Al-AlusiGhafir · 40:7–9

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:7–9

40:7Page 467

ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْۖ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ٧

Those [angels] who carry the Throne and those around it exalt [Allāh] with praise of their Lord and believe in Him and ask forgiveness for those who have believed, [saying], "Our Lord, You have encompassed all things in mercy and knowledge, so forgive those who have repented and followed Your way and protect them from the punishment of Hellfire.

﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ﴾ وهو جِسْمٌ عَظِيمٌ لَهُ قَوائِمُ الكُرْسِيِّ وما تَحْتَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ.

صفحة 45

وفِي بَعْضِ الآثارِ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى العَرْشَ مِن جَوْهَرَةٍ خَضْراءَ وبَيْنَ القائِمَتَيْنِ مِن قَوائِمِهِ خَفَقانُ الطَّيْرِ المُسْرِعِ ثَمانِينَ ألْفَ عامٍ. وذَكَرَ بَعْضُهم في سِعَتِهِ أنَّهُ لَوْ مُسِحَ مُقَعَّرُهُ بِجَمِيعِ مِياهِ الدُّنْيا مَسْحًا خَفِيفًا لَقَصُرَتْ عَنِ اسْتِيعابِهِ ويَزْعُمُ أهْلُ الهَيْئَةِ ومَن وافَقَهم أنَّهُ كُرَيٌّ وأنَّهُ المُحَدَّدُ وفَلَكُ الأفْلاكِ وأنَّهُ كَسائِرِ الأفْلاكِ لا يُوصَفُ بِثِقَلٍ ولا خِفَّةٍ ولَيْسَ لَهم في ذَلِكَ خَبَرٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ بَلِ الأخْبارُ ظاهِرَةٌ في خِلافِهِ.

والظّاهِرُ أنَّ الحَمْلَ عَلى حَقِيقَتِهِ وحَمَلَتُهُ مَلائِكَةٌ عِظامٌ.

أخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ قَدْ مَرَقَتْ رِجْلاهُ الأرْضَ السّابِعَةَ السُّفْلى والعَرْشُ عَلى مَنكِبَيْهِ وهو يَقُولُ: سُبْحانَكَ أيْنَ كُنْتُ وأيْنَ تَكُونُ».

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وجَماعَةٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جابِرٍ بِلَفْظِ ««أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ تَعالى مِن حَمَلَةِ العَرْشِ ما بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ عامٍ»» وهم عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ ثَمانِيَةٌ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ هارُونَ بْنِ رَبابٍ قالَ: حَمَلَةُ العَرْشِ ثَمانِيَةٌ يَتَجاوَبُونَ بِصَوْتٍ رَخِيمٍ يَقُولُ أرْبَعَةٌ مِنهم سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عَفْوِكَ وأرْبَعَةٌ مِنهم سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ عَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ أبِي قُبَيْلٍ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَقُولُ: حَمَلَةُ العَرْشِ ثَمانِيَةٌ ما بَيْنَ مَوْقِ أحَدِهِمْ إلى مُؤَخَّرِ عَيْنَيْهِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ ويَوْمَ القِيامَةِ ثَمانِيَةٌ.

أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبٍ قالَ: حَمَلَةُ العَرْشِ أرْبَعَةٌ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أُيِّدُوا بِأرْبَعَةٍ آخَرِينَ، مَلَكٌ مِنهم في صُورَةِ إنْسانٍ يَشْفَعُ لِبَنِيآدَمَ في أرْزاقِهِمْ، ومَلَكٌ مِنهم في صُورَةِ نَسْرٍ يَشْفَعُ لِلطَّيْرِ في أرْزاقِهِمْ، ومَلَكٌ مِنهم في صُورَةِ ثَوْرٍ يَشْفَعُ لِلْبَهائِمِ في أرْزاقِهِمْ، ومَلَكٌ مِنهم في صُورَةِ أسَدٍ يَشْفَعُ لِلسِّباعِ في أرْزاقِهِمْ فَلَمّا حَمَلُوا العَرْشَ وقَعُوا عَلى رُكَبِهِمْ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى فَلُقِّنُوا لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ فاسْتَوَوْا قِيامًا عَلى أرْجُلِهِمْ.

وجاءَ رِوايَةً عَنْ وهْبٍ أيْضًا أنَّهم يَحْمِلُونَ العَرْشَ عَلى أكْتافِهِمْ وهو الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ ظاهِرُ خَبَرِ أبِي هُرَيْرَةَ السّابِقِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ حِبّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: حَمَلَةُ العَرْشِ ثَمانِيَةٌ أقْدامُهم مُثَبَّتَةٌ في الأرْضِ السّابِعَةِ ورُؤُوسُهم قَدْ جاوَزَتِ السَّماءَ السّابِعَةَ وقُرُونُهم مِثْلُ طُولِهِمْ عَلَيْها العَرْشُ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم خُشُوعٌ لا يَرْفَعُونَ طَرْفَهم، وفي بَعْضِها لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَرْفَعُوا أبْصارَهم مِن شُعاعِ النُّورِ، وهم عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي أُمامَةَ يَتَكَلَّمُونَ بِالفارِسِيَّةِ أيْ إذا تَكَلَّمُوا بِغَيْرِ التَّسْبِيحِ وإلّا فالظّاهِرُ أنَّهم يُسَبِّحُونَ بِالعَرَبِيَّةِ، عَلى أنَّ الخَبَرَ اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. وفي بَعْضِ الآثارِ عَنْ وهْبٍ أنَّهم لَيْسَ لَهم كَلامٌ إلّا أنْ يَقُولُوا قُدُّوسٌ اللَّهُ القَوِيُّ مَلَأتْ عَظَمَتُهُ السَّماواتِ والأرْضَ، وما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بُعَيْدَ هَذا في الآيَةِ يَأْبى ظاهِرُهُ الحَصْرَ ﴿ومَن حَوْلَهُ﴾ أيْ والَّذِينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ وهم مَلائِكَةٌ في غايَةِ الكَثْرَةِ لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ تَعالى.

وقِيلَ: حَوْلَ العَرْشِ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ يَطُوفُونَ بِهِ مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ ومِن ورائِهِمْ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ قِيامٌ قَدْ وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى عَواتِقِهِمْ رافِعِينَ أصْواتَهم بِالتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ ومِن ورائِهِمْ مِائَةُ ألْفِ صَفٍّ قَدْ وضَعُوا الأيْمانَ عَلى الشَّمائِلِ ما مِنهم أحَدٌ إلّا وهو يُسَبِّحُ بِما لا يُسَبِّحُ بِهِ الآخَرُ. وذُكِرَ في كَثْرَتِهِمْ

صفحة 46

أنَّ مَخْلُوقاتِ البَرِّ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ البَحْرِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ الجَوِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الدُّنْيا والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الثّانِيَةِ وهَكَذا إلى السَّماءِ السّابِعَةِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ الكُرْسِيِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ المَلائِكَةِ الحافِّينَ بِالعَرْشِ، ولا نِسْبَةَ بَيْنَ مَجْمُوعِ المَذْكُورِ وما يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى مِن جُنُودِهِ سُبْحانَهُ ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ [المُدَّثِّرَ: 31] ويُقالُ لِحَمَلَةِ العَرْشِ والحافِّينَ بِهِ الكَرُوبِيُّونَ جَمْعَ كَرُوبِيٍّ بِفَتْحِ الكافِ وضَمِّ الرّاءِ المُهْمَلَةِ المُخَفَّفَةِ وتَشْدِيدُها خَطَأٌ ثُمَّ واوٌ بَعْدَها ياءٌ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ ياءٌ مُشَدَّدَةٌ مِن كَرُبَ بِمَعْنى قَرُبَ، وقَدْ تَوَقَّفَ بَعْضُهم في سَماعِهِ مِنَ العَرَبِ وأثْبَتَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ واسْتَشْهَدَ لَهُ بِقَوْلِهِ:

كَرُوبِيَّةٌ مِنهم رُكُوعٌ وسُجَّدُ

وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى المُبالَغَةِ في القُرْبِ لِصِيغَةِ فَعُولٍ والياءِ الَّتِي تُزادُ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: مِنَ الكَرْبِ بِمَعْنى الشِّدَّةِ والحُزْنِ وكَأنَّ وصْفَهم بِذَلِكَ لِأنَّهم أشَدُّ المَلائِكَةِ خَوْفًا.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الكَرُوبِيِّينَ حَمَلَةُ العَرْشِ وأنَّهم أوَّلُ المَلائِكَةِ وُجُودًا ومِثْلُهُ لا يُعْرَفُ إلّا بِسَماعٍ. وعَنِ البَيْهَقِيِّ أنَّهم مَلائِكَةُ العَذابِ وكَأنَّ ذَلِكَ إطْلاقٌ آخَرُ مِنَ الكَرْبِ بِمَعْنى الشِّدَّةِ والحُزْنِ، وقالَ ابْنُ سِينا في رِسالَةِ المَلائِكَةِ: الكَرُوبِيُّونَ هُمُ العامِرُونَ لِعَرَصاتِ التِّيهِ الأعْلى الواقِفُونَ في المَوْقِفِ الأكْرَمِ زُمُرًا النّاظِرُونَ إلى المَنظَرِ الأبْهى نَظَرًا وهُمُ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ والأرْواحُ المُبَرَّءُونَ، وأمّا المَلائِكَةُ العامِلُونَ فَهم حَمَلَةُ العَرْشِ والكُرْسِيِّ وعُمّارُ السَّماواتِ. انْتَهى. .

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ حَمْلَ العَرْشِ مَجازٌ عَنْ تَدْبِيرِهِ وحِفْظِهِ مِن أنْ يَعْرِضَ لَهُ ما يُخِلُّ بِهِ أوْ بِشَيْءٍ مِن أحْوالِهِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وجَعَلُوا القَرِينَةَ عَقْلِيَّةً لِأنَّ العَرْشَ ( كَرَيّ ) في حَيِّزِهِ الطَّبِيعِيِّ فَلا يَحْتاجُ إلى حَمْلٍ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الحُكَماءِ وأكْثَرِ المُتَكَلِّمِينَ، وكَذا ذَهَبُوا إلى أنَّ الحَفِيفَ والطَّوافَ بِالعَرْشِ كِنايَةٌ أوْ مَجازٌ عَنِ القُرْبِ مِن ذِي العَرْشِ سُبْحانَهُ ومَكانَتِهِمْ عِنْدَهُ تَعالى وتَوَسُّطِهِمْ في نَفاذِ أمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ، والحَقُّ الحَقِيقَةُ في المَوْضِعَيْنِ وما ذُكِرَ مِنَ القَرِينَةِ العَقْلِيَّةِ في حَيِّزِ المَنعِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وفِرْقَةٌ «العُرُشَ» بِضَمِّ العَيْنِ فَقِيلَ: هو جَمْعُ عَرْشٍ كَسُقُفٍ وسَقْفٍ أوْ لُغَةٌ في العَرْشِ، والمَوْصُولُ الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ والثّانِي عَطْفٌ عَلَيْهِ والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَيانِ أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم في المَحَلِّ الأعْلى مُثابِرُونَ عَلى وِلايَةِ مَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ونُصْرَتِهِمْ واسْتِدْعاءِ ما يُسْعِدُهم في الدّارَيْنِ أيْ يُنَزِّهُونَهُ تَعالى عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ كالجِسْمِيَّةِ وكَوْنِ العَرْشِ حامِلًا لَهُ عَزَّ وجَلَّ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى نَعْمائِهِ الَّتِي لا تَتَناهى.

﴿ويُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إيمانًا حَقِيقِيًّا كامِلًا، والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مَعَ الغِنى عَنْ ذِكْرِهِ رَأْسًا لِإظْهارِ فَضِيلَةِ الإيمانِ وإبْرازِ شَرَفِ أهْلِهِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ دُعائِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإنَّ المُشارَكَةَ في الإيمانِ أقْوى المُناسَباتِ وأتَمُّها وأدْعى الدَّواعِي إلى النُّصْحِ والشَّفَقَةِ وإنْ تَخالَفَتِ الأجْناسُ وتَباعَدَتِ الأماكِنُ، وفِيهِ عَلى ما قِيلَ: إشْعارٌ بِأنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ وسُكّانَ الفَرْشِ سَواءٌ في الإيمانِ بِالغَيْبِ إذْ لَوْ كانَ هُناكَ مُشاهَدَةٌ لِلُزُومِها مِنَ الحَمْلِ بِناءً عَلى العادَةِ الغالِبَةِ أوْ عَلى أنَّ العَرْشَ جِسْمٌ شَفّافٌ لا يَمْنَعُ الأبْصارَ البَتَّةَ لَمْ يَقُلْ يُؤْمِنُونَ لِأنَّ الإيمانَ هو التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ أعْنِي العِلْمَ أوْ ما يَقُومُ مَقامَهُ مَعَ اعْتِرافٍ وإنَّما يَكُونُ في الخَبَرِ ومَضْمُونِهِ مِن مُعْتَقَدٍ عِلْمِيٍّ أوْ ظَنِّيٍّ ناشِئٍ مِنَ البُرْهانِ أوْ قَوْلِ الصّادِقِ كَأنَّهُ اعْتَرَفَ بِصِدْقِ المُخْبِرِ أوِ البُرْهانِ

صفحة 47

وأمّا العِيانُ فَيُغْنِي عَنِ البَيانِ، فَفي ذَلِكَ رَمْزٌ إلى الرَّدِّ عَلى المُجَسِّمَةِ، ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لا تُفَضِّلُونِي عَلى ابْنِ مَتّى»» كَذا قِيلَ، ويَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ كَوْنَ حَمَلَةِ العَرْشِ لا يَرَوْنَهُ عَزَّ وجَلَّ بِالحاسَّةِ لا يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ رُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ إيّاهُ تَعالى في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ يَقُولُونَ رَبَّنا.. إلَخْ، والجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ عَلى أنَّها تَفْسِيرٌ - لِيَسْتَغْفِرُونَ - أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها عَطْفُ بَيانٍ عَلى تِلْكَ الجُمْلَةِ بِناءً عَلى جَوازِهِ في الجُمَلِ أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يَسْتَغْفِرُونَ ) .

وفُسِّرَ اسْتِغْفارُهم عَلى هَذا الوَجْهِ بِشَفاعَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ وحَمْلِهِمْ عَلى التَّوْبَةِ بِما يُفِيضُونَ عَلى سَرائِرِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِغْفارُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ المُفَسَّرُ بِتَرْكِ مُعاجَلَةِ العِقابِ وإدْرارِ الرِّزْقِ والِارْتِفاقِ بِما خَلَقَ مِنَ المَنافِعِ الجَمَّةِ ونَحْوَ ذَلِكَ وهو وإنْ لَمْ يَخُصَّ المُؤْمِنِينَ لَكِنَّهم أصْلٌ فِيهِ فَتَخْصِيصُهم هُنا بِالذِّكْرِ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ، والأظْهَرُ كَوْنُ الجُمْلَةِ تَفْسِيرًا، ونُصِبَ ( رُحْمًا وعِلْمًا ) عَلى التَّمْيِيزِ وهو مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ والأصْلُ وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ كُلَّ شَيْءٍ وحُوِّلَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِهِ عَزَّ وجَلَّ بِالرَّحْمَةِ والعِلْمِ حَيْثُ جُعِلَتْ ذاتُهُ سُبْحانَهُ كَأنَّها عَيْنُ الرَّحْمَةِ والعِلْمِ مَعَ التَّلْوِيحِ إلى عُمُومِها لِأنَّ نِسْبَةَ جَمِيعِ الأشْياءِ إلَيْهِ تَعالى مُسْتَوِيَةٌ فَتَقْتَضِي اسْتِواءَها في شُمُولِهِما، ووَصْفُهُ تَعالى بِكَمالِ الرَّحْمَةِ والعِلْمِ كالتَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ .. إلَخْ، وتَسَبُّبُ المَغْفِرَةِ عَنِ الرَّحْمَةِ ظاهِرٌ، وأمّا تَسَبُّبُها عَنِ العِلْمِ فَلِأنَّ المَعْنى فاغْفِرْ لِلَّذِينِ عَلِمْتَ مِنهُمُ التَّوْبَةَ أيْ مِنَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا بِناءً عَلى أنَّهُ المُتَبادَرُ مِنَ الإطْلاقِ واتِّباعِ سَبِيلِكَ وهو سَبِيلُ الحَقِّ الَّتِي نَهَجَها اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ ودَعا إلَيْها الإسْلامُ أيْ عِلْمُكَ الشّامِلُ المُحِيطُ بِما خَفِيَ وما عَلَنَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى طِهارَتِهِمْ مِن كُدُوراتِ الرِّياءِ والهَوى فَإنَّ ذَلِكَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ.

ويَتَضَمَّنُ التَّمْهِيدُ المَذْكُورُ الإشارَةَ إلّا أنَّ الرَّحْمَةَ الواسِعَةَ والعِلْمَ الشّامِلَ يَقْتَضِيانِ أنْ يَنالَ هَؤُلاءِ الفَوْزَ العَظِيمَ والقِسْطَ الأعْلى مِنَ الرِّضْوانِ وفِيهِ إيماءٌ إلى مَعْنى:

إنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا

فَإنَّ العَبْدَ وإنْ بالَغَ حَقَّ المُبالَغَةِ في أداءِ حُقُوقِهِ تَعالى فَهو مُقَصِّرٌ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ولا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَتِهِ»» وتَقْدِيمُ الرَّحْمَةِ لِأنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ ها هُنا، وفي تَصْدِيرِ الدُّعاءِ بِرَبِّنا مِنَ الِاسْتِعْطافِ ما لا يَخْفى ولِذا كَثُرَ تَصْدِيرُ الدُّعاءِ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ أيْ واحْفَظْهم عَنْهُ تَصْرِيحٌ بَعْدَ تَلْوِيحٍ لِلتَّأْكِيدِ فَإنَّ الدُّعاءَ بِالمَغْفِرَةِ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى شِدَّةِ العَذابِ.

40:8Page 468

رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٨

Our Lord, and admit them to gardens of perpetual residence which You have promised them and whoever was righteous among their forefathers, their spouses and their offspring. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise.

﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ أيْ وعَدْتَهم إيّاها فالمَفْعُولُ الآخَرُ مُقَدَّرٌ والمُرادُ وعَدْتَهم دُخُولَها، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِزِيادَةِ الِاسْتِعْطافِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ «( جَنَّة ) عَدْنٍ» بِالإفْرادِ وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ ﴿ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ عُطِفَ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ( أدْخِلْهم ) أيْ وأدْخِلْ مَعَهم هَؤُلاءِ لِيَتِمَّ سُرُورُهم ويَتَضاعَفَ ابْتِهاجُهم، وجَوَّزَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ في ﴿وعَدْتَهُمْ﴾ أيْ وعَدْتَهم ووَعَدْتَ مَن صَلَحَ.. إلَخْ. فَقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ الوَعْدُ العامُّ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَبْقى عَلى هَذا لِلْعَطْفِ وجْهٌ فالمُرادُ الوَعْدُ الخاصُّ بِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطُّورَ: 21]، والظّاهِرُ العَطْفُ عَلى الأوَّلِ والدُّعاءُ بِالإدْخالِ

صفحة 48

فِيهِ صَرِيحٌ، وفي الثّانِي ضِمْنِيٌّ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالصَّلاحِ الصَّلاحُ المُصَحِّحُ لِدُخُولِ الجَنَّةِ وإنْ كانَ دُونَ صَلاحِ المَتْبُوعِينَ، وقَرَأ ابْنُ عَبْلَةَ «صَلُحَ» بِضَمِّ اللّامِ يُقالُ: صَلَحَ فَهو صَلِيحٌ وصَلُحَ فَهو صالِحٌ، وقَرَأ عِيسى «ذُرِّيَتَهم» بِالإفْرادِ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾ أيِ الغالِبُ الَّذِي لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَقْدُورٌ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الباهِرَةُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إدْخالُ مَن طُلِبَ إدْخالُهُمُ الجَنّاتِ فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.

40:9Page 468

وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمۡتَهُۥۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩

And protect them from the evil consequences [of their deeds]. And he whom You protect from evil consequences that Day - You will have given him mercy. And that is the great attainment."

﴿وقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ العُقُوباتِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وإطْلاقُ السَّيِّئَةِ عَلى العُقُوبَةِ لِأنَّها سَيِّئَةٌ في نَفْسِها، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها المَعْنى المَشْهُورُ وهو المَعاصِي والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ وقَهِمْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ أوْ تَجُوزُ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، وأيًّا ما كانَ فَلا يَتَكَرَّرُ هَذا مَعَ ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ بَلْ هو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ لِشُمُولِهِ العُقُوبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةَ مُطْلَقًا أوِ الدُّعاءُ الأوَّلُ لِلْمَتْبُوعِينَ وهَذا لِلتّابِعِينَ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالسَّيِّئاتِ المَعْنى المَشْهُورُ بِدُونِ تَقْدِيرِ مُضافٍ ولا تَجُوزُ أيِ المَعاصِي أيْ وقِهِمُ المَعاصِيَ في الدُّنْيا ووِقايَتُهم مِنها حِفْظُهم عَنِ ارْتِكابِها وهو دُعاءٌ بِالحِفْظِ عَنْ سَبَبِ العَذابِ بَعْدَ الدُّعاءِ بِالحِفْظِ عَنِ المُسَبَّبِ وهو العَذابُ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الأنْسَبَ عَلى هَذا تَقْدِيمُ هَذا الدُّعاءِ عَلى ذاكَ ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ المُؤاخَذَةِ ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ ويُقالُ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَ العَمَلِ أيْ في الدُّنْيا فَقَدْ رَحِمْتَهُ في الآخِرَةِ وأيَّدَ هَذا الوَجْهَ بِأنَّ المُتَبادَرَ مِن يَوْمَئِذٍ الدُّنْيا لِأنَّ ( إذْ ) تَدُلُّ عَلى المُضِيِّ، وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ ﴿وذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الرَّحْمَةِ المَفْهُومَةِ مِن رَحْمَتِهِ أوْ إلى الوِقايَةِ المَفْهُومَةِ مِن فِعْلِها أوْ إلى مَجْمُوعِهِما، وأمْرُ التَّذْكِيرِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ وكَذا أمْرُ الإفْرادِ عَلى الِاحْتِمالِ الأخِيرِ ظاهِرٌ ﴿هُوَ الفَوْزُ﴾ أيِ الظَّفَرُ ﴿العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا مَطْمَعَ وراءَهُ لِطامِعٍ، هَذا وإلى كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينِ تابُوا الَّذِينَ تابُوا مِنَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ في السَّيِّئاتِ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ هي الصَّغائِرُ أوِ الكَبائِرُ المَتُوبُ عَنْها، وذَكَرَ أنَّ الوِقايَةَ مِنها التَّكْفِيرُ أوْ قَبُولُ التَّوْبَةِ وأنَّ هَؤُلاءِ المُسْتَغْفَرَ لَهم تائِبُونَ صالِحُونَ مِثْلُ المَلائِكَةِ في الطَّهارَةِ وأنَّ الِاسْتِغْفارَ لَهم بِمَنزِلَةِ الشَّفاعَةِ وفائِدَتُهُ زِيادَةُ الكَرامَةِ والثَّوابِ فَلا يَضُرُّ كَوْنُهم مَوْعُودِينَ المَغْفِرَةَ واللَّهُ تَعالى لا يُخْلِفُ المِيعادَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في ذِكْرِ الرَّحْمَةِ والمُبالَغَةِ فِيها إذا كانَ المَغْفُورُ لَهُ مِثْلَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في الطَّهارَةِ وأيُّ حاجَةٍ إلى الِاسْتِغْفارِ فَضْلًا عَنِ المُبالَغَةِ، وأنَّ ما قالَهُ في السَّيِّئاتِ لا يَجُوزُ فَإنَّ إسْقاطَ عُقُوبَةِ الكَبِيرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ واجِبٌ في مَذْهَبِهِ وما كانَ فِعْلُهُ واجِبًا كانَ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ عَبَثًا قَبِيحًا عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وكَذا إسْقاطُ عُقُوبَةِ الصَّغِيرَةِ فَلا يَحْسُنُ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِزِيادَةِ مَنفَعَةٍ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُسَمّى مَغْفِرَةً، حَكى هَذا الطَّيِّبِيُّ عَنِ الإمامِ ثُمَّ قالَ: فَحِينَئِذٍ يَجِبُ القَوْلُ بِأنَّ المُرادَ بِالتَّوْبَةِ التَّوْبَةُ عَنِ الشِّرْكِ كَما قالَ الواحِدِيُّ فاغْفِرْ لِلَّذِينِ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ أيْ دِينَكَ الإسْلامَ، فَإنْ قُلْتَ: لَوْ لَمْ يَكُنِ التَّوْبَةُ مِنَ المَعاصِي مُرادًا لَكانَ يَكْفِي أنْ يَقُولُوا: فاغْفِرْ لِلَّذِينِ آمَنُوا لِيُطابِقَ السّابِقَ، قُلْتُ: واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ هو قَرِيبٌ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مِن غَيْرِ اللَّفْظِ السّابِقِ وبَيانُهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا﴾ الآيَةَ جاءَ مَفْصُولًا عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فالآيَةُ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الِاسْتِغْفارِ لا لِحالِ المُسْتَغْفَرِ لَهم، ووَصْفُهُمُ المُمَيَّزُ يُعْرَفُ بِالذَّوْقِ، وأمّا فائِدَةُ العُدُولِ عَنِ المُضْمَرِ وأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: فاغْفِرْ لَهم بَلْ قِيلَ:

صفحة 49

لِلَّذِينِ تابُوا فَهي أنَّ المَلائِكَةَ كَما عَلَّلُوا الغُفْرانَ في حَقِّ مُفِيضِ الخَيْراتِ جَلَّ شَأْنُهُ بِالعِلْمِ الشّامِلِ والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ عَلَّلُوا قابِلَ الفَيْضِ أيْضًا بِالتَّوْبَةِ عَنِ الشِّرْكِ واتِّباعِ سَبِيلِ الإسْلامِ، فَإنْ قُلْتَ: هَذِهِ التَّوْبَةُ إنَّما تَصِحُّ في حَقِّ مَن سَبَقَ شِرْكُهُ عَلى إسْلامِهِ دُونَ مَن وُلِدَ مُسْلِمًا ودامَ عَلَيْهِ، قُلْتُ: الآيَةُ نازِلَةٌ في زَمَنِ الصَّحابَةِ وجُلُّهُمُ انْتَقَلُوا مِنَ الشِّرْكِ إلى الإسْلامِ ولَوْ قِيلَ: فاغْفِرْ لِمَن لَمْ يُشْرِكْ لَخَرَجُوا فَغُلِّبَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَلى سُنَنِ جَمِيعِ الأحْكامِ. انْتَهى. ولَعَمْرِي إنَّ لِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالًا أيَّ مَجالٍ.

وفِي الكَشْفِ إنَّما اخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ ما اخْتارَهُ عَلى ما قالَ الواحِدِيُّ مِن أنَّ التَّوْبَةَ عَنِ الشِّرْكِ لِأنَّ التَّوْبَةَ عِنْدَ الإطْلاقِ تَنْصَرِفُ إلى التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا عَلى أنَّ فِيهِ تَكْرارًا إذْ ذاكَ لِأنَّ التّائِبَ عَنِ الشِّرْكِ هو المُسْلِمُ، وقَدْ فَسَّرَ مُتَّبِعِ السَّبِيلِ في هَذا القَوْلِ بِهِ وإذا شَرَطَ حَمَلَةُ العَرْشِ ومَن حَوْلَهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ صَلاحَ التّابِعِ وهو الذُّرِّيَّةُ مَعَ ما ورَدَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطُّورَ: 21] فَما بالُ المَتْبُوعِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الصَّلاحَ مِن أخَصِّ أوْصافِ المُؤْمِنِ وكَفاكَ دُعاءُ إبْراهِيمَ ويُوسُفَ عَلَيْهِما السَّلامُ في الإلْحاقِ بِالصّالِحِينَ شاهِدًا، وأمّا أنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى الدُّعاءِ فَجَوابُهُ أنَّهُ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِلْحاجَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِنا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وما ورَدَ فِيهِ مِنَ الفَضائِلِ والمَعْلُومُ حُصُولُهُ مِنهُ تَعالى يَحْسُنُ طَلَبُهُ فَإنَّ الدُّعاءَ في نَفْسِهِ عِبادَةٌ ويُوجِبُ لِلدّاعِي والمَدْعُوِّ لَهُ مِنَ الشَّرَفِ ما لا يَتَقاعَدُ عَنْ حُصُولِ أصْلِ الثَّوابِ، ثُمَّ إنَّ الوِقايَةَ عَنِ السَّيِّئاتِ إنْ كانَتْ بِمَعْنى التَّكْفِيرِ وقَعَ الكَلامُ في أنَّ السَّيِّئاتِ المُكَفَّرَةَ ما هي ولا خَفاءَ أنَّ النُّصُوصَ دالَّةٌ عَلى تَكْفِيرِ التَّوْبَةِ لِلسَّيِّئاتِ كُلِّها وأنَّ الصَّغائِرَ مُكَفَّراتٌ ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِها بِهِ كَما ذُكِرَ وإنْ كانَ مَعْناها أنْ يُعْفى عَنْها ولا يُؤاخَذَ بِها كَما هو قَوْلُ الواحِدِيِّ ومُخْتارُ الإمامِ ومَنِ ائْتَمَّ بِهِ فَيَنْبَغِي أنْ يُنْظُرَ أنَّ الوِقايَةَ في أيِّ المَعْنَيَيْنِ أظْهَرُ وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ وما يُفِيدُهُ مِنَ المُبالَغَةِ عَلى نَحْوِ مَن أدْرَكَ مَرْعى الصُّمّانِ فَقَدْ أدْرَكَ.

وتَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ في شَأْنِ المُقَصِّرِينَ أظْهَرُ أوْ شَأْنِ المُكَفَّرِينَ، ومِن هَذا التَّقْرِيرِ قَدْ لاحَ أنَّ هَذا الوَجْهَ ظاهِرٌ هَذا السِّياقُ وأنَّهُ يُوافِقُ أصْلَ الفَرِيقَيْنِ ولَيْسَ فِيهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْفُو عَنِ الكَبائِرِ بِلا تَوْبَةٍ أوْ لا يَعْفُو فَلا يُنافِي جَوازُهُ مِن أدِلَّةٍ أُخْرى إلى آخِرِ ما قالَ وهو كَلامٌ حَسَنٌ وإنْ كانَ في بَعْضِهِ كَحَدِيثِ التَّكْرارِ وكَوْنُ الصَّلاحِ في الآيَةِ ما هو مِن أخَصِّ أوْصافِ المُؤْمِنِ نَوْعَ مُناقَشَةٍ، وقَدْ يُرَجَّحُ كَوْنُ المُرادِ بِالتَّوْبَةِ التَّوْبَةَ مِنَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا دُونَ التَّوْبَةِ عَنِ الشِّرْكِ فَقَطْ بِأنَّ المُتَبادَرَ مِن ﴿وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ وقِ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ذَلِكَ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن نُفُوذِ الوَعِيدِ في طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ العاصِينَ وتَعْذِيبِهِمْ في النّارِ فَيَكُونُ الدُّعاءُ بِحِفْظِ كُلٍّ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ مُحَرَّمًا.

وقَدْ نَصُّوا عَلى حُرْمَةِ أنْ يُقالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ جَمِيعَ ذُنُوبِهِمْ لِذَلِكَ، ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ عَلى كَوْنِ الدُّعاءِ لِلتّائِبِينَ الصّالِحِينَ، وحَمْلُ الإضافَةِ عَلى العَهْدِ بِأنْ يُرادَ بِعَذابِ الجَحِيمِ ما كانَ عَلى سَبِيلِ الخُلُودِ لا يَخْفى حالُهُ والِاعْتِراضُ بِلُزُومِ الدُّعاءِ بِمَعْلُومِ الحُصُولِ عَلى كَوْنِ المُرادِ بِالتَّوْبَةِ ذَلِكَ بِخِلافِ ما إذا أُرِيدَ بِها التَّوْبَةُ عَنِ الشِّرْكِ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ ذَلِكَ إذِ المَعْنى عَلَيْهِ فاغْفِرْ لِلَّذِينِ تابُوا عَنِ الشِّرْكِ ذُنُوبَهُمُ الَّتِي لَمْ يَتُوبُوا عَنْها وغُفْرانُ تِلْكَ الذُّنُوبِ غَيْرُ مَعْلُومِ الحُصُولِ قَدْ عُلِمَ جَوابُهُ مِمّا في الكَشْفِ، عَلى أنَّ في كَوْنِ الغُفْرانِ لِلتّائِبِ مَعْلُومَ الحُصُولِ خِلافًا أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلَ السُّورَةِ. نَعَمْ هَذا اللُّزُومُ ظاهِرٌ في قَوْلِهِمْ: ﴿وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ ونَظِيرُ ذَلِكَ ما ورَدَ في الدُّعاءِ

صفحة 50

إثْرَ الأذانِ وابْعَثْهُ مَقامًا مَحْمُودًا الَّذِي وعَدْتَهُ، وقَدْ أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ وهو أنَّ سَبْقَ الوَعْدِ لا يَسْتَدْعِي حُصُولَ المَوْعُودِ بِلا تَوَسُّطِ دُعاءٍ.

وبِالجُمْلَةِ لا بَأْسَ بِحَمْلِ التَّوْبَةِ عَلى التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا ولا يَلْزَمُ مِنَ القَوْلِ بِهِ القَوْلُ بِشَيْءٍ مِن أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ فَتَأمَّلْ وأنْصِفْ،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском