Al-AlusiGhafir · 40:22–31

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:22–31

40:22Page 469

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٢

That was because their messengers were coming to them with clear proofs, but they disbelieved, so Allāh seized them. Indeed, He is Powerful and severe in punishment.

﴿ذَلِكَ﴾ الأخْذُ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ والأحْكامِ الواضِحَةِ ﴿فَكَفَرُوا﴾ رَيْثَما أتَتْهم رُسُلُهم بِذَلِكَ ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ إنَّهُ قَوِيٌّ﴾ مُتَمَكِّنٌ مِمّا يُرِيدُهُ عَزَّ وجَلَّ غايَةَ التَّمَكُّنِ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ لا يُعْتَدُّ بِعِقابٍ عِنْدَ عِقابِهِ سُبْحانَهُ، وهَذا بَيانٌ لِلْإجْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ إنْ كانَتِ الباءُ هُناكَ سَبَبِيَّةً وبَيانٌ لِسَبَبِ الأخْذِ إنْ كانَتْ لِلْمُلابَسَةِ أيْ أخْذُهم مُلابِسِينَ لِذُنُوبِهِمْ غَيْرَ تائِبِينَ عَنْها فَتَأمَّلْ

40:23Page 469

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٢٣

And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority1

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ وهي مُعْجِزاتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ حُجَّةٌ قاهِرَةٌ ظاهِرَةٌ، والمُرادُ بِذَلِكَ قِيلَ ما أُرِيدَ بِالآياتِ ونُزِّلَ تَغايُرُ الوَصْفَيْنِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ الذّاتَيْنِ فَعُطِفَ الثّانِي عَلى الأوَّلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ بَعْضٌ مِن آياتِهِ لَهُ شَأْنٌ كالعَصا، وعُطِفَ عَلَيْها تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ كَما عُطِفَ جِبْرِيلُ ومِيكالُ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى المَلائِكَةِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ مِثْلَهُ إنَّما يَكُونُ إذا غُيِّرَ الثّانِي بِعَلَمٍ أوْ نَحْوِهِ أمّا مَعَ إبْهامِهِ فَفِيهِ نَظَرٌ، وحَكى الطَّبَرْسِيُّ أنَّ المُرادَ بِالآياتِ حُجَجُ التَّوْحِيدِ وبِالسُّلْطانِ المُعْجِزاتُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ الآياتُ المُعْجِزاتُ والسُّلْطانُ ما أُوتِيَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ القُوَّةِ القُدُسِيَّةِ وظُهُورُها بِاعْتِبارِ ظُهُورِ آثارِها مِنَ الإقْدامِ عَلى الدَّعْوَةِ مِن غَيْرِ اكْتِراثٍ. وقَرَأ عِيسى «سُلُطانٍ» بِضَمِّ اللّامِ

40:24Page 469

إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُواْ سَٰحِرٞ كَذَّابٞ ٢٤

To Pharaoh, Hāmān and Qārūn, but they said, "[He is] a magician and a liar."

﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ﴾ وزِيرِ فِرْعَوْنَ، وزَعَمَ اليَهُودُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِفِرْعَوْنَ وزِيرٌ يُدْعى هامانَ وإنَّما هامانُ ظالِمٌ جاءَ بَعْدَ فِرْعَوْنَ بِزَمانٍ مَدِيدٍ ودَهْرٍ داهِرٍ نَفْيٌ جاءَهم مِنَ اخْتِلالِ أمْرِ كُتُبِهِمْ وتَوارِيخِ فِرْعَوْنَ لِطُولِ العَهْدِ وكَثْرَةِ المِحَنِ الَّتِي ابْتُلُوا بِها فاضْمَحَلَّتْ مِنها أنْفُسُهم وكُتُبُهم.

﴿وقارُونَ﴾ قِيلَ هو الَّذِي كانَ مِن قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هو غَيْرُهُ وكانَ مُقَدَّمُ جُنُودِ فِرْعَوْنَ، وذِكْرُهُما مِن بَيْنَ أتْباعِ فِرْعَوْنَ لِمَكانَتِهِما في الكُفْرِ وكَوْنِهِما أشْهَرَ الأتْباعِ.

وفِي ذِكْرِ قِصَّةِ الإرْسالِ إلى فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ وتَفْصِيلِ ما جَرى تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيانٌ لِعاقِبَةِ مَن هو أشَدُّ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلُ وأقْرَبُهم زَمانًا ولِذا خُصَّ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ، ولا بُعْدَ في كَوْنِ فِرْعَوْنَ

صفحة 62

وجُنُودِهِ أشَدَّ مِن عادٍ ﴿فَقالُوا ساحِرٌ﴾ أيْ هو يَعْنُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ساحِرٌ فِيما أظْهَرَ مِنَ المُعْجِزاتِ ﴿كَذّابٌ﴾ في دَعْواهُ أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ

40:25Page 469

فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ ٱقۡتُلُوٓاْ أَبۡنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ وَٱسۡتَحۡيُواْ نِسَآءَهُمۡۚ وَمَا كَيۡدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ٢٥

And when he brought them the truth from Us, they said, "Kill the sons of those who have believed with him and keep their women alive." But the plan of the disbelievers is not except in error.

﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا﴾ وبَلَغَهم أمْرُ اللَّهِ تَعالى غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِقَوْلِهِمْ ساحِرٌ كَذّابٌ ﴿قالُوا﴾ غَيْظًا وحَنَقًا وعَجْزًا عَنِ المُعارَضَةِ ﴿اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ أيْ أعِيدُوا عَلَيْهِمْ ما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ بِهِمْ أوَّلًا كَيْ تَصُدُّوهم عَنْ مُظاهَرَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فالأمْرُ بِالقَتْلِ والِاسْتِحْياءِ وقَعَ مَرَّتَيْنِ. المَرَّةُ الأُولى حِينَ أخْبَرَتِ الكَهَنَةُ والمُنَجِّمُونَ في قَوْلِ فِرْعَوْنَ بِمَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَسْلُبُهُ مُلْكَهُ، والمَرَّةُ الثّانِيَةُ هَذِهِ، وضَمِيرُ ( قالُوا ) لِفِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ. وقِيلَ: إنَّ قارُونَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ هَذِهِ المَقالَةَ لَكِنَّهم غَلَبُوا عَلَيْهِ ﴿وما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ في ضَياعٍ مِن ضَلَّتِ الدّابَّةُ إذا ضاعَتْ، والمُرادُ أنَّهُ لا يُفِيدُهم شَيْئًا فالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ أوْ لِلْجِنْسِ والمَذْكُورُونَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ في تَضاعِيفِ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الأباطِيلِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ بُطْلانِ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الإبْراقِ والإرْعادِ واضْمِحْلالِهِ بِالمَرَّةِ.

40:26Page 470

وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ ٢٦

And Pharaoh said, "Let me kill Moses and let him call upon his Lord. Indeed, I fear that he will change your religion or that he will cause corruption1 in the land."

﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ كانَ إذا هَمَّ بِقَتْلِهِ كَفَوْهُ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ بِالَّذِي تَخافُهُ وهو أقَلُّ مِن ذَلِكَ وأضْعَفُ وما هو إلّا ساحِرٌ يُقاوِمُهُ ساحِرٌ مِثْلُهُ وأنَّكَ إذا قَتَلْتَهُ أدْخَلْتَ الشُّبْهَةَ عَلى النّاسِ واعْتَقَدُوا أنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ مُظاهَرَتِهِ بِالحُجَّةِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى اسْتَيْقَنَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ ولَكِنْ كانَ فِيهِ خَبٌّ وجَرْبَزَةٌ وكانَ قَتّالًا سَفّاكًا لِلدِّماءِ في أهْوَنِ شَيْءٍ فَكَيْفَ لا يَقْتُلُ مَن أحْسَنَ مِنهُ بِأنَّهُ الَّذِي يَثُلُّ عَرْشَهُ ويَهْدِمُ مُلْكَهُ ولَكِنَّهُ يَخافُ إنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ أنْ يُعاجَلَ بِالهَلاكِ فَقَوْلُهُ: ﴿ذَرُونِي﴾ .. إلَخْ. كانَ تَمْوِيهًا عَلى قَوْمِهِ وإيهامًا أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَكُفُّونَهُ وما كانَ يَكُفُّهُ إلّا ما في نَفْسِهِ مِن هَوْلِ الفَزَعِ ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ لِأنَّ ظاهِرَهُ الِاسْتِهانَةُ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِدُعائِهِ رَبَّهُ سُبْحانَهُ كَما يُقالُ: ادْعُ ناصِرَكَ فَإنِّي مُنْتَقِمٌ مِنكَ، وباطِنُهُ أنَّهُ كانَ يَرْعُدُ فَرائِصُهُ مِن دُعاءِ رَبِّهِ فَلِهَذا تَكَلَّمَ بِهِ أوَّلَ ما تَكَلَّمَ وأظْهَرَ أنَّهُ لا يُبالِي بِدُعاءِ رَبِّهِ وما هو إلّا كَمَن قالَ: ذَرُونِي أفْعَلْ كَذا وما كانَ فَلْيَكُنْ وإلّا فَما لِمَن يَدَّعِي أنَّهُ رَبُّهم إلّا عَلى أنْ يَجْعَلَ لِما يَدَّعِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وزْنًا فَيَتَفَوَّهُ بِهِ تَهَكُّمًا أوْ حَقِيقَةً ﴿إنِّي أخافُ﴾ إنْ لَمْ أقْتُلْهُ ﴿أنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ أنْ يُغَيِّرَ حالَكُمُ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن عِبادَتِي وعِبادَةِ الأصْنامِ وكانَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ قَدْ أمَرَهم بِنَحْتِها وأنْ تُجْعَلَ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَهُ كَما كانَ كُفّارُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يُونُسَ: 18] ولِهَذا المَعْنى أضافُوا الآلِهَةَ إلَيْهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعْرافَ: 127] فَهي إضافَةُ تَشْرِيفٍ واخْتِصاصٍ وهَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الدِّينُ السُّلْطانُ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

لَئِنْ حَلَلْتَ بِحَيٍّ مِن بَنِي أسَدٍ في دِينِ عَمْرٍو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ

أيْ إنِّي أخافُ أنْ يُغَيِّرَ سُلْطانَكم ويَسْتَذِلَّكم ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ﴾ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى تَغْيِيرِ دِينِكم بِالكُلِّيَّةِ ﴿فِي الأرْضِ الفَسادَ﴾ وذَلِكَ بِالتَّهارُجِ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ الأمْنُ وتَتَعَطَّلُ المَزارِعُ والمَكاسِبُ ويَهْلَكُ النّاسُ قَتْلًا وضَياعًا فالفَسادُ الَّذِي عَناهُ فَسادُ دُنْياهم، فَيَكُونُ حاصِلُ المَعْنى عَلى ما قَرَّرَ أوَّلًا إنِّي أخافُ أنْ يُفْسِدَ عَلَيْكم

صفحة 63

أمْرَ دِينِكم بِالتَّبْدِيلِ أوْ يُفْسِدَ عَلَيْكم أمْرَ دُنْياكم بِالتَّعْطِيلِ وهُما أمْرانِ كُلٌّ مِنهُما مُرٌّ، ونَحْوُ هَذا يُقالُ عَلى المَعْنى الثّانِي لِلدِّينِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ اللَّعِينَ عَنى بِالفَسادِ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى: وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأبُو عَمْرٍو «وأنْ» الواوُ الواصِلَةُ.

وقَرَأ الأعْرَجُ والأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ وعِيسى وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ غَيْرَ حَفْصٍ ( يُظْهِرَ ) بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ «الفَسادُ» بِالرَّفْعِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ «( يَظَّهَّرُ )» بِتَشْدِيدِ الظّاءِ والهاءِ «الفَسادُ» بِالرَّفْعِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «يُظْهَرُ» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الهاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «الفَسادُ» بِالرَّفْعِ.

40:27Page 470

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ لَّا يُؤۡمِنُ بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٢٧

But Moses said, "Indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord from every arrogant one who does not believe in the Day of Account."

﴿وقالَ مُوسى﴾ لَمّا سَمِعَ بِما أجْراهُ اللَّعِينُ مِن حَدِيثِ قَتْلِهِ ﴿إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُخاطِبًا بِهِ قَوْمَهُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ القَوْلُ السّابِقُ مِن فِرْعَوْنَ خِطابًا لِقَوْمِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِشارَةِ وإجالَةِ الرَّأْيِ لا بِمَحْضَرٍ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ الظّاهِرُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا خاطَبَ قَوْمَهُ لا فِرْعَوْنَ وحاضِرِيهِ بِذَلِكَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: في [الأعْرافِ: 128] ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا﴾ في هَذِهِ القِصَّةِ بِعَيْنِها، وقَوْلُهُ تَعالى هُنا: ( ورَبِّكم ) فَإنَّ فِرْعَوْنَ ومَن مَعَهُ لا يَعْتَقِدُونَ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى وارِدَةً أنَّهُ تَعالى كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ لا يَضُرُّ في كَوْنِهِ مُؤَيَّدًا لِأنَّ التَّأْيِيدَ مَدارُهُ الظّاهِرُ، وصُدِّرَ الكَلامُ بِإنَّ تَأْكِيدًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ السَّبَبَ المُؤَكَّدَ في دَفْعِ الشَّرِّ هو العِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وخُصَّ اسْمُ الرَّبِّ لِأنَّ المَطْلُوبَ هو الحِفْظُ، والتَّرْبِيَةُ وأضافَهُ إلَيْهِ وإلَيْهِمْ حَثًّا لَهم عَلى مُوافَقَتِهِ في العِياذِ بِهِ سُبْحانَهُ والتَّوَجُّهِ التّامِّ بِالرُّوحِ إلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ لِما في تَظاهُرِ الأرْواحِ مِنَ اسْتِجْلابِ الإجابَةِ، وهَذا هو الحِكْمَةُ في مَشْرُوعِيَّةِ الجَماعَةِ في العِباداتِ، ( ومِن كُلِّ ) عَلى مَعْنى مِن شَرِّ كُلٍّ وأرادَ بِالتَّكَبُّرِ الِاسْتِكْبارَ عَنِ الإذْعانِ لِلْحَقِّ وهو أقْبَحُ اسْتِكْبارٍ وأدَلُّهُ عَلى دَناءَةِ ومَهانَةِ نَفْسِهِ وعَلى فَرْطِ ظُلْمِهِ وعَسْفِهِ، وضُمَّ إلَيْهِ عَدَمُ الإيمانِ بِيَوْمِ الجَزاءِ لِيَكُونَ أدَلَّ وأدَلَّ، فَمَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ التَّكَبُّرُ والتَّكْذِيبُ بِالجَزاءِ وقِلَّةُ المُبالاةِ بِالعاقِبَةِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ أسْبابَ القَسْوَةِ والجَراءَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى وعِبادِهِ ولَمْ يَتْرُكْ عَظِيمَةً إلّا ارْتَكَبَها، واخْتِيرَ المُنَزَّلُ دُونَ مِنهُ سُلُوكًا لِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ لِأنَّهُ كَلامٌ وارِدٌ في عَرْضِهِمْ فَلا يَلْبَسُونَ جِلْدَ النَّمِرِ إذا عُرِضَ عَلَيْهِمْ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عِلَّةِ الِاسْتِعاذَةِ ورِعايَةِ حَقِّ تَرْبِيَةِ اللَّعِينِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُمْلَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «عُتُّ» بِإدْغامِ الذّالِ المُعْجَمَةِ في التّاءِ بَعْدَ قَلْبِها تاءً

40:28Page 470

وَقَالَ رَجُلٞ مُّؤۡمِنٞ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَكۡتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَآءَكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ وَإِن يَكُ كَٰذِبٗا فَعَلَيۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن يَكُ صَادِقٗا يُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ ٢٨

And a believing man from the family of Pharaoh who concealed his faith said, "Do you kill a man [merely] because he says, 'My Lord is Allāh' while he has brought you clear proofs from your Lord? And if he should be lying, then upon him is [the consequence of] his lie; but if he should be truthful, there will strike you some of what he promises you. Indeed, Allāh does not guide one who is a transgressor and a liar.

﴿وقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قِيلَ كانَ قِبْطِيًّا ابْنَ عَمِّ فِرْعَوْنَ وكانَ يَجْرِي مَجْرى ولِيِّ العَهْدِ ومَجْرى صاحِبِ الشُّرْطَةِ، وقِيلَ: كانَ إسْرائِيلِيًّا، وقِيلَ: كانَ غَرِيبًا لَيْسَ مِنَ الفِئَتَيْنِ، ووَصْفُهُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِكَوْنِهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بِاعْتِبارِ دُخُولِهِ في زُمْرَتِهِمْ وإظْهارِ أنَّهُ عَلى دِينِهِمْ ومِلَّتِهِمْ تَقِيَّةً وخَوْفًا، ويُقالُ نَحْوُ هَذا في الإضافَةِ في مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ الواقِعِ في عِدَّةِ أخْبارٍ، وقِيلَ: ﴿مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ عَلى القَوْلَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾ والتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ أيْ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ دُونَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومَنِ اتَّبَعَهُ، ولا بَأْسَ عَلى هَذا في الوَقْتِ عَلى مُؤْمِنٍ. واعْتُرِضَ بِأنَّ كَتْمَ يَتَعَدّى بِنَفَسِهِ دُونَ مِن فَيُقالُ: كَتَمْتُ فُلانا كَذا دُونَ كَتَمْتُ مِن فُلانٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النِّساءَ: 42] وقالَ الشّاعِرُ:

كَتَمْتُكَ لَيْلًا بِالجَمُومِينَ ساهِرا وهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنًّا وظاهِرا

أحادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي ما يُرِيبُها ∗∗∗ ووَرْدُ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصادِرا

وأرادَ عَلى ما في البَحْرِ كَتَمْتُكَ أحادِيثَ نَفْسٍ وهَمَّيْنِ، وفِيهِ أنَّهُ صَرَّحَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ بِتَعَدِّيهِ بِمِن أيْضًا قالَ

صفحة 64

فِي المِصْباحِ كَتَمَ مِن بابِ قَتَلَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ ويَجُوزُ زِيادَةُ مِن في المَفْعُولِ الأوَّلِ فَيُقالُ: كَتَمْتُ مِن زَيْدٍ الحَدِيثَ كَما يُقالُ: بِعْتُهُ الدّارَ وبِعْتُها مِنهُ. نَعَمْ تَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ بَلِ الظّاهِرُ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً ثانِيَةً لِرَجُلٍ، والظّاهِرُ عَلى هَذا كَوْنُهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ حَقِيقَةً وفي كَلامِهِ المَحْكِيِّ عَنْهُ بَعْدَ ما هو ظاهِرٌ في ذَلِكَ واسْمُهُ قِيلَ: شَمْعانُ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ، وقِيلَ: خِرْبِيلُ بِخاءٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وراءٍ مُهْمَلَةٍ ساكِنَةٍ، وقِيلَ: حِزْبِيلُ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وزايٍ مُعْجَمَةٍ، وقِيلَ: حَبِيبٌ.

وقَرَأ عِيسى وعَبْدُ الوارِثِ وعُبَيْدُ بْنُ عَقِيلٍ وحَمْزَةُ بْنُ القاسِمِ عَنْ أبِي عَمْرٍو «رَجْلٌ» بِسُكُونِ الجِيمِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ ونَجْدٍ ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا﴾ أيْ أتَقْصُدُونَ قَتْلَهُ فَهو مَجازٌ ذُكِرَ فِيهِ المُسَبَّبُ وأُرِيدَ السَّبَبُ، وكَوْنُ الإنْكارِ لا يَقْتَضِي الوُقُوعَ لا يُصَحِّحُهُ مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ ﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ أيْ لِأنْ يَقُولَ ذَلِكَ ﴿وقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ﴾ الشّاهِدَةَ عَلى صِدْقِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، والِاسْتِدْلالاتِ الكَثِيرَةِ وجَمْعُ المُؤَنَّثِ السّالِمِ وإنْ شاعَ أنَّهُ لِلْقِلَّةِ لَكِنَّهُ إذا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ألْ يُفِيدُ الكَثْرَةَ بِمَعُونَةِ المَقامِ. والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، وهَذا إنْكارٌ مِن ذَلِكَ الرَّجُلِ عَظِيمٌ وتَبْكِيتٌ لَهم شَدِيدٌ كَأنَّهُ قالَ: أتَرْتَكِبُونَ الفِعْلَةَ الشَّنْعاءَ الَّتِي هي قَتْلُ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ وما لَكم عَلَيْهِ في ارْتِكابِها إلّا كَلِمَةُ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَ بِها وهي قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾ مَعَ أنَّهُ قَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ مِن عِنْدِ مَن نُسِبَ إلَيْهِ الرُّبُوبِيَّةُ وهو رَبُّكم لا رَبُّهُ وحْدَهُ، وهَذا اسْتِدْراجٌ إلى الِاعْتِرافِ وفي ﴿أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ - إلى - ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ نُكْتَةٌ جَلِيلَةٌ وهي أنَّ مَن يَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ أوْ فُلانٌ لا يَقْتَضِي أنْ يُقابَلَ بِالقَتْلِ كَما لا تُقابَلُونَ بِالقَتْلِ إذا قُلْتُمْ: رَبُّنا فِرْعَوْنُ كَيْفَ وقَدْ جَعَلَ رَبَّهُ مَن هو رَبُّكم فَكانَ عَلَيْكم بِأنْ تُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ لا أنْ تَخْذُلُوهُ وتَقْتُلُوهُ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ ( أنْ يَقُولَ ) عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ وقْتَ أنْ يَقُولَ فَحُذِفَ الظَّرْفُ فانْتَصَبَ المُضافُ إلَيْهِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِقِيامِهِ مَقامَهُ، والمَعْنى أتَقْتُلُونَهُ ساعَةَ سَمِعْتُمْ مِنهُ هَذا القَوْلَ مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ولا فِكْرٍ في أمْرِهِ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ القائِمَ مَقامَ الظَّرْفِ لا يَكُونُ إلّا المَصْدَرَ الصَّرِيحَ كَجِئْتُ صِياحَ الدِّيكِ أوْ ما كانَ بِما الدَّوامِيَّةِ دُونَ الغَيْرِ الصَّرِيحِ كِجِئْتُ أنْ صاحَ أوْ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، وفِيهِ إنَّ ابْنَ جِنِّيٍّ كالزَّمَخْشَرِيِّ صَرَّحَ بِالجَوازِ وكُلٌّ إمامٌ. ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ احْتاطَ لِنَفْسِهِ خَشْيَةَ أنْ يَعْرِفَ اللَّعِينُ حَقِيقَةَ أمْرِهِ فَيَبْطِشَ بِهِ فَتَلَطَّفَ في الِاحْتِجاجِ فَقالَ: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ لا يَتَخَطّاهُ وبالُ كَذِبِهِ فَيَحْتاجُ في دَفْعِهِ إلى قَتْلِهِ ﴿وإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم بِهِ أوْ يَعِدِكُمُوهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ فَإنَّهُ إذا حَذَّرَهم مِن إصابَةِ البَعْضِ أفادَ أنَّهُ مَهْلَكٌ مَخُوفٌ فَما بالُ الكُلِّ وإظْهارٌ لِلْإنْصافِ وعَدَمِ التَّعَصُّبِ ولِذا قَدَّمَ احْتِمالَ كَوْنِهِ كاذِبًا، وقِيلَ: المُرادُ يُصِبْكم ما يَعِدُكم مِن عَذابِ الدُّنْيا وهو بَعْضُ مَواعِيدِهِ كَأنَّهُ خَوَّفَهم بِما هو أظْهَرُ احْتِمالًا عِنْدَهم، وقِيلَ: بَعْضٌ بِمَعْنى كُلٍّ وأنْشَدُوا لِذَلِكَ قَوْلَ عَمْرٍو القَطامِيِّ:

قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ

وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ ( بَعْضُ ) فِيهِ عَلى ظاهِرِهِ، والمُرادُ إلْزامُ الحُجَّةِ وإبانَةُ فَضْلِ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ فالبَيْتُ كالآيَةِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وأنْشَدُوا لِمَجِيءِ بَعْضٍ بِمَعْنى كُلٍّ قَوْلَ الشّاعِرِ:

إنَّ الأُمُورَ إذا الأحْداثُ دَبَّرَها ∗∗∗ دُونَ الشُّيُوخِ تَرى في بَعْضِها خَلَلا

صفحة 65

ولا يَتَعَيَّنُ فِيهِ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى، وعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ فَسَّرَ البَعْضَ بِالكُلِّ أيْضًا وأنْشَدَ قَوْلَ لَبِيدٍ:

تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها ∗∗∗ أوْ يَرْتَبِطُ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها

حُمِلَ البَيْتُ عَلى مَعْنى لا أزالُ أنْتَقِلُ في البِلادِ إلى أنْ لا يَبْقى أحَدٌ أقْصِدُهُ مِنَ العِبادِ، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّ البَعْضَ فِيهِ عَلى ظاهِرِهِ والمُرادُ بِهِ نَفْسُهُ، والمَعْنى لا أزالُ أتْرُكُ ما لَمْ أرْضَهُ مِنَ الأمْكِنَةِ إلّا أنْ أمُوتَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:

إنْ صَحَّتِ الرِّوايَةُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ في ذَلِكَ فَقَدْ حَقَّ فِيهِ قَوْلُ المازِنِي في مَسْألَةِ العِلْقى كانَ أجْفى مِن أنْ يَفْقَهَ ما أقُولُ لَهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في الرَّدِّ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو مُسْرِفٌ كَذّابٌ﴾ احْتِجاجٌ آخَرُ ذُو وجْهَيْنِ. أحَدُهُما أنَّهُ لَوْ كانَ مُسْرِفًا كَذّابًا لَما هَداهُ اللَّهُ تَعالى إلى البَيِّناتِ ولَما عَضَّدَهُ بِتِلْكَ المُعْجِزاتِ. وثانِيهِما إنْ كانَ كَذَلِكَ خَذَلَهُ اللَّهُ تَعالى وأهْلَكَهُ فَلا حاجَةَ لَكم إلى قَتْلِهِ، ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ المَعْنى الأوَّلَ وأوْهَمَهم أنَّهُ أرادَ الثّانِيَ لِتَلِينَ شَكِيمَتُهم وعَرَّضَ لِفِرْعَوْنَ بِأنَّهُ مُسْرِفٌ أيْ في القَتْلِ والفَسادِ كَذّابٌ في ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ تَعالى سَبِيلَ الصَّوابِ ومِنهاجَ النَّجاةِ، فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ مَعْنى بِالشَّرْطِيَّةِ الأُولى أوْ بِالثّانِيَةِ أوْ بِهِما

40:29Page 470

يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٢٩

O my people, sovereignty is yours today, [your being] dominant in the land. But who would protect us from the punishment of Allāh if it came to us?" Pharaoh said, "I do not show you except what I see, and I do not guide you except to the way of right conduct."

﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ﴾ غالِبِينَ عالِينَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ في أرْضِ مِصْرَ لا يُقاوِمُكم أحَدٌ في هَذا الوَقْتِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ مِن أخْذِهِ وعَذابِهِ سُبْحانَهُ ﴿إنْ جاءَنا﴾ أيْ فَلا تُفْسِدُوا أمْرَكم ولا تَتَعَرَّضُوا لِبَأْسِ اللَّهِ تَعالى بِقَتْلِهِ فَإنَّهُ إنْ جاءَنا لَمْ يَمْنَعْنا مِنهُ أحَدٌ، فالفاءُ في - فَمَن -.. إلَخْ فَصَيْحَةٌ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، وإنَّما نَسَبَ ما يَسُرُّهم مِنَ المُلْكِ والظُّهُورِ في الأرْضِ إلَيْهِمْ خاصَّةً ونَظَمَ نَفْسَهُ في سِلْكِهِمْ فِيما يَسُؤْهم مِن مَجِيءِ بَأْسِ اللَّهِ تَعالى تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وإيذانًا بِأنَّهُ مُناصِحٌ لَهم ساعٍ في تَحْصِيلِ ما يُجْدِيهِمْ ودَفْعِ ما يُرْدِيهِمْ سَعْيُهُ في حَقِّ نَفْسِهِ لِيَتَأثَّرُوا بِنُصْحِهِ.

﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾ بَعْدَ ما سَمِعَ ذَلِكَ ﴿ما أُرِيكُمْ﴾ أيْ ما أُشِيرُ عَلَيْكم ﴿إلا ما أرى﴾ إلّا الَّذِي أراهُ وأسْتَصْوِبُهُ مِن قَتْلِهِ يَعْنِي لا أسْتَصْوِبُ إلّا قَتْلَهُ وهو الَّذِي تَقُولُونَهُ غَيْرُ صَوابٍ ﴿وما أهْدِيكُمْ﴾ بِهَذا الرَّأْيِ ﴿إلا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ طَرِيقَ الصَّوابِ والصَّلاحِ أوْ ما أُعْلِمُكم إلّا ما أعْلَمُ مِنَ الصَّوابِ ولا أدَّخِرُ مِنهُ شَيْئًا ولا أُسِرُّ عَنْكم خِلافَ ما أُظْهِرُ يَعْنِي أنَّ لِسانَهُ وقَلْبَهُ مُتَواطِئانِ عَلى ما يَقُولُ، وقَدْ كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ فَقَدْ كانَ مُسْتَشْعِرًا لِلْخَوْفِ الشَّدِيدِ مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَكِنَّهُ كانَ يَتَجَلَّدُ ولَوْلا اسْتِشْعارُهُ لَمْ يَسْتَشِرْ أحَدًا، وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ والحَسَنِ أنَّهُما قَرَآ «( الرَّشّادِ )» بِشَدِّ الشِّينِ عَلى أنَّهُ فَعّالٌ لِلْمُبالَغَةِ مِن رَشِدَ بِالكَسْرِ كَعَلّامٍ مِن عَلِمَ أوْ مِن رَشَدَ بِالفَتْحِ كَعَبّادٍ مِن عَبَدَ.

وقِيلَ: هو مِن أرْشَدَ المَزِيدِ كَجَبّارٍ مِن أجْبَرَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فَعّالًا لَمْ يَجِئْ مِنَ المَزِيدِ إلّا في عِدَّةِ أحْرُفٍ نَحْوَ جَبّارٍ ودَرّاكٍ وقَصّارٍ وسَآَّرٍ ولا يَحْسُنُ القِياسُ عَلى القَلِيلِ مَعَ أنَّهُ ثَبَتَ في بَعْضِهِ كَجَبّارٍ سَماعَ الثُّلاثِيِّ فَلا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ مِنَ المَزِيدِ فَقَدْ جاءَ جَبَرَهُ عَلى كَذا كَأجْبَرَهُ وقَصّارٌ كَجَبّارٍ عِنْدَ بَعْضٍ لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ مِن أقْصَرَ لِمَجِيءِ قَصَرَ عَنِ الشَّيْءِ كَأقْصَرَ عَنْهُ، وحُكِيَ عَنِ الجَوْهَرِيِّ أنَّ الإقْصارَ كَفٌّ مَعَ قُدْرَةٍ والقَصْرُ كَفٌّ مَعَ عَجْزٍ فَلا يَتِمُّ هَذا عَلَيْهِ، وأمّا دَرّاكٌ وسَآَّرٌ فَقَدْ خُرِّجا عَلى حَذْفِ الزِّيادَةِ تَقْدِيرًا لا اسْتِعْمالًا كَما قالُوا: أبَقَلَ المَكانُ فَهو باقِلٌ وأوْرَسَ الرَّمْثُ فَهو وارِسٌ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وعَلى هَذا خُرِّجَ الرَّشادُ فَيَكُونُ مِن رَشَدَ بِمَعْنى أرْشَدَ تَقْدِيرًا لا اسْتِعْمالًا فَإنَّ المَعْنى عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قِيلَ إذا كانَ المَعْنى عَلى أرْشَدَ فَكَيْفَ أجَزْتَ أنْ يَكُونَ مِن رَشِدَ المَكْسُورِ أوْ مِن

صفحة 66

رَشَدَ المَفْتُوحِ ؟ قِيلَ: المَعْنى راجِعٌ إلى أنَّهُ مُرْشِدٌ لِأنَّهُ إذا رَشَدَ أرْشَدَ لِأنَّ الإرْشادَ مِنَ الرَّشَدِ فَهو مِن بابِ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ السَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ. انْتَهى. وقِيلَ: أُجِيزَ ذَلِكَ لِأنَّ المُبالَغَةَ في الرُّشْدِ تَكُونُ بِالإرْشادِ كَما قَرَّرُوا في قَيُّومٍ وطَهُورٍ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنْ رَشَدَ بِمَعْنى اهْتَدى فالمَعْنى ما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ مَنِ اهْتَدى وعَظُمَ رُشْدُهُ فَلا حاجَةَ إلى ما سَمِعْتَ، وإنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ لَوْ وجَبَ كَوْنُ المَعْنى ما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ مَن كَثُرَ إرْشادُهُ ومِن أيْنَ وجَبَ ذَلِكَ ؟ وجُوِّزَ كَوْنُ فَعّالٍ في هَذِهِ القِراءَةِ لِلنِّسْبَةِ كَما قالُوا: عَوّاجٌ لِبَيّاعِ العاجِ وبَتّاتٌ لِبَيّاعِ البَتِّ وهو كِساءٌ غَلِيظٌ، وقِيلَ: طَيْلَسانٌ مِن خَزٍّ أوْ صُوفٍ، وأنْكَرَ بَعْضُهم كَوْنَ القِراءَةِ عَلى صِيغَةِ فَعّالٍ في كَلامِ فِرْعَوْنَ وإنَّما هي في قَوْلِ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشّادِ، فَإنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ كانَ كَما قالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ وأبُو حاتِمٍ يُفَسِّرُ ﴿سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ عَلى قِراءَتِهِ بِسَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وهو لا يَتَسَنّى في كَلامِ فِرْعَوْنَ كَما لا يَخْفى، وسَتَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مُعاذًا قَرَأ كَذَلِكَ في قَوْلِ المُؤْمِنِ فَلَعَلَّ التَّفْسِيرَ بِسَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كانَ فِيهِ دُونَ كَلامِ فِرْعَوْنَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

40:30Page 470

وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُم مِّثۡلَ يَوۡمِ ٱلۡأَحۡزَابِ ٣٠

And he who believed said, "O my people, indeed I fear for you [a fate] like the day of the companies1 -

﴿وقالَ الَّذِي آمَنَ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الرَّجُلُ المُؤْمِنُ الكاتِمُ إيمانَهُ القائِلُ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ قَوّى اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ وثَبَّتَ قَلْبَهُ فَلَمْ يَهَبْ فِرْعَوْنَ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ فَأتى بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ فَقالَ: ﴿يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ إلى آخِرِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كَلامُ ذَلِكَ المُؤْمِنِ قَدْ تَمَّ، والمُرادُ بِالَّذِي آمَنَ هُنا هو مُوسى نَفْسُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّتْ بِقُوَّةِ كَلامِهِ، وعَلى الأوَّلِ المُعَوَّلُ أيْ قالَ ناصِحًا لِقَوْمِهِ: يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم في تَكْذِيبِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والتَّعَرُّضِ لَهُ بِالسُّوءِ أنْ يَحِلَّ بِكم مِثْلُ ما حَلَّ بِالَّذِينِ تَحَزَّبُوا عَلى أنْبِيائِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، واليَوْمَ واحِدُ الأيّامِ بِمَعْنى الوَقائِعِ وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُها بِذَلِكَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً أوْ بِمَعْناها المَعْرُوفِ لُغَةً، والكَلامُ عَلَيْهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ مِثْلُ حادِثِ يَوْمِ الأحْزابِ.

وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ جَمْعُ اليَوْمِ لَكِنَّ جَمْعَ الأحْزابِ المُضافَ هو إلَيْهِ مَعَ التَّفْسِيرِ بِما بَعْدُ أغْنى عَنْ جَمْعِهِ، والمَعْنى عَلَيْهِ ورُجِّحَ الإفْرادُ بِالخِفَّةِ والِاخْتِصارِ، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ يَوْمَ حُزِّبَ حِزْبٌ بِمَعْنى أنَّ جَمْعَ حِزْبٍ مُرادٌ بِهِ شُمُولُ أفْرادِهِ عَلى طَرِيقِ البَدَلِ وهو تَأْوِيلٌ في الثّانِي وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ.

40:31Page 470

مِثۡلَ دَأۡبِ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ ٣١

Like the custom of the people of Noah and of ʿAad and Thamūd and those after them. And Allāh wants no injustice for [His] servants.

﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ مِثْلُ جَزاءِ دَأْبِهِمْ أيْ عادَتُهُمُ الدّائِمَةُ مِنَ الكُفْرِ وإيذاءِ الرُّسُلِ، وقُدِّرَ المُضافُ لِأنَّ المُخَوَّفَ في الحَقِيقَةِ جَزاءُ العَمَلِ لا هو، وجاءَ هَذا مِن نَصْبِ ( مِثْلَ ) الثّانِي عَلى أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ لِمِثْلِ الأوَّلِ لِأنَّ آخِرَ ما تَناوَلَتْهُ الإضافَةُ قَوْمُ نُوحٍ، ولَوْ قُلْتَ: أهْلَكَ اللَّهُ الأحْزابَ قَوْمَ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ لَمْ يَكُنْ إلّا عَطْفَ بَيانٍ لِإضافَةِ قَوْمٍ إلى أعْلامٍ فَسَرى ذَلِكَ الحُكْمُ إلى أوَّلِ ما تَناوَلَتْهُ الإضافَةُ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو بَدَلٌ مِن ( مِثْلَ ) الأوَّلِ، والِاحْتِياجُ إلى تَقْدِيرِ المُضافِ عَلى حالِهِ ﴿والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ كَقَوْمِ لُوطٍ ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ أيْ فَما فَعَلَ سُبْحانَهُ بِهَؤُلاءِ الأحْزابِ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا بَلْ كانَ عَدْلًا وقِسْطًا لِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهم بِالبَيِّناتِ فَكَذَّبُوهم وتَحَزَّبُوا عَلَيْهِمْ فاقْتَضى ذَلِكَ إهْلاكَهم، وهَذا أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فُصِّلَتْ: 46] مِن حَيْثُ جَعْلِ المَنفِيِّ فِيهِ إرادَةَ الظُّلْمِ لِأنَّ مَن كانَ عَنْ إرادَةِ

صفحة 67

الظُّلْمِ بَعِيدًا كانَ عَنِ الظُّلْمِ نَفْسِهِ أبْعَدَ، وحَيْثُ نُكِّرَ الظُّلْمُ كَأنَّهُ نَفى أنْ يُرِيدَ ظُلْمًا ما لِعِبادِهِ، ويُجَوِّزُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ كَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزُّمُرَ: 7] أيْ لا يُرِيدُ سُبْحانَهُ لَهم أنْ يَظْلِمُوا يَعْنِي أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ دَمَّرَهم لِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا المَعْنى مَرْجُوحٌ لَفْظًا ومَعْنى، ثُمَّ لا حُجَّةَ فِيهِ لِلْمُعْتَزِلَةِ لِثُبُوتِ الفَرْقِ بَيْنَ أرادَهُ مِنهُ وأرادَهُ لَهُ فَلَوْ سُلِّمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُرِيدُ لَهم أنْ يَظْلِمُوا لَمْ يَلْزَمْ أنْ لا يُرِيدَهُ مِنهم والمُمْتَنِعُ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ هو هَذا فَلا احْتِياجَ إلى صَرْفِ الآيَةِ عَنِ الظّاهِرِ عِنْدَهم أيْضًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском