Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:61–65
4:61Page 88
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا ٦١
And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِأُولَئِكَ الزّاعِمِينَ ﴿تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ في القُرْآنِ مِنَ الأحْكامِ ﴿وإلى الرَّسُولِ﴾ المَبْعُوثِ لِلْحُكْمِ بِذَلِكَ ﴿رَأيْتَ﴾ أيْ: أبْصَرْتَ، أوْ عَلِمْتَ ﴿المُنافِقِينَ﴾ وهُمُ الزّاعِمُونَ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالنِّفاقِ وذَمِّهِمْ بِهِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، أيْ: رَأيْتَهم لِنِفاقِهِمْ ﴿يَصُدُّونَ﴾ أيْ: يُعْرِضُونَ ﴿عَنْكَ صُدُودًا﴾ أيْ: إعْراضًا، أيُّ إعْراضٍ، فَهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هو الصَّدُّ، وعُزِيَ إلى الخَلِيلِ، والأظْهَرُ أنَّهُ مَصْدَرٌ لِـ(صَدَّ) اللّازِمِ، والصَّدُّ مَصْدَرٌ لِلْمُتَعَدِّي. ودَعْوى أنَّ (يَصُدُّونَ) هُنا مُتَعَدٍّ حُذِفَ مَفْعُولُهُ، أيْ يَصُدُّونَ المُتَحاكِمِينَ أيْ يَمْنَعُونَهم مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَكْمِلَةٌ لِمادَّةِ التَّعْجِيبِ بِبَيانِ إعْراضِهِمْ عَنْ ذَلِكَ في ضِمْنِ التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: (تَعالُوا) بِضَمِّ اللّامِ، عَلى أنَّهُ حُذِفَ لامُ الفِعْلِ اعْتِباطًا، كَما قالُوا: ما بالَيْتُ بِهِ بالَةً، وأصْلُها بالِيَةٌ كَعافِيَةٍ، وكَما قالَ الكِسائِيُّ في (آيَةٍ) أنَّ أصْلَها آيِيَةٌ كَفاعِلَةٍ، فَصارَتِ اللّامُ كاللّامِ فَضُمَّتْ لِلْواوِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أهْلِ مَكَّةَ: تَعالِي بِكَسْرِ اللّامِ لِلْمَرْأةِ، وهو لُغَةٌ مَسْمُوعَةٌ، أثْبَتَها ابْنُ جِنِّيٍّ، فَلا عِبْرَةَ بِمَن لَحَنَ كابْنِ هِشامٍ الحَمْدانِيِّ
صفحة 69
فِيها حَيْثُ يَقُولُ:
أيا جارَتا ما أنْصَفَ الدَّهْرُ بَيْنَنا تَعالَيْ أُقاسِمْكِ الهُمُومَ تَعالِي
ولا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ (تَعالَيِ) الأُولى مَفْتُوحَةُ اللّامِ، والثّانِيَةُ مَكْسُورَتُها لِلْقافِيَةِ كَما لا يَخْفى.
وأصْلُ مَعْنى هَذا الفِعْلِ طَلَبُ الإقْبالِ إلى مَكانٍ عالٍ،
4:62Page 88
فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَٰنٗا وَتَوۡفِيقًا ٦٢
So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allāh, "We intended nothing but good conduct and accommodation."
ثُمَّ عُمِّمَ، ﴿فَكَيْفَ﴾ يَكُونُ حالُهم ﴿إذا أصابَتْهُمْ﴾ نالَتْهم ﴿مُصِيبَةٌ﴾ نَكْبَةٌ تُظْهِرُ نِفاقَهم ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الجِناياتِ، كالتَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ والإعْراضِ عَنْ حُكْمِكَ ﴿ثُمَّ جاءُوكَ﴾ لِلِاعْتِذارِ، وهو عَطْفٌ عَلى (أصابَتْهُمْ) والمُرادُ تَهْوِيلُ ما دَهاهُمْ، وقِيلَ: عَلى (يَصُدُّونَ) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ ﴿يَحْلِفُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ (جاءُوكَ) أيْ: حالِفِينَ لَكَ بِاللَّهِ ﴿إنْ أرَدْنا﴾ أيْ: ما أرَدْنا بِتَحاكُمِنا إلى غَيْرِكَ ﴿إلا إحْسانًا﴾ إلى الخُصُومِ ﴿وتَوْفِيقًا﴾ بَيْنَهُمْ، ولَمْ نُرِدْ بِالمُرافَعَةِ إلى غَيْرِكَ عَدَمَ الرِّضا بِحُكْمِكَ فَلا تُؤاخِذْنا بِما فَعَلْنا.
وهَذا وعِيدٌ لَهم عَلى ما فَعَلُوا، وأنَّهم سَيَنْدَمُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ويَعْتَذِرُونَ ولا يُغْنِي عَنْهُمُ الِاعْتِذارُ، وقِيلَ: جاءَ أصْحابُ القَتِيلِ طالِبِينَ بِدَمِهِ، وقالُوا: إنْ أرَدْنا بِالتَّحاكُمِ إلى عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - إلّا أنْ يُحْسِنَ إلى صاحِبِنا، ويُوَفِّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَصْمِهِ، فَإذا عَلى هَذا لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ دُونَ الِاسْتِقْبالِ.
وقِيلَ: المَعْنِيُّ بِالآيَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والمُصِيبَةُ ما أصابَهُ وأصْحابَهُ مِنَ الذُّلِّ بِرُجُوعِهِمْ مِن غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، وهي غَزْوَةُ مُرَيْسِيعٍ حِينَ نَزَلَتْ سُورَةُ (المُنافِقِينَ) فاضْطَرُّوا إلى الخُشُوعِ والِاعْتِذارِ عَلى ما سُيَذْكَرُ في مَحَلِّهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقالُوا: ما أرَدْنا بِالكَلامِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ المُتَنازِعَيْنِ في تِلْكَ الغَزْوَةِ إلّا الخَيْرَ، أوْ مُصِيبَةُ المَوْتِ لَمّا تَضَرَّعَ إلى رَسُولِ اللَّهِﷺ في الإقالَةِ والِاسْتِغْفارِ، واسْتَوْهَبَهُ ثَوْبَهُ لِيَتَّقِيَ بِهِ النّارَ.
4:63Page 88
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل لَّهُمۡ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَوۡلَۢا بَلِيغٗا ٦٣
Those are the ones of whom Allāh knows what is in their hearts, so turn away from them1 but admonish them and speak to them a far-reaching [i.e., effective] word.
﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المُنافِقُونَ المَذْكُورُونَ ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِن فُنُونِ الشُّرُورِ المُنافِيَةِ لِما أظْهَرُوا لَكَ مِن (بَناتِ غَيْرٍ) وجاءُوا بِهِ مِن أُذُنَيْ عَناقٍ.
﴿فَأعْرِضْ﴾ حَيْثُ كانَتْ حالُهم كَذَلِكَ ﴿عَنْهُمْ﴾ أيْ قَبُولِ عُذْرِهِمْ، ويَلْزَمُ ذَلِكَ الإعْراضُ عَنْ طَلَبِهِمْ دَمَ القَتِيلِ؛ لِأنَّهُ هَدَرٌ، وقِيلَ: عَنْ عِقابِهِمْ لِمَصْلَحَةٍ في اسْتِبْقائِهِمْ، ولا تُظْهِرْ لَهم عِلْمَكَ بِما في بَواطِنِهِمُ الخَبِيثَةِ حَتّى يَبْقُوا عَلى نِيرانِ الوَجِلِ.
﴿وعِظْهُمْ﴾ بِلِسانِكَ وكُفَّهم عَنِ النِّفاقِ ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ قُلْ لَهم خالِيًا لا يَكُونُ مَعَهم أحَدٌ؛ لِأنَّهُ أدْعى إلى قَبُولِ النَّصِيحَةِ، ولِذا قِيلَ: النُّصْحُ بَيْنَ المَلَأِ تَقْرِيعٌ، أوْ قُلْ لَهم في شَأْنِ أنْفُسِهِمْ ومَعْناها ﴿قَوْلا بَلِيغًا﴾ مُؤَثِّرًا واصِلًا إلى كُنْهِ المُرادِ، مُطابِقًا لِما سِيقَ لَهُ مِنَ المَقْصُودِ، فالظَّرْفُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ.
وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ(بَلِيغًا) وهو ظاهِرٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَعْمُولَ الصِّفَةِ عِنْدَهم لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُوفِ؛ لِأنَّ المَعْمُولَ إنَّما يَتَقَدَّمُ حَيْثُ يَصِحُّ تَقَدُّمُ عامِلِهِ.
وقِيلَ: إنَّهُ إنَّما يَصِحُّ إذا كانَ ظَرْفًا، وقَوّاهُ البَعْضُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، وفِيهِ بُعْدٌ، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ التَّعَلُّقِ: (قُلْ لَهم قَوْلًا بَلِيغًا في أنْفُسِهِمْ) مُؤَثِّرًا فِيها يَغْتَمُّونَ بِهِ اغْتِمامًا، ويَسْتَشْعِرُونَ مِنهُ الخَوْفَ اسْتِشْعارًا، وهو التَّوَعُّدُ بِالقَتْلِ والِاسْتِئْصالِ، والإيذانُ بِأنَّ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُهُمُ الخَبِيثَةُ مِنَ الشَّرِّ والنِّفاقِ بِمَرْأًى مِنَ اللَّهِ تَعالى ومَسْمَعٍ غَيْرَ خافٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وإنَّ ذَلِكَ مُسْتَوْجِبٌ لِما تَشِيبُ مِنهُ النَّواصِي، وإنَّما هَذِهِ المَكافَّةُ والتَّأْخِيرُ لِإظْهارِهِمُ الإيمانَ وإضْمارِهِمُ الكُفْرَ، ولَئِنْ أظْهَرُوا الشِّقاقَ وبَرَزُوا بِأشْخاصِهِمْ مَن نَفَقِ النِّفاقِ لَتُسامِرَنَّهُمُ السُّمْرَ والبِيضَ، ولَيَضِيقَنَّ عَلَيْهِمْ رَحْبُ الفَلا بِالبَلاءِ العَرِيضِ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ الأوْلى عَلى أنَّهُ قَدْ تُصِيبُ المُصِيبَةُ بِما يَكْتَسِبُ العَبْدُ
صفحة 70
مِنَ الذُّنُوبِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ فَقالَ الجُبّائِيُّ: لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا عُقُوبَةً في التّائِبِ، وقالَ أبُو هاشِمٍ: يَكُونُ ذَلِكَ لُطْفًا.
وقالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: قَدْ يَكُونُ لُطْفًا، وقَدْ يَكُونُ جَزاءً، وهو مَوْقُوفٌ عَلى الدَّلِيلِ.
4:64Page 88
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا ٦٤
And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allāh. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muḥammad], and asked forgiveness of Allāh and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allāh Accepting of Repentance and Merciful.
﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ تَمْهِيدٌ لِبَيانِ خَطَئِهِمْ بِاشْتِغالِهِمْ بِسَتْرِ نارِ جِنايَتِهِمْ بِهَشِيمِ اعْتِذارِهِمُ الباطِلِ، وعَدَمِ إطْفائِها بِماءِ التَّوْبَةِ، أيْ: وما أرْسَلْنا رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِيُطاعَ بِسَبَبِ إذْنِهِ تَعالى وأمْرِهِ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ أنْ يُطِيعُوهُ؛ لِأنَّهُ مُؤَدٍّ عَنْهُ عَزَّ شَأْنُهُ، فَطاعَتُهُ طاعَتُهُ، ومَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَتُهُ، أوْ بِتَيْسِيرِهِ وتَوْفِيقِهِ سُبْحانَهُ في طاعَتِهِ، ولا يَخْفى ما في العُدُولِ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ.
واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرِيدُ إلّا الخَيْرَ، والشَّرُّ عَلى خِلافِ إرادَتِهِ، وأجابَ عَنْ ذَلِكَ صاحِبُ التَّيْسِيرِ بِأنَّ المَعْنى: إلّا لِيُطِيعَهُ مَن أذِنَ لَهُ في الطّاعَةِ وأرادَها مِنهُ، وأمّا مَن لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فَيُرِيدُ عَدَمَ طاعَتِهِ، فَلِذا لا يُطِيعُهُ، ويَكُونُ كافِرًا، أوْ بِأنَّ المُرادَ إلْزامُ الطّاعَةِ، أيْ: وما أرْسَلَنا رَسُولًا إلّا لِإلْزامِ طاعَتِهِ النّاسَ لِيُثابَ مَنِ انْقادَ ويُعاقَبَ مَن سَلَكَ طَرِيقَ العِنادِ، فَلا تَنْتَهِضُ دَعْواهُمُ الِاحْتِجاجُ بِها عَلى مُدَعّاهم.
واحْتَجَّ بِها أيْضًا مَن أثْبَتَ الغَرَضَ في أفْعالِهِ تَعالى، وهو ظاهِرٌ، ولا يُمْكِنُ تَأْوِيلُ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ غايَةً لا غَرَضًا؛ لِأنَّ طاعَةَ الجَمِيعِ لا تَتَرَتَّبُ عَلى الإرْسالِ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ الغايَةَ كَوْنُهُ مُطاعًا بِالإذْنِ لا لِلْكُلِّ؛ إذْ مَن لا إذْنَ لَهُ لا يُطِيعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ المَسْألَةِ.
﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ وعَرَّضُوها لِلْبَوارِ بِالنِّفاقِ، والتَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ ﴿جاءُوكَ﴾ عَلى إثْرِ ظُلْمِهِمْ بِلا رَيْثٍ، مُتَوَسِّلِينَ بِكَ، تائِبِينَ عَنْ جِنايَتِهِمْ - غَيْرَ جامِعِينَ حَشَفًا وسُوءَ كِيلَةٍ - بِاعْتِذارِهِمُ الباطِلِ، وأيْمانِهِمُ الفاجِرَةِ ﴿فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ لِذُنُوبِهِمْ، ونَزَعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ ونَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا.
﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ وسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهُمْ، ويَغْفِرَ ذُنُوبَهُمْ، وفي التَّعْبِيرِ بِـ(اسْتَغْفَرَ) إلَخْ دُونَ (اسْتَغْفَرْتَ) تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَيْثُ عَدَلَ عَنْ خِطابِهِ إلى ما هو مِن عَظِيمِ صِفاتِهِ عَلى طَرِيقِ (حَكَمَ الأمِيرُ بِكَذا) مَكانَ (حَكَمْتَ)، وتَعْظِيمٌ لِاسْتِغْفارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حَيْثُ أسْنَدَهُ إلى لَفْظٍ مُنْبِئٍ عَنْ عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ.
﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ أيْ: لَعَلِمُوهُ قابِلًا لِتَوْبَتِهِمْ، مُتَفَضِّلًا عَلَيْهِمْ بِالتَّجاوُزِ عَمّا سَلَفَ مِن ذُنُوبِهِمْ، ومَن فَسَّرَ الوِجْدانَ بِالمُصادَفَةِ كانَ الوَصْفُ الأوَّلُ حالًا، والثّانِي بَدَلًا مِنهُ، أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ مِثْلَهُ، وفي وضْعِ الِاسْمِ الجامِعِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ إيذانٌ بِفَخامَةِ القَبُولِ والرَّحْمَةِ
4:65Page 88
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥
But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muḥammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.
﴿فَلا ورَبِّكَ﴾ أيْ فَوَرَبِّكَ و(لا) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ لا لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ في جَوابِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّها تُزادُ في الإثْباتِ أيْضًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ وهَذا ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ومُتابِعُوهُ في (لا) الَّتِي تُذْكَرُ قَبْلَ القَسَمِ.
وقِيلَ: إنَّها رَدٌّ لِمُقَدَّرٍ، أيْ لا يَكُونُ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ، وقِيلَ: مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ في الجَوابِ، ولِتَأْكِيدِ القَسَمِ إنْ لَمْ يَكُنْ نَفِيٌ، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: الظّاهِرُ عِنْدِي أنَّها ها هُنا لِتَوْطِئَةِ النَّفْيِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، والزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَذْكُرْ مانِعًا مِن ذَلِكَ سِوى مَجِيئِها لِغَيْرِ هَذا المَعْنى في الإثْباتِ، وهو لا يَأْبى مَجِيئَها في النَّفْيِ عَلى الوَجْهِ الآخَرِ مِنَ التَّوْطِئَةِ، عَلى أنَّها لَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ إلّا مَعَ صَرِيحِ فِعْلِ القَسَمِ، ومَعَ القَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى مِثْلُ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾، ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾، ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ قَصْدًا إلى تَأْكِيدِ القَسَمِ
صفحة 71
وتَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ، إذْ لا يُقْسَمُ بِالشَّيْءِ إلّا إعْظامًا لَهُ، فَكَأنَّهُ بِدِخُولِها يَقُولُ: إنَّ إعْظامِي لِهَذِهِ الأشْياءِ بِالقَسَمِ بِها - كَلا إعْظامٍ - يَعْنِي أنَّها تَسْتَوْجِبُ مِنَ التَّعْظِيمِ فَوْقَ ذَلِكَ، وهو لا يُحْسَنُ في القَسَمِ بِاللَّهِ تَعالى، إذْ لا تَوَهُّمَ لِيُزاحَ، ولَمْ تُسْمَعْ زِيادَتُها مَعَ القَسَمِ بِاللَّهِ إلّا إذا كانَ الجَوابُ مَنفِيًّا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها مَعَهُ زائِدَةٌ مُوطِئَةٌ لِلنَّفْيِ الواقِعِ في الجَوابِ، ولا تَكادُ تَجِدُها في غَيْرِ الكِتابِ العَزِيزِ داخِلَةً عَلى قَسَمٍ مُثْبَتٍ، وإنَّما كَثُرَ دُخُولُها عَلى القَسَمِ وجَوابُهُ نَفْيٌ كَقَوْلِهِ:
فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيْ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرْ
وقَوْلِهِ:
ألا نادَتْ أُمامَةُ بِارْتِحالٍ ∗∗∗ لِتُحْزِنَنِي فَلا بِكِ ما أُبالِي
وقَوْلِهِ:
رَأى بَرْقًا فَأوْضَعَ فَوْقَ بَكْرٍ ∗∗∗ فَلا بِكَ ما أسالَ ولا أغاما
إلى ما لا يُحْصى كَثْرَةً، ومِن هَذا يُعْلَمُ الفَرْقُ بَيْنَ المَقامَيْنِ، والجَوابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُما فَتَأمَّلْ ذَلِكَ، فَهو حَقِيقٌ بِالتَّأمُّلِ.
﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أيْ يَجْعَلُوكَ حَكَمًا أوْ حاكِمًا، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: يَتَحاكَمُوا إلَيْكَ ويَتَرافَعُوا، وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ التَّحْكِيمِ مَعَ أنَّهُﷺحاكِمٌ بِأمْرِ اللَّهِ؛ إيذانًا بِأنَّ اللّائِقَ بِهِمْ أنْ يَجْعَلُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَكَمًا فِيما بَيْنَهُمْ، ويَرْضُوا بِحُكْمِهِ وإنْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ كَوْنِهِ حاكِمًا عَلى الإطْلاقِ ﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: فِيما اخْتَلَفَ بَيْنَهم مِنَ الأُمُورِ واخْتَلَطَ، ومِنهُ الشَّجَرُ لِتَداخُلِ أغْصانِهِ، وقِيلَ لِلْمُنازَعَةِ تَشاجُرٌ؛ لِأنَّ المُتَنازِعِينَ تَخْتَلِفُ أقْوالُهم وتَتَعارَضُ دَعاوِيهِمْ، ويَخْتَلِطُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، أيْ: فَتَحْكُمُ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا ﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ وقُلُوبِهِمْ ﴿حَرَجًا﴾ أيْ: شَكًّا كَما قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ ضِيقًا كَما قالَهُ الجُبّائِيُّ، أوْ إثْمًا كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ تَفْسِيرَهُ بِضِيقِ الصَّدْرِ لِشائِبَةِ الكَراهَةِ والإباءِ لِما أنَّ بَعْضَ الكَفَرَةِ كانُوا يَسْتَيْقِنُونَ الآياتِ بِلا شَكٍّ ولَكِنْ يَجْحَدُونَ ظُلْمًا وعُتُوًّا فَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ يُمْكِنُ إرْجاعُهُ إلى أيِّ الأمْرَيْنِ شِئْتَ، ونَفْيُ وِجْدانِ الحَرَجِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ الحَرَجِ كَما لا يَخْفى، وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِـ(يَجِدُوا) والظَّرْفُ قِيلَ: حالٌ مِنهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا قَضَيْتَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(حَرَجًا) وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ تَعَلُّقَهُ بِهِ، و(ما) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ونَكِرَةً مَوْصُوفَةً ومَصْدَرِيَّةً، أيْ: مِنَ الَّذِي قَضَيْتَهُ، أيْ قَضَيْتَ بِهِ، أوْ مِن شَيْءٍ قَضَيْتَ، أوْ مِن قَضائِكَ.
﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أيْ يَنْقادُوا لِأمْرِكَ ويُذْعِنُوا لَهُ بِظاهِرِهِمْ وباطِنِهِمْ كَما يُشْعِرُ بِهِ التَّأْكِيدُ، ولَعَلَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ مَخْصُوصًا بِالَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإنَّ قَضاءَ شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَضاؤُهُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الصّادِقِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: «لَوْ أنَّ قَوْمًا عَبَدُوا اللَّهَ تَعالى وأقامُوا الصَّلاةَ، وآتَوُا الزَّكاةَ، وصامُوا رَمَضانَ، وحَجُّوا البَيْتَ، ثُمَّ قالُوا لِشَيْءٍ صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ألا صَنَعَ خِلافَ ما صَنَعَ أوْ وجَدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا لَكانُوا مُشْرِكِينَ» ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وسَبَبُ نُزُولِها كَما قالَ الشَّعْبِيُّ ومُجاهِدٌ: ما مَرَّ مِن قِصَّةِ بِشْرٍ
صفحة 72
واليَهُودِيِّ اللَّذَيْنِ قَضى بَيْنَهُما عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِما قَضى.
وأخْرَجَ الشَّيْخانِ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ، «عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ، أنَّهُ خاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في شِراجٍ مِنَ الحَرَّةِ كانَ يَسْقِيانِ بِهِ كِلاهُما النَّخْلَ، فَقالَ الأنْصارِيُّ: سَرِّحِ الماءَ يَمُرُّ، فَأبى عَلَيْهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ، فَغَضِبَ الأنْصارِيَّ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ»» واسْتَوْعى رَسُولُ اللَّهِﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قَبْلَ ذَلِكَ أشارَ عَلى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أرادَ فِيهِ السَّعَةَ لَهُ ولِلْأنْصارِيِّ، فَلَمّا أحْفَظَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الأنْصارِيُّ اسْتَوْعى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ، فَقالَ الزُّبَيْرُ: ما أحْسَبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ ﴿فَلا ورَبِّكَ﴾ إلَخْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences