Al-AlusiAn‑Nisa · 4:23

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:23, continued

﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المُحَرَّماتِ، والمُرادُ جَمْعُهُما في النِّكاحِ لا في مِلْكِ اليَمِينِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِما أُخْتَيْنِ مِنَ النَّسَبِ أوِ الرَّضاعَةِ حَتّى قالُوا: لَوْ كانَ لَهُ زَوْجَتانِ رَضِيعَتانِ أرْضَعَتْهُما أجْنَبِيَّةٌ فَسَدَ نِكاحُهُما. وحُكِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ يَفْسُدُ نِكاحُ الثّانِيَةِ فَقَطْ ولا يَحْرُمُ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ في مِلْكِ اليَمِينِ، نَعَمْ جَمَعَهُما في الوَطْءِ بِمِلْكِ اليَمِينِ مُلْحَقٌ بِهِ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ لِاتِّحادِهِما في المَدارِ فَيَحْرُمُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وعَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ، وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، فَأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ لَهُ أُمَتانِ أُخْتانِ وطِئَ إحْداهُما ثُمَّ أرادَ أنْ يَطَأ الأُخْرى قالَ: لا حَتّى يُخْرِجَها مِن مِلْكِهِ،وأخْرَجا مِن طَرِيقِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الأُخْتَيْنِ المَمْلُوكَتَيْنِ أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ ولا آمُرُ ولا أنْهى ولا أُحَلِّلُ ولا أُحَرِّمُ ولا أفْعَلُهُ أنا ولا أهْلُ بَيْتِي، ورَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الجَمْعَ مِمّا لا بَأْسَ بِهِ، وحُكِيَ مِثْلُهُ عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما أُحِبُّ أنْ أُجِيزَ الجَمْعَ ونَهى السّائِلُ عَنْهُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الظّاهِرَ أنَّ القائِلَ بِالحِلِّ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم رَجَعَ إلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وإنْ قُلْنا بِعَدَمِ الرُّجُوعِ فالإجْماعُ اللّاحِقُ يَرْفَعُ الخِلافَ السّابِقَ، وإنَّما يَتِمُّ إذا لَمْ يُعْتَدَّ بِخِلافِ أهْلِ الظّاهِرِ وبِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ فالمُرَجَّحُ التَّحْرِيمُ عِنْدَ المُعارَضَةِ، وإذا تَزَوَّجَ أُخْتَ أمَتِهِ المَوْطُوأةِ صَحَّ النِّكاحُ وحَرُمَ وطْءُ واحِدَةٍ مِنهُما حَتّى يُحَرِّمَ المَوْطُوأةَ عَلى نَفْسِهِ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ فَحِينَئِذٍ يَطَأُ المَنكُوحَةَ لِعَدَمِ الجَمْعِ -كالبَيْعِ كُلًّا أوْ بَعْضًا – والمُتَزَوِّجُ

صفحة 261

الصَّحِيحُ والهِبَةُ مَعَ التَّسْلِيمِ والإعْتاقُ كُلًّا أوْ بَعْضًا والكِتابَةُ ولَوْ تَزَوَّجَ الأُخْتَ نِكاحًا فاسِدًا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ أمَتُهُ المَوْطُوأةُ إلّا إذا دَخَلَ بِالمَنكُوحَةِ فَحِينَئِذٍ تَحْرُمُ المَوْطُوأةُ لِوُجُودِ الجَمْعِ بَيْنَهُما حَقِيقَةً، ولا يُؤَثِّرُ الإحْرامُ والحَيْضُ والنِّفاسُ والصَّوْمُ وكَذا الرَّهْنُ والإجارَةُ والتَّدْبِيرُ لِأنَّ فَرْجَها لا يَحْرُمُ بِهَذِهِ الأسْبابِ، وإذا عادَتِ المَوْطُوأةُ إلى مِلْكِهِ بَعْدَ الإخْراجِ سَواءٌ كانَ بِفَسْخٍ أوْ شِراءٍ جَدِيدٍ لَمْ يَحِلَّ وطْءُ واحِدَةٍ مِنهُما حَتّى يُحَرِّمَ الأمَةَ عَلى نَفْسِهِ بِسَبَبٍ كَما كانَ أوَّلًا، وظاهِرُ قَوْلِهِمْ: لا يَحِلُّ الوَطْءُ حَتّى يَحْرُمَ أنَّ النِّكاحَ صَحِيحٌ، وقَدْ نَصُّوا عَلى ذَلِكَ وعَلَّلُوهُ بِصُدُورِهِ عَنْ أهْلِهِ مُضافًا إلى مَحَلِّهِ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ المَنكُوحَةَ مَوْطُوأةٌ حُكْمًا بِاعْتِرافِهِمْ فَيَصِيرُ بِالنِّكاحِ جامِعًا وطْءً حُكْمًا وهو باطِلٌ، ومِن هُنا ذَهَبَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ إلى عَدَمِ الصِّحَّةِ، وأُجِيبُ بِأنَّ لُزُومَ الجَمْعِ بَيْنَهُما وطْءً حُكْمًا لَيْسَ بِلازِمٍ لِأنَّ بِيَدِهِ إزالَتَهُ فَلا يَضُرُّ بِالصِّحَّةِ ويَمْنَعُ مِنَ الوَطْءِ بَعْدَها لِقِيامِهِ إذْ ذاكَ، وإسْنادُ الحُرْمَةِ إلى الجَمْعِ لا إلى الثّانِيَةِ بِأنْ يُقالَ: وأخَواتُ نِسائِكم لِلِاحْتِرازِ عَنْ إفادَةٍ الحُرْمَةِ المُؤَبَّدَةِ كَما في المُحَرَّماتِ السّابِقَةِ، ولِكَوْنِهِ بِمَعْزِلٍ عَنْ إفادَةِ حُرْمَةِ الجَمْعِ عَلى سَبِيلِ المَعِيَّةِ، ويَشْتَرِكُ في هَذا الجَمْعُ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها أوْ خالَتِها ونَظائِرُ ذَلِكَ فَإنَّ مَدارَ حُرْمَةِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إفْضاؤُهُ خِلافًا لِما في «المَبْسُوطِ» إلى قَطْعِ ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِوَصْلِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أرْحامَكم» وما رَواهُ أبُو داوُدَ في «مَراسِيلِهِ» عَنْ عِيسى بْنِ طَلْحَةَ قالَ: «نَهى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ تُنْكَحَ المَرْأةُ عَلى قَرابَتِها مَخافَةَ القَطِيعَةِ»» وذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ في الجَمْعِ بَيْنَ مَن ذَكَرْنا بَلْ أوْلى فَإنَّ العَمَّةَ والخالَةَ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ فَقَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُبالِغًا في بَيانِ التَّحْرِيمِ: ”«لا تَنْكِحُ المَرْأةُ عَلى عَمَّتِها ولا عَلى خالَتِها ولا عَلى ابْنَةِ أُخْتِها ولا عَلى ابْنَةِ أخِيها“» مِن قَبِيلِ بَيانِ التَّفْسِيرِ لا بَيانِ التَّعْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الحَدِيثَ مَشْهُورٌ فَقَدْ ثَبَتَ في «صَحِيحَيْ مُسْلِمٍ وابْنِ حِبّانَ»، ورَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وتَلَقّاهُ الصَّدْرُ الأوَّلُ بِالقَبُولِ مِنَ الصَّحابَةِ، والتّابِعِينَ، ورَواهُ الجَمُّ الغَفِيرُ مِنهم أبُو هُرَيْرَةَ وجابِرٌ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، فَيَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ بَلْ لَوْ كانَ مِن أخْبارِ الآحادِ جازَ التَّخْصِيصُ بِهِ غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ عَلى كَوْنِهِ مَشْهُورًا، وقالَ ابْنُ الهُمامِ: الظّاهِرُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنِ ادِّعاءِ الشُّهْرَةِ لِأنَّ الحَدِيثَ مَوْقِعُهُ النَّسْخُ لا التَّخْصِيصُ، وبَيْنَهُ في «فَتْحِ القَدِيرِ» فارْجِعْ إلَيْهِ.

﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ. وقَصْدُ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ هُنا غَيْرُ مُناسِبٍ لِلتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لِأنَّ الغُفْرانَ والرَّحْمَةَ لا يُناسِبُ تَأْكِيدَ التَّحْرِيمِ. والمُرادُ مِمّا سَلَفَ ما مَضى قَبْلَ النَّهْيِ فَإنَّهم كانُوا يَجْمَعُونَ بِهِ الأُخْتَيْنِ، أخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ «عَنْ فَيْرُزَ الدَّيْلَمِيِّ أنَّهُ أدْرَكَهُ الإسْلامُ وتَحْتَهُ أُخْتانِ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «طَلِّقْ أيَّتَهُما شِئْتَ»»، وقالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: مَعْناهُ إلّا ما كانَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ جَمَعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، لَيّا أُمِّ يَهُودا وراحِيلَ أُمِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا يُساعِدُهُ التَّذْيِيلُ لِما أنَّ ما فَعَلَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْ صَحَّ كانَ حَلالًا في شَرِيعَتِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى إلّا امْرَأةَ الأبِ والجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ وأنَّهُ قالَ: ألا يُرى أنَّهُ قَدْ عَقَّبَ النَّهْيَ عَنْ كُلٍّ مِنهُما بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ وهَذا كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ يُشِيرُ إلى كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ فِيهِما عَلى سَنَنٍ واحِدٍ ويَأْباهُ اخْتِلافُ ما بَعْدَهُما.

الجُزْءُ الرّابِعُ مِن تَفْسِيرِ رُوحِ المَعانِي، ويَتْلُوهُ الجُزْءُ الخامِسُ أوَّلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском