Al-AlusiAn‑Nisa · 4:94–95

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:94–95

4:94Page 93

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٩٤

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allāh, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace, "You are not a believer,"1 aspiring for the goods of worldly life; for with Allāh are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allāh conferred His favor [i.e., guidance] upon you, so investigate. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في التَّحْذِيرِ عَمّا يُوجِبُ النَّدَمَ مِن قَتْلِ مَن لا يَنْبَغِي قَتْلُهُ.

﴿إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: سافَرْتُمْ لِلْغَزْوِ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّباقُ والسِّياقُ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أيْ: فاطْلُبُوا بَيانَ الأمْرِ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ ولا تَعْمَلُوا فِيهِ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ ورَوِيَّةٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وعَلِيٌّ، وخَلَفٌ (فَتَثَبَّتُوا) أيْ: فاطْلُبُوا ثَباتَ الأمْرِ ولا تَعْجَلُوا فِيهِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، ودَخَلَتِ الفاءُ لِما في (إذا) مِن مَعْنى الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ غَزَوْتُمْ فَتَبَيَّنُوا، ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ أيْ: حَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، ومُقابِلُها تَحِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ كَأنْعَمِ صَباحًا، وحَيّاكَ اللَّهُ تَعالى.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ، وأهْلُ الشّامِ (السَّلَمَ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ (السِّلْمَ) بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِ اللّامِ، ومَعْناهُ في القِراءَتَيْنِ الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ، وبِهِ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ السَّلامَ أيْضًا في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، واللّامُ - عَلى ما قالَ السَّمِينُ -: لِلتَّبْلِيغِ، والماضِي بِمَعْنى المُضارِعِ، و(مَن) مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والمُرادُ النُّهْيُ عَمّا هو نَتِيجَةٌ لِتَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ، وتَعْيِينُ مادَّةٍ مُهِمَّةٍ مِنَ المَوادِّ الَّتِي يَجِبُ فِيها التَّبْيِينِ والتَّثْبِيتِ، وتَقْيِيدُ ذَلِكَ بِالسَّفَرِ؛ لِأنَّ عَدَمَ التَّبْيِينِ كانَ فِيهِ لا لِأنَّهُ لا يَجِبُ إلّا فِيهِ، والمَعْنى لا تَقُولُوا لِمَن أظْهَرَ لَكم ما يَدُلُّ عَلى إسْلامِهِ: ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وإنَّما فَعَلْتَ ذَلِكَ خَوْفَ القَتْلِ، بَلِ اقْبَلُوا مِنهُ ما أظْهَرَ وعامِلُوهُ بِمُوجِبِهِ.

ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وأبِي جَعْفَرٍ القارِّي أنَّهم قَرَءُوا (مُؤَمَّنًا) بِفَتْحِ المِيمِ الثّانِيَةِ أيْ: مَبْذُولًا لَكَ الأمانُ ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: تَطْلُبُونَ مالَهُ الَّذِي هو حُطامٌ سَرِيعُ الزَّوالِ، وشِيكُ الِانْتِقالِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (تَقُولُوا) مُشْعِرًا بِما هو الحامِلُ لَهم عَلى العَجَلَةِ، والنَّهْيُ راجِعٌ إلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ القَيْدِ بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ الضِّمْنِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَبْتَغُوا ذَلِكَ العَرَضَ القَلِيلَ الزّائِلَ؛ فَإنَّ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وفي مَقْدُورِهِ (مَغانِمُ كَثِيرَةٌ) يُغَنِّمُكُمُوها فَيُغْنِيكم عَنْ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ المُقَيَّدِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ مِنهُ رَدُّ إيمانِ المُلْقِي لِظَنِّهِمْ أنَّ الإيمانَ العاصِمَ ما ظَهَرَتْ عَلى صاحِبِهِ دَلائِلُ تُواطِئُ الباطِنَ والظّاهِرَ، ولَمْ تَظْهَرْ فِيهِ، واسْمُ الإشارَةِ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، والفاءُ في فَـ(مَنَّ) لِلْعَطْفِ عَلى (كُنْتُمْ) وقُدِّمَ خَبَرُها لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ المُشابِهَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَرُدُّوا إيمانَ مَن حَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، و(تَقُولُوا): إنَّهُ لَيْسَ بِإيمانٍ عاصِمٍ، ولا يُعَدُّ المُتَّصَفُ بِهِ مُؤْمِنًا مَعْصُومًا لِظَنِّكُمُ اشْتِراطَ التَّواطُؤِ في العِصْمَةِ، ومُجَرَّدُ التَّحِيَّةِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإنَّكم كُنْتُمْ أنْتُمْ في مُبادِئِ إسْلامِكم مِثْلَ هَذا المُلْقِي في عَدَمِ ظُهُورِ شَيْءٍ لِلنّاسِ مِنكم غَيْرَ ما ظَهَرَ مِنهُ لَكم مِنَ التَّحِيَّةِ ونَحْوِها، ولَمْ يَظْهَرْ مِنكم ما تَظُنُّونَهُ شَرْطًا مِمّا يَدُلُّ عَلى التَّواطُؤِ،

صفحة 119

ومُجَرَّدُ أنَّ الدُّخُولَ في الإسْلامِ لَمْ يَكُنْ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم بِأنْ قَبِلَ ذَلِكَ مِنكُمْ، ولَمْ يَأْمُرْ بِالفَحْصِ عَنْ تَواطُؤِ ألْسِنَتِكم وقُلُوبِكُمْ، وعَصَمَ بِذَلِكَ دِمائَكم وأمْوالَكُمْ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ (فَتَبَيَّنُوا) هَذا الأمْرَ، ولا تَعْجَلُوا، وتَدَبَّرُوا؛ لِيَظْهَرَ لَكم أنَّ ظاهِرَ الحالِ كافٍ في الإيمانِ العاصِمِ، حَيْثُ كَفى فِيكم مِن قَبْلُ، وأُخِّرَ هَذا التَّعْلِيلُ -عَلى ما قِيلَ -: لِما فِيهِ مِن نَوْعِ تَفْصِيلٍ، رُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ المُقارَنَةِ بَيْنَ التَّعْلِيلِ السّابِقِ وبَيْنَ ما عُلِّلَ بِهِ، أوْ لِأنَّ في تَقْدِيمِ الأوَّلِ إشارَةٌ ما إلى مَيْلِ القَوْمِ نَحْوَ ذَلِكَ العَرَضِ، وأنَّ سُرُورَهم بِهِ أقْوى، فَفي تَقْدِيمِهِ تَعْجِيلٌ لِمَسَرَّتِهِمْ، وفِيهِ نَوْعُ حَطٍّ عَلَيْهِمْ، رَفَعَ اللَّهُ تَعالى قَدْرَهم ورَضِيَ المَوْلى عَزَّ شَأْنُهُ عَنْهُمْ، أوْ لِأنَّهُ أوْضَحُ في التَّعْلِيلِ الأخِيرِ، وأسْبَقُ لِلذِّهْنِ مِنهُ، ولَعَلَّهُ لَمْ يُعْطَفْ أحَدُ التَّعْلِيلَيْنِ عَلى الآخَرِ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ أنَّهُما تَعْلِيلا شَيْءٍ واحِدٍ، أوْ أنَّ مَجْمُوعَهُما عِلَّةٌ، وقِيلَ: مُوافَقَةً لِما عُلِّلَ بِهِما مِنَ القَيْدِ والمُقَيَّدِ حَيْثُ لَمْ يَتَمايَزا بِالعَطْفِ، وقِيلَ: إنَّما لَمْ يُعْطَفْ لِأنَّ الأوَّلَ تَعْلِيلٌ لِلنِّهْيِ الثّانِي بِالوَعْدِ بِأمْرٍ أُخْرَوِيٍّ؛ لِأنَّ المَعْنى: لا تَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ ثَوابًا كَثِيرًا في الآخِرَةِ، أعَدَّهُ لِمَن لَمْ يَبْتَغِ ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الثَّوابِ بِالمَغانِمِ مُناسِبَةً لِلْمَقامِ، والتَّعْلِيلُ الثّانِي لِلنَّهْيِ الأوَّلِ لَيْسَ كَذَلِكَ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ في الآيَةِ ما رَدَّهُ شَيْخُ الإسْلامِ بِما يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ التَّحْقِيقِ.

وقالَ بَعْضُ النّاسِ فِيها: إنَّ المَعْنى كَما كانَ هَذا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ مُسْتَخْفِيًا بِدِينِهِ في قَوْمِهِ خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ مِنهم كُنْتُمْ أنْتُمْ مُسْتَخِفِينَ بِدِينِكم حَذَرًا مِن قَوْمِكم عَلى أنْفُسِكُمْ، فَمَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم بِإظْهارِ دِينِهِ وإعْزازِ أهْلِهِ حَتّى أظْهَرْتُمُ الإسْلامَ بَعْدَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَهُ مِن أهْلِ الشِّرْكِ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم أوْ (تَبَيَّنُوا) أمْرَ مَن تَقْتُلُونَهُ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا - وإنْ كانَ بَعْضُهُ مَرْوِيًّا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ - غَيْرُ وافٍ بِالمَقْصُودِ.

عَلى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا مُسْتَخِفِينَ بِدِينِهِمْ حَذَرًا مِن قَوْمِهِمْ في حَيِّزِ المَنعِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ كَوْنَ البَعْضِ كانَ مُسْتَخْفِيًا كافٍ في الخِطابِ، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا نَهى القَوْمَ عَنْ قَتْلِ مَن ذُكِرَ أخْبَرَهم بَعْدُ بِأنَّهُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ قَبِلَ تَوْبَتَهم عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ المُنْكَرِ، ثُمَّ أعادَ الأمْرَ بِالتَّبَيُّنِ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ، أوْ أمَرَ بِتَبْيِينِ نِعْمَتِهِ سُبْحانَهُ شُكْرًا لِما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ، وهو كَما تَرى.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ الآيَةِ، فَأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ حُمَيْدٍ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««مَرَّ رَجُلٌ مِن بَنِي سُلَيْمٍ بِنَفَرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَسُوقُ غَنَمًا لَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقالُوا: ما سَلَّمَ عَلَيْنا إلّا لِيَتَعَوَّذَ مِنّا، فَعَمَدُوا لَهُ فَقَتَلُوهُ، وأتَوْا بِغَنَمِهِ النَّبِيَّ ﷺ – فَنَزَلَتْ»».

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً عَلَيْها أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ إلى بَنِي ضَمْرَةَ، فَلَقُوا رَجُلًا مِنهم يُدْعى مِرْداسَ بْنَ نَهِيكٍ مَعَهُ غُنَيْمَةٌ لَهُ وجَمَلٌ أحْمَرُ، فَآوى إلى كَهْفِ جَبَلٍ، واتَّبَعَهُ أُسامَةُ، فَلَمّا بَلَغَ مِرْداسٌ الكَهْفَ وضَعَ فِيهِ غَنَمَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَشَدَّ عَلَيْهِ أُسامَةُ فَقَتَلَهُ مِن أجْلِ جَمَلِهِ وغُنَيْمَتِهِ، وكانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسُلِّمَ - إذا بَعَثَ أُسامَةَ أحَبَّ أنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ خَيْرًا، ويَسْألَ عَنْ أصْحابِهِ، فَلَمّا رَجَعُوا لَمْ يَسْألْهم عَنْهُ، فَجَعَلَ القَوْمُ يُحَدِّثُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويَقُولُونَ يا رَسُولَ اللَّهِ: لَوْ رَأيْتَ أُسامَةَ وقَدْ لَقِيَهُ رَجُلٌ فَقالَ الرَّجُلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَشَدَّ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وهو مُعْرِضٌ عَنْهُمْ، فَلَمّا أكْثَرُوا عَلَيْهِ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى أُسامَةَ فَقالَ: كَيْفَ أنْتَ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ؟! فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّما قالَها مُتَعَوِّذًا يَتَعَوَّذُ بِها، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ فَنَظَرْتَ إلَيْهِ؟! ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ».

صفحة 120

وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ قَتَلَهُ أبُو الدَّرْداءِ، وذَكَرَ مِن قِصَّتِهِ مِثْلَ ما ذُكِرَ مِن قِصَّةِ أُسامَةَ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ تَحِيَّةِ الإسْلامِ عَلى هَذا مَعَ أنَّها كانَتْ مَقْرُونَةً بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ والزَّجْرِ، والتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ ظُهُورِ خَطَئِهِمْ بِبَيانِ أنَّ التَّحِيَّةَ كانَتْ في المَكافَّةِ والِانْجِزارِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِصاحِبِها، فَكَيْفَ وهي مَقْرُونَةٌ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ وسِياقِها عَلى صِحَّةِ إيمانِ المُكْرَهِ، وأنَّ المُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ، وأنَّ خَطَأهُ مُغْتَفَرٌ، وجْهُ الدَّلالَةِ عَلى الأوَّلِ أنَّهُ مَعَ ظَنِّ القاتِلِينَ أنَّ إسْلامَ مَن ذُكِرَ لِخَوْفِ القَتْلِ، وهو إكْراهُ مَعْنًى أنْكَرَ عَلَيْهِمْ قَتَلَهُ فَلَوْلا صِحَّةُ إسْلامِهِ لَمْ يُنْكِرْ، ووَجْهُ الدَّلالَةِ عَلى الثّانِي أنَّهُ أمَرَ فِيها بِالتَّبْيِينِ المُشْعِرِ بِأنَّ العَجَلَةَ خَطَأٌ.

ووَجْهُ الدَّلالَةِ عَلى الثّالِثِ مَأْخُوذٌ مِنَ السِّياقِ وعَدَمِ الوَعِيدِ عَلى تَرْكِ التَّبْيِينِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ لا عُذْرَ في تَرْكِ التَّثَبُّتِ في مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ، وأنَّ المُخْطِئَ آثِمٌ، واحْتَجَّ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ الحَسَنِ، «أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَهَبُوا يَتَطَرَّقُونَ، فَلَقُوا ناسًا مِنَ العَدُوِّ فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَهَزَمُوهُمْ، فَشَدَّ رَجُلٌ مِنهم فَتَبِعَهُ رَجُلٌ يُرِيدُ مَتاعَهُ، فَلَمّا غَشِيَهُ بِالسِّنانِ قالَ: إنِّي مُسْلِمٌ، إنِّي مُسْلِمٌ، فَأوْجَرَهُ بِالسِّنانِ فَقَتَلَهُ، وأخَذَ مُتَيِّعَهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -لِلْقاتِلِ: «أقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قالَ: إنِّي مُسْلِمٌ؟! قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّما قالَها مُتَعَوِّذًا، قالَ: أفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟! قالَ: لِمَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: لِتَعْلَمَ أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ، قالَ: كُنْتُ عالِمَ ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: إنَّما كانَ يُبَيِّنُ عَنْهُ لِسانُهُ، إنَّما كانَ يُعَبِّرُ عَنْهُ لِسانُهُ» قالَ: فَما لَبِثَ القاتِلُ أنْ ماتَ، فَحَفَرَ لَهُ أصْحابُهُ فَأصْبَحَ وقَدْ وضَعَتْهُ الأرْضُ، ثُمَّ عادُوا فَحَفَرُوا لَهُ فَأصْبَحَ وقَدْ وضَعَتْهُ الأرْضُ إلى جَنْبِ قَبْرِهِ، قالَ الحَسَنُ: فَلا أدْرِي كَمْ قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: دَفَنّاهُ؟ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، كُلُّ ذَلِكَ لا تَقْبَلُهُ الأرْضُ، فَلَمّا رَأيْنا الأرْضَ لا تَقْبَلُهُ أخَذْنا بِرِجْلِهِ فَألْقَيْناهُ في بَعْضِ تِلْكَ الشِّعابِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ».

وفِي رِوايَةِ عَبْدِ الرَّزّاقِ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««إنَّ الأرْضَ أبَتْ أنْ تَقْبَلَهُ، فَألْقُوهُ في غارٍ مِنَ الغِيرانِ،» ووَجْهُ الدَّلالَةِ في هَذا عَلى الإثْمِ ظاهِرٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا القاتِلَ لَعَلَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِكَوْنِ المَقْتُولِ غَيْرَ مَقْبُولٍ في الإسْلامِ عِنْدَهُ، بَلْ لِأمْرٍ آخَرَ، واعْتَذَرَ بِما اعْتَذَرَ كاذِبًا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وجَماعَةٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي حَدْرَدٍ الأسْلَمِيِّ قالَ: «بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى إضَمٍ، فَخَرَجْتُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فِيهِمْ أبُو قَتادَةَ الحَرْثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، ومُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ بْنِ قَيْسٍ اللَّيْثِيُّ، فَخَرَجْنا حَتّى إذا كُنّا بِبَطْنِ إضَمٍ مَرَّ بِنا عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ الأشْجَعِيُّ عَلى قَعُودٍ مَعَهُ مُتَيِّعٌ لَهُ ووَطْبٌ مِن لَبَنٍ، فَلَمّا مَرَّ بِنا سَلَّمَ عَلَيْنا بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، فَأمْسَكْنا عَنْهُ، وحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ لِشَيْءٍ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، فَقَتَلَهُ وأخَذَ مُتَيِّعَهُ، فَلَمّا قَدِمْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأخْبَرْناهُ الخَبَرَ نَزَلَ فِينا القُرْآنُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلَخْ».

والظّاهِرُ أنَّ الرَّجُلَ المُبْهَمَ في خَبَرِ الحَسَنِ هو هَذا الرَّجُلُ المُصَرَّحُ بِهِ في هَذا الخَبَرِ، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ القَتْلَ كانَ لِشَيْءٍ كانَ في القَلْبِ مِن ضَغائِنَ قَدِيمَةٍ، وإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا هو الظّاهِرُ لِما في خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ مُحَلِّمَ بْنَ جَثّامَةَ لَمّا رَجَعَ جاءَ النَّبِيَّ ﷺ في بُرْدَيْنِ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -لِيَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَقالَ: غَفَرَ اللَّهُ تَعالى لَكَ، فَقامَ وهو يَتَلَقّى دُمُوعَهُ بِبُرْدَيْهِ، فَما مَضَتْ ساعَةٌ حَتّى ماتَ، ودَفَنُوهُ فَلَفَظَتْهُ الأرْضُ، فَجاءُوا النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: «إنَّ الأرْضَ تَقْبَلُ مَن هو شَرٌّ مِن صاحِبِكم ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ أنْ يَعِظَكُمْ» ثُمَّ طَرَحُوهُ بَيْنَ صَدَفَيْ جَبَلٍ، وألْقَوْا عَلَيْهِ الحِجارَةَ،» فَإنَّ الَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ اتِّحادُ القِصَّةِ.

واعْتُرِضَ عَلى القَبُولِ بِعَدَمِ الوَعِيدِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾

صفحة 121

يُسْتَفادُ مِنهُ الوَعِيدُ، أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ بِكُلِّ ما تَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والخَفِيَّةِ وبِكَيْفِيّاتِها، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ التَّثْبِيتُ وتَرْكُهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا مُطَّلِعًا أتَمَّ اطِّلاعٍ، فَيُجازِيكم بِحَسَبِ ذَلِكَ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ (أنَّ) عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ لِـ(تَبَيَّنُوا) أوْ عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ.

4:95Page 94

لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٩٥

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujāhideen, [who strive and fight] in the cause of Allāh with their wealth and their lives. Allāh has preferred the mujāhideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to all [i.e., both] Allāh has promised the best [reward]. But Allāh has preferred the mujāhideen over those who remain [behind] with a great reward -

﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾ شُرُوعٌ في الحَثِّ عَلى الجِهادِ لِيَأْنَفُوا عَنْ تَرْكِهِ، ولْيَرْغَبُوا عَمّا يُوجِبُ خَلَلًا فِيهِ، والمُرادُ بِالقاعِدِينَ الَّذِينَ أُذِنَ لَهم في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ اكْتِفاءً بِغَيْرِهِمْ، ورَوى البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - «هُمُ القاعِدُونَ عَنْ بَدْرٍ» وهو الظّاهِرُ المُوافِقُ لِلتّارِيخِ عَلى ما قِيلَ.

وقالَ أبُو حَمْزَةَ: إنَّهُمُ المُتَخَلِّفُونَ عَنْ تَبُوكَ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ مالِكٍ مَن بَنِي سَلِمَةَ، ومَرارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، والرَّبِيعِ، وهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ مِن بَنِي واقِفٍ، حِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في تِلْكَ الغَزْوَةِ.

﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ حالٌ مِنَ القاعِدِينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ، وفائِدَةُ ذَلِكَ الإيذانُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ القُعُودَ عَنِ الجِهادِ لا يَقْعُدُ بِهِمْ عَنِ الإيمانِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِما سَيِأْتِي مِنَ الحُسْنى أيْ: لا يَعْتَدِلُ المُتَخَلِّفُونَ عَنِ الجِهادِ حالَ كَوْنِهِمْ كائِنِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ (لِلْقاعِدُونَ) وهو إنْ كانَ مَعْرِفَةً و(غَيْرُ) لا تَتَعَرَّفُ في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنهُ قاعِدُونَ بِعَيْنِهِمْ، بَلِ الجِنْسُ، فَأشْبَهَ الجِنْسَ فَصَحَّ وصْفُهُ بِها.

وزَعَمَ عِصامُ الدِّينِ أنَّ (غَيْرُ) هُنا مَعْرِفَةٌ و(غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) بِمَعْنى مَن لا ضَرَرَ لَهُ، ونُقِلَ عَنِ الرَّضِيِّ، وبِهِ ضُعِّفَ ما تَقَدَّمَ أنَّ المُعَرَّفَ بِاللّامِ المُبْهَمَ وإنْ كانَ في حُكْمِ النَّكِرَةِ لَكِنَّهُ لا يُوصَفُ بِما تُوصَفُ بِهِ النَّكِرَةُ، بَلْ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ صِفَتُهُ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً فِعْلُها مُضارِعٌ كَما في قَوْلِهِ:

ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَأصُدُّ ثُمَّ أقُولُ ما يَعْنِينِي

واسْتَحْسَنَ بَعْضُهم جَعْلَهُ بَدَلًا مِنَ (القاعِدُونَ) لِأنَّ (ألْ) فِيهِ مَوْصُولَةٌ، والمَعْرُوفُ إرادَةُ الجِنْسِ في المُعَرَّفِ بِالألِفِ واللّامِ، وبَيْنَهُما فَرْقٌ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ الرَّفْعَ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وتَبِعَهُ الواحِدِيُّ فِيهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ، وهو نَكِرَةٌ لا مَعْرِفَةٌ، أوْ عَلى الِاسْتِثْناءِ ظَهَرَ إعْرابُ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ.

وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وكَوْنُ النَّكِرَةِ لا تُبْدَلُ مِنَ المَعْرِفَةِ إلّا مَوْصُوفَةً أكْثَرِيٌّ لا كُلِّيٌّ و(الضَّرَرِ): المَرَضُ والعِلَلُ الَّتِي لا سَبِيلَ مَعَها إلى الجِهادِ، وفي مَعْناها أوْ هو داخِلٌ فِيها العَجْزُ عَنِ الأُهْبَةِ، وقَدْ نَزَلَتِ الآيَةُ ولَيْسَ فِيها (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) ثُمَّ نَزَلَ بَعْدُ.

فَقَدْ رَوى مالِكٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ خارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: ««كُنْتُ أكْتُبُ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ في كَتِفٍ (لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنُينَ والمُجاهِدُونَ) وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في فَضْلِ الجِهادِ ما أنْزَلَ وأنا رَجُلٌ ضَرِيرٌ فَهَلْ لِي مِن رُخْصَةٍ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا أدْرى، قالَ زَيْدٌ: وقَلَمِي رَطْبٌ ما جَفَّ، حَتّى غَشى النَّبِيَّ ﷺ – الوَحْيُ، ووَقَعَ فَخِذُهُ عَلى فَخِذِي، حَتّى كادَتْ تَدِقُّ مِن ثِقَلِ الوَحْيِ ثُمَّ جُلِّيَ عَنْهُ فَقالَ لِي: اكْتُبْ يا زَيْدُ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ).﴾»

﴿والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في مِنهاجِ دِينِهِ ﴿بِأمْوالِهِمْ﴾ إنْفاقًا فِيما يُوهِنُ كَيْدَ الأعْداءِ ﴿وأنْفُسِهِمْ﴾ حَمْلًا لَها عَلى الكِفاحِ عِنْدَ اللِّقاءِ، وكِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِـ(المُجاهِدُونَ) وأُورِدُوا بِهَذا العُنْوانِ دُونَ عُنْوانِ الخُرُوجِ المُقابِلِ لِوَصْفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وقَيَّدَهُ بِما قَيَّدَهُ؛ مَدْحًا لَهم وإشْعارًا بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِعُلُوِّ المَرْتَبَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن حُسْنِ مَوْقِعِ السَّبِيلِ في مُقابَلَةِ القُعُودِ كَما قِيلَ.

وقِيلَ: إنَّما أُورِدُوا بِعُنْوانِ الجِهادِ؛

صفحة 122

إشْعارًا بِأنَّ القُعُودَ كانَ عَنْهُ، ولَكِنْ تُرِكَ التَّصْرِيحُ بِهِ هُناكَ رِعايَةً لَهم في الجُمْلَةِ، وقُدِّمَ (القاعِدُونَ) عَلى (المُجاهِدِينَ) ولَمْ يُؤَخَّرْ عَنْهم لِيَتَّصِلَ التَّصْرِيحُ بِتَفْضِيلِهِمْ بِهِمْ، وقِيلَ: لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ القُصُورَ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ الِاسْتِواءِ مِن جِهَةِ القاعِدِينَ لا مِن جِهَةِ مُقابِلِيهِمْ، فَإنَّ مَفْهُومَ عَدَمِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَفاوِتَيْنِ زِيادَةً ونُقْصانًا - وإنْ جازَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ زِيادَةِ الزّائِدِ - لَكِنَّ المُتَبادِرَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ قُصُورِ القاصِرِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَلَعَلَّ تَقْدِيمُ الفاضِلِ فِيهِ؛ لِأنَّ صِلَتَهُ مَلِكَةٌ لِصِلَةِ المَفْضُولِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا تَزاحُمَ في النِّكاتِ، وأنَّهُ قَدْ يَكُونُ في شَيْءٍ واحِدٍ جِهَةُ تَقْدِيمٍ وجِهَةُ تَأْخِيرٍ، فَتُعْتَبَرُ هَذِهِ تارَةً وتِلْكَ أُخْرى، وإنَّما قَدَّمَ سُبْحانَهُ وتَعالى هُنا ذِكْرَ الأمْوالِ عَلى الأنْفُسِ وعَكَسَ في قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ لِأنَّ النَّفْسَ أشْرَفُ مِنَ المالِ، فَقَدَّمَ المُشْتَرى النَّفْسَ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الرَّغْبَةَ فِيها أشَدُّ، وأخَّرَ البائِعَ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُماسَكَةَ فِيها أشَدُّ، فَلا يَرْضى بِبَذْلِها إلّا في فائِدَةٍ، وعَلى ذَلِكَ النَّمَطِ جاءَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ﴾ في سَبِيلِهِ ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴿دَرَجَةً﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُها، ولا يُبْلَغُ كُنْهُها، وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أفْهَمَهُ نَفْيُ المُساواةِ، فَإنَّهُ يَسْتَلْزِمُ التَّفْضِيلَ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِما فُهِمَ اعْتِناءً بِهِ، ولِيَتَمَكَّنَ أشَدَّ تَمَكُّنٍ، ولِكَوْنِ الجُمْلَةِ مُبَيِّنَةً ومُوَضِّحَةً لِما تَقَدَّمَ لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ جَوابَ سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ المَقالُ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ وقَعَ ذَلِكَ التَّفْضِيلُ؟ فَقِيلَ: (فَضَّلُ اللَّهُ) إلَخْ، واللّامُ - كَما أشَرْنا إلَيْهِ - في الجَمْعَيْنِ لِلْعَهْدِ، ولا يَأْباهُ كَوْنُ مَدْخُولِها وصْفًا - كَما قِيلَ - إذْ كَثِيرًا ما تَرِدُ (ألْ) فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ كَما صَرَّحَ بِهِ النُّحاةُ و(دَرَجَةً) مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ لِتَضَمُّنِها التَّفْضِيلَ لِأنَّها المَنزِلَةُ والمَرْتَبَةُ، وهي تَكُونُ في التَّرَقِّي والفَضْلِ، فَوَقَعَتْ مَوْقِعَ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلَهم تَفْضِيلَةً، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ضَرَبْتُهُ سَوْطًا، أيْ: ضَرْبَةً، وقِيلَ: عَلى الحالِ أيْ: ذَوِي دَرَجَةٍ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الجارِّ، أيْ: بِدَرَجَةٍ، وقِيلَ: هو واقِعٌ مَوْقِعَ الظَّرْفِ، أيْ: في دَرَجَةٍ ومَنزِلَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلا﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِما يَعْقُبُهُ، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِإفادَةِ القَصْرِ؛ تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ، وتَنْوِينُهُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ المَثُوبَةَ ﴿الحُسْنى﴾ وهي الجَنَّةُ، كَما قالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، لا أحَدَهُما فَقَطْ.

وقَرَأ الحَسَنُ (وكُلٌّ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، فالمَفْعُولُ الأوَّلُ - وهو العائِدُ في جُمْلَةِ الخَبَرِ - مَحْذُوفٌ أيْ: وعْدُهُ، وكَأنَّ التِزامَ النَّصْبِ في المُتَواتِرَةِ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، وبِذَلِكَ خالَفَ ما في الحَدِيدِ، و(الحُسْنى) عَلى القِراءَتَيْنِ هو المَفْعُولُ الثّانِي، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَدارُكًا لِما عَسى يُوهِمُهُ تَفْضِيلُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ مِن حِرْمانِ المَفْضُولِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وأغْنَتْ (ألْ) عَنْ ذِكْرِ ما تُرِكَ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ مِنَ القُيُودِ، وإنَّما لَمْ يُعْتَبَرِ التَّدْرِيجُ في تَرْكِ ما ذُكِرَ مَعَ القاعِدِينَ أوَّلًا بِأنْ يَتْرُكَ (مِنَ المُؤْمِنِينَ) فَقَطْ ويَذْكُرَ (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) في الآيَةِ الأُولى، ويَتْرُكَهُما مَعًا في الآيَةِ الثّانِيَةِ بَلْ تَرَكَهُما دُفْعَةً واحِدَةً عِنْدَ أوَّلِ قَصْدِ التَّدْرِيجِ قِيلَ: لِأنَّ قَيْدَ (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) كانَ بَعْدَ السُّؤالِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ.

وفِي بَعْضِ أخْبارِهِ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ جَعَلَ يَقُولُ: أيْ رَبِّ أيْنَ عُذْرِي؟ أيْ رَبِّ: أيْنَ عُذْرِي؟ فَنَزَلَ ذَلِكَ، فانْسَدَّتْ بابُ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَنِعَ السّائِلُ بِذِكْرِهِ مَرَّةً فَأُسْقِطَ مَعَ ما مَعَهُ السّاقِطُ لِذَلِكَ القَصْدِ دُفْعَةً، ولا كَذَلِكَ

صفحة 123

ما ذُكِرَ مَعَ المُجاهِدِينَ، فَإنَّ الإتْيانَ بِهِ كانَ عَنْ مَحْضِ الفَضْلِ والِامْتِنانِ مِن غَيْرِ سابِقَةِ سُؤالٍ، فَلَمّا فُتِحَتْ بابُ الإسْقاطِ اعْتُبِرَ فِيهِ التَّدْرِيجُ؛ فَرْقًا بَيْنَ المَقامَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ(فَضَّلَ) وهو - وإنْ كانَ بِمَعْنى أعْطى الفَضْلِ وهو أعَمُّ مِنَ الأجْرِ لِأنَّهُ ما يَكُونُ في مُقابَلَةِ أمْرٍ - لَكِنْ أُرِيدَ بِهِ هُنا الأخَصَّ؛ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ الجِهادِ، ويَجُوزُ أنْ يَبْقى عَلى مَعْناهُ، و(أجْرًا) مَفْعُولٌ بِهِ، ولِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإعْطاءِ نَصَبَ المَفْعُولَ، أيْ: أعْطاهم زِيادَةً (عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا) وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ: فَضَّلَهم بِأجْرٍ.

وجَعْلُهُ صِفَةً لِقَوْلِهِ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском