Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ghafir 40:45–55
40:45Page 472
فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُواْۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ ٤٥
So Allāh protected him from the evils they plotted, and the people of Pharaoh were enveloped by the worst of punishment -
﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتارَكَةً والتَّفْرِيعُ في ﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾ عَلى قَوْلِهِ الأخِيرِ: ﴿ويا قَوْمِ ما لِي أدْعُوكُمْ﴾ .. إلَخْ، وجَعَلَهُ مَن جَعَلَ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى ﴿يا قَوْمِ﴾ الثّانِي تَفْرِيعًا عَلى جُمْلَةِ الكَلامِ، وما في ﴿ما مَكَرُوا﴾ مَصْدَرِيَّةٌ و( السَّيِّئاتُ ) الشَّدائِدُ أيْ فَوَقاهُ اللَّهُ تَعالى شَدائِدَ مَكْرِهِمْ ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، فاسْتَغْنى بِذِكْرِهِمْ عَنْ ذِكْرِهِ ضَرُورَةَ أنَّهُ أوْلى مِنهم بِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ آلُ فِرْعَوْنَ شامِلًا لَهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ بِأنْ يُرادَ بِهِمْ مُطْلَقُ كَفَرَةِ القِبْطِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سَبَأ: 13] أنَّهُ شامِلٌ لِداوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانُوا عَلى ما حَكى الأوْزاعِيُّ ولا أعْتَقِدُ صِحَّتَهُ ألْفَيْ ألْفٍ وسِتَّمِائَةِ ألْفٍ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذا المُؤْمِنَ لَمّا أظْهَرَ إيمانَهُ قَصَدَ فِرْعَوْنُ قَتْلَهُ فَهَرَبَ إلى جَبَلٍ فَبَعَثَ في طَلَبِهِ ألْفَ رَجُلٍ
صفحة 73
فَمِنهم مَن أدْرَكَهُ يُصَلِّي والسِّباعُ حَوْلَهُ فَلَمّا هَمُّوا لِيَأْخُذُوهُ ذَبَّتْ عَنْهُ فَأكَلَتْهم، ومِنهم مَن ماتَ في الجَبَلِ عَطَشًا، ومِنهم مَن رَجَعَ إلى فِرْعَوْنَ خائِبًا فاتَّهَمَهُ وقَتَلَهُ وصَلَبَهُ، فالمُرادُ بِآلِ فِرْعَوْنَ هَؤُلاءِ الألْفُ الَّذِينَ بَعَثَهم إلى قَتْلِهِ أيْ فَنَزَلَ بِهِمْ وأصابَهم ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ الغَرَقُ عَلى الأوَّلِ وأكْلُ السِّباعِ والمَوْتُ عَطَشًا والقَتْلُ والصَّلْبُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والنّارُ عَلَيْهِما ولَعَلَّهُ الأوْلى، وإضافَةُ ( سُوءُ ) إلى ( اَلْعَذابِ ) لامِيَّةٌ أوْ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ،
40:46Page 472
ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ ٤٦
The Fire; they are exposed to it morning and evening.1 And the Day the Hour appears [it will be said], "Make the people of Pharaoh enter the severest punishment."
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ﴾ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا﴾ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحاقَ﴾ .. إلَخْ. .
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ( اَلنّارُ ) بَدَلًا مِن ( سُوءُ اَلْعَذابِ ويُعْرَضُونَ ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنها أوْ مِنَ الآلِ، وأنْ تَكُونَ النّارُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ ( سُوءُ اَلْعَذابِ ) كَأنَّهُ قِيلَ: ما سُوءُ العَذابِ ؟ فَقِيلَ: هو النّارُ، وجُمْلَةُ ( يُعْرَضُونَ ) تَفْسِيرٌ عَلى ما مَرَّ، وفي الوَجْهِ الأوَّلِ مِن تَعْظِيمِ أمْرِ النّارِ وتَهْوِيلِ عَذابِها ما لَيْسَ في هَذا الوَجْهِ كَما ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، ومَنشَأُ التَّعْظِيمِ عَلى ما في الكَشْفِ الإجْمالُ والتَّفْسِيرُ في كَيْفِيَّةِ تَعْذِيبِهِمْ وإفادَةُ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ نَوْعًا مِنَ التَّهْوِيلِ. الأُولى الإحاطَةُ بِعَذابٍ يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمّى سُوءَ العَذابِ. والثّانِيَةُ النّارُ المَعْرُوضُ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا. والسِّرُّ في إفادَةِ تَعْظِيمِ النّارِ في هَذا الوَجْهِ دُونَ ما تَضَمَّنَ تَفْسِيرَ ( سُوءُ اَلْعَذابِ ) وبَيانُ كَيْفِيَّةِ التَّعْذِيبِ أنَّكَ إذا فَسَّرْتَ ( سُوءُ اَلْعَذابِ ) بِالنّارِ فَقَدْ بالَغْتَ في تَعْظِيمِ سُوءِ العَذابِ. ثُمَّ اسْتَأْنَفْتَ بِيُعْرَضُونَ عَلَيْها تَتْمِيمًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ﴾ مِن غَيْرِ مَدْخَلٍ لِلنّارِ فِيما سِيقَ لَهُ الكَلامُ، وإذا جِئْتَ بِالجُمْلَتَيْنِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى المُفْرِدِينَ وإنَّ أحَدَهُما تَفْسِيرٌ لِلْآخَرِ فَقَدْ قَصَدْتَ بِالنّارِ قَصْدَ الِاسْتِقْلالِ حَيْثُ جَعَلْتَها مُعْتَمَدَ الكَلامِ وجِئْتَ بِالجُمْلَةِ بَيانًا وإيضاحًا لِلْأُولى كَأنَّكَ قَدْ آذَنْتَ بِأنَّها أوْضَحُ لِاشْتِمالِها عَلى ما لا أسْوَأ مِنهُ أعْنِي النّارَ عَلى أنَّ مِن مُوجِباتِ تَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ إنْباؤُهُ عَنِ التَّعْظِيمِ مَعَ اقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ وها هُنا كَذَلِكَ عَلى ما لا يَخْفى، والتَّرْكِيبُ أيْضًا يُفِيدُ التَّقْوى عَلى نَحْوِ زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ.
ومِن هُنا قالَ صاحِبُ الكَشْفِ: هَذا هو الوَجْهُ، وأُيِّدَ بِقِراءَةِ مَن نَصَبَ ( اَلنّارُ ) بِناءً عَلى أنَّها لَيْسَتْ مَنصُوبَةً بِأخُصُّ أوْ أعْنِي بَلْ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ( يُعْرَضُونَ ) مِثْلَ يُصْلَوْنَ فَإنَّ عَرْضَهم عَلى النّارِ إحْراقُهم بِها مِن قَوْلِهِمْ: عُرِضَ الأسارى عَلى السَّيْفِ قُتِلُوا بِهِ، وهو مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِتَشْبِيهِ حالِهِمْ بِحالِ مَتاعٍ يُبْرَزُ لِمَن يُرِيدُ أخْذَهُ، وفي ذَلِكَ جَعَلَ النّارَ كالطّالِبِ الرّاغِبِ فِيهِمْ لِشِدَّةِ اسْتِحْقاقِهِمُ الهَلاكَ، وهَذا العَرْضُ لِأرْواحِهِمْ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ أنَّ أرْواحَ آلِ فِرْعَوْنَ في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو وتَرُوحُ عَلى النّارِ فَذَلِكَ عَرْضُها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وهَذِهِ الطَّيْرُ صُوَرٌ تُخْلَقُ لَهم مِن صُوَرِ أعْمالِهِمْ، وقِيلَ: ذاكَ مِن بابِ التَّمْثِيلِ ولَيْسَ بِذاكَ، وذِكْرُ الوَقْتَيْنِ ظاهِرٌ في التَّخْصِيصِ بِمَعْنى أنَّهم يُعْرَضُونَ عَلى النّارِ صَباحًا مَرَّةً ومَساءً مَرَّةً أيْ فِيما هو صَباحٌ ومَساءٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ كانَ لَهُ صَرْخَتانِ في كُلِّ يَوْمٍ غَدْوَةً وعَشِيَّةً كانَ يَقُولُ أوَّلَ النَّهارِ: ذَهَبَ اللَّيْلُ وجاءَ النَّهارُ وعَرْضُ آلِ فِرْعَوْنَ عَلى النّارِ، ويَقُولُ أوَّلَ اللَّيْلِ: ذَهَبَ النَّهارُ وجاءَ اللَّيْلُ وعَرْضُ آلِ فِرْعَوْنَ
صفحة 74
عَلى النّارِ فَلا يَسْمَعُ أحَدٌ صَوْتَهُ إلّا اسْتَعاذَ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ النّارِ، والفَصْلُ بَيْنَ الوَقْتَيْنِ إمّا بِتَرْكِ العَذابِ أوْ بِتَعْذِيبِهِمْ بِنَوْعٍ آخَرَ غَيْرِ النّارِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ التَّأْبِيدَ اكْتِفاءً بِالطَّرَفَيْنِ المُحِيطَيْنِ عَنِ الجَمِيعِ، وأيًّا ما كانَ فَفي الآيَةِ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى بَقاءِ النَّفْسِ وعَذابِ البَرْزَخِ لِأنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ذَلِكَ العَرْضَ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ:
﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ وهو ظاهِرٌ في المُغايَرَةِ فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُ ذَلِكَ في البَرْزَخِ، ولا قائِلَ بِالفَرْقِ بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ فَيَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ عَلى العُمُومِ، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ««إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ فَيُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ تَعالى»» ( ويَوْمَ ) عَلى ما اسْتَظْهَرَهُ أبُو حَيّانَ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها أيْ ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ: أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ أيْ عَذابَ جَهَنَّمَ فَإنَّهُ أشَدُّ مِمّا كانُوا فِيهِ أوْ أشَدَّ عَذابِ جَهَنَّمَ فَإنَّ عَذابَها ألْوانٌ بَعْضُها ( أشَدّ ) مِن بَعْضٍ، وعَنْ بَعْضِ أشَدِّ العَذابِ هو عَذابُ الهاوِيَةِ، وقِيلَ: هو مَعْمُولُ ﴿أدْخِلُوا﴾ .
وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى ( عَشِيًّا ) فالعامِلُ فِيهِ ( يُعْرَضُونَ وأدْخِلُوا ) عَلى إضْمارِ القَوْلِ وهو كَما تَرى، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ والحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ كَثِيرٍ، والعَرَبِيّانِ وأبُو بَكْرٍ «ادْخُلُوا» عَلى أنَّهُ أمَرٌ لِآلِ فِرْعَوْنَ بِالدُّخُولِ أيِ ادْخُلُوا يا آلَ فِرْعَوْنَ،
40:47Page 472
وَإِذۡ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا نَصِيبٗا مِّنَ ٱلنَّارِ ٤٧
And [mention] when they will argue within the Fire, and the weak will say to those who had been arrogant, "Indeed, we were [only] your followers, so will you relieve us of a share of the Fire?"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَتَحاجُّونَ في النّارِ﴾ مَعْمُولٌ لِاذْكُرْ مَحْذُوفًا أيْ واذْكُرْ وقْتَ تَخاصُمِهِمْ في النّارِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ لا عَلى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ ما تُلِيَ عَلَيْكَ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وفِرْعَوْنَ ومُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ ولا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ [غافِرَ: 4] أوْ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ [غافِرَ: 18] لِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّقْدِيرِ في الأوَّلِ وبُعْدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ في الأخِيرَيْنِ.
وزَعَمَ الطَّبَرِيُّ أنَّ ( إذْ ) مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾ [غافِرَ: 18] وهو مَعَ بُعْدِهِ فِيهِ ما فِيهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى ﴿غُدُوًّا﴾ وجُمْلَةُ ( يَوْمَ تَقُومُ ) اعْتِراضٌ بَيْنِهِما وهو مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ الظّاهِرِ قَلِيلُ الفائِدَةِ، وضَمِيرُ يَتَحاجُّونَ عَلى ما اخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ لِجَمِيعِ كُفّارِ الأُمَمِ، ويَتَراءى مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: هو لِآلِ فِرْعَوْنَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ تَفْصِيلٌ لِلْمُحاجَّةِ والتَّخاصُمِ في النّارِ أيْ يَقُولُ المَرْءُوسُونَ لِرُؤَسائِهِمْ: ﴿إنّا كُنّا﴾ في الدُّنْيا ﴿لَكم تَبَعًا﴾ تَباعًا فَهو كَخَدَمٍ في جَمْعِ خادِمٍ.
وذَهَبَ جَمْعٌ لِقِلَّةِ هَذا الجَمْعِ إلى أنَّ ( تَبَعًا ) مَصْدَرٌ إمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إنّا كُنّا لَكم ذَوِي تَبَعٍ أيْ أتْباعًا أوْ عَلى التَّجَوُّزِ في الظَّرْفِ أوِ الإسْنادِ لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِهِمْ لِشِدَّةِ تَبَعِيَّتِهِمْ كَأنَّهم عَيْنُ التَّبَعِيَّةِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيبًا مِنَ النّارِ﴾ بِدَفْعِ بَعْضِ عَذابِها أوْ بِتَحَمُّلِهِ عَنّا، ( ومُغْنُونَ ) مِنَ الغَناءِ بِالفَتْحِ بِمَعْنى الفائِدَةِ، ( ونَصِيبًا ) بِمَعْنى حِصَّةٍ مَفْعُولٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الدَّفْعِ أوِ الحَمْلِ أوَّلَهُ بِتَضْمِينِ أحَدِهِما أيْ دافِعِينَ أوْ حامِلِينَ عَنّا نَصِيبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصِيبًا قائِمًا مَقامَ المَصْدَرِ كَشَيْئًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آلَ عِمْرانَ: 116] . ( ومِنَ اَلنّارِ ) عَلى هَذا مُتَعَلِّقٌ - بِمُغْنُونَ - وعَلى ما قَبْلَهُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ بَيانٌ - لَنَصِيبًا. .
40:48Page 472
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُلّٞ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ حَكَمَ بَيۡنَ ٱلۡعِبَادِ ٤٨
Those who had been arrogant will say, "Indeed, all [of us] are in it. Indeed, Allāh has judged between the servants."
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ لِلضُّعَفاءِ ﴿إنّا كُلٌّ فِيها﴾ نَحْنُ وأنْتُمْ
صفحة 75
فَكَيْفَ نُغْنِي عَنْكم ولَوْ قَدَرْنا لَدَفَعْنا عَنْ أنْفُسِنا شَيْئًا مِنَ العَذابِ ورَفْعُ ( كُلٌّ ) عَلى الِابْتِداءِ وهو مُضافٌ تَقْدِيرًا لِأنَّ المُرادَ كُلُّنا ( وفِيها ) خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ.
وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ «كُلًّا» بِالنَّصْبِ، وأخْرَجَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُ تَوْكِيدٌ لِاسْمِ إنَّ، وكَوْنُ كُلٍّ المَقْطُوعِ عَنِ الإضافَةِ يَقَعُ تَأْكِيدًا اكْتِفاءً بِأنَّ المَعْنى عَلَيْها مَذْهَبُ الفَرّاءِ ونَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ الكُوفِيِّينَ ورَدَّهُ ابْنُ مالِكٍ في شَرْحِهِ لِلتَّسْهِيلِ، وقِيلَ: هو حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ في مَعْنى المُضافِ ولِذا جازَ الِابْتِداءُ بِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ حالًا، وإذا سُلِّمَ كِفايَةُ هَذا المِقْدارِ مِنَ التَّنْكِيرِ في الحالِيَّةِ فالظَّرْفُ لا يَعْمَلُ في الحالِ المُتَقَدِّمَةِ كَما يَعْمَلُ في الظَّرْفِ المُتَقَدِّمِ نَحْوَ كُلُّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ.
وأُجِيبَ عَنْ أمْرِ العَمَلِ بِأنَّ الأخْفَشَ أجازَ عَمَلَ الظَّرْفِ في الحالِ إذا تَوَسَّطَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُبْتَدَأِ نَحْوَ زَيْدٌ قائِمًا في الدّارِ عِنْدَكَ وما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَذَلِكَ، عَلى أنَّ بَعْضَهم أجازَ ذَلِكَ ولَوْ تَقَدَّمَتِ الحالُ عَلى المُبْتَدَأِ والظَّرْفِ نَعَمْ مَنَعَهُ بَعْضُهم مُطْلَقًا لَكِنَّ المُخْرِجَ لَمْ يُقَلِّدْهُ، وابْنُ الحاجِبِ جَوَّزَهُ في بَعْضِ كُتُبِهِ ومَنَعَهُ في بَعْضٍ، قِيلَ: وقَدْ يُوَفَّقُ بَيْنَهُما بِأنَّ المَنعَ عَلى تَقْدِيرِ عَمَلِ الظَّرْفِ لِنِيابَتِهِ عَنْ مُتَعَلِّقِهِ، والجَوازُ عَلى جَعْلِ العامِلِ مُتَعَلِّقُهُ المُقَدَّرِ فَيَكُونُ لَفْظِيًّا لا مَعْنَوِيًّا، وإلى هَذا التَّخْرِيجِ ذَهَبَ ابْنُ مالِكٍ وأنْشَدَ لَهُ قَوْلَ بَعْضِ الطّائِيِّينَ:
دَعا فَأجَبْنا وهو بادِي ذِلَّةٍ لَدَيْكم فَكانَ النَّصْرُ غَيْرَ قَرِيبِ
وحُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزُّمُرَ: 67] في قِراءَةِ النَّصْبِ عَلى ذَلِكَ، وقالَ أبُو حَيّانَ:
الَّذِي أخْتارُهُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ كُلًّا بَدَلٌ مِنَ اسْمِ إنَّ لَأنَّ كُلًّا يَتَصَرَّفُ فِيها بِالِابْتِداءِ ونَواسِخِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ كُلًّا فِيها. وإذا كانُوا قَدْ تَأوَّلُوا حَوْلًا أكْتَعا ويَوْمًا أجْمَعا عَلى البَدَلِ مَعَ أنَّهُما لا يَلِيانِ العَوامِلَ فَأنْ يُدَّعى في كُلٍّ البَدَلُ أوْلى، وأيْضًا فَتَنْكِيرُ ( كُلٌّ ) ونَصْبُهُ حالًا في غايَةِ الشُّذُوذِ نَحْوَ مَرَرْتُ بِهِمْ كُلًّا أيْ جَمِيعًا. ثُمَّ قالَ: فَإنْ قُلْتَ:
كَيْفَ تَجْعَلُهُ بَدَلًا وهو بَدَلُ كُلٍّ مِن كُلٍّ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وهو لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ ؟ قُلْتُ: مَذْهَبُ الأخْفَشِ. والكُوفِيِّينَ جَوازُهُ وهو الصَّحِيحُ، عَلى أنَّ هَذا لَيْسَ مِمّا وقَعَ فِيهِ الخِلافُ بَلْ إذا كانَ البَدَلُ يُفِيدُ الإحاطَةَ جازَ أنْ يُبْدَلَ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وضَمِيرِ المُخاطَبِ لا نَعْلَمُ خِلافًا في ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائِدَةَ: 114] وكَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِكم صَغِيرِكم وكَبِيرِكم مَعْناهُ مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم وتَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا، فَإذا جازَ ذَلِكَ فِيما هو بِمَعْنى الإحاطَةِ فَجَوازُهُ فِيما دَلَّ عَلى الإحاطَةِ وهو ( كُلٌّ ) أوْلى ولا التِفاتَ لِمَنعِ المُبَرِّدِ البَدَلَ فِيهِ لِأنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِأنَّهُ لَمْ يُحَقِّقْ مَناطَ الخِلافِ. انْتَهى. ولَعَلَّ القَوْلَ بِالتَّوْكِيدِ أحْسَنُ مِن هَذا وأقْرَبُ، ورَدُّ ابْنِ مالِكٍ لَهُ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ﴿إنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبادِ﴾ فَأدْخَلَ أهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلَ النّارِ النّارَ، وقَدَّرَ لِكُلٍّ مِنّا ومِنكم عَذابًا لا يُدْفَعُ عَنْهُ ولا يَتَحَمَّلُهُ عَنْهُ غَيْرُهُ
40:49Page 472
وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ يُخَفِّفۡ عَنَّا يَوۡمٗا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٤٩
And those in the Fire will say to the keepers of Hell, "Supplicate your Lord to lighten for us a day from the punishment."
﴿وقالَ الَّذِينَ في النّارِ﴾ مِنَ الضُّعَفاءِ والمُسْتَكْبِرِينَ جَمِيعًا لِما ضاقَتْ بِهِمُ الحِيَلُ وعَيَتَ بِهِمُ العِلَلُ ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ لِلْقُوّامِ بِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ، وكانَ الظّاهِرُ - لِخَزَنَتِها - بِضَمِيرِ النّارِ لَكِنْ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَهُ لِلتَّهْوِيلِ، فَإنَّ جَهَنَّمَ أخَصُّ مِنَ النّارِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِإطْلاقِها عَلى ما في الدُّنْيا أوْ لِأنَّها مَحَلٌّ لِأشَدِّ العَذابِ الشّامِلِ لِلنّارِ وغَيْرِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِبَيانِ مَحَلِّ الكَفَرَةِ في النّارِ بِأنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ أبْعَدَ دَرَكاتِها مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ جَهْنامٌ بَعِيدَةُ القَعْرِ وفِيها أعْتى الكَفَرَةِ وأطْغاهم، فَلَعَلَّ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِعَذابِ أُولَئِكَ أجُوبُ دَعْوَةً لِزِيادَةِ قُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلِهَذا تَعَمَّدَهم أهْلُ النّارِ بِطَلَبِ الدَّعْوَةِ
صفحة 76
مِنهم وقالُوا لَهم: ﴿ادْعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عَنّا يَوْمًا﴾ أيْ مِقْدارَ يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا ﴿مِنَ العَذابِ﴾ أيْ شَيْئًا مِنَ العَذابِ، فَمَفْعُولُ ( يُخَفِّفْ ) مَحْذُوفٌ، ( ومِنَ ) تَحْتَمِلُ البَيانَ والتَّبْعِيضَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ ( يَوْمًا ) بِحَذْفِ المُضافِ نَحْوَ ألَمِ يَوْمٍ ( ومِنَ اَلْعَذابِ ) بَيانُهُ، والمُرادُ يَدْفَعُ عَنّا يَوْمًا مِن أيّامِ العَذابِ:
40:50Page 473
قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ تَكُ تَأۡتِيكُمۡ رُسُلُكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ قَالُواْ بَلَىٰۚ قَالُواْ فَٱدۡعُواْۗ وَمَا دُعَٰٓؤُاْ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٍ ٥٠
They will say, "Did there not come to you your messengers with clear proofs?" They will say, "Yes." They will reply, "Then supplicate [yourselves], but the supplication of the disbelievers is not except in error [i.e., futility]."
﴿قالُوا أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ لَمْ تُنَبَّهُوا عَلى هَذا ولَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ بِالحُجَجِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى سُوءِ مَغَبَّةِ ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾ هَذا وأرادُوا بِذَلِكَ إلْزامَهم وتَوْبِيخَهم عَلى إضاعَةِ أوْقاتِ الدُّعاءِ وتَعْطِيلِ أسْبابِ الإجابَةِ ﴿قالُوا بَلى﴾ أيْ أتَوْنا بِها فَكَذَّبْناهم كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [المُلْكَ: 9] والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا فادْعُوا﴾ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فادْعُوا أنْتُمْ فَإنَّ الدُّعاءَ لِمَن يَفْعَلُ فِعْلَكم ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ صُدُورُهُ عَنّا، وقِيلَ: في تَعْلِيلِ امْتِناعِ الخَزَنَةِ عَنِ الدُّعاءِ: لِأنّا لَمْ نُؤْذَنْ في الدُّعاءِ لِأمْثالِكم، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَعَ عِرائِهِ عَنْ بَيانٍ أنَّ سَبَبَهُ مِن قِبَلِ الكَفَرَةِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ رُبَّما يُوهِمُ أنَّ الإذْنَ في حَيِّزِ الإمْكانِ وأنَّهم لَوْ أُذِنَ لَهم لَفَعَلُوا فالتَّعْلِيلُ الأوَّلُ أوْلى، ولَمْ يُرِيدُوا بِأمْرِهِمْ بِالدُّعاءِ إطْماعَهم في الإجابَةِ بَلْ إقْناطَهم مِنها وإظْهارَ خَيْبَتِهِمْ حَيْثُما صَرَّحُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾ أيْ في ضَياعٍ وبُطْلانٍ أيْ لا يُجابُ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ، وقِيلَ: هي مِن كَلامِهِ تَعالى إخْبارًا مِنهُ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ . واسْتَدَلَّ بِها مُطْلَقًا مَن قالَ: إنَّ دُعاءَ الكافِرِ لا يُسْتَجابُ وإنَّهُ لا يُمَكَّنُ مِنَ الخُرُوجِ في الِاسْتِسْقاءِ، والحَقُّ أنَّ الآيَةَ في دُعاءِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ وأنَّ الكافِرَ قَدْ يَقَعُ في الدُّنْيا ما يَدْعُو بِهِ ويَطْلُبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إثْرَ دُعائِهِ كَما يَشْهَدُ بِذَلِكَ آياتٌ كَثِيرَةٌ، وأمّا أنَّهُ هَلْ يُقالُ لِذَلِكَ إجابَةٌ أمْ لا فَبَحْثٌ لا جَدْوى لَهُ،
40:51Page 473
إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ ٥١
Indeed, We will support Our messengers and those who believe during the life of this world and on the Day when the witnesses will stand -
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ .. إلَخْ. كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ أنَّ ما أصابَ الكَفَرَةَ مِنَ العَذابِ المَحْكِيِّ مِن فُرُوعِ حُكْمٍ كُلِّيٍّ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ هو أنَّ شَأْنَنا المُسْتَمِرَّ أنَّنا نَنْصُرُ رُسُلَنا وأتْباعَهم ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِالحُجَّةِ والظَّفَرِ والِانْتِقامِ لَهم مِنَ الكَفَرَةِ بِالِاسْتِئْصالِ والقَتْلِ والسَّبْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوباتِ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ ما قَدْ يَتَّفِقُ لِلْكَفَرَةِ مِن صُورَةِ الغَلَبَةِ امْتِحانًا إذِ العِبْرَةُ إنَّما هي بِالعَواقِبِ وغالِبِ الأمْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ﴿ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ أيْ ويَوْمَ القِيامَةِ عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِكَيْفِيَّةِ النُّصْرَةِ وأنَّها تَكُونُ عِنْدَ جَمْعِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ وشَهادَةِ الإشْهادِ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ وعَلى الكَفَرَةِ بِالتَّكْذِيبِ، فالأشْهادُ جَمْعُ شَهِيدٍ بِمَعْنى شاهِدٍ كَأشْرافٍ جَمْعِ شَرِيفٍ، وقِيلَ: جَمْعُ شاهِدٍ بِناءً عَلى أنَّ فاعِلًا قَدْ يُجْمَعُ عَلى أفْعالٍ، وبَعْضُ مَن لَمْ يُجَوِّزْ يَقُولُ: هو جَمْعُ شَهْدٍ بِالسُّكُونِ اسْمُ جَمْعٍ لِشاهِدٍ كَما قالُوا في صَحْبٍ بِالسُّكُونِ اسْمُ جَمْعٍ لِصاحِبٍ، وفَسَّرَ بَعْضُهم ( اَلْأشْهادُ ) بِالجَوارِحِ ولَيْسَ بِذاكَ، وهو عَلَيْهِما مِنَ الشَّهادَةِ، وقِيلَ: هو مِنَ المُشاهَدَةِ بِمَعْنى الحُضُورِ.
وفِي الحَواشِي الخَفاجِيَّةِ أنَّ النُّصْرَةَ في الآخِرَةِ لا تَتَخَلَّفُ أصْلًا بِخِلافِها في الدُّنْيا فَإنَّ الحَرْبَ فِيها سِجالٌ وإنْ كانَتِ العاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ولِذا دَخَلَتْ ( في ) عَلى ( اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا ) دُونَ قَرِينِهِ لِأنَّ الظَّرْفَ المَجْرُورَ بِفي لا يَسْتَوْعِبُ كالمَنصُوبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَما ذَكَرَهُ الأُصُولِيُّونَ. انْتَهى. وفِيهِ بَحْثٌ.
صفحة 77
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ وإسْماعِيلُ وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو «تَقُومُ» بِتاءِ التَّأْنِيثِ عَلى مَعْنى جَماعَةِ الأشْهادِ.
40:52Page 473
يَوۡمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّٰلِمِينَ مَعۡذِرَتُهُمۡۖ وَلَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٥٢
The Day their excuse will not benefit the wrongdoers, and they will have the curse, and they will have the worst home [i.e., Hell].
﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ( يَوْمَ يَقُومُ ) ولا قِيلَ: تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنَفْيِ النَّفْعِ فَقَطْ عَلى مَعْنى أنَّهم يَعْتَذِرُونَ ولا يَنْفَعُهم مَعْذِرَتُهم لِبُطْلانِها وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِنَفْيِ النَّفْعِ والمَعْذِرَةِ عَلى مَعْنى لا تَقَعُ مَعْذِرَةٌ لِتَنْفَعَ، وفي الكَشّافِ يُحْتَمَلُ أنَّهم يَعْتَذِرُونَ بِمَعْذِرَةٍ ولَكِنَّها لا تَنْفَعُ لِأنَّها باطِلَةٌ وأنَّهم لَوْ جاءُوا بِمَعْذِرَةٍ لَمْ تَكُنْ مَقْبُولَةً لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: 36] وأرادَ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ عَدَمَ النَّفْعِ إمّا لِأمْرٍ راجِعٍ إلى المَعْذِرَةِ الكائِنَةِ وهو بُطْلانُها، وإمّا لِأمْرٍ راجِعٍ إلى مَن يَقْبَلُ العُذْرَ ولا نَظَرَ فِيهِ إلى وُقُوعِ العُذْرِ والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ بِالنَّفْيِ الصِّفَةُ ولا نَظَرَ فِيهِ إلى المَوْصُوفِ نَفْيًا أوْ إثْباتًا، ولَيْسَ في كَلامِهِ إشارَةٌ إلى إرادَةِ نَفْيِهِما جَمِيعًا فَتَدَبَّرْ، وقَرَأ غَيْرُ الكُوفِيِّينَ ونافِعٌ «لا تَنْفَعُ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، ووَجْهُها ظاهِرٌ، وأمّا قِراءَةُ الياءِ فَلِأنَّ المَعْذِرَةَ مَصْدَرٌ وتَأْنِيثُهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ مَعَ أنَّهُ فُصِلَ عَنِ الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ ﴿ولَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أيِ البُعْدُ مِنَ الرَّحْمَةِ.
﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ هي جَهَنَّمُ وسُوءُها ما يَسُوءُ فِيها مِنَ العَذابِ فَإضافَتُهُ لامِيَّةٌ أوْ هي مِن إضافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أيِ الدّارُ السُّوأى، ولا يَخْفى ما في الجُمْلَتَيْنِ مِن إهانَتِهِمْ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ
40:53Page 473
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡهُدَىٰ وَأَوۡرَثۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٥٣
And We had certainly given Moses guidance, and We caused the Children of Israel to inherit the Scripture
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى﴾ ما يُهْتَدى بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ والصُّحُفِ والشَّرائِعِ فَهو مَصْدَرٌ تُجُوِّزَ بِهِ عَمّا ذَكَرَ أوْ جُعِلَ عَيْنَ الهُدى مُبالَغَةً فِيهِ.
﴿وأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ تَرَكْنا عَلَيْهِمْ بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ذَلِكَ التَّوْراةَ فالإيراثُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنِ التَّرْكِ أوْ هو اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى جَعَلْنا بَنِي إسْرائِيلَ آخِذِينَ الكِتابَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِلا كَسْبٍ فَيَشْمَلُ مَن في حَياتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما يُقالُ: العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ، وهو وجْهٌ إلّا أنَّ اعْتِبارَ بَعْدَ المَوْتِ أوْفَقُ في الإيراثِ والعَلاقَةَ عَلَيْهِ أتَمُّ، وإرادَةُ التَّوْراةِ مِنَ الكِتابِ هو الظّاهِرُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ جِنْسَ ما أُنْزِلَ عَلى أنْبِيائِهِمْ فَيَشْمَلُ التَّوْراةَ والزَّبُورَ والإنْجِيلَ
40:54Page 473
هُدٗى وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٥٤
As guidance and a reminder for those of understanding.
﴿هُدًى وذِكْرى﴾ هِدايَةً وتَذْكِرَةً أيْ لِأجْلِهِما أوْ هادِيًا ومُذَكِّرًا فَهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿لأُولِي الألْبابِ﴾ لِذَوِي العُقُولِ السَّلِيمَةِ الخالِصَةِ مِن شَوائِبِ الوَهْمِ، وخُصُّوا لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ
40:55Page 473
فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٥٥
So be patient, [O Muḥammad]. Indeed, the promise of Allāh is truth. And ask forgiveness for your sin1 and exalt [Allāh] with praise of your Lord in the evening and the morning.
﴿فاصْبِرْ﴾ أيْ إذا عَرَفْتَ ما قَصَصْناهُ عَلَيْكَ لِلتَّأسِّي فاصْبِرْ عَلى ما نالَكَ مِن أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ إيّاكَ والمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أوْ جَمِيعَ مَواعِيدِهِ تَعالى ويَدْخُلُ فِيهِ وعْدُهُ سُبْحانَهُ بِالنَّصْرِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿حَقٌّ﴾ لا يَخْلُفُهُ سُبْحانَهُ أصْلًا فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِ نَصْرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ لَكَ ولِلْمُؤْمِنِينَ، واسْتَشْهَدَ بِحالِ مُوسى ومَن مَعَهُ وفِرْعَوْنَ ومَن تَبِعَهُ ﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أقْبِلْ عَلى أمْرِ الدِّينِ وتَلافَ ما رُبَّما يَفْرُطُ مِمّا يُعَدُّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكَ ذَنْبًا وإنْ لَمْ يَكُنْهُ، ولَعَلَّ ذَلِكَ هو الِاهْتِمامُ بِأمْرِ العِدا بِالِاسْتِغْفارِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى كافِيكَ في النَّصْرِ وإظْهارِ الأمْرِ، وقِيلَ: ﴿لِذَنْبِكَ﴾ لِذَنْبِ أُمَّتِكَ في حَقِّكَ، قِيلَ: فَإضافَةُ المَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ أيْ ودُمْ عَلى التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ لِرَبِّكَ عَلى أنَّهُ عُبِّرَ بِالطَّرَفَيْنِ وأُرِيدَ جَمِيعُ الأوْقاتِ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ خُصُوصُ الوَقْتَيْنِ، والمُرادُ بِالتَّسْبِيحِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ أوِ الصَّلاةِ، قالَ قَتادَةُ: أُرِيدَ صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، وعَنِ الحَسَنِ أُرِيدَ رَكْعَتانِ بُكْرَةً ورَكْعَتانِ عَشِيًّا، قِيلَ: لِأنَّ الواجِبَ بِمَكَّةَ كانَ ذَلِكَ، وقَدْ قَدَّمْنا
صفحة 78
أنَّ الحِسَّ لا يَقُولُ بِفَرْضِيَّةِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ بِمَكَّةَ فَقِيلَ: كانَ يَقُولُ بِفَرْضِيَّةِ رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً ورَكْعَتَيْنِ عَشِيًّا.
وقِيلَ: إنَّهُ يَقُولُ كانَ الواجِبُ رَكْعَتَيْنِ في أيِّ وقْتٍ اتَّفَقَ، والكُلُّ مُخالِفٌ لِلصَّرِيحِ المَشْهُورِ، وجُوِّزَ عَلى إرادَةِ الدَّوامِ أنْ يُرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ ويُرادَ بِذَلِكَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وحُكِيَ ذَلِكَ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences