ الأعْرابِيُّ البَيْعَ» وقَدْ حُقِّقَ الكَلامُ في بَحْثِ الِاسْتِيلادِ في «فَتْحِ القَدِيرِ» وغَيْرِهِ مِن مَبْسُوطاتِ كُتُبِ القَوْمِ، وما ذُكِرَ في إبْطالِ العَكْسِ مِن مَسْألَةِ تَزَوُّجِ المَشْرِقِيِّ بِمَغْرِبِيَّةٍ فَلا نُسَلِّمُ القَطْعَ فِيها بِأنَّ الوَلَدَ لَيْسَ مَخْلُوقًا مِن مائِهِ لِثُبُوتِ كَراماتِ الأوْلِياءِ والِاسْتِخْداماتِ فَيُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ الزَّوْجُ صاحِبَ خُطْوَةٍ أوْ جِنِّيٌّ، وأنَّهُ ذَهَبَ إلى المَغْرِبِ فَجامَعَها، ولَوْلا قِيامُ هَذا الِاحْتِمالِ مَعَ قِيامِ النِّكاحِ لَمْ يَلْحَقِ الوَلَدُ بِهِ، ألا تَرى كَيْفَ قالَ الأصْحابُ: لَوْ جاءَتِ امْرَأةُ الصَّبِيِّ بِوَلَدٍ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنهُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ ذَلِكَ هُناكَ والتَّصَوُّرُ شَرْطٌ، وقِيامُ الفِراشِ وحْدَهُ غَيْرُ كافٍ عَلى الصَّحِيحِ، ولَعَلَّ اعْتِبارَ هَذِهِ البُنُوَّةِ قَضاءًا وإلّا فَحَيْثُ لَمْ يَكُنِ الوَلَدُ مَخْلُوقًا مِن مائِهِ لا يُقالُ لَهُ ولَدُ الزَّوْجِ في نَفْسِ الأمْرِ وإنَّما اعْتَبَرُوا ذَلِكَ مَعَ ضَعْفِ الِاحْتِمالِ سَتْرًا لِلْحَرائِرِ وصِيانَةً لِلْوَلَدِ عَنِ الضَّياعِ، وقَرِيبٌ مِن هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الشّافِعِيُّ ومالِكٌ وأحْمَدُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى في بابِ الِاسْتِيلادِ أنَّ الجارِيَةَ إذا ولَدَتْ يَثْبُتُ نَسَبُ الوَلَدِ مِنَ المَوْلى إذا أقَرَّ بِوَطْئِها مَعَ العَزْلِ كَما يَثْبُتُ مَعَ عَدَمِ العَزْلِ بَلْ لَوْ وطِئَها في دُبُرِها يَلْزَمُهُ الوَلَدُ عِنْدَ مالِكٍ ومِثْلُهُ عَنْ أحْمَدَ، وهو وجْهٌ مُضْعِفٌ لِلشّافِعِيَّةِ،

صفحة 252

وقِيلَ: إنَّ بَيْنَ هَذِهِ المَسْألَةِ ومَسْألَةِ تَزْوِيجِ المَشْرِقِيِّ بِمَغْرِبِيَّةٍ بُعْدًا كَبُعْدِ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لِأنَّ الوَطْءَ هُنا مُتَحَقِّقٌ في الجُمْلَةِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى قَطْعِ بَرارِي وقِفارٍ ولا كَذَلِكَ هُناكَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

والبَناتُ جَمْعُ بِنْتٍ في المَشْهُورِ وصُحِّحَ أنَّ لامَها واوٌ كَأُخْتٍ وإنَّما رُدَّ المَحْذُوفُ في أخَواتٍ ولَمْ يُرَدَّ في بَناتٍ حَمْلًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الجَمْعَيْنِ عَلى مُذَكِّرِهِ، فَمُذَكَّرُ بَناتٍ لَمْ يُرَدَّ إلَيْهِ المَحْذُوفُ بَلْ قالُوا فِيهِ بِنُونٍ، ومُذَكَّرُ أخَواتٍ رُدَّ فِيهِ مَحْذُوفُهُ فَقالُوا في جَمْعِ أخٍ: إخْوَةٌ وأخَواتٌ، وقَدْ نَظَّمَ الدَّنَوْشَرِيُّ السُّؤالَ فَقالَ:

أيُّها الفاضِلُ اللَّبِيبُ تَفَضَّلْ بِجَوابٍ بِهِ يَكُونُ رَشادِي

لَفْظُ أُخْتٍ ولَفْظُ بِنْتٍ إذا ما ∗∗∗ جُمِعا جَمْعَ صِحَّةٍ لا فَسادِ

فَلِأُخْتٍ تُرَدُّ لِأُمٍّ وأمّا ∗∗∗ لَفْظُ بِنْتٍ فَلا فَأوْضِحْ مُرادِي

مَعَ تَعْوِيضِهِمْ مِنَ اللّامِ تاءً ∗∗∗ فِيهِما لا بَرِحْتُ أهْلَ اعْتِمادِي

وقَدْ أجابَ هو رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

لَفْظُ أُخْتٍ لَهُ انْضِمامٌ بِصَدْرٍ ∗∗∗ ناسَبَ الواوَ فاكْتَسى بِالمَعادِ

وقالَ أبُو البَقاءِ: التّاءُ فِيها لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثٍ لِأنَّ تاءَ التَّأْنِيثِ لا يُسَكَّنُ ما قَبْلَها، وتُقْلَبُ هاءً في الوَقْفِ فَبَناتٌ لَيْسَ بِجَمْعِ بِنْتٍ بَلْ بِنْهٍ، وكُسِرَتِ الباءُ تَنْبِيهًا عَلى المَحْذُوفِ قالَهُ الفَرّاءُ، وقالَ غَيْرُهُ: أصْلُها الفَتْحُ وعَلى ذَلِكَ جاءَ جَمْعُها، ومُذَكَّرُها وهو بَنُونَ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ البَصْرِيُّونَ، وأمّا أُخْتٌ فالتّاءُ فِيها بَدَلٌ مِنَ الواوِ لِأنَّها مِنَ الإخْوَةِ، والأخَواتُ يَنْتَظِمْنَ الأخَواتِ مِنَ الجِهاتِ الثَّلاثِ، وكَذا الباقِياتُ لِأنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُ الكُلَّ ويَدْخُلُ في العَمّاتِ والخالاتِ أوْلادُ الأجْدادِ والجَدّاتِ وإنْ عَلَوْا، وكَذا عَمَّةُ جَدِّهِ وخالَتِهِ وعَمَّةُ جَدَّتِهِ وخالاتِها لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ أوْ لِأُمٍّ وذَلِكَ كُلُّهُ بِالإجْماعِ، وفي «الخانِيَةِ» وعَمَّةُ العَمَّةِ لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ كَذَلِكَ، وأمّا عَمَّةُ العَمَّةِ لِأُمٍّ فَلا تَحْرُمُ، وفي «المُحِيطِ»: وأمّا عَمَّةُ العَمَّةِ فَإنْ كانَتِ العَمَّةُ القُرْبى عَمَّةً لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ فَعَمَّةُ العَمَّةِ حَرامٌ لِأنَّ القُرْبى إذا كانَتْ أُخْتَ أبِيهِ لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأبٍ فَإنَّ عَمَّتَها تَكُونُ أُخْتَ جَدَّةِ أبِ الأبِ وأُخْتُ أبِ الأبِ حَرامٌ لِأنَّها عَمَّتُهُ وإنْ كانَتِ القُرْبى عَمَّةً لِأُمٍّ فَعَمَّةُ العَمَّةِ لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ لِأنَّ أبَ العَمَّةِ يَكُونُ زَوْجَ أُمِّ أبِيهِ فَعَمَّتُها تَكُونُ أُخْتَ زَوْجِ الجَدَّةِ أُمِّ الأبِ، وأُخْتُ زَوْجِ الأُمِّ لا تَحْرُمُ، فَأُخْتُ زَوْجِ الجَدَّةِ أوْلى أنْ لا تَحْرُمَ، وأمّا خالَةُ الخالَةِ فَإنْ كانَتِ الخالَةُ القُرْبى خالَةً لِأبٍ وأُمٍّ أوْ لِأُمٍّ فَخالَتُها تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَتِ القُرْبى خالَةً لِأبٍ فَخالَتُها لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ لِأنَّ أُمَّ الخالَةِ القُرْبى تَكُونُ امْرَأةَ الجَدِّ أبِ الأُمِّ لا أُمِّ أُمِّهِ، فَأُخْتُها تَكُونُ أُخْتَ امْرَأةِ الأبِ وأُخْتُ امْرَأةِ الجَدِّ لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ. انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّهُ كَما يَحْرُمُ عَلى الرَّجُلِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِمَن ذُكِرَ يَحْرُمُ عَلى المَرْأةِ التَّزَوُّجُ بِنَظِيرِ مَن ذُكِرَ.

والظّاهِرُ أنَّ هَذا التَّحْرِيمَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ لَمْ يَثْبُتْ في جَمِيعِ المَذْكُوراتِ في سائِرِ الأدْيانِ، نَعَمْ ذَكَرُوا أنَّ حُرْمَةَ الأُمَّهاتِ والبَناتِ كانَتْ ثابِتَةً حَتّى في زَمانِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَمْ يَثْبُتْ حِلُّ نِكاحِهِنَّ في شَيْءٍ مِنَ الأدْيانِ، وقِيلَ: إنَّ زَرادُشْتَ نَبِيَّ المَجُوسِ بِزَعْمِهِمْ قالَ بِحَلِّهِ، وأكْثَرُ المُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ كانَ كَذّابًا، وعَدَمُ إيذاءِ الصُّفْرِ المُذابِ لَهُ لِأدْوِيَةٍ كانَ يُلَطِّخُ بِها جَسَدَهُ وقَدْ شاهَدْنا مَن يَحْمِلُ النّارَ بِيَدِهِ بَعْدَ لَطْخِها بِأدْوِيَةٍ مَخْصُوصَةٍ ولا تُؤْذِيهِ وحِينَئِذٍ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً.

وأمّا حِلُّ نِكاحِ الأخَواتِ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ مُباحًا في زَمانِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلضَّرُورَةِ وكانَتْ حَوّاءُ عَلَيْها السَّلامُ تَلِدُ في كُلِّ بَطْنٍ ذَكَرًا وأُنْثى فَيَأْخُذُ ذَكَرُ البَطْنِ الثّانِيَةِ أُنْثى البَطْنِ الأُولى، وبَعْضُ المُسْلِمِينَ يُنْكِرُ ذَلِكَ ويَقُولُ:

صفحة 253

إنَّهُ بَعَثَ الحُورَ مِنَ الجَنَّةِ حَتّى تَزَوَّجَ بِهِنَّ أبْناءُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ هَذا النَّسْلَ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ مَحْضَ أوْلادِ آدَمَ وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ.

﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى سابِقِهِ والرَّضاعَةُ بِفَتْحِ الرّاءِ مَصْدَرُ رَضَعَ كَسَمِعَ وضَرَبَ، ومِثْلُهُ الرِّضاعَةُ بِالكَسْرِ، والرُّضْعُ بِسُكُونِ الضاءِ وفَتْحِها، والرَّضاعُ كالسَّحابِ، والرَّضِعُ كالكَتِفِ، وحَكَوْا رَضُعَ كَكَرُمَ، ورِضاعًا كَقِتالٍ، وقَدْ تُبَدَّلُ ضادُهُ تاءًا، ورُضاعًا كَسُؤالٍ لَكِنَّ المَضْمُومَ كالمُراضَعَةِ تَقْتَضِي الشَّرِكَةَ، ويُقالُ: أرْضَعَتِ المَرْأةُ فَهي مُرْضِعٌ إذا كانَ لَها ولَدٌ تُرْضِعُهُ فَإنْ وصَفْتَها بِإرْضاعِ الوَلَدِ قُلْتَ: مُرْضِعَةٌ، ومَعْناها لُغَةً مَصُّ الثَّدْيِ، وشَرْعًا مَصُّ الرَّضِيعِ مِن ثَدْيِ الآدَمِيَّةِ في وقْتٍ مَخْصُوصٍ، وأرادُوا بِذَلِكَ وصُولَ اللَّبَنِ مِن ثَدْيِ المَرْأةِ إلى جَوْفِ الصَّغِيرِ مِن فَمِهِ أوْ أنْفِهِ في المَدَّةِ الآتِيَةِ سَواءٌ وُجِدَ مَصٌّ أوْ لَمْ يُوجَدْ، وإنَّما ذَكَرُوا المَصَّ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْوُصُولِ فَأطْلَقُوا السَّبَبَ وأرادُوا المُسَبَّبَ، وقَدْ صَرَّحَ في «الخانِيَةِ» أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ المَصِّ والسُّعُوطِ ونَحْوِهِ، وقَيَّدُوا بِالآدَمِيَّةِ لِيَخْرُجَ الرَّجُلُ والبَهِيمَةُ، وتَفَرَّدَ الإمامُ البُخارِيُّ وهو سَبَبُ فِتْنَتِهِ في قَوْلٍ فَذَهَبَ فِيما إذا ارْتَضَعَ صَبِيٌّ وصِبْيَةٌ مِن ثَدْيِ شاةٍ إلى وُقُوعِ الحُرْمَةِ بَيْنَهُما، وأًطْلِقَتْ لِتَشْمَلَ البِكْرَ والثَّيِّبَ الحَيَّةَ والمَيِّتَةَ، وقَيَّدْنا بِالفَمِ والأنْفِ لِيَخْرُجَ ما إذا وصَلَ بِالإقْطارِ في الأُذُنِ والإحْلِيلِ والجائِفَةِ والآمَّةِ بِالحُقْنَةِ في ظاهِرِ الرِّوايَةِ، وخَرَجَ بِالوُصُولِ ما لَوْ أدْخَلَتِ المَرْأةُ حَلَمَةَ ثَدْيِها في فَمٍ رَضِيعٍ ولا تَدْرِي أدَخَلَ اللَّبَنُ في حَلْقِهِ أمْ لا، لا يُحَرَّمُ النِّكاحُ لِأنَّ في المانِعِ شَكًّا.

وقَدْ نَزَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرَّضاعَةَ مَنزِلَةَ النَّسَبِ حَتّى سَمّى المُرْضِعَةَ أُمًّا لِلرَّضِيعِ، والمُراضِعَةِ أُخْتًا، وكَذَلِكَ زَوْجُ المُرْضِعَةِ أبُوهُ وأبَواهُ جَدّاهُ وأُخْتُهُ عَمَّتُهُ، وكُلُّ ولَدٍ وُلِدَ لَهُ مِن غَيْرِ المُرْضِعَةِ قَبْلَ الرِّضاعِ وبَعْدَهُ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأبِيهِ، وأُمُّ المُرْضِعَةِ جَدَّتُهُ، وأُخْتُها خالَتُهُ، وكُلُّ ولَدٍ لَها مِن هَذا الزَّوْجِ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ، ومَن وُلِدَ لَها مَن غَيْرِهِ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأُمِّهِ، ومِن هُنا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم: ««يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ»» . وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ كَمَوْلانا شَيْخِ الإسْلامِ وغَيْرِهِ إلى أنَّ الحَدِيثَ جارٍ عَلى عُمُومِهِ وأمّا أُمُّ أخِيهِ لِأبٍ وأُخْتُ ابْنِهِ لِأُمٍّ وأُمُّ أمِّ ابْنِهِ وأُمُّ عَمِّهِ وأُمُّ خالِهِ لِأبٍ فَلَيْسَتْ حُرْمَتُهُنَّ مِن جِهَةِ النَّسَبِ حَتّى تَخِلَّ بِعُمُومِهِ ضَرُورَةُ حَلِّهِنَّ في صُورَةِ الرِّضاعِ بَلْ مِن جِهَةِ المُصاهَرَةِ، ألا يَرى أنَّ الأُولى: مَوْطُوأةُ أبِيهِ. والثّانِيَةَ: بِنْتُ مَوْطُوأتِهِ. والثّالِثَةُ: أُمُّ مَوْطُوأتِهِ. والرّابِعَةُ: مَوْطُوأةِ جَدِّهِ الصَّحِيحِ. والخامِسَةُ: مَوْطُوأةُ جَدِّهِ الفاسِدِ، ووَقَعَ في عِبارَةِ بَعْضِهِمُ اسْتِثْناءٌ صُوِّرَ بَعْدَ سَوْقِ الحَدِيثِ، وأنْهى في «البَحْرِ» المَسائِلَ المُسْتَثْنَياتِ إلى إحْدى وثَمانِينَ مَسْألَةً، وأطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، وأتى بِالعَجَبِ العُجابِ.

وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الرِّضاعِ وهو ما يُعْلَمُ وُصُولُهُ إلى الجَوْفِ وكَثِيرِهِ في التَّحْرِيمِ، وأمّا خَبَرُ مُسْلِمٍ «لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتانِ» وما دَلَّ عَلى التَّقْدِيرِ فَمَنسُوخٌ صَرَّحَ بِنَسْخِهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حِينَ قِيلَ لَهُ: إنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: إنَّ الرَّضْعَةَ لا تُحَرِّمُ فَقالَ: كانَ ذَلِكَ ثُمَّ نُسِخَ.

وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: آلَ أمْرُ الرِّضاعِ إلى أنَّ قَلِيلُهُ وكَثِيرُهُ يُحَرِّمُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ القَلِيلَ يُحَرِّمُ، وعَنْهُ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ الزُّبَيْرَ يَقُولُ: لا بَأْسَ بِالرَّضْعَةِ والرَّضْعَتَيْنِ فَقالَ: قَضاءُ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ مِن

صفحة 254

قَضاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وتَلا الآيَةَ، وقالَ الشّافِعِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ عَلى ما نَقَلَهُ أصْحابُنا عَنْهُ لا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ إلّا بِخَمْسِ رَضَعاتٍ مُشْبِعاتٍ في خَمْسَةِ أوْقاتٍ مُتَفاصِلَةٍ عُرْفًا، وعَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ كَقَوْلِنا وكَقَوْلِهِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ حِبّانَ في «صَحِيحِهِ» مِن حَدِيثِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قالَ: قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتانِ ولا الإمْلاجَةُ والإمْلاجَتانِ ”» ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ بِأنَّ المَصَّةَ داخِلَةٌ في المَصَّتَيْنِ والإمْلاجَةَ في الإمْلاجَتَيْنِ، فَحاصِلُهُ لا تُحَرِّمُ المَصَّتانِ ولا الإمْلاجَتانِ فَنُفِيَ التَّحْرِيمُ عَلى أرْبَعٍ فَلَزِمَ أنْ يَثْبُتَ بِخَمْسٍ.

واعْتَرَضَهُ ابْنُ الهُمامِ «بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ لَيْسَ التَّحْرِيمَ بِخَمْسِ مَصّاتٍ بَلْ بِخَمْسٍ شَبِعاتٍ في أوْقاتٍ، وأما ثانِيًا: فَلِأنَّ المَصَّةَ فِعْلُ الرَّضِيعِ والإمْلاجَةُ الإرْضاعَةُ فِعْلُ المُرْضِعَةِ، فَحاصِلُ المَعْنى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَفى كَوْنَ الفِعْلَيْنِ مُحَرِّمَيْنِ مِنهُ ومِنها ثُمَّ حَقَّقَ أنَّ ما في هَذِهِ الرِّوايَةِ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حَدِيثًا واحِدًا بِأنَّ الإمْلاجَ لَيْسَ حَقِيقَةَ المُحَرِّمِ بَلْ لازَمَهُ مِنَ الِارْتِضاعِ فَنُفِيَ تَحْرِيمُ الإمْلاجِ نَفْيَ تَحْرِيمٍ لازَمَهُ فَلَيْسَ الحاصِلُ مَن: لا تُحَرِّمُ الإمْلاجَتانِ إلّا لا يُحَرِّمُ لازِمُهُما أعْنِي المَصَّتَيْنِ فَلَوْ جَمَعا في حَدِيثٍ كانَ الحاصِلُ لا تُحَرِّمُ المَصَّتانِ“ ولا المَصَّتانِ ”فَلَزِمَ أنْ لا يَصِحَّ أنْ يُرادَ إلّا المَصَّتانِ لا الأرْبَعُ، وعَلى هَذا يَجِبُ كَوْنُ الرّاوِي وهو الزُّبَيْرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أرادَ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ ألْفاظِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الَّتِي سَمِعَها مِنهُ في وقْتَيْنِ كَأنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُحَرِّمُ المَصَّةُ والمَصَّتانِ» وقالَ أيْضًا: ««لا تُحَرِّمُ الإمْلاجَةُ والإمْلاجَتانِ»» . وقِيلَ في وجْهِ الِاسْتِدْلالِ طَرِيقٌ آخَرُ، وهو أنَّ الحَدِيثَ نافٍ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ الأعْظَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَيَثْبُتُ بِهِ مَذْهَبُ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى لِعَدَمِ القائِلِ بِالفَصْلِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ القائِلَ بِالفَصْلِ أبُو ثَوْرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وداوُدُ وأبُو عُبَيْدٍ، وهَؤُلاءِ أئِمَّةُ الحَدِيثِ قالُوا: المُحَرِّمُ ثَلاثُ رَضَعاتِ، والقَوْلُ بِعَدَمِ اعْتِبارِ قَوْلِهِمْ في حَيِّزِ المَنعِ لِقُوَّةِ وجْهِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى وجْهِ قَوْلِ الشّافِعِيِّ.

واسْتَدَلَّ بَعْضُ أصْحابِهِ عَلى هَذا المَطْلَبِ بِما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «كانَ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسِ رَضَعاتٍ مَعْلُوماتٍ يُحَرِّمْنَ فَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وهي فِيما يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ. .». وفي رِوايَةٍ «أنَّهُ كانَ في صَحِيفَةٍ تَحْتَ سَرِيرِي فَلَمّا ماتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَشاغَلْنا بِمَوْتِهِ فَدَخَلَتْ دَواجِنُ فَأكَلَتْها. .».

وبِما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أيْضًا قالَتْ: «جاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ امْرَأةُ أبِي حُذَيْفَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أرى في وجْهِ أبِي حُذَيْفَةَ مِن دُخُولِ سالِمٍ وهو حَلِيفُهُ فَقالَ ﷺ:“ أرْضِعِي سالِمًا خَمْسًا تَحْرُمِي بِها عَلَيْهِ ”» والجَوابُ أنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مَنسُوخٌ كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما مَرَّ. ويَدُلُّ عَلى نَسْخِ ما في خَبَرِ عائِشَةَ الأوَّلِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَنسُوخًا لَزِمَ ضَياعُ بَعْضِ القُرْآنِ الَّذِي لَمْ يُنْسَخْ واللَّهُ تَعالى قَدْ تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ، وما في الرِّوايَةِ لا يُنافِي النَّسْخَ لِجَوازِ أنْ يُقالَ: إنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أرادَتْ أنَّهُ كانَ مَكْتُوبًا ولَمْ يُغَسَّلْ بَعْدُ لِلْقُرْبِ حَتّى دَخَلَتِ الدَّواجِنُ فَأكْلَتْهُ، والقَوْلُ بِأنَّ ما ذُكِرَ إنَّما يَلْزَمُ مِنهُ نَسْخُ التِّلاوَةِ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ التِّلاوَةُ مَنسُوخَةً مَعَ بَقاءِ الحُكْمِ كالشَّيْخِ والشَّيْخَةِ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ادِّعاءَ بَقاءِ حُكْمِ الدّالِّ بَعْدَ نَسْخِهِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ وإلّا فالأصْلُ أنَّ نَسْخَ الدّالِّ يَرْفَعُ حُكْمَهُ، وما نُظِرَ بِهِ لَوْلا ما عُلِمَ بِالسُّنَّةِ، والإجْماعُ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ، ثُمَّ الَّذِي نَجْزِمُ بِهِ في حَدِيثِ سَهْلَةَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يُرِدْ أنْ يُشْبِعَ سالِمًا خَمْسَ رَضَعاتٍ في خَمْسَةِ أوْقاتٍ مُتَفاصِلاتٍ جائِعًا لِأنَّ الرَّجُلَ لا يُشْبِعُهُ مِنَ اللَّبَنِ رِطْلٌ ولا رِطْلانِ فَأيْنَ تَجِدُ الآدَمِيَّةُ في ثَدْيِها

صفحة 255

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском