Al-AlusiGhafir · 40:1–6

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

غافر

Ghafir

The Forgiver · Meccan · 85 ayahs

40:1Page 467

حمٓ ١

Ḥā, Meem.1

سُورَةُ المُؤْمِنِ

وتُسَمّى سُورَةَ غافِرٍ وسُورَةَ الطَّوْلِ، وهي كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ ومَسْرُوقٍ وسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ مَكِّيَّةٌ، وحَكى أبُو حَيّانَ الإجْماعَ عَلى ذَلِكَ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [غافِرَ: 55] لِأنَّ الصَّلَواتِ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وكانَتِ الصَّلاةُ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ مِن غَيْرِ تَوْقِيتٍ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الحَقَّ قَوْلُ الأكْثَرِينَ: إنَّ الخَمْسَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ عَلى أنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ إرادَةُ الصَّلاةِ بِالتَّسْبِيحِ في الآيَةِ، وقِيلَ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ﴾ [غافِرَ: 35] الآيَةَ فَإنَّها مَدَنِيَّةٌ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ وغَيْرِهِ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ لَمّا ذَكَرُوا الدَّجّالَ، وهَذا لَيْسَ بِنَصٍّ عَلى أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ: قَوْلُهم نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا يُرادُ بِهِ تارَةً سَبَبُ النُّزُولِ ويُرادُ بِهِ تارَةً أنَّ ذَلِكَ داخِلٌ في الآيَةِ وإنْ لَمْ يَكُنِ السَّبَبُ كَما تَقُولُ: عُنِي بِهَذِهِ الآيَةِ كَذا، وقالَ الزَّرْكَشِيُّ في البُرْهانِ: قَدْ عُرِفَ مِن عادَةِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ أنَّ أحَدَهم إذا قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في كَذا فَإنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أنَّها تَتَضَمَّنُ هَذا الحُكْمَ لا أنَّ هَذا كانَ السَّبَبَ في نُزُولِها فَهو مِن جِنْسِ الِاسْتِدْلالِ عَلى الحُكْمِ بِالآيَةِ لا مِن جِنْسِ النَّقْلِ لِما وقَعَ. نَعَمْ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَنْ أبِي العالِيَةِ ما هو كالنَّصِّ عَلى ذَلِكَ.

وآيُها خَمْسٌ وثَمانُونَ في الكُوفِيِّ والشّامِيِّ، وأرْبَعٌ في الحِجازِيِّ، واثْنَتانِ في البَصْرِيِّ، وقِيلَ: سِتٌّ وثَمانُونَ، وقِيلَ: ثَمانٌ وثَمانُونَ، ووَجْهُ مُناسِبَةِ أوَّلِها لِآخِرِ الزُّمُرِ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ هُناكَ ما يَؤُولُ إلَيْهِ حالُ الكافِرِ وحالُ المُؤْمِنِ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا هُنا أنَّهُ تَعالى غافِرُ الذَّنْبِ وقابِلُ التَّوْبِ لِيَكُونَ ذَلِكَ اسْتِدْعاءً لِلْكافِرِ إلى الإيمانِ والإقْلاعِ عَمّا هو فِيهِ، وبَيْنَ السُّورَتَيْنِ أنْفُسِهِما أوْجُهٌ مِنَ المُناسَبَةِ، ويَكْفِي فِيها أنَّهُ ذُكِرَ في كُلٍّ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ وأحْوالِ الكَفَرَةِ فِيهِ وهم في المَحْشَرِ وفي النّارِ ما ذُكِرَ، وقَدْ فُصِّلَ في هَذِهِ مِن ذَلِكَ ما لَمْ يُفَصَّلْ مِنهُ في تِلْكَ.

وفِي تَناسُقِ الدُّرَرِ وجْهُ إيلاءِ الحَوامِيمِ السَّبْعِ لِسُورَةِ الزُّمُرِ تَواخِي المَطالِعِ في الِافْتِتاحِ بِتَنْزِيلِ الكِتابِ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ أوَّلُ الزُّمُرِ حم وتِلْكَ مُناسَبَةٌ جَلِيلَةٌ، ثُمَّ إنَّ الحَوامِيمَ تَرَتَّبَتْ لِاشْتِراكِها في الِافْتِتاحِ - بِحم - وبِذِكْرِ الكِتابِ وأنَّها مَكِّيَّةٌ بَلْ ورَدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّها نَزَلَتْ عَقِبَ الزُّمُرِ مُتَتالِياتٍ كَتَرْتِيبِها في المُصْحَفِ، ووَرَدَ في فَضْلِها أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لَبابًا وإنَّ لَبابَ القُرْآنِ الحَوامِيمُ.

وأخْرَجَ هو وابْنُ الضَّرِيسِ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنِ. وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ

صفحة 40

رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَرْفُوعًا، وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا ««الحَوامِيمُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ»» .

وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ والدّارِمِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْراهِيمَ قالَ: كُنَّ الحَوامِيمُ يُسَمَّيْنَ العَرائِسَ. وأخْرَجَ ابْنُ نَصْرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطانِي السَّبْعَ الطُّوالَ مَكانَ التَّوْراةِ وأعْطانِي الرّاءاتِ إلى الطَّواسِينِ مَكانَ الإنْجِيلِ وأعْطانِي ما بَيْنَ الطَّواسِينِ إلى الحَوامِيمِ مَكانَ الزَّبُورِ وفَضَّلَنِي بِالحَوامِيمِ والمُفَصَّلِ ما قَرَأهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي»» .

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ الخَلِيلِ بْنِ مُرَّةً أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««الحَوامِيمُ سَبْعٌ وأبْوابُ جَهَنَّمَ سَبْعٌ تَجِيءُ كُلُّ حم مِنها فَتَقِفُ عَلى بابٍ مِن هَذِهِ الأبْوابِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُدْخِلْ مِن هَذا البابِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِي ويَقْرَؤُنِي»» وجاءَ في خُصُوصِ بَعْضِ آياتِ هَذِهِ السُّورَةِ ما يَدُلُّ عَلى فَضْلِهِ.

أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ والبَزّارُ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَن قَرَأ حم إلى ﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ وآيَةَ الكُرْسِيِّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِما حَتّى يُمْسِيَ ومَن قَرَأهُما حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِما حَتّى يُصْبِحَ»».

( بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ) ﴿حم﴾ بِتَفْخِيمِ الألِفِ وتَسْكِينِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِرِوايَةِ ذَكْوانَ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ بِالإمالَةِ الصَّرِيحَةِ، ونافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ. وأبُو عَمْرٍو بِالإمالَةِ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بِفَتْحِ المِيمِ عَلى التَّحْرِيمِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ بِالفَتْحَةِ لِلْخِفَّةِ كَما في أيْنَ وكَيْفَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصْبًا بِإضْمارِ اقْرَأْ ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ لِأنَّهُ بِمَعْنى السُّورَةِ أوْ لِلْعَلَمِيَّةِ وشِبْهِ العُجْمَةِ لِأنَّ فاعِيلَ لَيْسَ مِن أوْزانِ أبْنِيَةِ العَرَبِ وإنَّما وُجِدَ ذَلِكَ في لُغَةِ العَجَمِ كَقابِيلَ وهابِيلَ، ونُقِلَ هَذا عَنْ سِيبَوَيْهِ. وفي الكَشْفِ أنَّ الأوْلى أنْ يُعَلَّلَ بِالتَّعْرِيفِ والتَّرْكِيبِ.

وقَرَأ أبُو السَّمّالِ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَما في جَيْرِ: والزُّهْرِيُّ بِرَفْعِها والظّاهِرُ أنَّهُ إعْرابٌ فَهو إمّا مُبْتَدَأٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والكَلامُ في المُرادِ بِهِ كالكَلامِ في نَظائِرِهِ، ويُجْمَعُ عَلى حَوامِيمَ وحامِيماتٍ أمّا الثّانِي فَقَدْ أنْشَدَ فِيهِ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ:

هَذا رَسُولُ اللَّهِ في الخَيْراتِ جاءَ بِياسِينَ وحامِيماتِ

وأمّا الأوَّلُ فَقَدْ تَقَدَّمَ عِدَّةُ أخْبارٍ فِيهِ ولا أظُنُّ أنَّ أحَدًا يُنْكِرُ صِحَّةَ جَمِيعِها أوْ يَزْعُمُ أنَّ لَفْظَ حَوامِيمَ فِيها مِن تَحْرِيفِ الرُّواةِ الأعاجِمِ وأيْضًا أنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:

حَلَفْتُ بِالسَّبْعِ الأُلى تَطَوَّلَتْ ∗∗∗ وبِمِئِينَ بَعْدَها قَدْ أُمْئِيَتْ

وبِثَمانٍ ثُنِّيَتْ وكُرِّرَتْ ∗∗∗ وبِالطَّواسِينِ اللَّواتِي تُلِيَتْ

وبِالحَوامِيمِ اللَّواتِي سُبِّعَتْ ∗∗∗ وبِالمُفَصَّلِ الَّتِي قَدْ فُصِّلَتْ

وذَهَبَ الجَوالِيقِيُّ والحَرِيرِيُّ وابْنُ الجَوْزِيِّ إلى أنَّهُ لا يُقالُ حَوامِيمُ، وفي الصِّحاحِ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ قَوْلَ العامَّةِ الحَوامِيمُ لَيْسَ مِن كَلامِ العَرَبِ، وحَكى صاحِبُ زادِ المَسِيرِ عَنْ شَيْخِهِ أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ أنَّ مِنَ الخَطَأِ أنْ تَقُولَ:

قَرَأْتُ الحَوامِيمَ والصَّوابُ أنْ تَقُولَ قَرَأْتُ آلَ حم، وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إذا وقَعْتُ في آلِ حم فَقَدْ وقَعْتُ في رَوْضاتٍ دَمِثاتٍ أتَأنَّقُ فِيهِنَّ، وعَلى هَذا قَوْلُ الكُمَيْتِ بْنِ زَيْدٍ في الهاشِمِيّاتِ:

صفحة 41

وجَدْنا لَكم في آلِ حم آيَةً ∗∗∗ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ

والطَّواسِينُ والطَّواسِيمُ بِالمِيمِ بَدَلَ النُّونِ كَذَلِكَ عِنْدَهم، وما سَمِعْتَ يَكْفِي في رَدِّهِمْ. نَعَمْ ما قالُوهُ مَسْمُوعٌ مَقْبُولٌ كالَّذِي قُلْناهُ لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ آلَ في قَوْلِهِمْ آلَ حم كَما قالَ الخَفاجِيُّ لَيْسَ بِمَعْنى الآلِ المَشْهُورِ وهو الأهْلُ بَلْ هو لَفْظٌ يُذْكَرُ قَبْلَ ما لا يَصِحُّ تَثْنِيَتُهُ وجَمْعُهُ مِنَ الأسْماءِ المُرَكَّبَةِ ونَحْوِها كَتَأبَّطَ شَرًّا فَإذا أرادُوا تَثْنِيَتَهُ أوْ جَمْعَهُ وهو جُمْلَةٌ لا يَتَأتّى فِيها ذَلِكَ إذْ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ في كَلامِ العَرَبِ زادُوا قَبْلَهُ لَفْظَةَ آلٍ أوْ ذَوا فَيُقالُ: جاءَنِي آلُ تَأبَّطَ شَرًّا أوْ ذَوا تَأبَّطَ شَرًّا أيِ الرَّجُلانِ أوِ الرِّجالُ المُسَمَّوْنَ بِهَذا الِاسْمِ، فَآلُ حم بِمَعْنى الحَوامِيمِ وآلٌ بِمَعْنى ذُو، والمُرادُ بِهِ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ ويُسْتَعْمَلُ فِيهِ هَذا اللَّفْظُ وهو مَجازٌ عَنِ الصُّحْبَةِ المَعْنَوِيَّةِ، وفي كَلامِ الرَّضِيِّ وغَيْرِهِ إشارَةٌ إلى هَذا إلّا أنَّهم لَمْ يُصَرِّحُوا بِتَفْسِيرِهِ فَعَلَيْكَ بِحِفْظِهِ، وحُكِيَ في الكَشْفِ أنَّ الأوْلى أنْ يُجْمَعَ بِذَواتِ حم أيْ دُونَ حَوامِيمَ أوْ حامِيماتٍ ومَعْناهُ السُّوَرُ المَصْحُوباتُ بِهَذا اللَّفْظِ أعْنِي حم.

40:2Page 467

تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٢

The revelation of the Book [i.e., the Qur’ān] is from Allāh, the Exalted in Might, the Knowing,

﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ الكَلامُ فِيهِ إعْرابًا كالكَلامِ في مَطْلَعِ سُورَةِ الزُّمُرِ بَيْدَ أنَّهُ يَجُوزُ هُنا أنْ يَكُونَ ( تَنْزِيلُ ) خَبَرًا عَنْ حم ولَعَلَّ تَخْصِيصَ الوَصْفَيْنِ لِما في القُرْآنِ الجَلِيلِ مِنَ الإعْجازِ وأنْواعِ العُلُومِ الَّتِي يَضِيقُ عَنِ الإحاطَةِ بِها نِطاقُ الأفْهامِ أوْ هو عَلى نَحْوِ تَخْصِيصِ الوَصْفَيْنِ فِيما سَبَقَ فَإنْ شَأْنَ البَلِيغِ عِلْمُهُ بِالأشْياءِ أنْ يَكُونَ حَكِيمًا إلّا أنَّهُ قِيلَ ( اَلْعَلِيمِ ) دُونَ الحَكِيمِ تَفَنُّنًا،

40:3Page 467

غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ شَدِيدِ ٱلۡعِقَابِ ذِي ٱلطَّوۡلِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣

The forgiver of sin, acceptor of repentance, severe in punishment, owner of abundance. There is no deity except Him; to Him is the destination.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ صِفاتٌ لِلِاسْمِ الجَلِيلِ كالعَزِيزِ العَلِيمِ، وذُكِرَ ( غافِرِ اَلذَّنْبِ وقابِلِ اَلتَّوْبِ وذِي اَلطَّوْلِ ) لِلتَّرْغِيبِ وذُكِرَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ لِلتَّرْهِيبِ والمَجْمُوعُ لِلْحَثِّ عَلى المَقْصُودِ مِن ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ وهو المَذْكُورُ بَعْدَ مِنَ التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِالبَعْثِ المُسْتَلْزِمِ لِلْإيمانِ بِما سِواهُما والإقْبالِ عَلى اللَّهِ تَعالى، والأوَّلانِ مِنها وإنْ كانا اسْمَيْ فاعِلٍ إلّا أنَّهُما لَمْ يُرَدْ بِهِما التَّجَدُّدُ ولا التَّقْيِيدُ بِزَمانٍ بَلْ أُرِيدَ بِهِما الثُّبُوتُ والِاسْتِمْرارُ فَإضافَتُهُما لِلْمَعْرِفَةِ بِعْدَهُما مَحْضَةٌ أكْسَبَتْهُما تَعْرِيفًا فَصَحَّ أنْ يُوصَفَ بِهِما أعْرَفُ المَعارِفِ، والأمْرُ في ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ ظاهِرٌ جِدًّا. نَعَمِ الأمْرُ في ( شَدِيدِ اَلْعِقابِ ) مُشْكِلٌ فَإنَّ شَدِيدًا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ وقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّ كُلَّ ما إضافَتُهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ جازَ أنْ يُنْوى بِإضافَتِهِ التَّمَحُّضُ فَيَتَعَرَّفُ ويُنْعَتُ بِهِ المَعْرِفَةُ إلّا ما كانَ مِن بابِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ فَإنَّهُ لا يَتَعَرَّفُ ومِن هُنا ذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ ( شَدِيدِ اَلْعِقابِ ) بَدَلٌ، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ في تَوْسِيطِ البَدَلِ بَيْنَ الصِّفاتِ تَنافُرًا بَيِّنًا لِأنَّ الوَصْفَ يُؤْذِنُ بِأنَّ المَوْصُوفَ مَقْصُودٌ والبَدَلُ بِخِلافِهِ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ اسْتِئْنافِ القَصْدِ بَعْدَ ما جُعِلَ غَيْرَ مَقْصُودٍ، والجَوابُ أنَّهُ إنَّما يُشْكِلُ ظاهِرًا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ وسائِرِ البَصْرِيِّينَ القائِلِينَ بِأنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ لا تَتَعَرَّفُ أصْلًا بِالإضافَةِ إلى المَعْرِفَةِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ القائِلِينَ بِأنَّها كَغَيْرِها مِنَ الصِّفاتِ قَدْ تَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ ويَجُوزُ وصْفُ المَعْرِفَةِ بِها نَحْوَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ حَسَنِ الوَجْهِ فَلا، ويُقالُ فِيما ذُكِرَ عَلى المَذْهَبِ الأوَّلِ: إنَّ «شَدِيدًا» مُؤَوَّلٌ بِمُشَدِّدٍ اسْمِ فاعِلٍ مِن أشَدَّهُ جَعَلَهُ شَدِيدًا كَأذِينٍ بِمَعْنى مُؤَذِّنٌ فَيُعْطى حُكْمَهُ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ مُعَرَّفٌ بِألْ والأصْلُ الشَّدِيدُ عِقابُهُ لَكِنْ حُذِفَتْ لِأمْنِ اللَّبْسِ بِغَيْرِ الصِّفَةِ لِوُقُوعِهِ بَيْنَ الصِّفاتِ واحْتِمالُ كَوْنِهِ بَدَلًا وحْدَهُ لا يُلْتَفَتُ عَلى ما سَمِعْتَ إلَيْهِ ورِعايَةً لِمُشاكَلَةِ ما مَعَهُ مِنَ الأوْصافِ المُجَرَّدَةِ مِنها والمُقَدَّرُ في حُكْمِ المَوْجُودِ، وقَدْ غَيَّرُوا كَثِيرًا مِن كَلامِهِمْ عَنْ قَوانِينِهِ لِأجْلِ المُشاكَلَةِ حَتّى قالُوا: ما يَعْرِفُ سَحادَلِيهِ مِن عَنادَلِيهِ أرادُوا ما يَعْرِفُ ذَكَرَهُ مِن أُنْثَيَيْهِ

صفحة 42

فَثَنُّوا ما هو وتْرٌ لِأجْلِ ما هو شَفْعٌ، وجُوِّزَ كَوْنُ جَمِيعِ التَّوابِعِ المَذْكُوراتِ أبْدالًا وتَعَمَّدَ تَنْكِيرَ ( شَدِيدِ اَلْعِقابِ ) وإبْهامَهُ لِلدَّلالَةِ عَلى فَرْطِ الشِّدَّةِ وعَلى ما لا شَيْءَ أدْهى مِنهُ وأمَرَّ لِزِيادَةِ الإنْذارِ. وفي الكَشْفِ جَعْلُ كُلِّها أبْدالًا فِيهِ تَنافُرٌ عَظِيمٌ لا سِيَّما في إبْدالِ ( اَلْعَزِيزِ ) مِنَ ( اَللَّهِ ) الِاسْمِ الجامِعِ لِسائِرِ الصِّفاتِ العَلَمِ النَّصِّ وأيْنَ هَذا مِن بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ ؟ وذَهَبَ مَكِّيٌّ إلى جَوازِ كَوْنِ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ دُونَ ما قَبْلَهُما بَدَلَيْنِ وأنَّهُما حِينَئِذٍ نَكِرَتانِ، وقَدْ عَلِمْتَ ما فِيهِ مِمّا تَقَدَّمَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ بَدَلَ البَداءِ عِنْدَ مَن أثْبَتَهُ قَدْ يَتَكَرَّرُ وأمّا بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ وبَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وبَدَلُ اشْتِمالٍ فَلا نَصَّ عَنْ أحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أعْرِفُهُ في جَوازِ التَّكْرارِ فِيها أوْ مَنعِهِ إلّا أنَّ في كَلامِ بَعْضِ أصْحابِنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ البَدَلَ مِنَ البَدَلِ جائِزٌ دُونَ تَعَدُّدِ البَدَلِ واتِّحادِ المُبْدَلِ مِنهُ، وظاهِرُ كَلامِ الخَفاجِيِّ أنَّ النُّحاةَ صَرَّحُوا بِجَوازِ تَعَدُّدِهِ حَيْثُ قالَ: لا يَرِدُ عَلى القَوْلِ بِالإبْدالِ قِلَّةُ البَدَلِ في المُشْتَقّاتِ، ولا أنَّ النَّكِرَةَ لا تُبْدَلُ مِنَ المَعْرِفَةِ ما لَمْ تُوصَفْ، ولا أنَّ تَعَدَّدَ البَدَلِ لَمْ يَذْكُرْهُ النُّحاةُ كَما قِيلَ لِأنَّ النُّحاةَ صَرَّحُوا بِخِلافِهِ في الجَمِيعِ، ولِلدَّمامِينِيِّ فِيهِ كَلامٌ طَوِيلُ الذَّيْلِ في أوَّلِ شَرْحِ الخَزْرَجِيَّةِ لا يَسَعُهُ هَذا المَقامُ فَإنْ أرَدْتَهُ فانْظُرْ فِيهِ. انْتَهى. .

وعِنْدِي أنَّ الإبْدالَ هُنا لَيْسَ بِشَيْءٍ كُلًّا أوْ بَعْضًا، ( والتَّوْبِ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالأوْبِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعٍ لِتَوْبَةٍ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ، ( والطَّوْلِ ) الفَضْلُ بِالثَّوابِ والإنْعامِ أوْ بِذَلِكَ وبِتَرْكِ العِقابِ المُسْتَحَقِّ كَما قِيلَ وهو أوْلى مِن تَخْصِيصِهِ بِتَرْكِ العِقابِ وإنْ وقَعَ بَعْدَ ( شَدِيدِ اَلْعِقابِ ) وكَوْنُ الثَّوابِ مَوْعُودًا فَصارَ كالواجِبِ فَلا يَكُونُ فَضْلًا لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإنَّ الوَعْدَ بِهِ لَيْسَ بِواجِبٍ، وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ بِالسِّعَةِ والغِنى، وقَتادَةُ بِالنِّعَمِ، وابْنُ زَيْدٍ بِالقُدْرَةِ، وتَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَ ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾ لِإفادَةِ الجَمْعِ لِلْمُذْنِبِ التّائِبِ بَيْنَ رَحْمَتَيْنِ بَيْنَ أنْ يَقْبَلَ سُبْحانَهُ تَوْبَتَهُ فَيَكْتُبَها لَهُ طاعَةً مِنَ الطّاعاتِ وأنْ يَجْعَلَها مَحّاءَةً لِلذَّنْبِ كَأنَّهُ لَمْ يُذْنِبْ كَأنَّهُ قِيلَ: جامِعُ المَغْفِرَةِ والقَبُولِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، ووَجْهُهُ كَما في الكَشْفِ أنَّها صِفاتٌ مُتَعاقِبَةٌ بِدُونِ الواوِ دالَّةٌ عَلى مَعْنى الجَمْعِ المُطْلَقِ مِن مُجَرَّدِ الإجْراءِ فَإذا خُصَّتْ بِالواوِ إحْدى القَرائِنِ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ المُعْتَبَرَ فِيها وفِيما تَقَدَّمَها خاصَّةً صَوْنًا لِكَلامِ البَلِيغِ عَنِ الإلْغاءِ، فَفي الواوِ هُنا الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ جامِعٌ بَيْنَ الغُفْرانِ وقَبُولِ التَّوْبِ لِلتّائِبِ خاصَّةً، ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ يَغْفِرُ لِمَن لَمْ يَتُبْ، وما قِيلَ: إنَّ التَّوْسِيطَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْنى كَما أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ الحَسَنِ غافِرُ الذَّنْبِ لِمَن لَمْ يَتُبْ وقابَلُ التَّوْبِ لِمَن تابَ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، والتَّغايُرُ الَّذِي يَذْكُرُونَهُ بَيْنَ مَوْقِعِ الفِعْلَيْنِ وهُما غُفْرانُ الذَّنْبِ وقَبُولُ التَّوْبَةِ عَنْهُ المُقْتَضِي لِكَوْنِ الغُفْرانِ بِالنِّسْبَةِ إلى قَوْمٍ والقَبُولِ بِالنِّسْبَةِ إلى آخَرِينَ إذْ جَعَلُوا مُوقِعَ الأوَّلِ الذَّنْبَ الباقِيَ في الصَّحائِفِ مِن غَيْرِ مُؤاخَذَةٍ ومُوقِعَ الثّانِي الذَّنْبَ الزّائِلَ المَمْحُوَّ عَنْها حاصِلٌ مَعَ الإجْراءِ فَلا مَدْخَلَ لِلْواوِ، ثُمَّ ما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ السّابِقِ جارٍ عَلى أصْلَيْ أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ فَلا وجْهَ لِرَدِّهِ بِما لَيْسَ بِقادِحٍ وإيثارُ ما هو مَرْجُوحٌ، وتَقْدِيمُ الغافِرِ عَلى القابِلِ مِن بابِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ فافْهَمْ. وفي القَطْعِ بِقَبُولِ تَوْبَةِ العاصِي قَوْلانِ لِأهْلِ السُّنَّةِ. وفي البَحْرِ الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ أنَّ تَوْبَةَ العاصِي بِغَيْرِ الكُفْرِ كَتَوْبَةِ العاصِي بِهِ مَقْطُوعٌ بِقَبُولِها، وفي تَوْحِيدِ صِفَةِ العَذابِ مَغْمُورَةً بِصِفاتِهِ تَعالى الدّالَّةِ عَلى الرَّحْمَةِ دَلِيلٌ عَلى زِيادَةِ الرَّحْمَةِ وسَبْقِها فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ ما أرْحَمَهُ وأكْرَمَهُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَيَجِبُ الإقْبالُ الكُلِّيُّ عَلى طاعَتِهِ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ ﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فَحَسْبُ لا إلى غَيْرِهِ تَعالى لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا فَيُجازِي كُلًّا مِنَ المُطِيعِ والعاصِي، وجُمْلَةُ ( لا إلَهَ إلّا هو ) مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ، وقِيلَ: صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى أوْ لِشَدِيدِ

صفحة 43

العِقابِ، وفي الآياتِ مِمّا يَقْتَضِي الِاتِّعاظَ ما فِيها. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأصَمِّ أنَّ رَجُلًا كانَ ذا بَأْسٍ وكانَ مِن أهْلِ الشّامِ وأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدَهُ فَسَألَ عَنْهُ فَقِيلَ لَهُ: تَتابَعَ في الشَّرابِ فَدَعا عُمَرُ كاتِبَهُ فَقالَ لَهُ: اكْتُبْ مِن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ سَلامٌ عَلَيْكم فَإنِّي أحْمَدُ إلَيْكُمُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ( بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ﴿حم﴾ - إلى قَوْلِهِ تَعالى - ﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ وخُتِمَ الكِتابُ، وقالَ لِرَسُولِهِ: لا تَدْفَعْهُ إلَيْهِ حَتّى تَجِدَهُ صاحِيًا ثُمَّ أمَرَ مَن عِنْدَهُ بِالدُّعاءِ لَهُ بِالتَّوْبَةِ فَلَمّا أتَتْهُ الصَّحِيفَةُ جَعَلَ يَقْرَؤُها ويَقُولُ: قَدْ وعَدَنِي رَبِّي أنْ يَغْفِرَ لِي وحَذَّرَنِي عِقابَهُ فَلَمْ يَبْرَحْ يُرَدِّدُها عَلى نَفْسِهِ حَتّى بَكى ثُمَّ نَزَعَ فَأحْسَنَ النُّزُوعَ فَلَمّا بَلَغَ عُمَرَ تَوْبَتُهُ قالَ: هَكَذا فافْعَلُوا إذا رَأيْتُمْ أخاكم قَدْ زَلَّ زَلَّةً فَسَدِّدُوهُ ووَقِّفُوهُ وادْعُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ ولا تَكُونُوا أعْوانًا لِلشَّياطِينِ عَلَيْهِ.

40:4Page 467

مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٤

No one disputes concerning the signs of Allāh except those who disbelieve, so be not deceived by their [uninhibited] movement throughout the land.

﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نَزَلَتْ عَلى ما قالَ أبُو العالِيَةِ في الحارِثِ بْنِ قَيْسٍ السُّلَمِيِّ أحَدِ المُسْتَهْزِئِينَ، والمُرادُ بِالجِدالِ الجِدالُ بِالباطِلِ مِنَ الطَّعْنِ في الآياتِ والقَصْدِ إلى إدْحاضِ الحَقِّ وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ، ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ فَإنَّهُ مَذْكُورٌ تَشْبِيهًا لِحالِ كُفّارِ مَكَّةَ بِكُفّارِ الأحْزابِ مِن قَبْلُ وإلّا فالجِدالُ فِيها لِإيضاحِ مُلْتَبَسِها وحَلِّ مُشْكِلِها ومُقادَحَةِ أهْلِ العِلْمِ في اسْتِنْباطِ مَعانِيها ورَدُّ أهْلِ الزَّيْغِ عَنْها أعْظَمُ جِهادٍ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وفي قَوْلِهِ ﷺ وقَدْ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««إنَّ جِدالًا في القُرْآنِ كُفْرٌ»» إيماءً إلى ذَلِكَ حَيْثُ ذَكَرَ فِيهِ جِدالًا مُنْكَرًا لِلتَّنْوِيعِ فَأشْعَرَ أنَّ نَوْعًا مِنهُ كُفْرٌ وضَلالٌ ونَوْعًا آخَرَ لَيْسَ كَذَلِكَ.

والتَّحْقِيقُ كَما في الكَشْفِ أنَّ المُجادَلَةَ في الشَّيْءِ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ إمّا مَشْكُوكًا عِنْدَ المُجادِلِينَ أوْ أحَدِهِما أوْ مُنْكَرًا كَذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فَهو مَذْمُومٌ اللَّهُمَّ إلّا إذا كانَ مِن مُوَحِّدٍ لِخارِجٍ عَنِ المِلَّةِ أوْ مِن مُحَقِّقٍ لِزائِغٍ إلى البِدْعَةِ فَهو مَحْمُودٌ بِالنِّسْبَةِ إلى أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وأمّا ما قِيلَ: إنَّ البَحْثَ فِيها لِإيضاحِ المُلْتَبَسِ ونَحْوِهِ جِدالٌ عَنْها لا فِيها فَإنَّ الجِدالَ يَتَعَدّى بِعْنَ إذا كانَ لِلْمَنعِ والذَّبِّ عَنِ الشَّيْءِ وبِفِي لِخِلافِهِ كَما ذَكَرَهُ الإمامُ وبِالباءِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النَّحْلَ: 125] فَفِيهِ بَحْثٌ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي آياتِ اللَّهِ﴾ دُونَ - فِيهِ - بِالضَّمِيرِ العائِدِ إلى الكِتابِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنهُ يَكْفِي كُفْرُ المُجادَلَةِ فَكَيْفَ بِمَن يُنْكِرُهُ كُلَّهُ ويَقُولُ فِيهِ ما يَقُولُ، وفِيهِ أنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنهُ آيَةٌ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى المَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ فَيَدُلُّ عَلى شِدَّةِ شَكِيمَةِ المُجادِلِ في الكُفْرِ وأنَّهُ جادَلَ في الواضِحِ الَّذِي لا خَفاءَ بِهِ، ومِمّا ذُكِرَ يَظْهَرُ اتِّصالُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وارْتِباطُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ بِها أيْ إذا عَلِمْتَ أنَّ هَؤُلاءِ شَدِيدُو الشَّكائِمِ في الكُفْرِ قَدْ خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ حَيْثُ جادَلُوا في آياتِ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ وأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ فَلا تَلْتَفِتْ لِاسْتِدْراجِهِمْ بِتَوْسِعَةِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ وإمْهالِهِمْ فَإنَّ عاقِبَتَهُمُ الهَلاكُ كَما فُعِلَ بِمَن قَبْلَهم مِن أمْثالِهِمْ

40:5Page 467

كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۖ وَهَمَّتۡ كُلُّ أُمَّةِۭ بِرَسُولِهِمۡ لِيَأۡخُذُوهُۖ وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ فَأَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ ٥

The people of Noah denied before them and the [disbelieving] factions after them, and every nation intended [a plot] for their messenger to seize him, and they disputed by [using] falsehood to [attempt to] invalidate thereby the truth. So I seized them, and how [terrible] was My penalty.

مِمّا أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ .. إلَخْ، والتَّقَلُّبُ الخُرُوجُ مِن أرْضٍ إلى أُخْرى. والمُرادُ بِالبِلادِ بِلادُ الشّامِ واليَمَنِ فَإنَّ الآيَةَ في كُفّارِ قُرَيْشٍ وهم كانُوا يَتَقَلَّبُونَ بِالتِّجارَةِ في هاتِيكَ البِلادِ ولَهم رِحْلَةُ الشِّتاءِ لِلْيَمَنِ ورِحْلَةُ الصَّيْفِ لِلشّامِ، ولا بَأْسَ في إرادَةِ ما يَعُمُّ ذَلِكَ وغَيْرَهُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ «فَلا يَغُرَّكَ» بِالإدْغامِ مَفْتُوحَ الرّاءِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ والفَكُّ لُغَةُ الحِجازِيِّينَ، وبَدَأ بِقَوْمِ نُوحٍ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما في البَحْرِ أوَّلُ رَسُولٍ في الأرْضِ أوْ لِأنَّهم أوَّلُ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَهم وعَتَوْا عُتُوًّا شَدِيدًا ﴿والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ

صفحة 44

والَّذِينَ تَحَزَّبُوا واجْتَمَعُوا عَلى مُعاداةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن قَوْمِ نُوحٍ كَعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ﴾ مِن تِلْكَ الأُمَمِ ﴿بِرَسُولِهِمْ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ «بِرَسُولِها» رِعايَةَ اللَّفْظِ الأُمَّةِ ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ لِيَتَمَكَّنُوا مِن إيقاعِ ما يُرِيدُونَ بِهِ مِن حَبْسٍ وتَعْذِيبٍ وقَتْلٍ وغَيْرِهِ، فالأخْذُ كِنايَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ المَذْكُورِ، وبَعْضُهم فَسَّرَهُ بِالأسْرِ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ، وقالَ قَتادَةُ: أيْ لِيَقْتُلُوهُ ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ قِيلَ هو قَوْلُهم: ﴿ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [إبْراهِيمَ: 10] والأوْلى أنْ يُقالَ هو كُلُّ ما يَذْكُرُونَهُ لِنَفْيِ الرِّسالَةِ وتَحْسِينِ ما هم عَلَيْهِ، وتَفْسِيرُهُ بِالشَّيْطانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ لِيُزِيلُوا ﴿بِهِ﴾ أيْ بِالباطِلِ، وقِيلَ: أيْ بِجِدالِهِمْ بِالباطِلِ ﴿الحَقَّ﴾ الأمْرُ الثّابِتُ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿فَأخَذْتُهُمْ﴾ بِالإهْلاكِ المُسْتَأْصِلِ لَهم ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ فَإنَّكم تَمُرُّونَ عَلى دِيارِهِمْ وتَرَوْنَ أثَرَهُ، وهَذا تَقْرِيرٌ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِلسّامِعِينَ مِمّا وقَعَ بِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن عَدَمِ اعْتِبارِ هَؤُلاءِ، واكْتَفى بِالكَسْرَةِ عَنْ ياءِ الإضافَةِ في عِقابٍ لِأنَّهُ فاصِلَةٌ، واخْتُلِفَ في المُسَبَّبِ عَنْهُ الأخْذُ المَذْكُورُ فَقِيلَ: مَجْمُوعُ التَّكْذِيبِ والهَمِّ بِالأخْذِ والجِدالِ بِالباطِلِ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ الهَمَّ بِالأخْذِ، قالَ في الكَشْفِ: وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا﴾ هو التَّكْذِيبُ بِعَيْنِهِ والأخْذُ يُشاكِلُ الأخْذَ وإنَّما التَّكْذِيبُ مُوجِبٌ اسْتِحْقاقَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ المُشارِ إلَيْهِ بَعْدُ، ولا يُنْكَرُ أنَّ كِلَيْهِما يَقْتَضِي كِلَيْهِما لَكِنْ لَمّا كانَ مُلاءَمَةُ الأخْذِ لِلْأخْذِ أتَمَّ والتَّكْذِيبُ لِلْعَذابِ الأُخْرَوِيِّ أظْهَرَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالأخْذِ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ المُلاءَمَةِ، ثُمَّ المُجادَلَةُ العِنادِيَّةُ لَيْسَ الغَرَضُ مِنها إلّا الإيذاءَ فَهي تُؤَكِّدُ الهَمَّ مِن هَذا الوَجْهِ بَلِ التَّكْذِيبُ أيْضًا يُؤَكِّدُهُ، والغَرَضُ مِن تَمْهِيدِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ﴾ وذِكْرُ الأحْزابِ الإلْمامُ بِهَذا المَعْنى، ثُمَّ التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ -: ﴿وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى ما اخْتارَهُ دَلالَةً بَيِّنَةً فَلا حاجَةَ إلى أنْ يَعْتَذِرَ بِأنَّهُ إنَّما اعْتَبَرَ هَذا لا ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ مِنَ المُجادَلَةِ الباطِلَةِ لِلتَّسَلِّي. انْتَهى. والإنْصافُ أنَّ فِيما صَنَعَهُ جارُ اللَّهِ رِعايَةَ جانِبِ المَعْنى ومُناسَبَةً لَفْظِيَّةً إلّا أنَّ الظّاهِرَ هو التَّفْرِيعُ عَلى المَجْمُوعِ كَما لا يَخْفى

40:6Page 467

وَكَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٦

And thus has the word [i.e., decree] of your Lord come into effect upon those who disbelieved that they are companions of the Fire.

﴿وكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ كَما وجَبَ حُكْمُهُ تَعالى بِالإهْلاكِ عَلى هَؤُلاءِ المُتَحَزِّبِينَ عَلى الأنْبِياءِ وجَبَ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ بِالإهْلاكِ عَلى هَؤُلاءِ المُتَحَزِّبِينَ عَلَيْكَ أيْضًا وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ أيْ لِأنَّهم أصْحابُ النّارِ أيْ لِأنَّ العِلَّةَ مُتَّحِدَةٌ وهي أنَّهم كُفّارٌ مُعانِدُونَ مُهْتَمُّونَ بِقَتْلِ النَّبِيِّ مِثْلُهم، فَوَضَعَ ( أصْحابُ اَلنّارِ ) مَوْضِعَ ما ذُكِرَ لِأنَّهُ آخِرُ أوْصافِهِمْ وشَرُّها والدّالُّ عَلى الباقِي، ( وأنَّهم ) .. إلَخْ. في حَيِّزِ النَّصْبِ بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ إنْ أُرِيدَ بِالكَلِمَةِ قَوْلُهُ تَعالى أوْ حُكْمُهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهم مِن أصْحابِ النّارِ، وبَدَلَ اشْتِمالٍ إنْ أُرِيدَ بِها الأعَمُّ، ويُرادُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا أُولَئِكَ المُتَحَزِّبُونَ، والمَعْنى كَما وجَبَ إهْلاكُهم بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ في الدُّنْيا وجَبَ إهْلاكُهم بِعَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ أيْضًا لِكُفْرِهِمْ، والوَجْهُ الأوَّلُ أظْهَرُ بِالمَساقِ. والتَّعْبِيرُ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وفُسِّرَتْ ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الرُّومَ: 47] ونَحْوِهِ. وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ «وكَذَلِكَ سَبَقَتْ» وهو عَلى ما قِيلَ تَفْسِيرُ مَعْنًى لا قِراءَةً. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وشَيْبَةُ وابْنُ القَعْقاعِ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ «كَلِماتٌ» عَلى الجَمْعِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском