Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ghafir 40:10–14
40:10Page 468
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوۡنَ لَمَقۡتُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُ مِن مَّقۡتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡ إِذۡ تُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلۡإِيمَٰنِ فَتَكۡفُرُونَ ١٠
Indeed, those who disbelieve will be addressed, "The hatred of Allāh for you was [even] greater than your hatred of yourselves [this Day in Hell] when you were invited to faith, but you disbelieved [i.e., refused]."
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ الكُفّارِ بَعْدَ دُخُولِ النّارِ ﴿يُنادَوْنَ﴾ وهم في النّارِ وقَدْ مَقَتُوا أنْفُسَهم ( اَلْأمّارَة ) بِالسُّوءِ الَّتِي وقَعُوا فِيما وقَعُوا بِاتِّباعِ هَواها حَتّى أكَلُوا أنامِلَهم مِنَ المَقْتِ كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم يَمْقُتُونَ أنْفُسَهم حِينَ يَقُولُ لَهُمُ الشَّيْطانُ: ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: 22] وقِيلَ: يَمْقُتُونَها حِينَ يَعْلَمُونَ أنَّهم مِن أصْحابِ النّارِ، والمُنادى الخَزَنَةُ أوِ المُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ لَهم إعْظامًا لِحَسْرَتِهِمْ: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ وهَذا مَعْمُولٌ لِلنِّداءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى القَوْلِ كَأنَّهُ قِيلَ يُنادَوْنَ مَقُولًا لَهم لَمَقْتُ.. إلَخْ. أوْ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ بِفاءِ التَّفْسِيرِ أيْ يُنادَوْنَ فَيُقالُ لَهم: لَمَقْتُ.. إلَخْ، وجَعْلُهُ مَعْمُولًا لِلنِّداءِ عَلى حَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ بِالجُمْلَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، و( مَقْتُ ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ إضافَةَ المَصْدَرِ لِفاعِلِهِ، وكَذا إضافَةُ المَقْتِ الثّانِي إلى ضَمِيرِ الخِطابِ.
وفِي الكَلامِ تَنازُعٌ أوْ حَذْفُ مَعْمُولِ الأوَّلِ مِن غَيْرِ تَنازُعٍ أيْ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم أوْ أنْفُسَكم أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم، واللّامُ لِلِابْتِداءِ أوْ لِلْقَسَمِ، والمَقْتُ أشَدُّ البُغْضِ والخَلَفُ يُؤَوِّلُونَهُ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَعالى بِأشَدِّ الإنْكارِ.
﴿إذْ تُدْعَوْنَ﴾ أيْ إذْ يَدْعُوكُمُ الأنْبِياءُ ونُوّابُهم ﴿إلى الإيمانِ﴾ فَتَأْبَوْنَ قَبُولَهُ ﴿فَتَكْفُرُونَ﴾ وهَذا تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ أوْ لِلْمَحْكُومِ بِهِ - فَإذْ - مُتَعَلِّقَةٌ - بِأكْبَرَ - وكانَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِلْإشارَةِ إلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمَقْتُ اللَّهِ تَعالى أنْفُسَكم أكْبَرُ مِن مَقْتِكم إيّاها لِأنَّكم دُعِيتُمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ إلى الإيمانِ فَتَكَرَّرَ مِنكُمُ الكُفْرُ، وزَمانُ المَقْتَيْنِ واحِدٌ عَلى ما هو المُتَبادَرُ وهو زَمانُ مَقْتِهِمْ أنْفُسَهُمُ الَّذِي حَكَيْناهُ آنِفًا» .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِمَقْتِهِمْ أنْفُسَهم وإذْ مُتَعَلِّقَةٌ - بِمَقْتٍ - الثّانِي فَهم مَقَتُوا أنْفُسَهم لِأنَّهم دُعُوا مِرارًا إلى الإيمانِ فَكَفَرُوا، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ كَما في الوَجْهِ السّابِقِ، وزَمانُ المَقْتَيْنِ كَذَلِكَ، والعِلَّةُ في الحَقِيقَةِ إصْرارُهم عَلى الكُفْرِ مَعَ تَكَرُّرِ دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِمَقْتِ اللَّهِ ( وإذْ ) مُتَعَلِّقَةً بِهِ، ويُعْلَمُ مِمّا سَيَأْتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما عَلَيْهِ وما لَهُ، وظاهِرُ صَنِيعِ جَماعَةٍ مِنَ الأجِلَّةِ اخْتِيارُ كَوْنِ ( إذْ ) ظَرْفِيَّةً لا تَعْلِيلِيَّةً فَقِيلَ: هي ظَرْفٌ - لِمَقْتٍ - الأوَّلِ، والمَعْنى لَمَقْتُ اللَّهِ تَعالى أنْفُسَكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ أشَدُّ مِن مَقْتِكم إيّاها اليَوْمَ وأنْتُمْ في النّارِ أوْ وأنْتُمْ مُتَحَقِّقُونَ أنَّكم مِن أصْحابِها فَزَمانُ المَقْتَيْنِ مُخْتَلِفٌ، وكَوْنُ زَمانِ الأوَّلِ الدُّنْيا وزَمانِ الثّانِي الآخِرَةَ مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ بِلُزُومِ الفَصْلِ بَيْنَ المَصْدَرِ وما في صِلَتِهِ بِأجْنَبِيٍّ هو الخَبَرُ، وفي أمالِي ابْنِ الحاجِبِ لا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأنَّ الظُّرُوفَ مُتَّسَعٌ فِيها، وقِيلَ: هي ظَرْفٌ لِمَصْدَرٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ الأوَّلُ أوْ لِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَما في البَحْرِ.
وفِي الكَشْفِ فِيهِ أنَّ المُقَدَّرَ لا بُدَّ لَهُ مِن جَزاءاتٍ إنِ اسْتَقَلَّ ويَتَّسِعُ الخَرْقُ وإنْ جُعِلَ بَدَلًا فَحَذْفُهُ وإعْمالُ
صفحة 51
المَصْدَرِ المَحْذُوفِ لا يَتَقاعَدُ عَنِ الفَصْلِ بِالخَبَرِ ولَيْسَ أجْنَبِيًّا مِن كُلِّ وجْهٍ، وتَقْدِيرُ الفِعْلِ أيْ مَقْتُكُمُ اللَّهَ إذْ تُدْعَوْنَ أبْعَدُ وأبْعَدُ، وقِيلَ: هي ظَرْفٌ لِمَقْتٍ الثّانِي. واعْتُرِضَ بِأنَّهم لَمْ يَمْقُتُوا أنْفُسَهم وقْتَ الدَّعْوَةِ بَلْ في القِيامَةِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الكَلامَ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن قَبِيلِ قَوْلِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّما أُكِلْتُ يَوْمَ أُكِلَ الثَّوْرُ الأحْمَرُ وقَوْلِ عَمْرِو بْنِ عَدْسٍ التَّمِيمِيِّ لِمُطَلَّقَتِهِ دَخَتْنُوسَ بِنْتِ لَقِيطٍ وقَدْ سَألَتْهُ لَبَنًا وكانَتْ مُقْفِرَةً مِنَ الزّادِ: الصَّيْفُ ضَيَّعَتِ اللَّبَنَ وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ مَجازًا بِتَنْزِيلِ وُقُوعِ السَّبَبِ وهو كُفْرُهم وقْتَ الدَّعْوَةِ مَنزِلَةَ وُقُوعِ المُسَبَّبِ وهو مَقْتُهم لِأنْفُسِهِمْ حِينَ مُعايَنَتِهِمْ ما حَلَّ بِهِمْ بِسَبَبِهِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ عَلَيْهِ إذْ تَبَيَّنَ أنَّكم دُعِيتُمْ إلى الإيمانِ المُنَجِّي والحَقِّ الحَقِيقِ بِالقَبُولِ فَأبَيْتُمْ أوْ أنَّ المُرادَ بِأنْفُسِهِمْ جِنْسُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهم كانُوا يَمْقُتُونَ المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا إذْ يُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ وهو أبْعَدُ التَّأْوِيلاتِ وقالَ مَكِّيٌّ: ( إذْ ) مَعْمُولَةٌ لِاذْكُرُوا مُضْمَرًا والمُرادُ التَّحَيُّرُ والتَّنْدِيمُ واسْتَحْسَنَهُ بَعْضُهم وأراهُ خِلافَ المُتَبادَرِ. وادَّعى صاحِبُ الكَشْفِ أنَّ فِيهِ تَنافُرًا بَيِّنًا وعَلَّلَهُ بِما لَمْ يَظْهَرْ لِي وجْهُهُ فَتَأمَّلْ.
وتَفْسِيرُ ﴿مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ بِمَقْتِ كُلِّ واحِدٍ نَفْسَهُ هو الظّاهِرُ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ مَقْتُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فَقِيلَ: إنَّ الأتْباعَ يَمْقُتُونَ الرُّؤَساءَ لِما ورَّطُوهم فِيهِ مِنَ الكَفْرِ والرُّؤَساءُ يَمْقُتُونَ الأتْباعَ لِما أنَّهُمُ اتَّبَعُوهم فَحَمَلُوا أوْزارًا مِثْلَ أوْزارِهِمْ فَلا تَغْفُلْ
40:11Page 468
قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَيۡنِ وَأَحۡيَيۡتَنَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجٖ مِّن سَبِيلٖ ١١
They will say, "Our Lord, You made us lifeless twice and gave us life twice, and we have confessed our sins. So is there to an exit any way?"
﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ صِفَتانِ لِمَصْدَرَيِ الفِعْلَيْنِ، والتَّقْدِيرُ أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ.
وجُوِّزَ كَوْنُ المَصْدَرَيْنِ مَوْتَتَيْنِ وحَياتَيْنِ وهُما إمّا مَصْدَرانِ لِلْفِعْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ أيْضًا بِحَذْفِ الزَّوائِدِ أوْ مَصْدَرانِ لِفِعْلَيْنِ آخَرَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْهِما المَذْكُورانِ فَإنَّ الإماتَةَ والإحْياءَ يُنْبِئانِ عَنِ المَوْتِ والحَياةِ حَتْمًا فَكَأنَّهُ أمَتَّنا فَمُتْنا مَوْتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا فَحَيِينا حَياتَيْنِ اثْنَتَيْنِ عَلى طُرُزِ قَوْلِهِ:
وعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ
أيْ لَمْ يَدْعْ فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُسْحَتٌ.. إلَخْ، واخْتُلِفَ في المُرادِ بِذَلِكَ فَقِيلَ: أرادُوا بِالإماتَةِ الأُولى خَلْقَهم أمْواتًا وبِالثّانِيَةِ إماتَتُهم عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ وبِالإحْياءَةِ الأُولى إحْياؤُهم بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِمْ وهم في الأرْحامِ وبِالثّانِيَةِ إحْياؤُهم بِإعادَةِ أرْواحِهِمْ إلى أبْدانِهِمْ لِلْبَعْثِ. وأخْرَجَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ وأبِي مالِكٍ وجَعَلُوا ذَلِكَ نَظِيرَ آيَةِ [البَقَرَةَ: 28] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ والإماتَةُ إنْ كانَتْ حَقِيقَةً في جَعْلِ الشَّيْءِ عادِمَ الحَياةِ سُبِقَ بِحَياةٍ أمْ لا فالأمْرُ ظاهِرٌ وإنْ كانَتْ حَقِيقَةً في تَصْيِيرِ الحَياةِ مَعْدُومَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ مَوْجُودَةً كَما هو ظاهِرُ كَلامِهِمْ حَيْثُ قالُوا: إنَّ صِيغَةَ الأفْعالِ وصِيغَةَ التَّفْعِيلِ مَوْضُوعَتانِ لِلتَّصْيِيرِ أيِ النَّقْلِ مِن حالٍ إلى حالٍ فَفي إطْلاقِها عَلى ما عُدَّ إماتَةً أُولى خَفاءٌ لِاقْتِضاءِ ذَلِكَ سَبْقَ الحَياةِ ولا سَبْقَ فِيما ذُكِرَ، ووُجِّهَ بِأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ كَما قَرَّرُوهُ في ضِيقِ فَمِ الرَّكِيَّةِ ووُسْعِ أسْفَلِها قالُوا: إنَّ الصّانِعَ إذا اخْتارَ أحَدَ الجائِزَيْنِ وهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُما عَلى السَّواءِ فَقَدْ صَرَفَ المَصْنُوعَ الجائِزَ عَنِ الآخَرِ فَجَعَلَ صَرْفَهُ عَنْهُ كَنَقْلِهِ مِنهُ يَعْنِي أنَّهُ تَجُوزُ بِالأفْعالِ أوِ التَّفْعِيلِ الدّالِّ عَلى التَّصْيِيرِ وهو النَّقْلُ مِن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى عَنْ لازِمِهِ وهو الصَّرْفُ عَمّا في حَيِّزِ الإمْكانِ، ويَتْبَعُهُ جَعْلُ المُمْكِنِ الَّذِي تَجُوزُ إرادَتُهُ بِمَنزِلَةِ الواقِعِ، وكَذا جُعِلَ الأمْرُ في ضِيقِ فَمِ الرَّكِيَّةِ مَثَلًا بِإنْشائِهِ عَلى الحالِ الثّانِيَةِ بِمَنزِلَةِ أمْرِهِ بِنَقْلِهِ عَنْ غَيْرِها، ولِذا جَعَلَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ بِمَنزِلَةِ الِاسْتِعارَةِ
صفحة 52
بِالكِنايَةِ فَيَكُونُ مَجازًا مُرْسَلًا مُسْتَتْبَعًا لِلِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، فالمُرادُ بِالإماتَةِ هُناكَ الصَّرْفُ لا النَّقْلُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِعُمُومِ المَجازِ لِئَلّا يَلْزَمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ في الآيَةِ أوِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ بِناءً عَلى زَعْمِ أنَّ الصِّيغَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الصَّرْفِ والنَّقْلِ، ومَن أجازَ ما ذُكِرَ لَمْ يَحْتَجْ لِلْقَوْلِ بِذَلِكَ. وفي الكَشْفِ آثَرَ جارُ اللَّهِ أنَّ إحْدى الإماتَتَيْنِ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ وإطْلاقُها عَلَيْهِ مِن بابِ المَجازِ وهو مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ في القُرْآنِ، وقَدْ ذُكِرَ وجْهُ التَّجَوُّزِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ يُبَتْنى عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ الإحْياءَ مَعْناهُ جَعْلُ الشَّيْءِ حَيًّا فالمادَّةُ التُّرابِيَّةُ أوِ النُّطْفِيَّةُ إذا أُفِيضَتْ عَلَيْها الحَياةُ صَدَقَ أنَّها صارَتْ ذاتَ حَياةٍ عَلى الحَقِيقَةِ إذْ لا يُحْتاجُ إلى سَبْقِ مَوْتٍ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ إلى سَبْقِ عَدَمِ الحَياةِ فَهُناكَ إحْياءٌ حَقِيقَةً، وأمّا الإماتَةُ فَإنْ جُعِلَ بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ التَّقابُلُ المَشْهُورِيُّ اسْتَدْعى المَسْبُوقِيَّةَ بِالحَياةِ فَلا تَصِحُّ الإماتَةُ قَبْلَها حَقِيقَةً، وإنْ جُعِلَ التَّقابُلُ الحَقِيقِيُّ صَحَّتْ، لَكِنَّ الظّاهِرَ في الِاسْتِعْمالِ بِحَسَبِ عُرْفَيِ العَرَبِ والعَجَمِ أنَّهُ مَشْهُورِيٌّ. انْتَهى. وأرادَ بِالمَشْهُورِيِّ والحَقِيقِيِّ ما ذَكَرُوهُ في التَّقابُلِ بِالعَدَمِ والمَلَكَةِ فَإنَّهم قالُوا: المُتَقابِلانِ بِالعَدَمِ والمَلَكَةِ وهُما أمْرانِ يَكُونُ أحَدُهُما وُجُودِيًّا والآخَرُ عَدَمَ ذَلِكَ الوُجُودِيِّ في مَوْضُوعٍ قابِلٍ لَهُ إنِ اعْتُبِرَ قَبُولُهُ بِحَسَبِ شَخْصِهِ في وقْتِ اتِّصافِهِ بِالأمْرِ العَدَمِيِّ فَهو العَدَمُ والمَلَكَةُ المَشْهُورانِ كالكَوْسَجِيَّةِ فَإنَّها عَدَمُ اللِّحْيَةِ عَمّا مِن شَأْنِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنْ يَكُونَ مُلْتَحِيًا فَإنَّ الصَّبِيَّ لا يُقالُ لَهُ كَوْسَجٌ، وإنِ اعْتُبِرَ قَبُولُهُ أعَمَّ مِن ذَلِكَ بِأنْ لا يُقَيَّدَ بِذَلِكَ الوَقْتِ كَعَدَمِ اللِّحْيَةِ عَنِ الطِّفْلِ أوْ يُعْتَبَرُ قَبُولُهُ بِحَسَبِ نَوْعِهِ كالعَمى لِلْأكْمَهِ أوْ جِنْسِهِ القَرِيبِ كالعَمى لِلْعَقْرَبِ أوِ البَعِيدِ كَعَدَمِ الحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ عَنِ الجَبَلِ فَإنَّ جِنْسَهُ البَعِيدَ أعْنِي الجِسْمَ الَّذِي هو فَوْقَ الجَمادِ قابِلٌ لِلْحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ فَهو العَدَمُ والمَلَكَةُ الحَقِيقِيّانِ لَكِنَّ في بِناءِ اقْتِضاءِ المَسْبُوقِيَّةِ بِالحَياةِ وعَدَمِهِ عَلى ذَلِكَ خَفاءً، وإنَّ ضُمَّ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الماضِي كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ.
ثُمَّ وُجِّهَ تَسَبُّبُ الإماتَةِ مَرَّتَيْنِ والإحْياءِ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ أنَّهم قَدْ أنْكَرُوا البَعْثَ فَكَفَرُوا وتَبِعَ ذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ ما لا يُحْصى لِأنَّ مَن لَمْ يَخْشَ العاقِبَةَ تَخَرَّقَ في المَعاصِي فَلَمّا رَأوُا الإماتَةَ والإحْياءَ قَدْ تَكَرَّرَ عَلَيْهِمْ عَلِمُوا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى الإعادَةِ قُدْرَتُهُ عَلى الإنْشاءِ فاعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها مِن إنْكارِ البَعْثِ وما تَبِعَهُ مِن مَعاصِيهِمْ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أرادُوا بِالإماتَةِ الأُولى إماتَتَهم عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ وبِالإحْياءَةِ الأُولى إحْياؤُهم في القَبْرِ لِلسُّؤالِ وبِالإماتَةِ الثّانِيَةِ إماتَتُهم بَعْدَ هَذِهِ الإحْياءَةِ إلى قِيامِ السّاعَةِ وبِالإحْياءَةِ الثّانِيَةِ إحْياؤُهم لِلْبَعْثِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ هَذا القائِلَ ثَلاثُ إحْياءاتٍ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُنَزَّلُ أحْيَيْتَنا ثَلاثًا فَإنِ ادَّعى عَدَمَ الِاعْتِدادِ بِالإحْياءَةِ المَعْرُوفَةِ وهي الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا لِسُرْعَةِ انْصِرامِها وانْقِطاعِ آثارِها وأحْكامِها لَزِمَهُ أنْ لا يُعْتَدَّ بِالإماتَةِ بَعْدَها.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في الِانْتِصارِ لَهُ: إنَّ مُرادَ الكُفّارِ مِن هَذا القَوْلِ اعْتِرافُهم بِما كانُوا يُنْكِرُونَهُ في الدُّنْيا ويُكَذِّبُونَ الأنْبِياءَ حِينَ كانُوا يَدْعُونَهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ لِأنَّ قَوْلَهم هَذا كالجَوابِ عَنِ النِّداءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ﴾ كَأنَّهم أجابُوا أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَعَوْنا وكُنّا نَعْتَقِدُ أنْ لا حَياةَ بَعْدَ المَوْتِ فالآنَ نَعْتَرِفُ بِالمَوْتَيْنِ والحَياتَيْنِ لِما قاسَيْنا مِن شَدائِدِهِما وأحْوالِهِما فالذَّنْبُ المُعْتَرَفُ بِهِ تَكْذِيبُ البَعْثِ، ولِهَذا جُعِلَ مُرَتَّبًا عَلى القَوْلِ وإنَّما ذَكَرُوا الإماتَتَيْنِ لِيَذْكُرُوا الإحْياءَيْنِ إذْ كِلْتا الحَياتَيْنِ كانَتا مُنْكَرَتَيْنِ عِنْدَهم دُونَ الحَياةِ المَعْرُوفَةِ ومَقامُ هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مَقامِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ فَإنَّ هَذِهِ
صفحة 53
كَما سَمِعْتَ لِبَيانِ الإقْرارِ والِاعْتِرافِ مِنهم في الآخِرَةِ بِما أنْكَرُوهُ في الدُّنْيا وتِلْكَ لِبَيانِ الِامْتِنانِ الَّذِي يَسْتَدْعِي شُكْرَ المُنْعِمِ أوْ لِبَيانِ الدَّلائِلِ لِتَصْرِفَهم عَنِ الكُفْرِ.
ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّ أمْرَ إطْلاقِ الإماتَةِ عَلى كِلْتا الإماتَتَيْنِ ظاهِرٌ. وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا قَرِينَةَ في اللَّفْظِ تَدُلُّ عَلى خُرُوجِ الإحْياءِ الأوَّلِ مَعَ أنَّ الإطْلاقَ عَلَيْهِ أظْهَرُ والمُقابَلَةُ تُنادِي عَلى دُخُولِهِ. ويَكْفِي في الِاعْتِرافِ إثْباتُ إحْياءٍ واحِدٍ مِنهُما غَيْرَ الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّما قالُوا: ( أحْيَيْتِنا اِثْنَتَيْنِ ) لِأنَّهُما نَوْعانِ إحْياءُ البَعْثِ وإحْياءٌ قَبْلَهُ، ثُمَّ إحْياءُ البَعْثِ قِسْمانِ إحْياءٌ في القَبْرِ وإحْياءٌ عِنْدَ القِيامِ ولَمْ يَذْكُرْ تَقْسِيمَهُ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِقِسْمَيْهِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذِكْرَ الإماتَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي في القَبْرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّقْسِيمَ مَلْحُوظٌ، والمُرادُ التَّعَدُّدُ الشَّخْصِيُّ لا النَّوْعِيُّ نَعَمْ هَذا يَصْلُحُ تَأْيِيدًا لِما اخْتارَهُ جارُ اللَّهِ، ورُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ مِن أنَّ الإحْياءاتِ وإنْ كانَتْ ثَلاثًا إنَّما سَكَتَ عَنِ الثّانِيَةِ لِأنَّها داخِلَةٌ في إحْياءَةِ البَعْثِ قالَهُ صاحِبُ الكَشْفِ ثُمَّ قالَ: وعَلى هَذا فالإماتَةُ عَلى مُخْتارِ جارِ اللَّهِ إماتَةٌ قَبْلَ الحَياةِ وإماتَةٌ بَعْدَها وطُوِيَتْ إماتَةُ القَبْرِ كَما طُوِيَتْ إحْياءَتُهُ ولَكَ أنْ تَقُولَ إنَّ الإماتَةَ نَوْعٌ واحِدٌ بِخِلافِ الإحْياءِ فَرُوعِيَ التَّعَدُّدُ فِيها شَخْصًا بِخِلافِهِ، وذَكَرَ الإماتَةَ الثّانِيَةَ لِأنَّها مُنْكَرَةٌ عِنْدَهم كالحَياتَيْنِ، ويَجِبُ الِاعْتِرافُ بِها لا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّعَدُّدَ في الإحْياءِ شَخْصِيٌّ والحَقُّ أنَّ ذَلِكَ وجْهٌ لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( اِثْنَتَيْنِ ) ظاهِرٌ في المَرَّةِ فَلِذا آثَرَ مَن آثَرَ الوَجْهَ الأوَّلَ وإنْ كانَتِ الإماتَةُ فِيهِ غَيْرَ ظاهِرَةٍ ذَهابًا إلى أنَّ ذَلِكَ مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ في القُرْآنِ فَتَأمَّلْ.
وقالَ الإمامُ: إنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ وذَلِكَ أنَّهم أثْبَتُوا لِأنْفُسِهِمْ مَوْتَتَيْنِ فَإحْدى المَوْتَتَيْنِ مَشاهَدٌ في الدُّنْيا فَلا بُدَّ مِن إثْباتِ حَياةٍ أُخْرى في القَبْرِ حَتّى يَصِيرَ المَوْتُ الَّذِي عَقِيبَها مَوْتًا ثانِيًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ حَياةٍ في القَبْرِ، وأطالَ الكَلامَ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ والِانْتِصارِ لَهُ، والمُنْصِفُ يَرى أنَّ عَذابَ القَبْرِ ثابِتٌ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ دُونَ هَذِهِ الآيَةِ لِقِيامِ الوَجْهِ المَرْوِيِّ عَمَّنْ سَمِعْتَ أوَّلًا فِيها، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ الوَجْهُ لَكِنِّي أظُنُّ أنَّ اخْتِيارَ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ لِدَسِيسَةٍ اعْتِزالِيَّةٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في الآيَةِ أُرِيدَ إحْياؤُهم نَسَمًا عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ مِن صُلْبِ آدَمَ ثُمَّ إماتَتُهم بَعْدُ ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا ثُمَّ إماتَتُهم ثُمَّ إحْياؤُهم وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ الإحْياءاتِ ثَلاثٌ، وقَدْ أطْلَقَ فِيهِ الإحْياءَ الثّالِثَ والأغْلَبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ عَنى بِهِ إحْياءَ البَعْثِ، وقِيلَ: التَّثْنِيَةُ في كَلامِهِمْ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [المُلْكَ: 4] مُرادٌ بِها التَّكْرِيرُ والتَّكْثِيرُ فَكَأنَّهم قالُوا: أمَتَّنا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وأحْيَيْتَنا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَعَلِمْنا عَظِيمَ قُدْرَتِكَ وأنَّهُ لا يَتَعاصاها الإعادَةُ كَما لا يَتَعاصاها غَيْرُها فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا الَّتِي اقْتَرَفْناها مِن إنْكارِ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ فَلا عَلَيْكَ أنْ تَعْتَبِرَ المَوْتَ في صُلْبِ آدَمَ ثُمَّ الإحْياءَ لِأخْذِ العَهْدِ ثُمَّ الإماتَةَ ثُمَّ الإحْياءَ بِنَفْخِ الرُّوحِ في الأرْحامِ ثُمَّ الإماتَةَ عِنْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ في الدُّنْيا ثُمَّ الإحْياءَ في القَبْرِ لِلسُّؤالِ أوْ لِغَيْرِهِ ثُمَّ الإماتَةَ فِيهِ ثُمَّ الإحْياءَ لِلْبَعْثِ ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى ما فِيهِ إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ المَقُولُ أمَتَّنا إماتَتَيْنِ أوْ كَرَّتَيْنِ وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ أوْ كَرَّتَيْنِ مَثَلًا دُونَ ما في المُنَزَّلِ، فَإنَّ ( اِثْنَتَيْنِ ) فِيهِ وصْفٌ لِإماتَتَيْنِ ولِإحْياءَتَيْنِ وهو دافِعٌ لِاحْتِمالِ إرادَةِ التَّكْثِيرِ كَما قِيلَ في ﴿إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النَّحْلَ: 51] وبِناءُ الأمْرِ عَلى أنَّ العَدَدَ لا مَفْهُومَ لَهُ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، ومِن غَرائِبِ ما قِيلَ في ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّ الكافِرَ في الدُّنْيا حَيُّ الجَسَدِ مَيِّتُ القَلْبِ فاعْتُبِرَتِ الحالَتانِ فَهُناكَ إماتَةٌ وإحْياءٌ لِلْقَلْبِ والجَسَدِ في الدُّنْيا ثُمَّ إماتَتُهم عِنْدَ انْقِضاءِ الآجالِ ثُمَّ إحْياؤُهم لِلْبَعْثِ، ومِثْلُ هَذا يُحْكى لِيُطَّلَعَ عَلى حالِهِ ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ﴾ أيْ إلى نَوْعِ خُرُوجٍ مِنَ النّارِ أيْ فَهَلْ إلى خُرُوجٍ سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ أوْ مِن مَكانٍ مِنها إلى آخَرَ أوْ إلى الدُّنْيا أوْ غَيْرِها
صفحة 54
﴿مِن سَبِيلٍ﴾ طَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ فَنَسْلُكُهُ ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ اليَأْسِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ بِهِ الِاسْتِفْهامَ وإنَّما قالُوهُ مِن فَرْطِ قُنُوطِهِمْ تَعَلُّلًا أوْ تَحَيُّرًا ولِذَلِكَ أُجِيبُوا بِذِكْرِ ما أوْقَعَهم في الهَلاكِ وهو
40:12Page 468
ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُۥ كَفَرۡتُمۡ وَإِن يُشۡرَكۡ بِهِۦ تُؤۡمِنُواْۚ فَٱلۡحُكۡمُ لِلَّهِ ٱلۡعَلِيِّ ٱلۡكَبِيرِ ١٢
[They will be told], "That is because, when Allāh was called upon alone, you disbelieved; but if others were associated with Him, you believed. So the judgement is with Allāh, the Most High, the Grand."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكُمْ﴾ .. إلَخْ. مِن غَيْرِ جَوابٍ عَنِ الخُرُوجِ نَفْيًا أوْ إثْباتًا وإنْ كانَ الِاسْتِفْهامُ عَلى ظاهِرِهِ، والمُرادُ طَلَبُ الخُرُوجِ نَظِيرَ ﴿فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا﴾ [السَّجْدَةَ: 12] ونَحْوَهُ لَقِيلَ:
﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ [المُؤْمِنُونَ: 108] أوْ نَحْوَ ذَلِكَ كَذا قِيلَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونُوا طَلَبُوا الرَّجْعَةَ لِيَعْمَلُوا بِمُوجَبِ ذَلِكَ الِاعْتِرافِ لَكِنْ مَعَ اسْتِبْعادٍ لَها واسْتِشْعارِ يَأْسٍ مِنها والجَوابُ إقْناطٌ لَهم بِبَيانِ أنَّهم كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ فَجُوزُوا بِاسْتِمْرارِ العِقابِ والخُلُودِ في النّارِ كَما يَقْتَضِيهِ حُكْمُهُ تَعالى وذَلِكَ جَوابٌ بِنَفْيِ السَّبِيلِ إلى الخُرُوجِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، ولا أرى في هَذا الوَجْهِ بَأْسًا ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ المُتَبادَرُ، والمَعْنى ذَلِكُمُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ ﴿بِأنَّهُ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ الشَّأْنَ ﴿إذا دُعِيَ اللَّهُ﴾ أيْ عُبِدَ سُبْحانَهُ في الدُّنْيا ﴿وحْدَهُ﴾ أيْ مُتَّحِدًا مُنْفَرِدًا فَهو نَصْبٌ عَلى الحالِ مُؤَوَّلٌ بِمُشْتَقٍّ مُنَكَّرٌ أوْ يُوَحَّدُ وحْدَهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ عَلى حَدِّ ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نُوحٍ: 17] والجُمْلَةُ بِتَمامِها حالٌ أيْضًا حُذِفَتْ وأُقِيمَ المَصْدَرُ مَقامَها، وفِيهِ كَلامٌ آخَرُ مُفَصَّلٌ في الوَفْدَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ.
﴿كَفَرْتُمْ﴾ بِتَوْحِيدِهِ تَعالى أيْ جَحَدْتُمْ وأنْكَرْتُمْ ذَلِكَ ﴿وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ بِالإشْراكِ أيْ تُذْعِنُوا وتُقِرُّوا بِهِ، وفي إيرادِ ( إذا ) وصِيغَةُ الماضِي في الشَّرْطِيَّةِ الأُولى ( وإنْ ) وصِيغَةُ المُضارِعِ في الثّانِيَةِ ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى سُوءِ حالِهِمْ وحَيْثُ كانَ كَذَلِكَ ﴿فالحُكْمُ لِلَّهِ﴾ الَّذِي لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَقْضِي إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ المُتَّصِفُ بِغايَةِ العُلُومِ نِهايَةَ الكِبْرِياءِ فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، ولِذا اشْتَدَّتْ سَطْوَتُهُ بِمَن أشْرَكَ بِهِ واقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ خُلُودَهُ في النّارِ فَلا سَبِيلَ لِخُرُوجِكم مِنها أبَدًا إذْ كُنْتُمْ مُشْرِكِينَ. واسْتِدْلالُ الحَرُورِيَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ في غايَةِ السُّقُوطِ، ويَكْفِي في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾ [النِّساءَ: 35] الآيَةَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [المائِدَةَ: 95]
40:13Page 468
هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزۡقٗاۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ١٣
It is He who shows you His signs and sends down to you from the sky, provision. But none will remember except he who turns back [in repentance].
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ الدّالَّةُ عَلى شُؤُونِهِ العَظِيمَةِ المُوجِبَةِ لِتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ لِتَسْتَدِلُّوا بِها عَلى ذَلِكَ وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها فَإذا دُعِيَ سُبْحانَهُ وحْدَهُ تُؤْمِنُوا وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تَكْفُرُوا، وهَذِهِ الآياتُ ما يُشاهَدُ مِن آثارِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ:
وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
﴿ويُنَزِّلُ﴾ بِالتَّشْدِيدِ وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْزالِ ﴿لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ أيْ سَبَبَ رِزْقٍ وهو المَطَرُ، وإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ تِلْكَ الآياتِ لِتَفَرُّدِهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ وجَلائِلِ نِعْمَتِهِ المُوجِبَةِ لِلشُّكْرِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ الإراءَةِ والتَّنْزِيلِ واسْتِمْرارِهِما، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿وما يَتَذَكَّرُ﴾ بِتِلْكَ الآياتِ الَّتِي هي كالمَرْكُوزَةِ في العُقُولِ لِظُهُورِها المَغْفُولِ عَنْها لِلِانْهِماكِ في التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الهَوى ﴿إلا مَن يُنِيبُ﴾ يَرْجِعُ عَنِ الإنْكارِ بِالإقْبالِ عَلَيْها والتَّفَكُّرِ فِيها، فَإنَّ الجازِمَ بِشَيْءٍ لا يَنْظُرُ فِيما يُنافِيهِ فَمَن لا يُنِيبُ بِمَعْزِلٍ عَنِ التَّذَكُّرِ
40:14Page 468
فَٱدۡعُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١٤
So invoke Allāh, [being] sincere to Him in religion, although the disbelievers dislike it.
﴿فادْعُوا اللَّهَ﴾ اعْبُدُوهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ مِنَ الشِّرْكِ ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ إخْلاصَكم وشَقَّ عَلَيْهِمْ. وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ أنَّ ( ادْعُوا ) .. إلَخْ. مُسَبَّبٌ عَنِ الإنابَةِ وأنَّ فِيهِ التِفاتًا حَيْثُ قالَ: ثُمَّ قالَ لِلْمُنِيبِينَ
صفحة 55
والأصْلُ فَلْيَدْعُ ذَلِكَ المُنِيبُ، عَلى مَعْنى إنْ صَحَّتِ الإنابَةُ عَلى نَحْوِ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا، وقَدْ وافَقَ عَلى كَوْنِهِ خِطابًا لِمَن ذُكِرَ غَيْرُ واحِدٍ. وفي الكَشْفِ التَّحْقِيقُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما يَتَذَكَّرُ﴾ .. إلَخْ. اعْتِراضٌ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فادْعُوا اللَّهَ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ﴾ عَلى أنَّهُ خِطابٌ يَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ لَسَبْقِ ذِكْرِهِما لا لِلْكُفّارِ وحْدَهم عَلى نَحْوِ ﴿مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ إذْ لَيْسَ مِمّا نُودُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَعْنى فادْعُوهُ فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَتَمَكَّنَ فَضْلَ تَمَكُّنٍ ولِيُشْعِرَ بِأنَّ كَوْنَهُ تَعالى هو المَعْبُودَ بِحَقٍّ هو الَّذِي يَقْتَضِي أنْ يُعْبَدَ وحْدَهُ. وفائِدَةُ الِاعْتِراضِ أنَّ هَذِهِ الآياتِ ودَلالَتَها عَلى اخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ وحْدَهُ بِالعِبادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يُنِيبُ لا المُعانِدِ.
وقَوْلُهُ في الكَشّافِ: ثُمَّ قالَ لِلْمُنِيبِينَ إشارَةَ أنَّ فائِدَةَ تَقْدِيمِ الِاعْتِراضِ أنَّ الِانْتِفاعَ بِالآياتِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَكَأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنِ الإنابَةِ مَعْنى لِما كانَ تَسَبُّبُ السّابِقِ لِلّاحِقِ الإنابَةَ، فَهَذا هو الوَجْهُ ولا يَأْباهُ تَفْسِيرُ﴿ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ بِقَوْلِهِ: وإنْ غاظَ ذَلِكَ أعْداءَكم فَإنَّهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ امْتِثالَ ذَلِكَ الأمْرِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ إنابَتِهِمْ وكَأنَّ قَدْ حَصَلَ ذَلِكَ وحَصَلَ التَّضادُّ بَيْنَهم وبَيْنَ الكافِرِينَ، وهو تَحْقِيقٌ حَقِيقٌ بِالقَبُولِ لَكِنْ في تَوْجِيهِ كَلامِ الكَشّافِ تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences