Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:6–9, continued
والمُرادُ إيصاءُ الكُمَّلِ مِنَ الشُّيُوخِ أنْ يُخْلِفُوا ويَأْذَنُوا بِالإرْشادِ مَن يَصْلُحُ لِذَلِكَ مِنَ المُرِيدِينَ السّالِكِينَ عَلى أيْدِيهِمْ ﴿ولا تَأْكُلُوها﴾ أيْ تَنْتَفِعُوا بِتِلْكَ الأمْوالِ دُونَهم ﴿إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾ بِالتَّصَدِّي لِلْإرْشادِ فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ أدْواءِ النَّفْسِ والسُّمُومِ القاتِلَةِ ﴿ومَن كانَ﴾ مِنكم ﴿غَنِيًّا﴾ بِاللَّهِ لا يَلْتَفِتُ إلى ضَرُوراتِ الحَياةِ أصْلًا ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ عَمّا لِلْمُرِيدِ ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا﴾ لا يَتَحَمَّلُ الضَّرُورَةَ ﴿فَلْيَأْكُلْ﴾ أيْ فَلْيَنْتَفِعْ بِما لِلْمُرِيدِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ وهو ما كانَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ اللَّهَ تَعالى وأرْواحَ أهْلِ الحَضْرَةِ وخُذُوا العَهْدَ عَلَيْهِمْ بِرِعايَةِ الحُقُوقِ مَعَ الحَقِّ والخَلْقِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ لِأنَّهُ المَوْجُودُ الحَقِيقِيُّ والمُطَّلِعُ الَّذِي يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ، وهو حَسَبُنا ونَعِمَ الوَكِيلُ.
4:7Page 78
لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنۡهُ أَوۡ كَثُرَۚ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ٧
For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.
﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ المَوارِيثِ بَعْدَ بَيانِ أمْوالِ اليَتامى المُنْتَقِلَةِ إلَيْهِمْ بِالإرْثِ، والمُرادُ مِنَ الرِّجالِ الأوْلادُ الذُّكُورُ، أوِ الذُّكُورُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ كِبارًا أوْ صِغارًا، ومِنَ الأقْرَبِينَ المَوْرُوثُونَ، ومِنَ الوالِدِينَ ما لَمْ يَكُنْ بِواسِطَةِ، والجَدُّ والجَدَّةُ داخِلانِ تَحْتَ الأقْرَبِينَ، وذَكَرَ الوَلَدانِ مَعَ دُخُولِهِما أيْضًا اعْتِناءً بِشَأْنِهِما، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ مِنَ الوالِدَيْنِ ما هو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِواسِطَةٍ أوْ بِغَيْرِها فَيَشْمَلُ الجَدَّ والجَدَّةَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ تَوْرِيثُ أوْلادِ الأوْلادِ مَعَ وُجُودِ الأوْلادِ. وأُجِيبُ بِأنَّ عَدَمَ التَّوْرِيثِ في هَذِهِ الصُّورَةِ مَعْلُومٌ مِن أمْرٍ آخَرَ لا يَخْفى، والنَّصِيبُ الحَظُّ كالنَّصْبِ بِالكَسْرِ ويُجْمَعُ عَلى أنْصِباءَ وأنْصِبَةٍ، ومِن في مِمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ قَبْلَهُ أيْ نَصِيبٌ كائِنٌ مِمّا تُرِكَ وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِنَصِيبٍ.
﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ المُرادُ مِنَ النِّساءِ البَناتُ مُطْلَقًا أوِ الإناثُ كَذَلِكَ، وإيرادُ حُكْمِهِنَّ عَلى الِاسْتِقْلالِ دُونَ الدَّرَجِ في تَضاعِيفِ أحْكامِ السّالِفِينَ بِأنْ يُقالَ لِلرِّجالِ والنِّساءِ نُصِيبٌ إلَخْ لِلِاعْتِناءِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ بِأمْرِهِنَّ والإيذانِ بِأصالَتِهِنَّ في اسْتِحْقاقِ الإرْثِ، والإشارَةُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ نَصِيبَيِ الفَرِيقَيْنِ والمُبالَغَةِ في إبْطالِ حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ فَإنَّهم ما كانُوا يُورِثُونَ النِّساءَ والأطْفالَ ويَقُولُونَ: إنَّما يَرِثُ مَن يُحارِبُ ويَذُبُّ عَنِ الحَوْزَةِ، ولِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كَما قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ ورُوِيَ «أنَّ أوْسَ بْنَ ثابِتٍ وقِيلَ: أوْسُ بْنُ مالِكٍ، وقِيلَ: ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ، وقِيلَ: أوْسُ بْنُ الصّامِتِ وهو خَطَأٌ لِأنَّهُ تُوُفِّيَ في زَمَنِ خِلافَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ماتَ وتَرَكَ ابْنَتَيْنِ وابْنًا صَغِيرًا وزَوْجَتَهُ أُمَّ كُحَّةَ، وقِيلَ: بِنْتُ كُحَّةَ، وقِيلَ: أُمُّ كُحْلَةَ، وقِيلَ: أُمُّ كُلْثُومٍ فَجاءَ أبْناءُ عَمِّهِ خالِدٌ أوْ سُوَيْدٌ وعَرْفَطَةُ أوْ قَتادَةُ، وعَرْفَجَةُ فَأخَذا مِيراثَهُ كُلَّهُ فَقالَتِ امْرَأتُهُ لَهُما: تَزَوَّجا بِالِابْنَتَيْنِ وكانَتْ بِهِما دَمامَةٌ فَأبَيا فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَتْهُ الخَبَرَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما أدْرِي ما أقُولُ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ الآيَةَ فَأرْسَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى ابْنَيِ العَمِّ فَقالَ: لا تُحَرِّكا مِنَ المِيراثِ شَيْئًا فَإنَّهُ قَدْ أُنْزَلَ عَلَيَّ فِيهِ شَيْءٌ أُخْبِرْتُ فِيهِ أنَّ لِلذَّكَرِ والأُنْثى نَصِيبًا ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَلِيمًا﴾ ثُمَّ نَزَلَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ فَدَعى ﷺ بِالمِيراثِ فَأعْطى المَرْأةَ الثَّمَنَ وقَسَّمَ ما بَقِيَ بَيْنَ الأوْلادِ لِلذِّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، ولَمْ يُعْطِ ابْنَيِ العَمِّ شَيْئًا»»، وفي بَعْضِ طُرُقِهِ أنَّ المَيِّتَ خَلَّفَ زَوْجَةً وبِنْتَيْنِ وابْنَيْ عَمٍّ فَأعْطى ﷺ الزَّوْجَةَ الثُّمْنَ والبِنْتَيْنِ الثُّلْثَيْنِ وابْنَيِ العَمِّ الباقِيَ.
وفِي الخَبَرِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنِ الخِطابِ، ومَن عَمَّمَ الرِّجالَ والنِّساءَ وقالَ: إنَّ الأقْرَبِينَ عامٌّ لِذَوِي القَرابَةِ النِّسْبِيَّةِ والسَّبَبِيَّةِ جَعَلَ الآيَةَ مُتَضَمِّنَةً لِحُكْمِ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ واسْتِحْقاقِ كُلٍّ مِنهُما الإرْثَ مِن صاحِبِهِ،
صفحة 211
ومَن لَمْ يَذْهَبْ إلى ذَلِكَ وقالَ: إنَّ الأقْرَبِينَ خاصٌّ بِذَوِي القُرْبَةِ النِّسْبِيَّةِ جَعَلَ فَهْمَ الِاسْتِحْقاقِ كَفَهْمِ المِقْدارِ المُسْتَحَقِّ مِمّا سَيَأْتِي مِنَ الآياتِ، وعَلَّلَ الِاقْتِصارَ عَلى ذِكْرِ الأوْلادِ والبَناتِ هُنا بِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ اليَتامى واحْتَجَّ الحَنَفِيَّةُ والإمامِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ قالُوا: لِأنَّ العَمّاتِ والخالاتِ وأوْلادَ البَناتِ مِنَ الأقْرَبِينَ فَوَجَبَ دُخُولُهم تَحْتَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِلرِّجالِ﴾ إلَخْ غايَةَ ما في البابِ أنَّ قَدْرَ ذَلِكَ النَّصِيبِ غَيْرُ مَذْكُورٍ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا أنّا نُثْبِتُ كَوْنَهم مُسْتَحِقِّينَ لِأصْلِ النَّصِيبِ بِها، وأمّا المِقْدارُ فَمُسْتَفادٌ مِن سائِرِ الدَّلائِلِ، والإمامِيَّةُ فَقَطْ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُورَثُونَ كَغَيْرِهِمْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا رَدُّهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ.
﴿مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ﴾ بَدَلٌ مِن ما الأخِيرَةِ بِإعادَةِ العامِلِ قَبْلُ؛ ولَعَلَّهم إنَّما لَمْ يَعْتَبِرُوا كَوْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ بَدَلًا مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِاسْتِلْزامِهِ إبْدالَ مِن مِن مِن، واتِّحادُ اللَّفْظِ في البَدَلِ غَيْرُ مَعْهُودٍ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في تَرْكِ أيٍّ مِمّا تَرَكَهُ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا أوْ مُسْتَقِرًّا مِمّا قَلَّ، ومِثْلُ هَذا القَيْدِ مُعْتَبَرٌ في الجُمْلَةِ الأُولى إلّا أنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ هُناكَ تَعْوِيلًا عَلى ذِكْرِهِ هُنا، وفائِدَتُهُ دَفْعُ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِ بَعْضِ الأمْوالِ بِبَعْضِ الوَرَثَةِ كالخَيْلِ وآلاتِ الحَرْبِ لِلرِّجالِ، وبِهَذا يَرُدُّ عَلى الإمامِيَّةِ لِأنَّهم يَخُصُّونَ أكْبَرَ أبْناءِ المَيِّتِ مِن تَرِكَتِهِ بِالسَّيْفِ والمُصْحَفِ والخاتَمِ واللِّباسِ البَدَنِيِّ بِدُونِ عِوَضٍ عِنْدَ أكْثَرِهِمْ، وهَذا مِنَ الغَرِيبِ كَعَدَمِ تَوْرِيثِ الزَّوْجَةِ مِنَ العَقارِ مَعَ أنَّ الآيَةَ مُفِيدَةٌ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَقًّا مِن كُلِّ ما جَلَّ ودَقَّ، وتَقْدِيمُ القَلِيلِ عَلى الكَثِيرِ مِن بابِ ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ .
﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ نُصِبَ إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ بِتَأْوِيلِهِ بِعَطاءٍ ونَحْوِهِ مِنَ المَعانِي المَصْدَرِيَّةِ وإلّا فَهو اسْمٌ جامِدٌ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ مَصْدَرُ، وإمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَلَّ وكَثُرَ أوْ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ صِفَةً، أوْ مِن نَصِيبٍ لِكَوْنِ وصْفِهِ بِالظَّرْفِ سَوَّغَ مَجِيءَ الحالِ مِنهُ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ الواقِعِ خَبَرًا إذِ المَعْنى ثَبَتَ لَهم مَفْرُوضًا نَصِيبٌ، وهو حِينَئِذٍ حالٌ مُوَطِّئَةٌ والحالُ في الحَقِيقَةِ وصْفُهُ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْدِيرُ أوْجَبَ لَهم نَصِيبًا، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى إضْمارِ أعْنِي ونَصْبُهُ عَلى الِاخْتِصاصِ بِالمَعْنى المَشْهُورِ مِمّا أنْكَرَهُ أبُو حَيّانَ لِنَصِّهِمْ عَلى اشْتِراطِ عَدَمِ التَّنْكِيرِ في الِاسْمِ المَنصُوبِ عَلَيْهِ، والفَرْضُ كالضَّرْبِ التَّوْقِيتُ ومِنهُ:
﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ والحَزَّ في الشَّيْءِ كالتَّفْرِيضِ وما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى كالمَفْرُوضِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ لَهُ مَعالِمَ وحُدُودًا، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى القَطْعِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أيْ مُقْتَطَعًا مَحْدُودًا كَما في «الصَّحّاحِ»، فَمَفْرُوضًا هُنا إمّا بِمَعْنى مُقْتَطَعًا مَحْدُودًا كَما في تِلْكَ الآيَةِ، وإمّا بِمَعْنى ما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى أيْ نَصِيبًا أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم.
وفَرَّقَ الحَنَفِيَّةُ بَيْنَ الفَرْضِ والواجِبِ بِأنَّ الفِعْلَ غَيْرُ الكَفِّ المُتَعَلِّقِ بِهِ خِطابٌ بِطَلَبِ فِعْلٍ بِحَيْثُ يَنْتَهِضُ تَرْكُهُ في جَمِيعِ وقْتِهِ سَبَبًا لِلْعِقابِ إنْ ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ، فَفَرَضَ كَقِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ الثّابِتَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ وإنْ ثَبَتَ بِظَنِّي فَهو الواجِبُ نَحْوَ تَعْيِينِ الفاتِحَةِ الثّابِتِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «لا صَلاةَ إلّا بِفاتِحَةِ الكِتابِ» وهو آحادٌ، ونَفْيُ الفَضِيلَةِ مُحْتَمَلٌ ظاهِرٌ، وذَهَبَ الشّافِعِيَّةُ إلى تَرادُفِهِما، واحْتَجَّ كُلٌّ لِمُدَّعاهُ بِما احْتَجَّ بِهِ، والنِّزاعُ عَلى ما حُقِّقَ في الأُصُولِ لَفْظِيٌّ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا نِزاعَ لِلشّافِعِيِّ في تَفاوُتِ مَفْهُومَيِ الفَرْضِ والواجِبِ في اللُّغَةِ ولا في تَفاوُتِ ما ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ كَحُكْمِ الكِتابِ وما ثَبَتَ بِدَلِيلِ ظَنِّي كَحُكْمِ
صفحة 212
خَبَرِ الواحِدِ في الشَّرْعِ، فَإنَّ جاحِدَ الأوَّلِ كافِرٌ دُونَ الثّانِي، وتارِكَ العَمَلِ بِالأوَّلِ مُؤَوَّلًا فاسِقٌ دُونَ الثّانِي، وإنَّما يَزْعُمُ أنَّ الفَرْضَ والواجِبَ لَفْظانِ مُتَرادِفانِ مَنقُولانِ عَنْ مَعْناهُما اللُّغَوِيِّ إلى مَعْنًى واحِدٍ هو ما يُمْدَحُ فاعِلُهُ ويُذَمُّ تارِكُهُ شَرْعًا سَواءٌ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ أوْ ظَنِّيٍّ، وهَذا مُجَرَّدُ اصْطِلاحٍ، فَلا مَعْنى لِلِاحْتِجاجِ بِأنَّ التَّفاوُتَ بَيْنَ الكِتابِ وخَبَرِ الواحِدِ مُوجِبٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ مَدْلُولَيْهِما، أوْ بِأنَّ الفَرْضَ في اللُّغَةِ التَّقْدِيرُ والوُجُوبُ هو السُّقُوطُ، فالفَرْضُ عُلِمَ قَطْعًا أنَّهُ مُقَدَّرٌ عَلَيْنا، والواجِبُ ما سَقَطَ عَلَيْنا بِطَرِيقِ الظَّنِّ ولا يَكُونُ المَظْنُونُ مُقَدَّرًا ولا المَعْلُومُ القَطْعِيُّ ساقِطًا عَلَيْنا عَلى أنَّ لِلْخَصْمِ أنْ يَقُولَ: لَوْ سُلِّمَ مُلاحَظَةُ المَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ فَلا نُسَلِّمُ امْتِناعَ أنْ يَثْبُتَ كَوْنُ الشَّيْءِ مُقَدَّرًا عَلَيْنا بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ، وكَوْنُهُ ساقِطًا عَلَيْنا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُمُ: الفَرْضُ أيِ المَفْرُوضُ المُقَدَّرُ في المَسْحِ هو الرُّبْعُ، وأيْضًا الحَقُّ أنَّ الوُجُوبَ في اللُّغَةِ هو الثُّبُوتُ، وأمّا مَصْدَرُ الواجِبِ بِمَعْنى السّاقِطِ والمُضْطَرِبِ إنَّما هو الوَجْبَةُ والوَجِيبُ، ثُمَّ اسْتِعْمالُ الفَرْضِ فِيما ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ والواجِبُ فِيما ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ شائِعٌ مُسْتَفِيضٌ كَقَوْلِهِمُ: الوَتْرُ فَرْضٌ، وتَعْدِيلُ الأرْكانِ فَرْضٌ ونَحْوَ ذَلِكَ، ويُسَمّى فَرْضًا عَمَلِيًّا، وكَقَوْلِهِمُ: الصَّلاةُ واجِبَةٌ والزَّكاةُ واجِبَةٌ، ونَحْوَ ذَلِكَ، ومِن هُنا يُعْلَمُ سُقُوطُ كَلامِ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ في رَدِّ اسْتِدْلالِ الحَنَفِيَّةِ بِما تَقَدَّمَ عَلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ بِأنَّ الواجِبَ عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ ما عُلِمَ ثُبُوتُهُ بِدَلِيلٍ مَظْنُونٍ، والمَفْرُوضُ ما عُلِمَ بِدَلِيلٍ قاطِعٍ، وتَوْرِيثُ ذَوِي الأرْحامِ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ بِالِاتِّفاقِ، فَعَرَفْنا أنَّهُ غَيْرُ مُرادٍ مِنَ الآيَةِ ووَجْهُ السُّقُوطِ ظاهِرٌ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ.
واحْتَجَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ الوارِثَ لَوْ أعْرَضَ عَنْ نَصِيبِهِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ وهو مَذْهَبُ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
4:8Page 78
وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُوْلُواْ ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينُ فَٱرۡزُقُوهُم مِّنۡهُ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٨
And when [other] relatives and orphans and the needy are present at the [time of] division, then provide for them [something] out of it [i.e., the estate] and speak to them words of appropriate kindness.
﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ أيْ قِسْمَةَ التَّرِكَةِ بَيْنَ أرْبابِها وهي مَفْعُولٌ بِهِ، وقُدِّمَتْ لِأنَّها المَبْحُوثُ عَنْها ولِأنَّ في الفاعِلِ تَعَدُّدًا فَلَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ يَفُوتُ تَجاذُبُ أطْرافِ الكَلامِ وقِيلَ: قُدِّمَتْ لِتَكُونَ أمامَ الحاضِرِينَ في اللَّفْظِ كَما أنَّها أمامَهم في الواقِعِ، وهي نُكْتَةٌ لِلتَّقْدِيمِ لَمْ أرَ مَن ذَكَرَها مِن عُلَماءِ المَعانِي.
﴿أُولُو القُرْبى﴾ مِمَّنْ لا يَرِثُ لِكَوْنِهِ عاصِبًا مَحْجُوبًا أوْ لِكَوْنِهِ مِن ذَوِي الأرْحامِ، والقَرِينَةُ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ ذِكْرُ الوَرَثَةِ قَبْلَهُ ﴿واليَتامى والمَساكِينُ﴾ مِنَ الأجانِبِ ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ أيْ أعْطُوهم شَيْئًا مِنَ المالِ أوِ المَقْسُومِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالقِسْمَةِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِما وهو أمْرُ نَدْبٍ كُلِّفَ بِهِ البالِغُونَ مِنَ الوَرَثَةِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ المَذْكُورِينَ وتَصَدُّقًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: أمْرُ وُجُوبٍ واخْتُلِفَ في نَسْخِهِ فَفي بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لا نَسْخَ والآيَةُ مَحْكَمَةٌ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ» وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ الآيَةَ نَسَخَتْها آيَةُ المِيراثِ فَجُعِلَ لِكُلِّ إنْسانٍ نُصِيبُهُ مِمّا تَرَكَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ. وحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ المُرادَ مِن أُولِي القُرْبى هُنا الوارِثُونَ، ومِنَ ( اليَتامى والمَساكِينِ ) غَيْرِ الوارِثِينَ وأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ راجِعٌ إلى الأوَّلِينَ، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ راجِعٌ لِلْآخِرِينَ وهو بَعِيدٌ جِدًّا، والمُتَبادَرُ ما ذُكِرَ أوَّلًا وهَذا القَوْلُ لِلْمَرْزُوقِينَ مِن أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ، والمُرادُ مِنَ القَوْلِ المَعْرُوفِ أنْ يَدْعُوا لَهم ويَسْتَقِلُّوا ما أعْطَوْهم ويَعْتَذِرُوا مِن ذَلِكَ ولا يَمُنُّوا عَلَيْهِمْ.
4:9Page 78
وَلۡيَخۡشَ ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ ذُرِّيَّةٗ ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ فَلۡيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡيَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدًا ٩
And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allāh and speak words of appropriate justice.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّهُ أمْرٌ لِلْأوْصِياءِ بِأنْ
صفحة 213
يَخْشَوُا اللَّهَ تَعالى أوْ يَخافُوا عَلى أوْلادِهِمْ فَيَفْعَلُوا مَعَ اليَتامى ما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِذَرارِيِّهِمُ الضِّعافِ بَعْدَ وفاتِهِمْ وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَعْنِي بِذَلِكَ الرَّجُلُ يَمُوتُ ولَهُ أوْلادٌ صِغارٌ ضِعافٌ يَخافُ عَلَيْهِمُ العَيْلَةَ والضَّيْعَةَ ويَخافُ بَعْدَهُ أنْ لا يُحْسِنَ إلَيْهِمْ مَن يَلِيهِمْ يَقُولُ: فَإنْ ولِيَ مَثَلَ ذُرِّيَّتِهِ ضِعافًا يَتامى فَلْيُحْسِنْ إلَيْهِمْ ولا يَأْكُلْ أمْوالَهم إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا، والآيَةُ عَلى هَذا مُرْتَبِطَةٌ بِما قَبْلَها لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( لِلرِّجالِ ) إلَخْ في مَعْنى الأمْرِ لِلْوَرَثَةِ أيْ أعْطُوهم حَقَّهم دَفْعًا لِأمْرِ الجاهِلِيَّةِ ولْيَحْفَظِ الأوْصِياءُ ما أُعْطَوْهُ ويَخافُوا عَلَيْهِمْ كَما يَخافُونَ عَلى أوْلادِهِمْ، وقِيلَ في وجْهِ الِارْتِباطِ: إنَّ هَذا وصِيَّةٌ لِلْأوْصِياءِ بِحِفْظِ الأيْتامِ بَعْدَ ما ذَكَرَ الوارِثِينَ الشّامِلِينَ لِلصِّغارِ والكِبارِ عَلى طَرِيقِ التَّتْمِيمِ، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ مُرْتَبِطَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ .
وثانِيها: أنَّهُ أمْرٌ لِمَن حَضَرَ المَرِيضَ مِنَ العُوّادِ عِنْدَ الإيصاءِ بِأنْ يَخْشَوْا رَبَّهم أوْ يَخْشَوْا أوْلادَ المَرِيضِ ويُشْفِقُوا عَلَيْهِمْ شَفَقَتَهم عَلى أوْلادِهِمْ فَلا يَتْرُكُوهُ أنْ يَضُرَّ بِهِمْ بِصَرْفِ المالِ عَنْهم، ونُسِبَ نَحْوُ هَذا إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ما يُؤَيِّدُهُ، فَقَدَ: أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَعْنِي الرَّجُلَ يَحْضُرُهُ المَوْتُ فَيُقالُ لَهُ: تَصَدَّقْ مِن مالِكَ وأعْتِقْ وأعْطِ مِنهُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَنُهُوا أنْ يَأْمُرُوا بِذَلِكَ يَعْنِي أنَّ مَن حَضَرَ مِنكم مَرِيضًا عِنْدَ المَوْتِ فَلا يَأْمُرْهُ أنْ يُنْفِقَ مِن مالِهِ في العِتْقِ أوْ في الصَّدَقَةِ أوْ في سَبِيلِ اللَّهِ ولَكِنْ يَأْمُرُهُ أنْ يُبَيِّنَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ مِن دَيْنٍ، ويُوصِي مِن مالِهِ لِذَوِي قَرابَتِهِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ يُوصِي لَهم بِالخُمْسِ أوِ الرُّبْعِ يَقُولُ: ألَيْسَ أحَدُكم إذا ماتَ ولَهُ ولَدٌ ضِعافٌ يَعْنِي صِغارٌ لا يَرْضى أنْ يَتْرُكَهم بِغَيْرِ مالٍ فَيَكُونُوا عِيالًا عَلى النّاسِ؟ فَلا يَنْبَغِي لَكم أنْ تَأْمُرُوهُ بِما لا تَرْضَوْنَ بِهِ لِأنْفُسِكم ولِأوْلادِكم ولَكِنْ قُولُوا الحَقَّ مِن ذَلِكَ، وعَلى هَذا يَكُونُ أوَّلُ الكَلامِ لِلْأوْصِياءِ وما بَعْدَهُ لِلْوَرَثَةِ، وهَذا لِلْأجانِبِ بِأنْ لا يَتْرُكُوهُ يَضُرُّهم أوْ لا يَأْمُرُوهُ بِما يَضُرُّ، فالآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِما قَبْلَها أيْضًا.
وثالِثُها: أنَّهُ أمْرٌ لِلْوَرَثَةِ بِالشَّفَقَةِ عَلى مَن حَضَرَ القِسْمَةَ مِن ضُعَفاءِ الأقارِبِ واليَتامى والمَساكِينِ مُتَصَوِّرِينَ أنَّهم لَوْ كانُوا أوْلادَهم بَقُوا خَلْفَهم ضِعافًا مِثْلَهم هَلْ يُجَوِّزُونَ حِرْمانَهم، واتِّصالُ الكَلامِ عَلى هَذا بِما قَبْلَهُ ظاهِرٌ لِأنَّهُ حَثٌّ عَلى الإيتاءِ لَهم وأمْرُهم بِأنْ يَخافُوا مِن حِرْمانِهِمْ كَما يَخافُونَ مِن حِرْمانِ ضِعافِ ذَرِّيَّتِهِمْ.
ورابِعُها: أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَنْظُرُوا لِلْوَرَثَةِ فَلا يُسْرِفُوا في الوَصِيَّةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ أنَّهم كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ لا تَبْلُغَ الوَصِيَّةُ الثُّلُثَ ويَقُولُونَ: إنَّ الخُمْسَ أفْضَلُ مِنَ الرُّبْعِ والرُّبْعَ أفْضَلُ مِنَ الثُّلُثِ، ووَرَدَ في الخَبَرِ ما يُؤَيِّدُهُ، وعَلى هَذا فالمُرادُ مِنَ الَّذِينَ المَرْضى وأصْحابُ الوَصِيَّةِ أمَرَهم بِعَدَمِ الإسْرافِ في الوَصِيَّةِ خَوْفًا عَلى ذُرِّيَّتِهِمُ الضِّعافِ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ أنَّهُمُ المُشارِفُونَ لِذَلِكَ ويَكُونُ التَّخْوِيفُ مِن أكْلِ مالِ اليَتامى بَعْدَهُ تَخْوِيفًا عَنْ أخْذِ ما زادَ مِنَ الوَصِيَّةِ فَيَرْتَبِطُ بِهِ، ويَكُونُ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ تَتْمِيمًا لِأمْرِ الأوْصِياءِ والوَرَثَةِ بِأمْرِ مَرْضى المُؤْمِنِينَ، وهَذا أبْعَدُ الوُجُوهِ وأبْعَدُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ أمْرٌ لِمَن حَضَرَ المَرِيضَ بِالشَّفَقَةِ عَلى ذَوِي القُرْبى بِأنْ لا يَقُولَ لِلْمَرِيضِ لا تُوصِ لِأقارِبِكَ ووَفِّرْ عَلى ذُرِّيَّتِكَ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ القَوْلِ: بِأنَّهُ أمْرٌ لِلْقاسِمِينَ بِالعَدْلِ بَيْنَ الوَرَثَةِ في القِسْمَةِ بِأنْ لا يُراعُوا الكَبِيرَ مِنهم فَيُعْطُوهُ الجَيِّدَ مِنَ التَّرِكَةِ ولا يَلْتَفِتُوا إلى الصَّغِيرِ ولَوْ بِما في حَيِّزِهِ صِلَةُ المَوْصُولِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، ولَمّا كانَتِ الصِّلَةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ قِصَّةً مَعْلُومَةً لِلْخاطِبِ ثابِتَةً لِلْمَوْصُولِ كالصِّفَةِ قالُوا: إنَّها هُنا كَذَلِكَ أيْضًا وأنَّ المَعْنى: ولْيَخْشَ الَّذِينَ حالُهم وصِفَتُهم أنَّهم لَوْ شارَفُوا أنْ يُخَلِّفُوا ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمُ الضَّياعَ.
وذَهَبَ الأُجْهُورِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ لَوْ بِمَعْنى إنْ فَتَقْلِبُ الماضِيَ إلى الِاسْتِقْبالِ، وأوْجَبُوا حَمْلَ ( تَرَكُوا )
صفحة 214
عَلى المُشارَفَةِ لِيَصِحَّ وُقُوعُ خافُوا جَزاءً لَهُ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا خَوْفَ بَعْدَ حَقِيقَةِ المَوْتِ وتَرْكِ الوَرَثَةِ، وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ المُشْعِرِ بِالعِلِّيَّةِ إشارَةٌ إلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأمْرِ أنْ لا يُضَيِّعُوا اليَتامى حَتّى لا تَضِيعَ أوْلادُهم، وفِيهِ تَهْدِيدٌ لَهم بِأنَّهم إنْ فَعَلُوهُ أضاعَ اللَّهُ أوْلادَهم، ورَمَزَ إلى أنَّهم إنْ راعَوُا الأمْرَ حَفِظَ اللَّهُ تَعالى أوْلادَهم، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّيْبانِيِّ قالَ: كُنّا في القُسْطَنْطِينِيَّةِ أيّامَ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ وفِينا ابْنُ مُحَيْرِيزٍ وابْنُ الدَّيْلِمِيِّ وهانِئُ بْنُ كُلْثُومٍ فَجَعَلْنا نَتَذاكَرُ ما يَكُونُ في آخِرِ الزَّمانِ فَضِقْتُ ذَرْعًا مِمّا سَمِعْتُ فَقُلْتُ لِابْنِ الدَّيْلِمِيِّ: يا أبا بِشْرٍ يَوَدُّنِي أنَّهُ لا يُولَدُ لِي ولَدٌ أبَدًا فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى مَنكِبِي وقالَ: يا ابْنَ أخِي لا تَفْعَلْ فَإنَّهُ لَيْسَتْ مِن نَسَمَةٍ كَتَبَ اللَّهُ أنَّ تَخْرُجَ مِن صُلْبِ رَجُلٍ إلّا وهي خارِجَةٌ إنْ شاءَ وإنْ أبى، ثُمَّ قالَ: ألا أدُلُّكَ عَلى أمْرٍ إنْ أنْتَ أدْرَكْتَهُ نَجّاكَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ وإنْ تَرَكْتَ ولَدًا مِن بَعْدِكَ حَفِظَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيكَ؟ قُلْتُ: بَلى، فَتَلا ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ﴾ الآيَةَ.
وفِي وصْفِ الذَّرِّيَّةِ بِالضِّعافِ بَعْثٌ عَلى التَّرَحُّمِ، والظّاهِرُ أنَّ مِن خَلْفِهِمْ ظَرْفٌ لَتَرَكُوا، وفي التَّصْرِيحِ بِهِ مُبالَغَةٌ في تَهْوِيلِ تِلْكَ الحالَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ( ذُرِّيَّةً ) و( ﴿ضِعافًا﴾ ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ: يُقْرَأُ بِالتَّفْخِيمِ عَلى الأصْلِ وبِالإمالَةِ لِأجْلِ الكَسْرَةِ، وجازَ ذَلِكَ مَعَ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ لِأنَّهُ مَكْسُورٌ مُقَدَّمٌ فَفِيهِ انْحِدارٌ، وكَذَلِكَ ﴿خافُوا﴾ يُقْرَأُ بِالتَّفْخِيمِ عَلى الأصْلِ وبِالإمالَةِ لِأنَّ الخاءَ تَنْكَسِرُ في بَعْضِ الأحْوالِ وهو خِفْتُ؛ وقُرِئَ ضُعَفاءَ، وضَعافى وضُعافى، نَحْوَ سَكارى وسُكارى.
﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ذَلِكَ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها وإنَّما أمَرَهم سُبْحانَهُ بِالتَّقْوى الَّتِي هي غايَةُ الخَشْيَةِ بَعْدَما أمَرَهم بِها مُراعاةً لِلْمَبْدَأِ والمُنْتَهى ولَمّا لَمْ يَنْفَعِ الأوَّلُ بِدُونِ الثّانِي لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِلْزامِهِ لَهُ عادَةً ﴿ولْيَقُولُوا﴾ لِلْيَتامى أوْ لِلْمَرِيضِ أوْ لِحاضِرِي القِسْمَةِ، أوْ لِيَقُولُوا في الوَصِيَّةِ ﴿قَوْلا سَدِيدًا﴾ فَيَقُولُ الوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ ما يَقُولُ لِوَلَدِهِ مِنَ القَوْلِ الجَمِيلِ الهادِي لَهُ إلى حُسْنِ الآدابِ ومَحاسِنِ الأفْعالِ، ويَقُولُ عائِدُ المَرِيضِ ما يُذَكِّرُهُ التَّوْبَةَ والنُّطْقَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ وحُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وما يَصُدُّهُ عَنِ الإسْرافِ بِالوَصِيَّةِ وتَضْيِيعِ الوَرَثَةِ، ويَقُولُ الوارِثُ لِحاضِرِ القِسْمَةِ ما يُزِيلُ وحْشَتَهُ أوْ يَزِيدُ مَسَرَّتَهُ، ويَقُولُ المُوصِي في إيصائِهِ ما لا يُؤَدِّي إلى تَجاوُزِ الثُّلُثِ، والسَّدِيدُ عَلى ما قالَ الطَّبَرْسِيُّ المُصِيبُ العَدْلِ المُوافِقِ لِلشَّرْعِ، وقِيلَ: ما لا خَلَلَ فِيهِ، ويُقالُ سَدَّ قَوْلُهُ يَسِدُّ بِالكَسْرِ إذا صارَ سَدِيدًا، وأنَّهُ لَيُسِدُّ في القَوْلِ فَهو مُسِدٌّ إذا كانَ يُصِيبُ السَّدادَ أيِ القَصْدَ، وأمْرٌ سَدِيدٌ وأسَدُّ أيْ قاصِدٌ، والسَّدادُ بِالفَتْحِ الِاسْتِقامَةُ والصَّوابُ، وكَذَلِكَ السَّدَدُ مَقْصُورٌ مِنهُ، وأمّا السِّدادُ بِالكَسْرِ فالبُلْغَةُ وما يُسَدُّ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فِيهِ سِدادٌ مِن عَوَزٍ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وفي «دُرَّةِ الغَوّاصِ في أوْهامِ الخَواصِّ «أنَّهم يَقُولُونَ: سَدادٌ مِن عَوَزٍ فَيَفْتَحُونَ السِّينَ وهو لَحْنٌ والصَّوابُ الكَسْرُ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ بَرِّيٍّ بِأنَّهُ وهْمٌ فَإنَّ يَعْقُوبَ بْنَ السِّكِّيتِ سَوّى بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ في «إصْلاحِ المَنطِقِ» في بابِ فِعالٍ وفَعالٍ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَقالَ: يُقالُ سِدادٌ مِن عَوَزٍ وسَدادٌ، وكَذا حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ في «أدَبِ الكاتِبِ»؛ وكَذا في «الصَّحّاحِ» إلّا أنَّهُ زادَ والكَسْرُ أفْصَحُ، نَعَمْ ذُكِرَ فِيها أنَّ سِدادَ القارُورَةِ وسِدادَ الثَّغْرِ بِالكَسْرِ لا غَيْرَ، وأنْشَدَ قَوْلَ العَرْجِيِّ:
أضاعُونِي وأيُّ فَتًى أضاعُوا لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ ”وسِدادِ“ ثَغْرِ
فَلْيُحْفَظْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences