Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:32–33
4:32Page 83
وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٣٢
And do not wish for that by which Allāh has made some of you exceed others. For men is a share of what they have earned, and for women is a share of1 what they have earned. And ask Allāh of His bounty. Indeed Allāh is ever, of all things, Knowing.
﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ قالَ القَفّالُ: لَمّا نَهى اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنْ أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، وقَتْلِ الأنْفُسِ، عَقَّبَهُ بِالنَّهْيِ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الطَّمَعِ في أمْوالِهِمْ، وقِيلَ: نَهاهم أوَّلًا عَنِ التَّعَرُّضِ لِأمْوالِهِمْ بِالجَوارِحِ، ثُمَّ عَنِ التَّعَرُّضِ لَها بِالقَلْبِ عَلى سَبِيلِ الحَسَدِ، لِتَطْهُرَ أعْمالُهُمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ، فالمَعْنى: (ولا تَتَمَنَّوْا) ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى (بَعْضَكُمْ)، ومَيَّزَهُ (بِهِ) عَلَيْكُمْ، مِنَ المالِ والجاهِ، وكُلِّ ما يَجْرِي فِيهِ التَّنافُسُ؛ فَإنَّ ذَلِكَ قِسْمَةٌ صادِرَةٌ مِن حَكِيمِ خَبِيرٍ، وعَلى كُلٍّ مِنَ المُفَضَّلِ عَلَيْهِمْ أنْ يَرْضى بِما قُسِمَ لَهُ، ولا يَتَمَنّى حَظَّ المُفَضَّلِ ولا يَحْسُدْهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشْبَهُ بِالِاعْتِراضِ عَلى مَن أتْقَنَ كَلَّ شَيْءٍ، وأحْكَمَهُ، ودَبَّرَ العالَمَ بِحِكْمَتِهِ البالِغَةِ، ونَظَمَهُ.
وأظْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ مَن باتَ حاسِدًا لِمَن باتَ في نَعْمائِهِ يَتَقَلَّبُ
وإلى هَذا الوَجْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُما في الآيَةِ: لا يَقُلْ أحَدُكُمْ: لَيْتَ ما أُعْطِيَ فُلانٌ مِنَ المالِ والنِّعْمَةِ والمَرْأةِ الحَسْناءِ كانَ عِنْدِي؛ فَإنَّ ذَلِكَ يَكُونُ حَسَدًا، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي مِثْلَهُ، ويُفْهَمُ مِن هَذا أنَّ التَّمَنِّيَ المَذْكُورَ كِنايَةٌ عَنِ الحَسَدِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ المُقْتَضى لِلْمَنعِ عَنْهُ كَوْنَهُ ذَرِيعَةً لِلْحَسَدِ، ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ.
وزَعَمَ البَلْخِيُّ أنَّ المَعْنى: لا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَتَمَنّى أنْ لَوْ كانَ امْرَأةً، ولا لِلْمَرْأةِ أنْ لَوْ كانَتْ رَجُلًا؛ لَأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَفْعَلُ إلّا ما هو الأصْلَحُ، فَيَكُونُ قَدْ تَمَنّى ما لَيْسَ بِأصْلَحَ، ونَقَلَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّهُ لَمّا جَعَلَ اللَّهُ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ قالَتِ النِّساءُ: نَحْنُ أحْوَجُ لِأنْ يَكُونَ لَنا سَهْمانِ ولِلرِّجالِ سَهْمٌ واحِدٌ؛ لِأنّا ضُعَفاءُ وهم أقْوِياءُ، وأقْدَرُ عَلى طَلَبِ المَعاشِ مِنّا، فَنَزَلَتْ، ثُمَّ قالَ: وهَذا هو الأنْسَبُ بِتَعْلِيلِ النَّهْيِ بِقَوْلِهِ:
﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في جَرَيانِ التَّمَنِّي بَيْنَ فَرِيقَيِ الرِّجالِ والنِّساءِ، ولَعَلَّ صِيغَةَ المُذَكَّرِ في النَّهْيِ لِما عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِالبَعْضِ، والمَعْنى: لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في المِيراثِ نَصِيبٌ مُعَيَّنُ المِقْدارِ مِمّا أصابَهُ بِحَسَبِ اسْتِعْدادِهِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالِاكْتِسابِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى تَشْبِيهٍ اقْتَضاهُ حالُهُ لِنَصِيبِهِ بِاكْتِسابِهِ إيّاهُ؛ تَأْكِيدًا لِاسْتِحْقاقِ كُلٍّ مِنهُما لِنَصِيبِهِ، وتَقْوِيَةً لِاخْتِصاصِهِ، بِحَيْثُ لا يَتَخَطّاهُ إلى غَيْرِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الِانْتِهاءَ عَنِ التَّمَنِّي المَذْكُورِ، انْتَهى.
وهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ لِلْآيَةِ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ
صفحة 20
عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - لَكِنَّ القِيلَ الَّذِي نَقَلَهُ تَبَعًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ في سَبَبِ النُّزُولِ لَمْ نَقِفْ لَهُ عَلى سَنَدٍ، والَّذِي ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ في ذَلِكَ ثَلاثَةُ أخْبارٍ:
الأوَّلُ: ما أخْرَجَهُ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، تَغْزُو الرِّجالُ ولا نَغْزُو، وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ».
والثّانِي: ما أخْرَجَهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ النِّساءَ سَألْنَ الجِهادَ، فَقُلْنَ: ودِدْنَ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَنا الغَزْوَ، فَنُصِيبُ مِنَ الأجْرِ ما يُصِيبُ الرِّجالُ، فَنَزَلَتْ.
والثّالِثُ: ما أخْرَجَهُ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ قالا: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ قالَ الرِّجالُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ نُفَضَّلَ عَلى النِّساءِ بِحَسَناتِنا كَما فُضِّلْنا عَلَيْهِنَّ بِالمِيراثِ، فَيَكُونَ أجْرُنا عَلى الضِّعْفِ مِن أجْرِ النِّساءِ، وقالَتِ النِّساءُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ يَكُونَ الوِزْرُ عَلَيْنا نِصْفَ ما عَلى الرِّجالِ في الآخِرَةِ، كَما لَنا المِيراثُ عَلى النِّصْفِ مِن نَصِيبِهِمْ في الدُّنْيا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا﴾ إلى آخِرِها.
وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في «الدُّرِّ المَنثُورِ» نَحْوَ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّ القِيلَ الَّذِي نَقَلَهُ ظاهِرٌ في حَمْلِ التَّمَنِّي المَنهِيِّ عَنْهُ عَلى الحَسَدِ، والخَبَرُ الأوَّلُ والثّانِي مِمّا أخْرَجَهُ الواحِدِيُّ لَيْسا كَذَلِكَ؛ إذْ عَلَيْهِما يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الحَسَدِ، أوْ عَلى ما هو ذَرِيعَةٌ لَهُ، ورُبَّما يَتَراءى أنَّ حَمْلَهُ عَلى الثّانِي نَظَرًا إلَيْهِما أظْهَرُ، وأمّا الخَبَرُ الثّالِثُ فَيَأْباهُ مَعْنى الآيَةِ، سَواءٌ كانَ التَّمَنِّي كِنايَةً عَنِ الحَسَدِ أوْ ذَرِيعَةً إلّا بِتَكَلُّفٍ بَعِيدٍ جِدًّا، ومَعْنى الآيَةِ عَلى الأوَّلَيْنِ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ حَظًّا مِنَ الثَّوابِ عَلى حَسَبِ ما كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الطّاعاتِ بِحُسْنِ تَدْبِيرِهِ، فَلا تَتَمَنَّوْا خِلافَ هَذا التَّدْبِيرِ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وفِيهِ اسْتِعْمالُ الِاكْتِسابِ في الخَيْرِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَ في الشَّرِّ، واسْتُعْمِلَ الكَسْبُ في الخَيْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ وعَنْ مُقاتِلٍ وأبِي جَرِيرٍ أنَّهُما قالا: المُرادُ مِمّا اكْتَسَبُوا مِنَ الإثْمِ، وفِيهِ اسْتِعْمالُ اللّامِ مَعَ الشَّرِّ دُونَ (عَلى) وهو خِلافُ ما في الآيَةِ، وقِيلَ: المُرادُ: لِكُلٍّ، وعَلى كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مِقْدارٌ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ حَسْبَما رَتَّبَهُ الحَكِيمُ عَلى أفْعالِهِ، إلّا أنَّهُ اسْتَغْنى بِاللّامِ عَنْ (عَلى) وبِالِاكْتِسابِ عَنِ الكَسْبِ، وهو كَما تَرى، ويَرُدُّ عَلى هَذِهِ المَعانِي أنَّهُ لا يُساعِدُها النَّظْمُ الكَرِيمُ المُتَعَلِّقُ بِالمَوارِيثِ وفَضائِلِ الرِّجالِ، ولَعَلَّ مَن يَذْهَبُ إلَيْها يَجْعَلُ الآيَةَ مُعْتَرِضَةَ في البَيْنِ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ مَعْنى الآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ المَرْوِيِّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أنَّ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ نَصِيبًا مُقَدَّرًا في أزَلِ الآزالِ، مِن نَعِيمِ الدُّنْيا بِالتِّجاراتِ والزِّراعاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَكاسِبِ، فَلا يَتَمَنَّ خِلافَ ما قُسِمَ لَهُ.
﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى النَّهْيِ بَعْدَ تَقْرِيرِ الِانْتِهاءِ بِالتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتَمَنَّوْا نَصِيبَ غَيْرِكُمْ، ولا تَحْسُدُوا مَن فُضِّلَ عَلَيْكُمْ، واسْألُوا اللَّهَ تَعالى مِن إحْسانِهِ الزّائِدِ وإنْعامِهِ المُتَكاثِرِ، فَإنَّ خَزائِنَهُ مَمْلُوءَةٌ لا تَنْفَدُ أبَدًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ إفادَةً لِلْعُمُومِ، أيْ: واسْألُوا ما شِئْتُمْ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُعْطِيكُمُوهُ إنْ شاءَ، أوْ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا مِنَ السِّياقِ، أيْ: واسْألُوا مِثْلَهُ، ويُقالُ لِذَلِكَ: غِبْطَةٌ، وقِيلَ: (مِن) زائِدَةٌ، أيْ: واسْألُوا اللَّهَ تَعالى فَضْلَهُ، وقَدْ ورَدَ في الخَبَرِ: ««لا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكم مالَ أخِيهِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي، اللَّهُمَّ أعْطِنِي مِثْلَهُ»» وذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ - كَما في البَحْرِ - إلى المَنعِ عَنْ تَمَنِّي مِثْلِ نِعْمَةِ الغَيْرِ، ولَوْ بِدُونِ تَمَنِّي زَوالِها؛ لِأنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ رُبَّما كانَتْ مَفْسَدَةً لَهُ في دِينِهِ، ومَضَرَّةً عَلَيْهِ في دُنْياهُ، فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي دارًا مِثْلَ دارِ فُلانٍ، ولا زَوْجًا مِثْلَ زَوْجِهِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي ما يَكُونُ صَلاحًا لِي في دِينِي ودُنْيايَ ومَعادِي ومَعاشِي، ولا يَتَعَرَّضُ لِمَن فُضِّلَ عَلَيْهِ.
ونُسِبَ ذَلِكَ لِلْمُحَقِّقِينَ، وهم مَحْجُوجُونَ بِالخَبَرِ، اللَّهُمَّ إلّا إذا لَمْ يُسَلِّمُوا صِحَّتَهُ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَتَمَنَّوُا الدُّنْيا، بَلِ اسْألُوا اللَّهَ تَعالى العِبادَةَ الَّتِي تُقَرِّبُكم إلَيْهِ، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الثّانِي أنَّهُ إذا سَمِعَ الرَّجُلَ يَتَمَنّى الدُّنْيا يَقُولُ: قَدْ نَهاكُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا
صفحة 21
ويَتْلُو الآيَةَ، والظّاهِرُ العُمُومُ، وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««سَلُوا اللَّهَ تَعالى مِن فَضْلِهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُحِبُّ أنْ يُسْألَ، وإنَّ مِن أفْضَلِ العِبادَةِ انْتِظارُ الفَرَجِ»» وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: لَمْ يَأْمُرْ سُبْحانَهُ بِالمَسْألَةِ إلّا لِيُعْطِيَ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ولِذَلِكَ فَضَّلَ بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ حَسَبَ مَراتِبِ اسْتِعْداداتِهِمْ، وتَفاوُتِ قابِلِيّاتِهِمْ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ عَلِيمًا بِكُلٍّ شَيْءٍ، فَيَعْلَمُ ما تُضْمِرُونَهُ مِنَ الحَسَدِ ويُجازِيكم عَلَيْهِ،
4:33Page 83
وَلِكُلّٖ جَعَلۡنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَـَٔاتُوهُمۡ نَصِيبَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٣٣
And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share.1 Indeed Allāh is ever, over all things, a Witness.
﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ لا بُدَّ فِيهِ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ إلَيْهِ، أيْ: لِكُلِّ إنْسانٍ، أوْ لِكُلِّ قَوْمٍ، أوْ لِكُلِّ مالٍ أوْ تَرِكَةٍ، وفِيهِ عَلى هَذا وجُوهٌ ذَكَرَها الشِّهابُ - نَوَّرَ اللَّهُ تَعالى مَرْقَدَهُ-:
الأوَّلُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ مَعْناهُ: لِكُلِّ إنْسانٍ مَوْرُوثٍ جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ: وراثًا مِمّا تَرَكَ، وهُنا تَمَّ الكَلامُ، فَيَكُونُ (مِمّا تَرَكَ) مُتَعَلِّقًا بِـ(مَوالِيَ) أوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ و(مَوالِيَ) مَفْعُولًا أوَّلًا لِـ(جَعَلَ) بِمَعْنى صَيَّرَ، و(لِكُلٍّ) هو المَفْعُولُ الثّانِي لَهُ، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَأْكِيدِ الشُّمُولِ ودَفْعِ تَوَهُّمِ تَعَلُّقِ الجَعْلِ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وفاعِلُ (تَرَكَ) ضَمِيرُ كُلٍّ، ويَكُونُ (الوالِدانِ) مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَنِ الوارِثُ؟ فَقِيلَ: هُمُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ.
والثّانِي: أنَّ التَّقْدِيرَ: لِكُلِّ إنْسانٍ مَوْرُوثٍ جَعَلْنا وراثًا مِمّا تَرَكَهُ ذَلِكَ الإنْسانُ، ثُمَّ بُيِّنَ ذَلِكَ الإنْسانُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (الوالِدانِ) كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هَذا الإنْسانُ المَوْرُوثُ؟ فَقِيلَ: (الوالِدانِ والأقْرَبُونَ) وإعْرابُهُ كَما قَبْلَهُ غَيْرَ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَهُما أنَّ (الوالِدانِ والأقْرَبُونَ) في الأوَّلِ وارِثُونَ، وفي الثّانِي مَوْرُوثُونَ، وعَلَيْهِما فالكَلامُ جُمْلَتانِ.
والثّالِثُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: ولِكُلِّ إنْسانٍ وارِثٍ مِمّا تَرَكَهُ (الوالِدانِ والأقْرَبُونَ) جَعَلْنا مَوالِيَ، أيْ: مَوْرُوثِينَ، فالمَوْلى المَوْرُوثُ، (والوالِدانِ) مَرْفُوعٌ بِـ(تَرَكَ) و(ما) بِمَعْنى مِن، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ (ما) أُضِيفَتْ إلَيْهِ (كُلٍّ) والكَلامُ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي مَعْناهُ: ولِكُلِّ قَوْمٍ جَعَلْناهم (مَوالِيَ) نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَهُ والِداهم وأقْرَبُوهُمْ، فَـ(لِكُلٍّ) خَبَرُ (نَصِيبٌ) المُقَدَّرِ مُؤَخَّرًا، وجَعَلْناهم صِفَةُ (قَوْمٍ)، والعائِدُ الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ الَّذِي هو مَفْعُولُ (جَعَلَ) و(مَوالِيَ): إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ، أوْ حالٌ و(مِمّا تَرَكَ) صِفَةُ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ الباقِي صِفَتُهُ كَصِفَةِ المُضافِ إلَيْهِ، وحُذِفَ العائِدُ مِنها.
ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: لِكُلِّ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى إنْسانًا مِن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى إنْسانًا نَصِيبٌ مِن رِزْقِ اللَّهِ تَعالى.
والخامِسُ: أنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الثّالِثِ مَعْناهُ: لِكُلِّ مالٍ أوْ تَرِكَةٍ (مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ) جَعَلَنا مَوالِيَ، أيْ وراثًا يَلُونَهُ ويَحُوزُونَهُ، ويَكُونُ (لِكُلٍّ) مُتَعَلِّقًا بِـ(جَعَلَ) و(مِمّا تَرَكَ) صِفَةَ كَلٍّ.
واعْتُرِضَ عَلى الأوَّلِ والثّانِي بِأنَّ فِيهِما تَفْكِيكَ النَّظْمِ الكَرِيمِ، مَعَ أنَّ المَوْلى يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ في الأصْلِ اسْمَ مَكانٍ لا صِفَةً، فَكَيْفَ تَكُونُ (مِن) صِلَةً لَهُ، وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ ذَلِكَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الفِعْلِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، عَلى أنَّ كَوْنَ المَوْلى لَيْسَ صِفَةً مُخالِفٌ لِكَلامِ الرّاغِبِ؛ فَإنَّهُ قالَ: إنَّهُ بِمَعْنى الفاعِلِ والمَفْعُولِ، أيِ المَوالِي والمَوالى، لَكِنْ وزْنُ مَفْعَلٍ في الصِّفَةِ أنْكَرَهُ قَوْمٌ، وقالَ ابْنُ الحاجِبِ في شَرْحِ المُفَصَّلِ: إنَّهُ نادِرٌ، فَإمّا أنْ يُجْعَلَ مِنَ النّادِرِ أوْ مِمّا عُبِّرَ عَنِ الصِّفَةِ فِيهِ بِاسْمِ المَكانِ مَجازًا؛ لِتَمَكُّنِها وقَرارِها في مَوْصُوفِها، ويُمْكِنُ أنْ يُجْعَلَ مِن بابِ المَجْلِسِ السّامِيِّ.
واعْتُرِضَ عَلى الثّالِثِ بِالبُعْدِ، وعَلى الرّابِعِ بِأنَّ فِيهِ حَذْفَ المُبْتَدَأِ المَوْصُوفِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ وإقامَتَهُ مَقامَهُ وهو قَلِيلٌ، وبِأنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ المَوالِي جَمِيعَ ما تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ لا نَصِيبَ، وإنَّما النَّصِيبُ لِكُلِّ فَرْدٍ.
وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ ثابِتٌ مَعَ قِلَّتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، ﴿ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ .
صفحة 22
وعَنِ الثّانِي بِأنَّ ما يَسْتَحِقُّهُ القَوْمُ بَعْضُ التَّرِكَةِ؛ لِتَقَدُّمِ التَّجْهِيزِ والدَّيْنِ والوَصِيَّةِ إنْ كانا، وأمّا حَمْلُ (مِن) عَلى البَيانِ لِلْمَحْذُوفِ فَبَعِيدٌ جِدًّا.
وتَعَقَّبَ الشِّهابُ الجَوابَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ فِيهِ خَلَلًا مِن وجْهَيْنِ:
أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ ما ذُكِرَ لا شاهِدَ لَهُ فِيهِ لِما قَرَّرَهُ النُّحاةُ أنَّ الصِّفَةَ إذا كانَتْ جُمْلَةً أوْ ظَرْفًا تُقامُ مَقامَ مَوْصُوفِها بِشَرْطِ كَوْنِ المَنعُوتِ بَعْضَ ما قَبْلَهُ مِن مَجْرُورٍ بِـ(مِن) أوْ (فِي)، وإلّا لَمْ تَقُمْ مَقامَهُ إلّا في شِعْرٍ، وما ذُكِرَ داخِلٌ فِيهِ دُونَ الآيَةِ.
وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِقِيامِها مَقامَهُ أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأً حَقِيقَةً، بَلِ المُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ، وهَذا بَيانُهُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في التَّقْرِيرِ، فَلا وجْهَ لِاسْتِبْعادِهِ، نَعَمْ ما ذَكَرُوهُ - وإنْ كانَ مَشْهُورًا - غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَإنَّ ابْنَ مالِكٍ صَرَّحَ بِخِلافِهِ في التَّوْضِيحِ، وجَوَّزَ حَذْفَ المَوْصُوفِ في السَّعَةِ بِدُونِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، فالحَقُّ أنَّهُ أغْلَبِيٌّ لا كُلِّيٌّ.
واعْتُرِضَ عَلى الخامِسِ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِجُمْلَةٍ عامِلَةٍ في المَوْصُوفِ، نَحْوُ: بِكُلِّ رَجُلٍ مَرَرْتُ تَمِيمِيٍّ، وفي جَوازِهِ نَظَرٌ، ورُدَّ بِأنَّهُ جائِزٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَـ(فاطِرِ) صِفَةُ الِاسْمِ الجَلِيلِ، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِـ(أتَّخِذُ) العامِلِ في (غَيْرَ) فَهَذا أوْلى، والجَوابُ بِأنَّ العامِلَ لَمْ يَتَخَلَّلْ، بَلِ المَعْمُولُ تَقَدَّمَ، فَجاءَ التَّخَلُّلُ مِن ذَلِكَ، فَلَمْ يَضْعُفْ، إذْ حَقُّ المَعْمُولِ التَّأخُّرُ عَنْ عامِلِهِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ المَوْصُوفُ مَقْرُونًا بِصِفَتِهِ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ.
واخْتارَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ هَذا الخامِسَ والَّذِي قَبْلَهُ، وجَعَلُوا الجُمْلَةَ مُبْتَدَأةً مُقَرِّرَةً لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، واعْتَرَضُوا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِأنَّ فِيهِ خُرُوجَ الأوْلادِ؛ لِأنَّهم لا يَدْخُلُونَ في الأقْرَبِينَ عُرْفًا، كَما لا يَدْخُلُ الوالِدانِ فِيهِمْ، وإذا أُرِيدَ المَعْنى اللُّغَوِيُّ شَمِلَ الوالِدَيْنِ، ورُدَّ بِأنَّ هَذا مُشْتَرَكُ الوُرُودِ، عَلى أنَّهُ قَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ تَرْكَ الأوْلادِ لِظُهُورِ حالِهِمْ مِن آيَةِ المَوارِيثِ، كَما تُرِكَ ذِكْرُ الأزْواجِ لِذَلِكَ، أوْ بِأنَّ ذِكْرَ الوالِدَيْنِ لِشَرَفِهِمْ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ، فَلا مَحْذُورَ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ، تَدَبَّرْ.
﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ هم مَوالِي المُوالاةِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يُعاقِدُ الرَّجُلَ في الجاهِلِيَّةِ، فَيَقُولُ: دَمِي دَمُكَ، وهَدْمِي هَدْمُكَ، وتَرِثُنِي وأرِثُكَ، وتَطْلُبُ بِي وأطْلُبُ بِكَ، فَجُعِلَ لَهُ السُّدُسُ مِن جَمِيعِ المالِ في الإسْلامِ، ثُمَّ يُقَسِّمُ أهْلُ المِيراثِ مِيراثَهُمْ، فَنُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ في سُورَةِ الأنْفالِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ .
ورُوِيَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ما طَرِيقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وكَذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ، ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ إذا أسْلَمَ رَجُلٌ عَلى يَدِ رَجُلٍ وتَعاقَدا عَلى أنْ يَرِثَهُ ويَعْقِلَ عَنْهُ صَحَّ، وعَلَيْهِ عَقْلُهُ ولَهُ إرْثُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وارِثٌ أصْلًا، وخَبَرُ النَّسْخِ المَذْكُورُ لا يَقُومُ حُجَّةً عَلَيْهِ إذْ لا دَلالَةَ فِيما ادَّعى ناسِخًا عَلى عَدَمِ إرْثِ الحَلِيفِ، لا سِيَّما وهو إنَّما يَرِثُهُ عِنْدَ عَدَمِ العَصَباتِ وأُولِي الأرْحامِ، والأيْمانُ هُنا جَمْعُ يَمِينٍ، بِمَعْنى اليَدِ اليُمْنى، وإضافَةُ العَقْدِ إلَيْها لِوَضْعِهِمُ الأيْدِي في العُقُودِ، أوْ بِمَعْنى القَسَمِ، وكَوْنُ العَقْدِ هُنا عَقْدَ النِّكاحِ خِلافُ الظّاهِرِ؛ إذْ لَمْ يُعْهَدْ فِيهِ إضافَتُهُ إلى اليَمِينِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (عَقَدَتْ) بِغَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ (عاقَدَتْ) بِالألِفِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ أيْضًا، والمَفْعُولُ في جَمِيعِ القِراءاتِ مَحْذُوفٌ، أيْ: عُهُودَهُمْ، والحَذْفُ تَدْرِيجِيٌّ؛ لِيَكُونَ العائِدُ المَحْذُوفُ مَنصُوبًا، كَما هو الكَثِيرُ المُطَّرِدُ، وفي المَوْصُولِ أوْجَهٌ مِنَ الإعْرابِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ خَبَرُهُ، وزِيدَتِ الفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ.
والثّانِي: أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الِاشْتِغالِ، قِيلَ: ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُخْتارًا؛ لِئَلّا يَقَعَ الطَّلَبُ خَبَرًا، لَكِنَّهم لَمْ يَخْتارُوهُ؛ لِأنَّ مِثْلَهُ قَلَّما يَقَعُ في غَيْرِ الِاخْتِصاصِ، وهو غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا، ورُدَّ بِأنَّ: (زَيْدًا ضَرَبْتُهُ) إنْ قُدِّرَ العامِلُ فِيهِ
صفحة 23
مُؤَخَّرًا أفادَ الِاخْتِصاصَ، وإنْ قُدِّرَ مُقَدَّمًا فَلا يُفِيدُهُ، ولا خَفاءَ أنَّ الظّاهِرَ تَقْدِيرُهُ مُقَدَّمًا، فَلا يَلْزَمُ الِاخْتِصاصُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (الوالِدانِ) فَإنْ أُرِيدَ أنَّهم مَوْرُوثُونَ عادَ الضَّمِيرُ مِن (فَآتُوهُمْ) عَلى (مَوالِيَ) وإنْ أُرِيدَ أنَّهم وارِثُونَ جازَ عَوْدُهُ عَلى (مَوالِيَ) وعَلى (الوالِدَيْنِ) وما عُطِفَ عَلَيْهِمْ، قِيلَ: ويُضَعِّفُهُ شُهْرَةُ الوَقْفِ عَلى (الأقْرَبُونَ) دُونَ (أيْمانُكُمْ).
والرّابِعُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى (مَوالِيَ) وهو تَكَلَّفٌ.
وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أخْرَجَها البُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وجَماعَةٌ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «كانَ المُهاجِرُونَ لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهاجِرُ الأنْصارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ؛ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ نُسِخَتْ، ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ مِنَ النَّصْرِ والرِّفادَةِ والنَّصِيحَةِ، وقَدْ ذَهَبَ المِيراثُ ويُوصى لَهُ، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلُهُ، وظاهِرُ ذَلِكَ عَدَمُ جَوازِ العَطْفِ؛ إذْ مَن عَطَفَ أرادَ: (فَآتُوهم نَصِيبَهم مِنَ الإرْثِ).
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ أيْ: لَمْ يَزَلْ سُبْحانَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ، مُطَّلِعًا عَلَيْها، جَلِيِّها وخَفِيِّها، فَيَطَّلِعُ عَلى الإيتاءِ والمَنعِ، ويُجازِي كُلًّا مِنَ المانِعِ والمُؤْتِي حَسَبَ فِعْلِهِ، فَفي الجُمْلَةِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences