Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:77–78
4:77Page 90
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٧٧
Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting]1 and establish prayer and give zakāh"? But then when battle was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allāh or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, "The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allāh. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."
صفحة 85
«﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ نَزَلَتْ - كَما قالَ الكَلْبِيُّ - في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ، والمِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ الكِنْدِيِّ، وقُدامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ الجُمَحِيِّ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، كانَ يَلْقَوْنَ مِنَ المُشْرِكِينَ أذًى شَدِيدًا وهم بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، فَيَشْكُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَقُولُونَ: ائْذَنْ لَنا يا رَسُولَ اللَّهِ في قِتالِ هَؤُلاءِ فَإنَّهم قَدْ آذَوْنا، والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «كُفُّوا أيْدِيَكم وأمْسِكُوا عَنِ القِتالِ فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ» وفي رِوايَةٍ: «إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ»».
﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ واشْتَغِلُوا بِما أُمِرْتُمْ بِهِ، ولَعَلَّ أمْرَهم بِإقامَةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ؛ تَنْبِيها عَلى أنَّ الجِهادَ مَعَ النَّفْسِ مُقَدَّمٌ،وما لَمْ يَتَمَكَّنِ المُسْلِمُ في الِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بِالجُودِ بِالمالِ لا يَكادُ يَتَأتّى مِنهُ الجُودُ بِالنَّفْسِ، والجُودُ بِالنَّفْسِ أقْصى غايَةِ الجُودِ، وبِناءُ القَوْلِ لِلْمَفْعُولِ مَعَ أنَّ القائِلَ هو النَّبِيُّ ﷺ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ والمُعْتَبَرَ في التَّعْجِيبِ المُشارِ إلَيْهِ في صَدْرِ الكَلامِ إنَّما هو كَمالُ رَغْبَتِهِمْ في القِتالِ، وكَوْنِهِمْ بِحَيْثُ احْتاجُوا إلى النَّهْيِ عَنْهُ، وإنَّما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ الأمْرُ بِكَفِّ الأيْدِي لِتَحْقِيقِهِ وتَصْوِيرِهِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، فَلا يَتَعَلَّقُ بِبَيانِ خُصُوصِيَّةِ الآمِرِ غَرَضٌ، وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِكَوْنِ ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.
﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ وأُمِرُوا بِهِ بَعْدَ أنْ هاجَرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إلى المَدِينَةِ ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ أيِ الكُفّارَ أنْ يَقْتُلُوهُمْ، وذَلِكَ رُكِزَ في طِباعِ البَشَرِ مِن خَوْفِ الهَلاكِ ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أيْ كَما يَخْشَوْنَ اللَّهَ تَعالى أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ بَأْسُهُ، والفاءُ عاطِفَةٌ، وما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى ﴿قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ الكِنائِيِّ، إذْ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ التَّبايُنُ بَيْنَ مَدْلُولَيِ المَعْطُوفَيْنِ، وعَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ التَّعْجِيبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ كانُوا حِراصًا عَلى القِتالِ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ كَرِهَهُ - بِمُقْتَضى البَشَرِيَّةِ - جَماعَةٌ مِنهُمْ، وتَوْجِيهُ التَّعْجِيبِ إلى الكُلِّ مَعَ أنَّ تِلْكَ الكَراهَةَ إنَّما كانَتْ مِنَ البَعْضِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ مِن أحَدِهِمْ ما يُنافِي حالَتَهُ الأُولى، و(إذا) لِلْمُفاجَأةِ، وهي ظَرْفُ مَكانٍ، وقِيلَ: زَمانٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وفِيها تَأْكِيدٌ لِأمْرِ التَّعْجِيبِ، و(فَرِيقٌ) مُبْتَدَأٌ، و(مِنهُمْ) صِفَتُهُ، و(يَخْشَوْنَ) خَبَرُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً أيْضًا أوْ حالًا، والخَبَرُ (إذا) و(كَخَشْيَةِ اللَّهِ) في مَوْقِعِ المَصْدَرِ، أيْ: خَشْيَةً كَخَشْيَةِ اللَّهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلٍ (يَخْشَوْنَ) ويُقَدَّرُ مُضافٌ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ مِثْلَ أهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى، أيْ: مُشَبَّهِينَ بِأهْلِ خَشْيَتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ - وفِيهِ بَعْدٌ -: إنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: يَخْشَوْنَها النّاسُ كَخَشْيَةِ اللَّهِ ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ إنْ جَعَلْتَهُ حالًا، أيْ أنَّهم أشَدُّ خَشْيَةً مِن أهْلِ خَشْيَةِ اللَّهِ، بِمَعْنى أنَّ خَشْيَتَهم أشَدُّ مِن خَشْيَتِهِمْ، ويُعْطَفُ عَلَيْهِ عَلى تَقْدِيرِ المَصْدَرِيَّةِ عَلى ما قِيلَ بِناءً عَلى أنَّ (خَشْيَةً) مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وعَلى أنَّ التَّمْيِيزَ مُتَعَلِّقُ الفاعِلِيَّةِ، وأنَّ المَجْرُورَ بِمِنِ التَّفْضِيلِيَّةِ يَكُونُ مُقابِلًا لِلْمَوْصُوفِ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ خَشْيَتَهم أشَدُّ مِن خَشْيَةِ غَيْرِهِمْ، ويَؤُولُ إلى أنَّ خَشْيَةَ خَشْيَتِهِمْ أشَدُّ، وهو غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، اللَّهُمَّ إلّا عَلى طَرِيقَةِ جَدِّ جَدِّهِ، عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ وابْنُ جِنِّيٍّ، ويَكُونُ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ جَدَّ جِدًّا بِنَصْبِ (جِدًّا) عَلى التَّمْيِيزِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ، بَلْ يُعْطَفُ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ فَهو مَجْرُورٌ بِالفَتْحَةِ لِمَنعِ صَرْفِهِ، والمَعْنى: يَخْشَوْنَ النّاسَ خَشْيَةً كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ خَشْيَةً كَخَشْيَةٍ أشَدَّ خَشْيَةً مِنهُ تَعالى، ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ إذْ لا أشَدَّ خَشْيَةً عِنْدِ المُؤْمِنِينَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ويَؤُولُ هَذا إلى تَفْضِيلِ خَشْيَتِهِمْ عَلى سائِرِ الخَشْياتِ إذا فُصِّلَتْ واحِدَةً واحِدَةً، وذَكَرَ ابْنُ الحاجِبِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا العَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، أيْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ
صفحة 86
النّاسِ، أوْ يَخْشَوْنَ أشَدَّ خَشْيَةً، عَلى أنَّ الأوَّلَ مَصْدَرٌ، والثّانِي حالٌ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ حَذْفَ المُضافِ أهْوَنُ مِن حَذْفِ الجُمْلَةِ وأوْفى بِمُقْتَضى المُقابَلَةِ وحُسْنِ المُطابَقَةِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (خَشْيَةً) مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، و(أشَدَّ) صِفَةٌ لِما قُدِّمَتْ عَلَيْهِ فانْتَصَبَ عَلى الحالِيَّةِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ التَّمْيِيزَ بَعْدَ اسْمِ التَّفْضِيلِ قَدْ يَكُونُ نَفْسَ ما انْتَصَبَ عَنْهُ، نَحْوُ: (اللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا) فَإنَّ الحافِظَ هو اللَّهُ تَعالى، كَما لَوْ قُلْتَ: (اللَّهُ خَيْرُ حافِظٍ) بِالجَرِّ، وحِينَئِذٍ لا مانِعَ مِن أنْ تَكُونَ الخَشْيَةُ نَفْسَ المَوْصُوفِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِلْخَشْيَةِ خَشْيَةٌ، بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: أشَدُّ خَشْيَةٍ بِالجَرِّ، والقَوْلُ بِأنَّ جَوازَ هَذا فِيما إذا كانَ التَّمْيِيزُ نَفْسَ المَوْصُوفِ بِحَسَبِ المَفْهُومِ واللَّفْظِ مَحَلُّ نَظَرٍ، مَحَلُّ نَظَرٍ، إذِ اتِّحادُ اللَّفْظِ مَعَ حَذْفِ الأوَّلِ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ مَحْذُورٍ.
وهَذا إيرادٌ قَوِيٌّ عَلى ما قِيلَ، وقَدْ نَقَلَ ابْنُ المُنِيرِ عَنِ الكِتابِ ما يُعَضِّدُهُ، فَتَأمَّلْ، و(أوْ) قِيلَ: لِلتَّنْوِيعِ، وقِيلَ: لِلْإبْهامِ عَلى السّامِعِ، وقِيلَ: لِلتَّخْبِيرِ، وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ، وقِيلَ بِمَعْنى بَلْ، ﴿وقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ (لَمّا) أيْ: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ فاجَأ بَعْضُهم بِألْسِنَتِهِمْ أوْ بِقُلُوبِهِمْ، وحَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى سَبِيلِ تَمَنِّي التَّخْفِيفِ لا الِاعْتِراضِ عَلى حُكْمِهِ تَعالى، والإنْكارِ لِإيجابِهِ، ولِذا لَمْ يُوَبَّخُوا عَلَيْهِ ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ في هَذا الوَقْتِ.
﴿لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو الأجَلُ المُقَدَّرُ، ووُصِفَ بِالقَرِيبِ لِلِاسْتِعْطافِ، أيْ أنَّهُ قَلِيلٌ لا يُمْنَعُ مِن مِثْلِهِ، والجُمْلَةُ كالبَيانِ لِما قَبْلَها، ولِذا لَمْ تَعْطَفْ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّما لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بَأنَّهُما مَقُولانِ مُسْتَقِلّانِ لَهُمْ، فَتارَةً قالُوا الجُمْلَةَ الأُولى، وتارَةً الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ، ولَوْ عُطِفَتْ لَتَبادَرَ أنَّهم قالُوا مَجْمُوعَ الكَلامَيْنِ بِعَطْفِ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى ﴿قُلْ﴾ أيْ تَزْهِيدًا لَهم فِيما يُؤَمِّلُونَهُ بِالقُعُودِ عَنِ القِتالِ والتَّأْخِيرِ إلى الأجَلِ المُقَدَّرِ مِنَ المَتاعِ الفانِي، وتَرْغِيبًا فِيما يَنالُونَهُ بِالقِتالِ مِنَ النَّعِيمِ الباقِي ﴿مَتاعُ الدُّنْيا﴾ أيْ جَمِيعُ ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ، ويُنْتَفَعُ في الدُّنْيا ﴿قَلِيلٌ﴾ في نَفْسِهِ، سَرِيعُ الزَّوالِ، وهو أقَلُّ قَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما في الآخِرَةِ ﴿والآخِرَةُ﴾ أيْ ثَوابُها المَنُوطُ بِالأعْمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القِتالُ ﴿خَيْرٌ﴾ لَكم مِن ذَلِكَ المَتاعِ القَلِيلِ؛ لِكَثْرَتِهِ، وعَدَمِ انْقِطاعِهِ، وصَفائِهِ عَنِ الكُدُوراتِ، وفي اخْتِلافِ الأُسْلُوبِ ما لا يَخْفى، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ حَثًّا لَهم وتَرْغِيبًا عَلى الِاتِّقاءِ والإخْلالِ بِمُوجَبِ التَّكْلِيفِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ نَفْسَ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَكِنْ لِلْمُتَّقِينَ؛ لِأنَّ لِلْكافِرِ والعاصِي هُنالِكَ نِيرانًا وأهْوالًا، ولِذا قِيلَ: الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أنْسَبُ بِالسِّياقِ.
﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ تُجْزُونَ فِيها ولا تُبْخَسُونَ هَذا المِقْدارَ اليَسِيرَ فَضْلًا عَمّا زادَ مِن ثَوابِ أعْمالِكُمْ، فَلا تَرْغَبُوا عَنِ القِتالِ الَّذِي هو مِن غُرُورِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وكَثِيرٌ: (ولا يُظْلَمُونَ) بِالياءِ إعادَةً لِلضَّمِيرِ إلى ظاهِرِ (مَن).
4:78Page 90
أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ وَإِن تُصِبۡهُمۡ حَسَنَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِكَۚ قُلۡ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا ٧٨
Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allāh"; and if evil befalls them, they say,1 "This is from you." Say, "All [things] are from Allāh." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?
﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ كَلامٍ مَسُوقٍ مِن قِبَلِهِ تَعالى بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ وصَرْفِهِ عَنْ سَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ – إلى مَن ذَكَرَ أوَّلًا اعْتِناءً بِإلْزامِهِمْ أثَرَ بَيانِ حَقارَةِ الدُّنْيا وفَخامَةِ الآخِرَةِ بِواسِطَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ داخِلًا في حَيِّزِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، فَمَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ، وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ ما تَقَدَّمَ جَوابًا لِلْجُمْلَةِ الأُولى مِن قَوْلِهِمْ، وهَذا جَوابًا لِلثّانِيَةِ مِنهُ، فَكَأنَّهُ لَمّا قالُوا: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ أُجِيبُوا بِبَيانِ الحِكْمَةِ بِأنَّهُ كُتِبَ عَلَيْكم لِيَكْثُرَ تَمَتُّعُكُمْ، ويَعْظُمَ نَفْعُكُمْ؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ تَمَتُّعَ الآخِرَةِ، ولَمّا قالُوا: ﴿لَوْلا أخَّرْتَنا﴾ إلَخْ أُجِيبُوا بِأنَّهُ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ في السَّفَرِ أوْ في الحَضَرِ ﴿يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ)؛﴾ لِأنَّ الأجَلَ مُقَدَّرٌ
صفحة 87
فَلا يَمْنَعُ عَنْهُ الخُرُوجُ إلى القِتالِ، وفي التَّعْبِيرِ بِالإدْراكِ إشْعارٌ بِأنَّ القَوْمَ لِشِدَّةِ تَباعُدِهِمْ عَنْ أسْبابِ المَوْتِ وقُرْبِ وقْتِ حُلُولِهِ إلَيْهِمْ بِمَمَرِّ الأنْفاسِ والآناتِ كَأنَّهم في الهَرَبِ مِنهُ، وهو مُجِدٌّ في طَلَبِهِمْ، لا يُفَتَّرُ نَفَسًا واحِدًا في التَّوَجُّهِ إلَيْهِمْ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ (يُدْرِكُكُمْ) بِالرَّفْعِ، واخْتُلِفَ في تَخْرِيجِهِ فَقِيلَ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ كَما في قَوْلِهِ عَلى ما أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ:
مَن يَفْعَلُ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ
وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ الِاكْتِفاءُ بِتَقْدِيرِ الفاءِ، وقَدَّرَ بَعْضُهم مُبْتَدَأً مَعَها أيْ: (فَأنْتُمْ يُدْرِكُكُمْ) وقِيلَ: هو مُؤَخَّرٌ مِن تَقْدِيمٍ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ: يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَحْسُنُ فِيما إذا كانَ ما قَبْلَهُ طالِبًا لَهُ، كَما في قَوْلِهِ:
يا أقْرَعُ بْنَ حابِسٍ يا أقْرَعُ ∗∗∗ إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ
أوْ فِيما إذا لَمْ تَكُنِ الأداةُ اسْمَ شَرْطٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ الشَّرْطَ الأوَّلَ - وإنْ نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ - إلّا أنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ أيْضًا الإطْلاقُ، والشَّرْطُ الثّانِي لَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ، وقِيلَ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى تَوَهُّمِ كَوْنِ الشَّرْطِ ماضِيًا، فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يَجِبُ ظُهُورُ الجَزْمِ في الجَوابِ؛ لِأنَّ الأداةَ لَمّا لَمْ يَظْهَرْ أثَرُها في القَرِيبِ لَمْ يَجِبْ ظُهُورُهُ في البَعِيدِ، وما قِيلَ عَلَيْهِ مِن أنَّ كَوْنَ الشَّرْطِ ماضِيًا والجَزاءِ مُضارِعًا إنَّما يَحْسُنُ في كَلِمَةٍ (أنْ) لِقَلْبِها الماضِيَ إلى مَعْنى الِاسْتِقْبال، فَلا يَحْسُنُ (أيْنَما كُنْتُمْ يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ) إلّا عَلى حِكايَةِ الماضِي، وقَصْدُ الِاسْتِحْضارِ فِيهِ نَظَرٌ، نَعَمْ، يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّ فِيهِ تَعَسُّفًا إذًا؛ لِتَوَهُّمِ - كَما قالَ ابْنُ المُنِيرِ - أنْ يَكُونَ ما يُتَوَهَّمُ هو الأصْلَ، أوْ مِمّا كَثُرَ في الِاسْتِعْمالِ حَتّى صارَ كالأصْلِ، وما تُوُهِّمَ هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ.
وقِيلَ: (إنْ يُدْرِكْكُمُ) كَلامٌ مُبْتَدَأٌ و(أيْنَما تَكُونُوا) مُتَّصِلٌ بِـ(تُظْلَمُونَ) واعْتُرِضَ - كَما قالَ الشِّهابُ -: بِأنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ مَعْنًى وصِناعَةً، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لا يُناسِبُ اتِّصالَهُ بِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ (لا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) المُرادُ مِنهُ في الآخِرَةِ، فَلا يُناسِبُهُ التَّعْمِيمُ، وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ عَمَلُ ما قَبْلَ اسْمِ الشَّرْطِ فِيهِ، وهو غَيْرُ صَحِيحٍ لِصَدارَتِهِ، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن تَعْمِيمِ (ولا تُظْلَمُونَ) لِلدُّنْيا والآخِرَةِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: لا يُنْقَصُونَ شَيْئًا مِن مُدَّةِ الأجَلِ المَعْلُومِ، لا مِنَ الأجْوَدِ، وبِهِ يَنْتَظِمُ الكَلامُ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ المُرادَ مِنَ الِاتِّصالِ بِما قَبْلَهُ - كَما قالَ الحَلَبِيُّ والسَّفاقِسِيُّ - اتِّصالُهُ بِهِ مَعْنًى لا عَمَلًا عَلى أنَّ (أيْنَما تَكُونُوا) شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ (لا تُظْلَمُونَ) وما قَبْلَهُ دَلِيلُ الجَوابِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا التَّخْرِيجَ - وإنِ التُزِمَ الذَّبُّ عَنْهُ بِما تَرى - خِلافُ الظّاهِرِ المُنْساقِ إلى الذِّهْنِ، وأوْلى التَّخْرِيجاتِ أنَّهُ عَلى حَذْفِ الفاءِ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ المُبَرِّدُ، والقَوْلُ بِأنَّ الحَذْفَ ضَرُورَةٌ في حَيِّزِ المَنعِ.
﴿ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ﴾ أيْ قُصُورٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وعَنِ السُّدِّيِّ والرَّبِيعِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: أنَّها قُصُورٌ في السَّماءِ الدُّنْيا، وقِيلَ: المُرادُ بِها بُرُوجُ السَّماءِ المَعْلُومَةُ، وعَنْ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ أنَّها البُيُوتُ الَّتِي فَوْقَ القُصُورِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّها الحُصُونُ والقِلاعُ، وهي جُمَعٌ، ج، وأصْلُهُ مِنَ التَّبَرُّجِ وهو الإظْهارُ، ومِنهُ: تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ إذا أظْهَرَتْ حُسْنَها ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ أيْ: مَطْلِيَّةٍ بِالشِّيدِ وهو الجِصُّ قالَهُ عِكْرِمَةُ، أوْ مُطَوَّلَةٍ بِارْتِفاعٍ قالَهُ الزَّجّاجُ، فَهو مِن شَيَّدَ البِناءَ إذا رَفَعَهُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: (مَشِيدَةٍ) بِفَتْحِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الياءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ وقَرَأ أبُو نُعَيْمِ بْنُ مَيْسَرَةَ: (مُشَيِّدَةٍ) بِكَسْرِ الياءِ عَلى التَّجَوُّزِ، كَـ(عِيشَةٍ راضِيَةٍ) وقَصِيدَةٍ شاعِرَةٍ، والجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ
صفحة 88
عَلى أُخْرى مِثْلِها، أيْ: لَوْ لَمْ تَكُونُوا في بُرُوجٍ ولَوْ كُنْتُمُ إلَخْ، وقَدِ اطَّرَدَ الحَذْفُ في مِثْلِ ذَلِكَ لِوُضُوحِ الدَّلالَةِ.
﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ في اليَهُودِ، وذَلِكَ «أنَّهم كانُوا قَدْ بُسِطَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ، فَلَمّا قَدِمَ النَّبِيُّﷺ المَدِينَةَ فَدَعاهُمُ إلى الإيمانِ فَكَفَرُوا، أُمْسِكَ عَنْهم بَعْضَ الإمْساكِ، فَقالُوا: ما زِلْنا نَعْرِفُ النَّقْصَ في ثِمارِنا ومَزارِعِنا مُذْ قَدِمَ عَلَيْنا هَذا الرَّجُلُ،» فالمَعْنى: إنْ تُصِبْهم نِعْمَةٌ أوْ رَخاءٌ نَسَبُوها إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ تُصِبْهم بَلِيَّةٌ مِن جَدْبٍ وغَلاءٍ أضافُوها إلَيْكَ مُتَشائِمِينَ، كَما حُكِيَ عَنْ أسْلافِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ وإلى هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ، والبَلْخِيُّ، والجُبّائِيُّ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ ابْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ، الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ القِتالِ يَوْمَ أُحُدٍ، وقالُوا لِلَّذِينَ قُتِلُوا: ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ فالمَعْنى: إنْ تُصِبْهم غَنِيمَةٌ قالُوا: هي مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ تُصِبْهم هَزِيمَةٌ قالُوا: هي مِن سُوءِ تَدْبِيرِكَ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن تَقَدَّمَ، ولَيْسَ بِالصَّحِيحِ، وصَحَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ جَمِيعًا، لَمّا تَشاءَمُوا مِن رَسُولِ اللَّهِﷺحِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ، وقُحِطُوا، وعَلى هَذا فالمُتَبادَرُ مِنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هُنا النِّعْمَةُ والبَلِيَّةُ، وقَدْ شاعَ اسْتِعْمالُها في الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ، وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ، وأُيَّدَ بِإسْنادِ الإصابَةِ إلَيْهِما، بَلْ جَعَلَهُ صاحِبُ الكَشْفِ دَلِيلًا بَيِّنًا عَلَيْهِ، وبِأنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ لِذِكْرِ المَوْتِ والسَّلامَةِ قَبْلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أمْرٌ لَهُﷺبِأنْ يَرُدَّ زَعْمَهُمُ الباطِلَ، واعْتِقادَهُمُ الفاسِدَ، ويُرْشِدَهم إلى الحَقِّ بِبَيانِ إسْنادِ الكُلِّ إلَيْهِ تَعالى عَلى الإجْمالِ، أيْ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ النِّعْمَةِ والبَلِيَّةِ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى خَلْقًا وإيجادًا مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي مَدْخَلٌ في قَوْعٍ شَيْءٍ مِنها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ - كَما تَزْعُمُونَ - بَلْ وُقُوعُ الأوْلى مِنهُ تَعالى بِالذّاتِ تَفَضُّلًا، ووُقُوعُ الثّانِيَةِ بِواسِطَةِ ذُنُوبِ مَنِ ابْتُلِيَ بِها عُقُوبَةً، كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.
وهَذا الجَوابُ المُجْمَلُ في مَعْنى ما قِيلَ رَدًّا عَلى أسْلافِ اليَهُودِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ إنَّما سَبَبُ خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا عِنْدَ غَيْرِهِ، حَتّى يَسْتَنِدَ ذَلِكَ إلَيْهِ ويَطَّيَّرُوا بِهِ، قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ، ومِنهُ يُعْلَمُ انْدِفاعُ ما قِيلَ: إنَّ القَوْمَ لَمْ يَعْتَقِدُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فاعِلُ السَّيِّئَةِ كَما اعْتَقَدُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى فاعِلُ الحَسَنَةِ، بَلْ تَشاءَمُوا بِهِ وحاشاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا رَدًّا عَلَيْهِمْ، ولا حاجَةَ إلى ما أجابَ بِهِ العَلّامَةُ الثّانِي مِن أنَّ الجَوابَ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ بَلْ هو إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ إلَخْ.
وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ﴾ أيِ: اليَهُودِ والمُنافِقِينَ والمُحْتَقِرِينَ ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ﴾ أيْ يَفْهَمُونَ ﴿حَدِيثًا﴾ . أيْ كَلامًا يُوعَظُونَ بِهِ وهو القُرْآنُ، أوْ كَلامًا ما، أوْ كُلَّ شَيْءٍ حَدَثَ وقَرُبَ عَهْدُهُ، كَلامٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المُبَيَّنِ وبَيانِهِ، مَسُوقٌ لِتَعْيِيرِهِمْ بِالجَهْلِ وتَقْبِيحِ حالِهِمْ، والتَّعْجِيبِ مِن كَمالِ غَباوَتِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ حالِيَّةٌ، والعامِلُ فِيها ما في الظَّرْفِ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، أوِ الظَّرْفُ نَفْسُهُ، والمَعْنى حَيْثُ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَأيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لِهَؤُلاءِ حالَ كَوْنِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَفْقَهُوا نُصُوصَ القُرْآنِ النّاطِقَةَ بِأنَّ الكُلَّ فائِضٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، أوْ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَفْهَمُوا (حَدِيثًا) مُطْلَقًا، حَتّى عُدُّوا كالبَهائِمِ الَّتِي لا أفْهامَ لَها، أوْ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَعْقِلُوا صُرُوفَ الدَّهْرِ وتَغَيُّرَهُ حَتّى يَعْلَمُوا أنَّهُ لَها فاعِلًا حَقِيقِيًّا بِيَدِهِ جَمِيعُ الأُمُورِ، ولا مَدْخَلَ
صفحة 89
لِأحَدٍ مَعَهُ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا مَبْنِيًّا عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الِاسْتِفْهامِ، وهو ظاهِرٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالكَلامُ مُخَرَّجٌ مَخْرَجَ المُبالَغَةِ في عَدَمِ فَهْمِهِمْ، فَلا يُنافى اعْتِقادَهم أنَّ الحَسَنَةَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى.
ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ المُرادَ مِنَ الحَدِيثِ هو ما تَفَوَّهُوا بِهِ آنِفًا، حَيْثُ إنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ تَعَدُّدُ الخالِقِ، المُسْتَلْزِمُ لِلشِّرْكِ، المُؤَدِّي إلى فَسادِ العالَمِ، وأنَّ (ما) في حَيِّزِ الأمْرِ رَدٌّ لِهَذا اللّازِمِ، وقُدِّمَ لِكَوْنِهِ أهَمَّ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ بِما هو حَقِيقَةُ الجَوابِ، أعْنِي قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنَ نَفْسِكَ﴾ وعَلى ما ذَكَرْنا - ولَعَلَّهُ الأوْلى - يَكُونُ هَذا بَيانًا لِلْجَوابِ المُجْمَلِ المَأْمُورِ بِهِ، والخِطابُ فِيهِ -كَما قالَ الجُبّائِيُّ ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ -: عامٌّ لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ لا لِلنَّبِيِّﷺكَقَوْلِهِ:
إذا أنْتَ أكْرَمْتَ الكَرِيمَ مَلَكْتَهُ ∗∗∗ وإنْ أنْتَ أكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدا
ويَدْخُلُ فِيهِ المَذْكُورُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفي إجْراءِ الجَوابِ أوَّلًا عَلى لِسانِ النَّبِيِّﷺوسَوْقِ البَيانِ مِن جِهَتِهِ تَعالى ثانِيًا بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ والِالتِفاتِ إيذانٌ بِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِ، والِاهْتِمامِ بِرَدِّ اعْتِقادِهِمُ الباطِلِ، وزَعْمِهِمُ الفاسِدِ، والإشْعارِ بِأنَّ مَضْمُونَهُ مَبْنِيٌّ عَلى حِكْمَةٍ دَقِيقَةٍ حَرِيَّةٍ بِأنْ يَتَوَلّى بَيانَها عَلّامُ الغُيُوبِ عَزَّ وجَلَّ، والعُدُولُ عَنْ خِطابِ الجَمِيعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْقِيقِ بِقَطْعِ احْتِمالِ سَبَبِيَّةِ بَعْضِهِمْ لِعُقُوبَةِ الآخَرِينَ.
و(ما) - كَما قالَ أبُو البَقاءِ - شَرْطِيَّةٌ و(أصابَ) بِمَعْنى يُصِيبُ، والمُرادُ بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هُنا ما أُرِيدَ بِهِما مِن قَبْلُ، أيْ: ما أصابَكَ أيُّها الإنْسانُ مِن نِعْمَةٍ مِنَ النِّعَمِ فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالذّاتِ تُفَضُّلًا وإحْسانًا مِن غَيْرِ اسْتِيجابٍ لَها مَن قِبَلِكَ، كَيْفَ لا وكُلُّ ما يَفْعَلُهُ العَبْدُ مِنَ الطّاعاتِ الَّتِي يُرْجى كَوْنُها ذَرِيعَةً إلى إصابَةِ نِعْمَةٍ ما فَهي بِحَيْثُ لا تَكادُ تُكافِئُ نِعْمَةَ الوُجُودِ أوْ نِعْمَةَ الإقْدارِ عَلى أدائِها مَثَلًا، فَضْلًا عَنْ أنْ تَسْتَوْجِبَ نِعْمَةً أُخْرى، ولِذَلِكَ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فِيما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: ««لَنْ يُدْخِلَ أحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ قِيلَ: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ تَعالى بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ»».
(وما أصابَكَ مِن) بَلِيَّةٍ مِنَ البَلايا فَهي بِسَبَبِ اقْتِرافِ نَفْسِكَ المَعاصِي والهَفَواتِ المُقْتَضِيَةِ لَها، وإنْ كانَتْ مِن حَيْثُ الإيجادُ مُنْتَسِبَةً إلَيْهِ تَعالى، نازِلَةً مِن عِنْدِهِ عُقُوبَةً، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها أوْ ما دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أكْثَرُ»».
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «ما كانَ مِن نَكْبَةٍ فَبِذَنْبِكَ، وأنا قَدَّرْتُ ذَلِكَ عَلَيْكَ».
وعَنْ أبِي صالِحٍ، مِثْلَهُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمَقْصُودُ مِنهُ الأُمَّةُ، وقِيلَ: لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَكِنْ لا لِبَيانِ حالِهِ، بَلْ لِبَيانِ حالِ الكَفَرَةِ بِطَرِيقِ التَّصْوِيرِ، ولَعَلَّ العُدُولَ عَنْ خِطابِهِمْ لِإظْهارِ كَمالِ السُّخْطِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ، والإشْعارِ بِأنَّهم لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ وبَلادَتِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الخِطابِ، لاسِيَّما بِمِثْلِ هَذِهِ الحِكْمَةِ الأنِيقَةِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَنا ولا لِلْمُعْتَزِلَةِ في مَسْألَةِ الخَيْرِ والشَّرِّ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ؛ لِأنَّ إحْداهُما بِظاهِرِها لَنا والأُخْرى لَهُمْ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وهو مُشْتَرَكُ الإلْزامِ، ولِأنَّ المُرادَ بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ النِّعْمَةُ والبَلِيَّةُ لا الطّاعَةُ والمَعْصِيَةُ، والخِلافُ في الثّانِي، ولا تَعارُضَ بَيْنَهُما أيْضًا لِظُهُورِ اخْتِلافِ جِهَتَيِ النَّفْيِ والإثْباتِ.
وقَدْ أطْنَبَ الإمامُ الرّازِيُّ في هَذا المَقامِ كُلَّ الإطْنابِ بِتَعْدِيدِ الأقْوالِ والتَّراجِيحِ، واخْتارَ تَفْسِيرَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ بِما يَعُمُّ النِّعَمَ والطّاعاتِ والمَعاصِيَ والبَلِيّاتِ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَمّا جاءَ قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة 90
﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ ناسَبَ أنْ تُحْمَلَ الحَسَنَةُ الأُولى عَلى النِّعْمَةِ، والسَّيِّئَةُ عَلى البَلِيَّةِ،
* * *
ولَمّا أُرْدِفَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: (وما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ) بِما سَيَأْتِي ناسَبَ أنْ يُحْمَلا عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْلِيفِ مِنَ المَعْصِيَةِ والطّاعَةِ، كَما رُوِي ذَلِكَ عَنْ أبِي العالِيَةِ، ولِهَذا غُيِّرَ الأُسْلُوبُ فَعُبِّرَ بِالماضِي بَعْدَ أنْ عُبِّرَ بِالمُضارِعِ، ثُمَّ نَقَلَ عَنِ الرّاغِبِ أنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلِكَ: هَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى، بِأنَّ (مِن عِنْدِ اللَّهِ) أعَمُّ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُقالُ فِيما كانَ بِرِضاهُ سُبْحانَهُ وبِسُخْطِهِ، وفِيما يَحْصُلُ وقَدْ أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ، ولا يُقالُ: مِنَ اللَّهِ إلّا فِيمَ كانَ بِرِضاهُ وبِأمْرِهِ، وبِهَذا النَّظَرِ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «إنْ أصَبْتُ فَمِنَ اللَّهِ، وإنْ أخْطَأْتُ فَمِنَ الشَّيْطانِ» فَتَدَبَّرْ.
ونَقَلَ أبُو حَيّانَ، عَنْ طائِفَةٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّ (ما أصابَكَ) إلَخْ عَلى تَقْرِيرِ القَوْلِ أيْ ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ يَقُولُونَ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ إلَخْ، والدّاعِي لَهم عَلى هَذا التَّمَحُّلِ تَوَهُّمُ التَّعارُضِ، وقَدْ دَعا آخَرِينَ إلى جَعْلِ الجُمْلَةِ بَدَلًا مِن ﴿حَدِيثًا﴾ عَلى مَعْنى أنَّهم لا يَفْقَهُونَ هَذا الحَدِيثَ، أعْنِي ﴿ما أصابَكَ﴾ إلَخْ، فَيَقُولُونَهُ غَيْرَ مُتَحاشِينَ عَمّا يَلْزَمُهُ مِن تَعَدُّدِ الخالِقِ، وآخَرِينَ إلى تَقْدِيرِ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ أيْ ﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾ وزَعَمُوا أنَّهُ قُرِئَ بِهِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنْ لا تَعارُضَ أصْلًا مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى ارْتِكابِ ما لا يَكادُ يَسُوغُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ.
وكَذا لاحُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ (حَدِيثًا) عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مُحْدَثًا لِما عَلِمْتَ مِن أنَّهُ لَيْسَ نَصًّا في القُرْآنِ، وعَلى فَرْضِ تَسْلِيمِ أنَّهُ نَصٌّ لا يَدُلُّ عَلى حُدُوثِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ والنِّزاعِ فِيهِ، ثُمَّ وجْهُ ارْتِباطِ هَذِهِ الآياتِ بِما قَبْلَها عَلى ما قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ حَكى عَنِ المُسْلِمِينَ ما حَكى ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِما رَدَّ نَقَلَ عَنِ الكُفّارِ ما رَدَّهُ عَلَيْهِمْ أيْضًا، وبَيْنَ المَحْكِيَّيْنِ مُناسِبَةٌ مِن حَيْثُ اشْتِمالُها عَلى إسْنادِ ما يُكْرَهُ إلى بَعْضِ الأُمُورِ، وكَوْنُ الكَراهَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وهو كَما تَرى.
وفِي الكَشْفَ أنَّ جُمْلَةَ (وإنْ تُصِبْهُمْ) إلَخْ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ)،﴾ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ﴾ دَلالَةٌ عَلى تَحْقِيقِ التَّبْطِئَةِ والتَّثْبِيطِ، أمّا دَلالَةُ الأوَّلَتَيْنِ فَلا خَفاءَ بِهِما، وأمّا الثّانِيَةُ فَلِأنَّهم إذا اعْتَقَدُوا في الدّاعِي إلى الجِهادِ ﷺ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ الفاسِدَ قَطَعُوا أنَّ في اتِّباعِهِ - لا سِيَّما فِيما يَجُرُّ إلى ما عَدُّوهُ سَيِّئَةً - الخَبالَ والفَسادَ، ولِهَذا قَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾ لِيَصِيرَ ذَلِكَ كافًّا لَهم عَنِ التَّثْبِيطِ إلى التَّنْشِيطِ، وأرْدَفَهُ ذِكْرَ ما هم فِيهِ مِنَ التَّعْكِيسِ في شَأْنِ مَن هو رَحْمَةٌ مُرْسَلَةٌ لِلنّاسِ كافَّةً، وأكَّدَ أمْرَ اتِّباعِهِ بِأنْ جَعَلَ طاعَتَهُﷺطاعَةَ اللَّهِ تَعالى، مَعَ ما أمَدَّهُ بِهِ مِنَ التَّهْدِيدِ البالِغِ، المُضَمَّنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَن تَوَلّى).﴾
ثُمَّ قالَ: ولا يَخْفى أنَّ ما وقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، وأنَّ (فَلْيُقاتِلْ) شَدِيدُ التَّعَلُّقِ بِسابِقِهِ، ولَمّا لَزِمَ مِن هَذا النَّسَقِ تَقْسِيمُ المُرْسَلِ إلْيَهِمْ إلى كافِرٍ مُبَطِّئٍ ومُؤْمِنٍ قَوِيٍّ وضَعِيفٍ اسْتَنْأفَ تَقْسِيمَهم مَرَّةً أُخْرى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ الآتِي: (ويَقُولُونَ) أيِ النّاسُ المُرْسَلُ إلْيَهِمْ إلى مُبَيِّتٍ هو الأوَّلُ، ومُذِيعٍ هو الثّالِثُ، ومَن يَرْجِعُ إلَيْهِ هو الثّانِي، فَهَذا وجْهُ النَّظْمِ والِارْتِباطِ بَيْنَ الآياتِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، ولَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ كَما لا يَخْفى.
هَذا ووَقَفَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ - بِخِلافٍ عَنْهُ - عَلى (ما) مِن قَوْلِهِ تَعالى: (فَما هَؤُلاءِ) وجَماعَةٌ عَلى لامِ الجَرِّ، وتَعَقَّبَ ذَلِكَ السَّمِينُ بِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَجُوزَ كِلا الوَقْفَيْنِ؛ إذِ الأوَّلُ وقْفٌ عَلى المُبْتَدَأِ دُونَ خَبَرِهِ، والثّانِي عَلى الجارِّ دُونَ مَجْرُورِهِ.
وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: (وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأنا كَتَبَتُها عَلَيْكَ).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences