Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Fussilat 41:12–20, continued
وما تَقَدَّمَ مِن حَمْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ عَلى التَّمْثِيلِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّهُما نَطَقَتا نُطْقًا حَقِيقِيًّا وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهُما حَياةً وإدْراكًا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أحْسَنُ لِأنَّهُ لا شَيْءَ يَدْفَعُهُ وأنَّ العِبْرَةَ فِيهِ أتَمُّ والقُدْرَةَ فِيهِ أظْهَرُ، ولا يَخْفى أنَّ المَعْنى الأوَّلَ أبْلَغُ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ لِلْجَماداتِ إدْراكًا لائِقًا بِها قالَ بِظاهِرِ الآيَةِ ولَعَلَّها إحْدى أدِلَّتِهِ عَلى ذَلِكَ. وذَكَرَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّ كُلَّ سَماءٍ بِما مَيَّزَها عَنِ السَّماءِ الأُخْرى مِنَ الذّاتِيّاتِ وجَعَلَ ذَلِكَ وجْهًا في جَمْعِ السَّماواتِ وإفْرادِ الأرْضِ. وقَرَأ الأعْمَشُ «أوْ كُرْهًا» بِضَمِّ الكافِ، قالَ أبُو حَيّانَ: والأصَحُّ أنَّها لُغَةٌ في الإكْراهِ عَلى الشَّيْءِ، والأكْثَرُ عَلى أنَّ الكُرْهَ بِالضَّمِّ مَعْناهُ المَشَقَّةُ
41:13Page 478
فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ ١٣
But if they turn away, then say, "I have warned you of a thunderbolt like the thunderbolt [that struck] ʿAad and Thamūd.
﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أإنَّكُمْ﴾ .. إلَخْ. أيْ فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ التَّدَبُّرِ فِيما ذَكَرَ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ أوْ عَنِ الإيمانِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿فَقُلْ﴾ لَهم: ﴿أنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ أُنْذِرُكم، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الإنْذارِ المُنْبِئِ عَنْ تَحَقُّقِ المُنْذَرِ ﴿صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ﴾ أيْ عَذابًا مِثْلَ عَذابِهِمْ قالَهُ قَتادَةُ، وهو ظاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الصّاعِقَةَ تَأْتِي في اللُّغَةِ بِمَعْنى العَذابِ، ومَنَعَ ذَلِكَ بَعْضُهم وجَعَلَ ما ذَكَرَ مَجازًا، والمُرادُ عَذابًا شَدِيدَ الوَقْعِ كَأنَّهُ صاعِقَةٌ مِثْلُ صاعِقَتِهِمْ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ أعْلَمْتُكم حُلُولَ صاعِقَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ والسُّلَمِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ «صَعْقَةً مِثْلَ صَعْقَةِ» بِغَيْرِ ألِفٍ فِيهِما وسُكُونِ العَيْنِ وهي المَرَّةُ مِنَ الصَّعْقِ أوِ الصَّعْقُ ويُقالُ: صَعَقَتْهُ الصّاعِقَةُ صَعْقًا فَصَعَقَ صَعْقًا بِالفَتْحِ أيْ هَلَكَ بِالصّاعِقَةِ المُصِيبَةِ لَهُ
41:14Page 478
إِذۡ جَآءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ قَالُواْ لَوۡ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ فَإِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ١٤
[That occurred] when the messengers had come to them before them and after them, [saying], "Worship not except Allāh." They said, "If our Lord had willed,1 He would have sent down the angels, so indeed we, in that with which you have been sent, are disbelievers."
﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ﴾ أيْ جاءَتْ عادًا وثَمُودَ فَفِيهِ إطْلاقُ الجَمْعِ عَلى الِاثْنَيْنِ وهو شائِعٌ وكَذا ( اَلرُّسُلُ )
صفحة 110
وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ ما يَعُمُّ رَسُولَ الرَّسُولِ، وجُوِّزَ في الأوَّلِ أنْ يَكُونَ بِاعْتِبارِ أفْرادِ القَبِيلَتَيْنِ، وذَكَرُوا في ( إذْ ) أوْجُهًا مِنَ الإعْرابِ. الأوَّلُ أنَّهُ ظَرْفٌ لِأنْذَرْتُكم. الثّانِي أنَّهُ صِفَةٌ لِصاعِقَةٍ الأُولى، وأُورِدَ عَلَيْهِما لُزُومُ كَوْنِ إنْذارِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والصّاعِقَةِ الَّتِي أنْذَرَ بِها واقِعَيْنِ في وقْتِ مَجِيءِ الرُّسُلِ عادًا وثَمُودَ ولَيْسَ كَذَلِكَ. الثّالِثُ أنَّهُ صِفَةٌ لِصاعِقَةٍ الثّانِيَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ حَذْفُ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ وهو غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ أوْ وصْفُ المَعْرِفَةِ بِالنَّكِرَةِ. الرّابِعُ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ أنَّهُ مَعْمُولٌ لِصاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِها العَذابُ وإلّا فَهي بِالمَعْنى المَعْرُوفِ جُثَّةٌ لا يَتَعَلَّقُ بِها الظَّرْفُ وفِيهِ شَيْءٌ لا يَخْفى. الخامِسُ واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ حالٌ مِنها لِأنَّها مُعَرَّفَةٌ بِالإضافَةِ، وبَعْضُهم يُجَوِّزُ كَوْنَهُ حالًا مِنَ الأُولى أيْضًا لِتَخَصُّصِها بِالوَصْفِ بِالمُتَخَصِّصِ بِالإضافَةِ فَتَكُونُ الأوْجُهُ سِتَّةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَتْهم، والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ لِعادٍ وثَمُودَ، والجِهَتانِ كِنايَةٌ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ عَلى ما عُرِفَ في مِثْلِهِ أيْ أتَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، والمُرادُ بِإتْيانِهِمْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ بَذْلُ الوُسْعِ في دَعْوَتِهِمْ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمُ الزَّمَنُ الماضِي وبِما خَلْفَهُمُ المُسْتَقْبَلُ وبِالعَكْسِ واسْتُعِيرَ فِيهِ ظَرْفُ المَكانِ لِلزَّمانِ والمُرادُ جاءُوهم بِالإنْذارِ عَمّا جَرى عَلى أمْثالِهِمُ الكَفَرَةِ في الماضِي وبِالتَّحْذِيرِ عَمّا سَيَحِيقُ بِهِمْ في الآخِرَةِ.
ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ المُضافِ إلَيْهِ لِلرُّسُلِ والمُرادُ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ المُتَقَدِّمُونَ والمُتَأخِّرُونَ عَلى تَنْزِيلِ مَجِيءِ كَلامِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ إلى الحَقِّ مَنزِلَةَ مَجِيءِ أنْفُسِهِمْ فَإنَّ هُودًا وصالِحًا كانا داعِيَيْنِ لَهم إلى الإيمانِ بِهِما وبِجَمِيعِ الرُّسُلِ مِمَّنْ جاءَ مِن بَيْنَ أيْدِيهِمْ ومِمَّنْ يَجِيءُ مِن خَلْفِهِمْ فَكَأنَّ الرُّسُلَ قَدْ جاءُوهم وخاطَبُوهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ألّا تَعْبُدُوا إلّا اَللَّهَ ) ورُوِيَ هَذا الوَجْهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ. ونَصَّ بَعْضُ الأجِلَّةِ عَلى أنَّ ( مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ) عَلَيْهِ حالٌ مِنَ الرُّسُلِ لا مُتَعَلِّقٌ بِجاءَتْهم، وجَمْعُ الرُّسُلِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَوْنُ الرُّسُلِ مِن بَيْنَ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ كِنايَةً عَنِ الكَثْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ [النَّحْلَ: 112] وقالَ الطَّبَرِيُّ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ لِعادٍ وثَمُودَ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ لِلرُّسُلِ وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ فِيهِ خُرُوجًا عَنِ الظّاهِرِ في تَفْرِيقِ الضَّمائِرِ وتَعْمِيَةِ المَعْنى إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنَ أيْدِيهِمْ وجاءَتْهم مِن خَلْفِ الرُّسُلِ أيْ مِن خَلْفِ أنْفُسِهِمْ، وهَذا مَعْنى لا يُتَعَقَّلُ إلّا إنْ كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا في ( مِن خَلْفِهِمْ ) عَلى الرُّسُلِ لَفْظًا وهو عائِدٌ عَلى رُسُلٍ آخَرِينَ مَعْنًى فَكَأنَّهُ قِيلَ: جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنَ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِ رُسُلٍ آخَرِينَ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِمْ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ أيْ ونِصْفُ دِرْهَمٍ آخَرَ، وبُعْدُهُ لا يَخْفى.
وخُصِّ بِالذِّكْرِ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ عادٌ وثَمُودُ لِعِلْمِ قُرَيْشٍ بِحالِهِما ولِوُقُوفِهِمْ عَلى بِلادِهِمْ في اليَمَنِ والحِجْرِ، و( أنْ ) يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِمَجِيءِ الرُّسُلِ لِأنَّهُ بِالوَحْيِ وبِالشَّرائِعِ فَيَتَضَمَّنُ مَعْنى القَوْلِ و( لا ) ناهِيَةً وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ولا ناهِيَةً أيْضًا، والمَصْدَرِيَّةُ قَدْ تُوصَلُ بِالنَّهْيِ كَما تُوصَلُ بِالأمْرِ عَلى كَلامٍ فِيهِ، وجَعَلَ الحَوْفِيُّ ( لا ) نافِيَةً و( أنْ ) ناصِبَةً لِلْفِعْلِ، وقِيلَ: إنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ ومَعَها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّها إنَّما تَقَعُ بَعْدَ أفْعالِ اليَقِينِ وأنَّ خَبَرَ بابِ أنْ لا يَكُونُ طَلَبًا إلّا بِتَأْوِيلٍ، وقَدْ يُدْفَعُ بِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ وأنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ كالوَحْيِ مَعْنًى فَيَكُونُ مِثْلَهُ في وُقُوعِ أنْ بَعْدَهُ لِتَضَمُّنِهِ ما يُفِيدُ اليَقِينَ كَما أشارَ إلَيْهِ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ المُسْتَغْنى عَنْهُ وعَلى احْتِمالِ كَوْنِها مَصْدَرِيَّةً وكَوْنِها مُخَفَّفَةً يَكُونُ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ
صفحة 111
الجَرِّ أيْ بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا﴾ مَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ إرْسالَ الرُّسُلِ أيْ لَوْ شاءَ رَبُّنا إرْسالَ الرُّسُلِ ﴿لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ أيْ لَأرْسَلَهم لَكِنْ لَمّا كانَ إرْسالُهم بِطَرِيقِ الإنْذارِ قِيلَ: لَأنْزَلَ، قِيلَ: ولَمْ يُقَدِّرْ إنْزالَ المَلائِكَةِ بِناءً عَلى أنَّ الشّائِعَ تَقْدِيرُ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ بَعْدَ لَوِ الشَّرْطِيَّةِ مِن مَضْمُونِ الشَّرْطِ لِأنَّهُ عارٍ عَنْ إفادَةِ ما أرادُوهُ مِن نَفْيِ إرْسالِهِ تَعالى البَشَرَ والشّائِعُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّما التَّقْدِيرُ لَوْ شاءَ رَبُّنا إنْزالَ مَلائِكَةٍ بِالرِّسالَةِ مِنهُ إلى الإنْسِ لَأنْزَلَهم بِها إلَيْهِمْ، وهَذا أبْلَغُ في الِامْتِناعِ مِن إرْسالِ البَشَرِ إذْ عَلَّقُوا ذَلِكَ بِإنْزالِ المَلائِكَةِ وهو سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَشاؤُوهُ في البَشَرِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ.
﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُمْ بِهِ عَلى زَعْمِكم، وفِيهِ ضَرْبُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ ﴿كافِرُونَ﴾ لِما أنَّكم بَشَرٌ مِثْلُنا لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، والفاءُ فاءُ النَّتِيجَةِ السَّبَبِيَّةِ فَيَكُونُ في الكَلامِ إيماءٌ إلى قِياسٍ اسْتِثْنائِيٍّ أيْ لَكِنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَعْلِيلِيَّةً لِشَرْطِيَّتِهِمْ أيْ إنَّما قُلْنا ذَلِكَ لِأنّا مُنْكِرُونَ لِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَما نُنْكِرُ رِسالَتَكم، و( ما ) كَما أشَرْنا إلَيْهِ مَوْصُولَةٌ، وكَوْنُها مَصْدَرِيَّةً وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ خِلافُ الظّاهِرِ، أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ. وابْنُ عَساكِرَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «قالَ أبُو جَهْلٍ والمَلَأُ مِن قُرَيْشٍ قَدِ التَبَسَ عَلَيْنا أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَوِ التَمَسْتُمْ رَجُلًا عالِمًا بِالسِّحْرِ والكِهانَةِ والشِّعْرِ فَكَلَّمَهُ ثُمَّ أتانا بِبَيانٍ مِن أمْرِهِ، فَقالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ: واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ الشِّعْرَ والكِهانَةَ والسِّحْرَ وعَلِمْتُ مِن ذَلِكَ عِلْمًا وما يَخْفى ( عَلَيَّ ) إنْ كانَ كَذَلِكَ فَأتاهُ فَقالَ لَهُ يا مُحَمَّدُ أنْتَ خَيْرٌ أمْ هاشِمٌ أنْتَ خَيْرٌ أمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ قالَ: فَبِمَ تَشْتُمُ آلِهَتَنا وتُضَلِّلُ آباءَنا فَإنْ كُنْتَ إنَّما بِكَ الرِّياسَةُ عَقَدْنا ألْوِيَتَنا لَكَ، وإنْ كانَ المالَ جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا ما تَسْتَغْنِي بِهِ أنْتَ وعَقِبُكَ مِن بَعْدِكَ، وإنْ كانَ بِكَ الباءَةُ زَوَّجْناكَ عَشْرَ نِسْوَةٍ تَخْتارُ مِن أيِّ بَناتِ قُرَيْشٍ ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ساكِتٌ لا يَتَكَلَّمُ فَلَمّا فَرَغَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ - فَقَرَأ حَتّى بَلَغَ - ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ﴾» فَأمْسَكَ عُتْبَةُ عَلى فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأنْشَدَهُ الرَّحِمَ أنْ يَكُفَّ عَنْهُ ورَجَعَ إلى أهْلِهِ ولَمْ يَخْرُجْ إلى قُرَيْشٍ فَلَمّا احْتَبَسَ عَنْهم قالَ أبُو جَهْلٍ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ما أرى عُتْبَةَ إلّا قَدْ صَبا إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وأعْجَبَهُ طَعامُهُ وما ذاكَ إلّا مِن حاجَةٍ أصابَتْهُ انْتَقِلُوا بِنا إلَيْهِ فَأتَوْهُ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: واللَّهِ يا عُتْبَةُ ما حَسِبْنا إلّا أنَّكَ صَبَوْتَ إلى مُحَمَّدٍ وأعْجَبَكَ أمْرُهُ فَإنْ كُنْتَ بِكَ حاجَةٌ جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا ما يُغْنِيكَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ فَغَضِبَ وأقْسَمَ بِاللَّهِ تَعالى لا يُكَلِّمُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبَدًا وقالَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنِّي أكْثَرُ قُرَيْشٍ مالًا ولَكِنِّي أتَيْتُهُ فَقَصَّ عَلَيْهِمُ القِصَّةَ فَأجابَنِي بِشَيْءٍ واللَّهِ ما هو بِسِحْرٍ ولا شِعْرٍ ولا كِهانَةٍ قَرَأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حَتّى ﴿أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ﴾ فَأمْسَكْتُ بِفِيهِ وناشَدْتُهُ الرَّحِمَ فَكَفَّ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا قالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ فَخِفْتُ أنْ يَنْزِلَ بِكُمُ العَذابُ»»
41:15Page 478
فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ١٥
As for ʿAad, they were arrogant upon the earth without right and said, "Who is greater than us in strength?" Did they not consider that Allāh who created them was greater than them in strength? But they were rejecting Our signs.
﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ الجِنايَةِ والعَذابِ، ولِتَفَرُّعِ التَّفْصِيلِ عَلى الإجْمالِ قُرِنَ بِفاءِ السَّبَبِيَّةِ، وبُدِئَ بِقِصَّةِ عادٍ لِأنَّها أقْدَمُ زَمانًا أيْ فَأمّا عادٌ فَتَعَظَّمُوا في الأرْضِ الَّتِي لا يَنْبَغِي التَّعَظُّمُ فِيها عَلى أهْلِها ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لِلتَّعَظُّمِ.
صفحة 112
وقِيلَ: تَعَظَّمُوا عَنِ امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقَبُولِ ما جاءَتْهم بِهِ الرُّسُلُ ﴿وقالُوا﴾ اغْتِرارًا بِقُوَّتِهِمْ: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ أيْ لا أشَدَّ مِنّا قُوَّةً فالِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، وهَذا بَيانٌ لِاسْتِحْقاقِهِمُ العَظَمَةَ وجَوابِ الرُّسُلِ عَمّا خَوَّفُوهم بِهِ مِنَ العَذابِ، وكانُوا ذَوِي أجْسامٍ طِوالٍ وخَلْقٍ عَظِيمٍ وقَدْ بَلَغَ مِن قُوَّتِهِمْ أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَنْزِعُ الصَّخْرَةَ مِنَ الجَبَلِ ويَرْفَعُها بِيَدِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أيْ أغْفَلُوا ولَمْ يَنْظُرُوا أوْ ولَمْ يَعْلَمُوا عِلْمًا جَلِيًّا شَبِيهًا بِالمُشاهَدَةِ والعِيانِ ﴿أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ قُدْرَةً فَإنَّهُ تَعالى قادِرٌ بِالذّاتِ مُقْتَدِرٌ عَلى ما لا يَتَناهى قَوِيٌّ عَلى ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ مُفِيضٌ لِلْقُوَّةِ والقَدْرِ عَلى كُلِّ قَوِيٍّ وقادِرٍ، وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ ما خَوَّفَهم بِهِ الرُّسُلُ لَيْسَ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ بِناءً عَلى قُوَّةٍ مِنهم وإنَّما هو مِنَ اللَّهِ تَعالى خالِقِ القُوى والقَدْرِ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أشَدُّ قُوَّةً مِنهم، وتَفْسِيرُ القُوَّةِ بِالقُدْرَةِ لِأنَّهُ أحَدُ مَعانِيها كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الرّاغِبِ.
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ القُوَّةَ عَرَضٌ يُنَزَّهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَكِنَّها مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْقُدْرَةِ فَلِذا عَبَّرَ عَنْها بِها مُشاكَلَةً. وأُورِدَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ ( خَلَقَهم ) دُونَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِادِّعائِهِمُ الشِّدَّةَ في القُوَّةِ، وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ ﴿وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ أيْ يُنْكِرُونَها وهم يَعْرِفُونَ حَقِّيَّتَها وهو عَطْفٌ عَلى ( فاسْتَكْبَرُوا ) أوْ ( قالُوا ) فَجُمْلَةُ ( أوَلَمْ يَرَوْا ) .. إلَخْ. مَعَ ما عُطِفَ هو عَلَيْهِ اعْتِراضٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو وحْدَهُ اعْتِراضًا والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ لا عاطِفَةٌ.
41:16Page 478
فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ ١٦
So We sent upon them a screaming wind during days of misfortune to make them taste the punishment of disgrace in the worldly life; but the punishment of the Hereafter is more disgracing, and they will not be helped.
﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: شَدِيدَةُ السَّمُومِ فَهو مِنَ الصَّرِّ بِفَتْحِ الصّادِ بِمَعْنى الحَرِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: بارِدَةٌ تُهْلِكُ بِشِدَّةِ بَرْدِها مِنَ الصَّرِّ بِكَسْرِ الصّادِ وهو البَرْدُ الَّذِي يُصِرُّ أيْ يَجْمَعُ ظاهِرَ جِلْدِ الإنْسانِ ويَقْبِضُهُ والأوَّلُ أنْسَبُ لِدِيارِ العَرَبِ، وقالَ السُّدِّيُّ أيْضًا وأبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ والطَّبَرِيُّ وجَماعَةٌ: مُصَوِّتَةٌ مِن صَرَّ يَصِرُّ إذا صَوَّتَ، وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: صَرْصَرٌ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الصَّرَّةِ وهي الصَّيْحَةُ ومِنهُ ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ [الذّارِياتِ: 29] وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ تَعالى أمَرَ خَزَنَةَ الرِّيحِ فَفَتَحُوا عَلَيْهِمْ قَدْرَ حَلْقَةِ الخاتَمِ ولَوْ فَتَحُوا قَدْرَ مِنخَرِ الثَّوْرِ لَهَلَكَتِ الدُّنْيا»، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَحْمِلُ العِيرَ بِأوْقارِها فَتَرْمِيهِمْ في البَحْرِ ﴿فِي أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ جَمْعُ نَحِسَةٍ بِكَسْرِ الحاءِ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن نَحِسَ نِحْسًا كَعَلِمَ عِلْمًا نَقِيضُ سَعِدَ سَعْدًا.
وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو والنَّخَعِيُّ وعِيسى والأعْرَجُ «نُحُساتٍ» بِسُكُونِ الحاءِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ صِفَةً مُخَفَّفًا مِن فَعِلَ كَصَعِبَ. وفي البَحْرِ تَتَبَّعْتُ ما ذَكَرَهُ التَّصْرِيفِيُّونَ مِمّا جاءَ صِفَةً مِن فَعِلَ اللّازِمِ فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ فِعْلًا بِسُكُونِ العَيْنِ وإنَّما ذَكَرُوا فِعْلًا بِالكَسْرِ كَفَرِحَ وأفْعَلُ كَأحْوَرُ وفَعْلانَ كَشَبْعانَ وفاعِلًا كَسالِمٍ، وهو صِفَةٌ ( أيّامٍ ) وجُمِعَ بِالألِفِ والتّاءِ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِما لا يَعْقِلُ، والمُرادُ بِها مَشائِيمُ عَلَيْهِمْ لِما أنَّهم عُذِّبُوا فِيها، فاليَوْمُ الواحِدُ يُوصَفُ بِالنَّحْسِ والسَّعْدِ بِالنِّسْبَةِ إلى شَخْصَيْنِ فَيُقالُ لَهُ سَعْدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يُنَعَّمُ فِيهِ، ويُقالُ لَهُ نَحْسٌ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يُعَذَّبُ، ولَيْسَ هَذا مِمّا يَزْعُمُهُ النّاسُ مِن خُصُوصِيّاتِ الأوْقاتِ، لَكِنْ ذَكَرَ الكَرْمانِيُّ في مَناسِكِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الأيّامُ كُلُّها لِلَّهِ تَعالى لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ بَعْضَها نُحُوسًا وبَعْضَها سُعُودًا، وتَفْسِيرُ ﴿نَحِساتٍ﴾ بِمَشائِيمَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ، وقالَ الضَّحّاكُ: أيْ شَدِيدَةُ البَرْدِ حَتّى كَأنَّ البَرْدَ عَذابٌ لَهم، وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ في النَّحْسِ بِمَعْنى البَرْدِ:
صفحة 113
كَأنَّ سُلافَهُ مُزِجَتْ بِنَحْسٍ
وقِيلَ: نَحِساتٌ ذَواتُ غُبارٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
قَدِ اغْتَدى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ∗∗∗ لِلصَّيْدِ في يَوْمٍ قَلِيلِ النَّحْسِ
يُرِيدُ قَلِيلَ الغُبارِ، وكانَتْ هَذِهِ الأيّامُ مِن آخِرِ شُباطٍ وتُسَمّى أيّامَ العَجُوزِ، وكانَتْ فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ آخِرَ شَوّالٍ مِنَ الأرْبِعاءِ إلى الأرْبِعاءِ، ورُوِيَ ما عُذِّبَ قَوْمٌ إلّا في يَوْمِ الأرْبِعاءِ، وقالَ السُّدِّيُّ: أوَّلُها غَداةَ يَوْمِ الأحَدِ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿لِنُذِيقَهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أُضِيفَ العَذابُ إلى الخِزْيِ وهو الذُّلُّ عَلى قَصْدِ وصْفِهِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخْزى﴾ وهو في الأصْلِ صِفَةُ المُعَذَّبِ وإنَّما وُصِفَ بِهِ العَذابُ عَلى الإسْنادِ المُجازِيِّ لِلْمُبالَغَةِ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذُلَّ الكافِرِ زادَ حَتّى اتَّصَفَ بِهِ عَذابُهُ كَما قَرَّرَ في قَوْلِهِمْ: شِعْرٌ شاعِرٌ، وهَذا في مُقابَلَةِ اسْتِكْبارِهِمْ وتَعَظُّمِهِمْ. وقُرِئَ «لِتُذِيقَهم» بِالتّاءِ عَلى أنَّ الفاعِلَ ضَمِيرُ الرِّيحِ أوِ الأيّامِ النَّحِساتِ ﴿وهم لا يُنْصَرُونَ﴾ بِدَفْعِ العَذابِ عَنْهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
41:17Page 478
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ فَأَخَذَتۡهُمۡ صَٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٧
And as for Thamūd, We guided them, but they preferred blindness over guidance, so the thunderbolt of humiliating punishment seized them for what they used to earn.
﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: أيْ بَيَّنّا لَهم، وأرادُوا بِذَلِكَ عَلى ما قِيلَ بَيانُ طَرِيقَيِ الضَّلالَةِ والرُّشْدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البَلَدَ: 10] وهو أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ أيْ فاخْتارُوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى فالظّاهِرُ في أنَّهُ بَيَّنَ لَهُمُ الطَّرِيقانِ فاخْتارُوا أحَدَهُما، وصَرَّحَ ابْنُ زَيْدٍ بِذَلِكَ فَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: أيْ أعْلَمْناهُمُ الهُدى مِنَ الضَّلالِ، وفَسَّرَ غَيْرُ واحِدٍ الهِدايَةَ هُنا بِالدَّلالَةِ أيْ فَدَلَلْناهم عَلى الحَقِّ بِنَصْبِ الحُجَجِ وإرْسالِ الرُّسُلِ فاخْتارُوا الضَّلالَ ولَمْ يُفَسِّرُوها بِالدَّلالَةِ المُوَصِّلَةِ لِإباءِ ظاهِرِ ﴿فاسْتَحَبُّوا﴾ .. إلَخْ عَنْهُ.
واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الإيمانَ بِاخْتِيارِ العَبْدِ عَلى الِاسْتِقْلالِ بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( هَدَيْناهم ) دَلَّ عَلى نَصْبِ الأدِلَّةِ وإزاحَةِ العِلَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى﴾ .. إلَخْ دَلَّ عَلى أنَّهم بِأنْفُسِهِمْ آثَرُوا العَمى. والجَوابُ كَما في الكَشْفِ أنَّ في لَفْظِ الِاسْتِحْبابِ ما يُشْعِرُ بِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى هي المُؤَثِّرَةُ وأنَّ لِقُدْرَةِ العَبْدِ مَدْخَلًا ما فَإنَّ المَحَبَّةَ لَيْسَتِ اخْتِيارِيَّةً بِالِاتِّفاقِ وإيثارَ العَمى حُبًّا وهو الِاسْتِحْبابُ مِنَ الِاخْتِيارِيَّةِ، فانْظُرْ إلى هَذِهِ الدَّقِيقَةِ تَرَ العَجَبَ العُجابَ، وإلى نَحْوِهِ أشارَ الإمامُ الدّاعِي إلى اللَّهِ تَعالى قُدِّسَ سِرُّهُ، ومَعْنى كَوْنِ المَحَبَّةِ لَيْسَتِ اخْتِيارِيَّةً إنَّها بَعْدَ حُصُولِ ما تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِن أُمُورٍ اخْتِيارِيَّةٍ تَكُونُ بِجَذْبِ الطَّبِيعَةِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ لِلشَّخْصِ في مَيْلِ قَلْبِهِ وارْتِباطِ هَواهُ بِمَن يُحِبُّهُ، فَهي نَفْسُها غَيْرُ اخْتِيارِيَّةٍ لَكِنَّها بِاعْتِبارِ مُقَدِّماتِها اخْتِيارِيَّةٌ، ولِذَلِكَ كُلِّفْنا بِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، وفي طَوْقِ الحَمامَةِ لِابْنِ سَعِيدٍ أنَّ المَحَبَّةَ مَيْلٌ رُوحانِيٌّ طَبِيعِيٌّ، وإلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ [الأعْرافَ: 189] أيْ يَمِيلُ فَجَعَلَ عِلَّةَ مَيْلِها كَوْنَها مِنها، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««الأرْواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ»» وتَكُونُ المَحَبَّةُ لِأُمُورٍ أُخَرَ كالحُسْنِ والإحْسانِ والكَمالِ، ولَها آثارٌ يُطْلَقُ عَلَيْها مَحَبَّةً كالطّاعَةِ والتَّعْظِيمِ، وهَذِهِ هي الَّتِي يُكَلَّفُ بِها لِأنَّها اخْتِيارِيَّةٌ فاعْرِفْهُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وبَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ «وأمّا ثَمُودٌ» بِالرَّفْعِ مَصْرُوفًا.
وقَدْ قَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ وثّابٍ بِصَرْفِهِ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا في قَوْلِهِ تَعالى: ( وآتَيْنا ثَمُودَ اَلنّاقَةَ ) [الإسْراءَ: 59] لِأنَّهُ في المُصْحَفِ بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ هُرْمُزَ بِخِلافٍ عَنْهُ والمُفَضَّلُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأعْمَشُ
صفحة 114
وعاصِمٌ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «ثَمُودًا» بِالنَّصْبِ والتَّنْوِينِ، ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ الوَجْهَيْنِ والمَنعُ عَنِ الصَّرْفِ لِلْعِلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ عَلى إرادَةِ القَبِيلَةِ، ومَن صَرَفَهُ جَعَلَهُ اسْمَ رَجُلٍ، والنَّصْبُ عَلى جَعْلِهِ مِن بابِ الإضْمارِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، ويُقَدَّرُ الفِعْلُ النّاصِبُ بَعْدَهُ لِأنَّ أمّا لا يَلِيها في الغالِبِ إلّا اسْمٌ. وقُرِئَ بِضَمِّ الثّاءِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ ثَمَدٍ وهو قِلَّةُ الماءِ فَكَأنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَسْكُنُونَ في الرِّمالِ بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وصَنْعاءَ وكانُوا قَلِيلِي الماءِ ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ أيِ الذُّلِّ وهو صِفَةٌ لِلْعَذابِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، ووَصَفَهُ بِهِ مَصْدَرًا لِلْمُبالَغَةِ وكَذا إضافَةُ صاعِقَةٍ إلى العَذابِ فَيُفِيدُ ذَلِكَ أنَّ عَذابَهم عَيْنُ الهُونِ وأنَّ لَهُ صاعِقَةً، والمُرادُ بِالصّاعِقَةِ النّارُ الخارِجَةُ مِنَ السَّحابِ كَما هو المَعْرُوفُ، وسَبَبُ حُدُوثِها العادِيُّ مَشْهُورٌ في كُتُبِ الفَلْسَفَةِ القَدِيمَةِ وقَدْ تَكَلَّمَ في ذَلِكَ أهْلُ الفَلْسَفَةِ الجَدِيدَةِ المُتَداوَلَةِ اليَوْمَ في بِلادِ الرُّومِ وما قَرُبَ مِنها فَقالُوا في كَيْفِيَّةِ انْفِجارِ الصّاعِقَةِ: مِنَ المَعْلُومِ أنَّ انْطِلاقَ الكَهْرَبائِيَّةِ الَّتِي في السَّحابِ وهي قُوَّةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأجْسامِ نَحْوَ قُوَّةِ الكَهْرَباءِ الَّتِي بِها تَجْذِبُ التَّبِنَةَ ونَحْوَها إلَيْها إنَّما يَحْصُلُ بِاتِّحادِ كَهْرَبائِيَّةِ الأجْسامِ مَعَ بَعْضِها فَإذا قَرُبَ السَّحابُ مِنَ الأجْسامِ الأرْضِيَّةِ طَلَبَتِ الكَهْرَبائِيَّةُ السَّحابِيَّةُ أنْ تَتَّحِدَ بِالكَهْرَبائِيَّةِ الأرْضِيَّةِ فَتَتَبَجَّسُ بَيْنَهُما شَرارَةٌ كَهْرَبائِيَّةٌ فَتَصْعَقُ الأجْسامَ الأرْضِيَّةَ، وتَتَفاوَتُ قُوَّةُ الصّاعِقَةِ بِاخْتِلافِ الِاسْتِحالَةِ البُخارِيَّةِ فَلَيْسَتْ في جَمِيعِ البِلادِ والفُصُولِ واحِدَةً، وأوْضَحُوا ذَلِكَ بِكَلامٍ طَوِيلٍ مَن أرادَهُ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ في كُتُبِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالصّاعِقَةِ هُنا الصَّيْحَةُ كَما ورَدَتْ في آياتٍ أُخَرَ، ولا مانِعَ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَهُما.
وقَرَأ ابْنُ مُقْسِمٍ «الهَوانِ» بِفَتْحِ الهاءِ وألِفٍ بَعْدَ الواوِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ اخْتِيارِ الضَّلالَةِ عَلى الهُدى، وهَذا تَصْرِيحٌ بِما تُشْعِرُ بِهِ الفاءُ
41:18Page 478
وَنَجَّيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ١٨
And We saved those who believed and used to fear Allāh.
﴿ونَجَّيْنا﴾ مِن تِلْكَ الصّاعِقَةِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ واسْتِمْرارِهِمْ عَلى التَّقْوى، والمُرادُ بِها تَقْوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: تَقْوى الصّاعِقَةِ والمُتَّقِي عَذابِ اللَّهِ تَعالى مُتَّقٍ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ولَيْسَ بِذاكَ
41:19Page 478
وَيَوۡمَ يُحۡشَرُ أَعۡدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ ١٩
And [mention, O Muḥammad], the Day when the enemies of Allāh will be gathered to the Fire while they are [driven], assembled in rows,
﴿ويَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ عُقُوباتِهِمُ الآجِلَةِ بَعْدَ ذِكْرِ عُقُوباتِهِمُ العاجِلَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِأعْداءِ اللَّهِ تَعالى لِذَمِّهِمْ والإيذانِ بِعِلَّةِ ما يَحِيقُ بِهِمْ مِن ألْوانِ العَذابِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ الكُفّارُ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى الآتِي: ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ﴾ [فُصِّلَتْ: 25] كالصَّرِيحِ في إرادَةِ الكَفَرَةِ المَعْهُودِينَ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى النّارِ﴾ قِيلَ: إلى مَوْقِفِ الحِسابِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالنّارِ لِلْإيذانِ بِأنَّ النّارَ عاقِبَةُ حَشْرِهِمْ وأنَّهم عَلى شَرَفِ دُخُولِها، ولا مانِعَ مِن إبْقائِهِ عَلى ظاهِرِهِ والقَوْلُ بِتَعَدُّدِ الشَّهادَةِ فَتَشْهَدُ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم في المَوْقِفِ مَرَّةً وعَلى شَفِيرِ جَهَنَّمَ أُخْرى، ﴿ويَوْمَ﴾ إمّا مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً﴾ [فُصِّلَتْ: 12] أوْ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ قَدْ حُذِفَ إيهامًا لِقُصُورِ العِبارَةِ عَنْ تَفْصِيلِهِ، وقِيلَ: ظَرْفٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ يَحْبِسُ أوَّلَهم عَلى آخِرِهِمْ لِيَتَلاحَقُوا وهو كِنايَةٌ عَنْ كَثْرَتِهِمْ، وقِيلَ: يُساقُونَ ويُدْفَعُونَ إلى النّارِ، والفاءُ تَفْصِيلِيَّةٌ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ونافِعٌ والأعْرَجُ وأهْلُ المَدِينَةِ «نَحْشُرُ» بِالنُّونِ «أعْداءَ» بِالنَّصْبِ وكَسَرَ الأعْرَجُ الشِّينَ. وقُرِئَ «يَحْشُرُ» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى ونَصْبِ «أعْداءَ اللَّهِ»
41:20Page 478
حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٠
Until, when they reach it, their hearing and their eyes and their skins will testify against them of what they used to do.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ما جاءُوها﴾ أيِ النّارَ جَمِيعًا غايَةً لِيُحْشَرُ أوْ لِيُوزَعُونَ أيْ
صفحة 115
حَتّى إذا حَضَرُوها، وما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ الشَّهادَةِ بِالحُضُورِ لِأنَّها تُؤَكِّدُ ما زِيدَتْ بَعْدَهُ فَهي تُؤَكِّدُ مَعْنى إذا، ( وإذا ) دالَّةٌ عَلى اتِّصالِ الجَوابِ بِالشَّرْطِ لِوُقُوعِهِما في زَمانٍ واحِدٍ، وهَذا مِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالنَّحْوِ حَتّى يَضُرَّ فِيهِ أنَّ النُّحاةَ لَمْ يَذْكُرُوهُ كَما شَنَّعَ بِهِ أبُو حَيّانَ وأكَّدَ لِأنَّهم يُنْكِرُونَهُ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ حَتّى إذا ما جاءُوها وسَألُوا عَمّا أجْرَمُوا فَأنْكَرُوا ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ واكْتَفى عَنِ المَحْذُوفِ بِذِكْرِ الشَّهادَةِ لِاسْتِلْزامِها إيّاهُ، ولا يَأْبى التَّقْدِيرُ تَأْكِيدَ الِاتِّصالِ إذْ يَكْفِي لِلِاتِّصالِ وُقُوعُ ذَلِكَ في مَجْلِسٍ واحِدٍ، والظّاهِرُ أنَّ الجُلُودَ هي المَعْرُوفَةُ، وقِيلَ: هي الجَوارِحُ كُنِّيَ بِها عَنْها، وقِيلَ: كُنِّيَ بِها عَنِ الفُرُوجِ، قِيلَ: وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وفي الإرْشادِ أنَّهُ الأنْسَبُ بِتَخْصِيصِ السُّؤالِ في
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences