Al-AlusiFussilat · 41:21–29

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Fussilat 41:21–29

41:21Page 479

وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَيۡنَاۖ قَالُوٓاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنطَقَ كُلَّ شَيۡءٖۚ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢١

And they will say to their skins, "Why have you testified against us?" They will say, "We were made to speak by Allāh, who has made everything speak; and He created you the first time, and to Him you are returned.

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ فَإنَّ ما تَشْهَدُ بِهِ مِنَ الزِّنا أعْظَمُ جِنايَةً وقُبْحًا وأجْلَبُ لِلْخِزْيِ والعُقُوبَةِ مِمّا يَشْهَدُ بِهِ السَّمْعُ والأبْصارُ مِنَ الجِناياتِ المُكْتَسَبَةِ بِتَوَسُّطِهِما وفِيهِ نَظَرٌ ولَعَلَّ إرادَةَ الظّاهِرِ أوْلى، ولَعَلَّ تَخْصِيصَ السُّؤالِ بِالجُلُودِ لِأنَّها بِمَرْأى مِنهم بِخِلافِ السَّمْعِ والبَصَرِ أوْ لِأنَّها هي مُدْرِكَةٌ العَذابَ بِالقُوَّةِ المُودَعَةِ فِيها كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النِّساءَ: 56] قالَ الجَلَبِيُّ، ثُمَّ نَقَلَ عَنِ العَلّامَةِ الثّانِي في ذَلِكَ أنَّ الشَّهادَةَ مِنَ الجُلُودِ أعْجَبُ وأبْعَدُ إذْ لَيْسَ شَأْنُها الإدْراكَ بِخِلافِ السَّمْعِ والبَصَرِ، وتَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: فِيهِ نَظَرٌ فَإنَّ الجِلْدَ مَحَلُّ القُوَّةِ اللّامِسَةِ الَّتِي هي أهَمُّ الحَواسِّ لِلْحَيَوانِ كَما أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ مَحَلُّ السّامِعَةِ والباصِرَةِ والَّذِي يُنْطِقُ الأعْيانَ دُونَ الأعْراضِ ثُمَّ إنَّ اللّامِسَةَ تَشْتَمِلُ عَلى الذّائِقَةِ الَّتِي هي الأهَمُّ بَعْدَ اللّامِسَةِ، ثُمَّ قالَ: ويَلُوحُ بِما قَرَّرْناهُ وجْهٌ آخَرُ لِلتَّخْصِيصِ فَإنَّ الأهَمِّيَّةَ لِلْإنْسانِ والِاشْتِمالِ عَلى أهَمِّ مِن غَيْرِها يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا، فانْقِلابُ ما يَرْجُونَ مِنهُ أكْمَلَ النَّفْعِ أعْجَبُ ومِثْلُهُ أحَقُّ بِالتَّوْبِيخِ مِن غَيْرِهِ. واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّ رَدَّهُ عَلى العَلّامَةِ لَمْ يُصادِفْ مَحَزَّهُ إذْ لَيْسَ المُرادُ مِمّا ذَكَرَهُ مِن أنَّها لَيْسَ مِن شَأْنِها الإدْراكُ إلّا إدْراكَ أنْواعِ المَعاصِي الَّتِي يُشْهَدُ عَلَيْها كالكُفْرِ والكَذِبِ والقَتْلِ والزِّنا مَثَلًا وإدْراكُ مِثْلِها مُنْحَصِرٌ في السَّمْعِ والبَصَرِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ بَعْدَ طَيِّ كُشْحِ البَحْثِ في هَذا الجَوابِ أنَّ ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ لا يُناسِبُ ظاهِرَ السُّؤالِ أعْنِي ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ وأوْلى ما قِيلَ مِن أوْجُهِ التَّخْصِيصِ: إنَّ المُدافَعَةَ عَنِ الجُلُودِ أزْيَدُ مِنَ المُدافَعَةِ عَنِ السَّمْعِ والبَصَرِ فَإنَّ جِلْدَ الإنْسانِ الواحِدِ لَوْ جُزِّئَ لَزادَ عَلى ألْفِ سَمْعٍ وبَصَرٍ وهو يُدافِعُ عَنْ كُلِّ جُزْءٍ ويَحْذَرُ أنْ يُصِيبَهُ ما يَشِينُهُ فَكانَتِ الشَّهادَةُ مِنَ الجُلُودِ عَلَيْهِمْ أعْجَبَ وأبْعَدَ عَنِ الوُقُوعِ.

وفِي الحَدِيثِ - «إنَّ أوَّلَ ما يَنْطِقُ مِنَ الإنْسانِ فَخِذُهُ اليُسْرى ثُمَّ تَنْطِقُ الجَوارِحُ فَيَقُولُ: تَبًّا لَكِ فَعَنْكِ كُنْتُ أُدافِعُ»، ووَجْهُ إفْرادِ السَّمْعِ قَدْ مَرَّ أوَّلَ التَّفْسِيرِ، ووَجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى السَّمْعِ والبَصَرِ والجِلْدِ أشارَ إلَيْهِ أبُو حَيّانَ قالَ: لَمّا كانَتِ الحَواسُّ خَمْسَةً السَّمْعَ والبَصَرَ والشَّمَّ والذَّوْقَ واللَّمْسَ وكانَ الذَّوْقُ مُنْدَرِجًا في اللَّمْسِ إذْ بِمُماسَّةِ جَلْدِ اللِّسانِ الرَّطْبِ لِلْمَذُوقِ يَحْصُلُ إدْراكُ طَعْمِ المَذُوقِ وكانَ حِسُّ الشَّمِّ لَيْسَ فِيهِ تَكْلِيفٌ لا أمْرَ ولا نَهْيَ وهو ضَعِيفٌ اقْتَصَرَ مِنَ الحَواسِّ عَلى السَّمْعِ والبَصَرِ واللَّمْسِ، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ. وكَأنِّي بِكَ تَخْتارُ أنَّ المُرادَ بِالجُلُودِ ما سِوى السَّمْعِ والأبْصارِ وأنَّ ذِكْرَ السَّمْعِ لِما أنَّهُ وسِيلَةُ إدْراكِ أكْثَرِ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ وذِكْرُ الأبْصارِ لِما أنَّها وسِيلَةُ إدْراكِ أكْثَرِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ.

صفحة 116

وقَدْ أُشِيرَ إلى كُلٍّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ عَلى وجْهٍ، وأنَّ شَهادَتَهُما فِيما يَتَعَلَّقُ بِالكُفْرِ، فَيَشْهَدُ السَّمْعُ عَلَيْهِمْ أنَّهم كَذَّبُوا بِالآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ الَّتِي جاءَ بِها الرُّسُلُ وسَمِعُوها مِنهم، والأبْصارُ أنَّهم لَمْ يَعْبَئُوا بِالآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي أبْصَرُوها وكَفَرُوا بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ شَهادَةَ الجُلُودِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِما سِوى الكُفْرِ مِنَ المَعاصِي الَّتِي نَهى عَنْها الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كالزِّنا مَثَلًا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ شَهادَةُ السَّمْعِ بِإدْراكِ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ والأبْصارِ بِإدْراكِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والجُلُودِ بِالكُفْرِ بِما يَقْتَضِيهِ كُلٌّ وبِالمَعاصِي الآخَرُ، ولا بُعْدَ في شُمُولِ ما ( كانُوا يَعْمَلُونَ ) لِإدْراكِ الآياتِ والإحْساسِ بِها بِقِسْمَيْها فَتَدَبَّرْ.

ولَعَلَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ﴾ سُؤالٌ عَنِ العِلَّةِ المُوجِبَةِ، وصِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ في ﴿شَهِدْتُمْ﴾ وما بَعْدُ مَعَ أنَّ المُرادَ مِنهُ لَيْسَ مِن ذَوِي العُقُولِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ في مَوْقِعِ السُّؤالِ والجَوابِ المُخْتَصَّيْنِ بِالعُقَلاءِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «لِمَ شَهِدْتُنَّ» بِضَمِيرِ المُؤْنَّثاتِ ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ أنْطَقَنا اللَّهُ تَعالى وأقْدَرَنا عَلى بَيانِ الواقِعِ فَشَهِدْنا عَلَيْكم بِما عَمِلْتُمْ مِنَ القَبائِحِ وما كَتَمْنا، وحَيْثُ كانَ مَعْنى السُّؤالِ لِأيِّ عِلَّةٍ مُوجِبَةٍ شَهِدْتُمْ ؟ صَلَحَ ما ذُكِرَ جَوابًا لَهُ، وقِيلَ: لا قَصْدَ هُنا لِلسُّؤالِ أصْلًا وإنَّما القَصْدُ إلى التَّعَجُّبِ ابْتِداءً لِأنَّ التَّعَجُّبَ يَكُونُ فِيما لا يُعْلَمُ سَبَبُهُ وعِلَّتُهُ فالسُّؤالُ عَنِ العِلَّةِ المُسْتَلْزِمُ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِها جُعِلَ مَجازًا أوْ كِنايَةً عَنِ التَّعَجُّبِ، فَقَدْ قِيلَ: إذا ظَهَرَ السَّبَبُ بَطَلَ العَجَبُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ نُطْقُنا بِعَجَبٍ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وأيًّا ما كانَ فالنُّطْقُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ كَما هو الظّاهِرُ وكَذا الشَّهادَةُ، ولا يُقالُ: الشّاهِدُ أنْفُسُهم والسَّمْعُ والأبْصارُ والجُلُودُ آلاتٌ كاللِّسانِ فَما مَعْنى ﴿شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ لِأنَّهُ يُقالُ: لَيْسَ المُرادُ هَذا النَّوْعَ مِنَ النُّطْقِ الَّذِي يُسْنَدُ حَقِيقَةً إلى جُمْلَةِ الشَّخْصِ ويَكُونُ غَيْرُهُ آلَةً بِلا قُدْرَةٍ وإرادَةٍ لَهُ في نَفْسِهِ حَتّى لَوْ أُسْنِدَ إلَيْهِ كانَ مَجازًا كَإسْنادِ الكِتابَةِ إلى القَلَمِ بَلْ هو نُطْقٌ يُسْنَدُ إلى العُضْوِ حَقِيقَةً فَيَكُونُ نَفْسُهُ ناطِقًا بِقُدْرَةٍ وإرادَةٍ خَلَقَهُما اللَّهُ تَعالى فِيهِ كَما يَنْطِقُ الشَّخْصُ بِالآلَةِ، وكَيْفَ لا وأنْفُسُهم كارِهَةٌ لِذَلِكَ مُنْكِرَةٌ لَهُ، وقِيلَ: النّاطِقُ هم بِتِلْكَ الأعْضاءِ إلّا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ كَوْنِها آلاتٍ ولِذا نُسِبَتِ الشَّهادَةُ عَلَيْهِمْ إلَيْها ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ النُّطْقُ مَجازًا عَنِ الدَّلالَةِ فالمُرادُ بِالشَّهادَةِ ظُهُورُ عَلاماتٍ عَلى الأعْضاءِ دالَّةٍ عَلى ما كانَتْ مُلْتَبِسَةً بِهِ في الدُّنْيا بِتَغْيِيرِ أشْكالِها ونَحْوِهِ مِمّا يُلْهِمُ اللَّهُ تَعالى مَن رَآهُ أنَّها تَلَبَّسَتْ بِهِ في الدُّنْيا لِارْتِفاعِ الغِطاءِ في الآخِرَةِ، وهو خِلافُ ظاهِرِ الآياتِ والأحادِيثِ ولا داعِيَ إلَيْهِ، وعَلى الظّاهِرِ لا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ ( كُلَ شَيْءٍ ) بِكُلِّ حَيٍّ نَطَقَ إذْ لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ ولا كُلُّ حَيٍّ يَنْطِقُ بِالنُّطْقِ الحَقِيقِيِّ ومِثْلُ هَذا التَّخْصِيصِ شائِعٌ، ومِنهُ ما قِيلَ في ( واَللَّهُ عَلى كُلِ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [البَقَرَةَ: 284، آلَ عِمْرانَ: 29، المائِدَةَ: 19، 40، التَّوْبَةَ: 39] و﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحْقافَ: 25]، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ النُّطْقُ في ﴿أنْطَقَنا﴾ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ ويُحْمَلُ النُّطْقُ في ﴿أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ عَلى الدَّلالَةِ فَيَبْقى العامُّ عَلى عُمُومِهِ ولا يَحْتاجُ إلى التَّخْصِيصِ المَذْكُورِ ويَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالنُّطْقِ لِلْمُشاكَلَةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، والمَوْصُولُ المُشْعِرُ بِالعِلِّيَّةِ يَأْباهُ إباءً ظاهِرًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ خَلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ الجُلُودِ ومَقُولِ القَوْلِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ والأوَّلُ أظْهَرُ، والمُرادُ عَلى كُلِّ حالٍ تَقْرِيرُ ما قَبْلَهُ بِأنَّ القادِرَ عَلى الخَلْقِ أوَّلَ مَرَّةٍ قادِرٌ عَلى الإنْطاقِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ إذا كانَ الخِطابُ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ أنَّ الرَّجْعَ فِيهِ مُتَحَقَّقٌ لا مُسْتَقْبَلَ لِما أنَّ المُرادَ بِالرَّجْعِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الرَّدِّ إلى الحَياةِ بِالبَعْثِ بَلْ ما يَعُمُّهُ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ الخالِدِ المُرْتَقَبِ عِنْدَ التَّخاطُبِ عَلى تَغْلِيبِ المُتَوَقَّعِ عَلى الواقِعِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ،

41:22Page 479

وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن يَشۡهَدَ عَلَيۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٢

And you were not covering [i.e., protecting] yourselves,1 lest your hearing testify against you or your sight or your skins, but you assumed that Allāh does not know much of what you do.

وقَوْلُهُ تَعالى:

صفحة 117

﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا جُلُودُكُمْ﴾ حِكايَةٌ لِما سَيُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ تَقْرِيرًا لِجَوابِ الجُلُودِ، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ مِن كَلامِ الجَوارِحِ و﴿أنْ يَشْهَدَ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ في الدُّنْيا عِنْدَ مُباشَرَتِكُمُ الفَواحِشَ مَخافَةَ أوْ كَراهَةَ أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكم جَوارِحُكم بِذَلِكَ أيْ لَيْسَ اسْتِتارُكم لِلْخَوْفِ مِمّا ذُكِرَ أوْ لِكَراهَتِهِ ﴿ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ ولَكِنْ لِأجْلِ ظَنِّكم أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ وهو ما عَمِلْتُمْ خِفْيَةً فَلا يُظْهِرُهُ سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَنْطِقُ الجَوارِحُ بِهِ فَلِذا سَعَيْتُمْ في الِاسْتِتارِ عَنِ الخَلْقِ دُونَ الخالِقِ عَزَّ وجَلَّ أوْ هو بِتَقْدِيرِ حَرْفِ جَرٍّ مُتَعَلِّقٍ بِتَسْتَتِرُونَ فَقِيلَ: هو الباءُ والمُسْتَتَرُ عَنْهُ الجَوارِحُ، والمَعْنى ما اسْتَتَرْتُمْ عَنْها بِمُلابَسَةِ أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكم أيْ تَتَحَمَّلُ الشَّهادَةَ إذْ ما ظَنَنْتُمْ أنَّها تَشْهَدُ عَلَيْكم بَلْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَعْلَمُ فَلِذا لَمْ يَكُنِ اسْتِتارُكم بِهَذا السَّبَبِ، وقِيلَ: هو عَنْ والمَعْنى لَمْ يُمْكِنْكُمُ الِاسْتِتارُ عَنِ الجَوارِحِ لِئَلّا تَتَحَمَّلَ الشَّهادَةَ عَلَيْكم حِينَ تَرْتَكِبُونَ ما تَرْتَكِبُونَ لَكِنْ ظَنَنْتُمْ ما ظَنَنْتُمْ.

وقِيلَ: ( أنْ تَشْهَدَ ) مَفْعُولٌ لَهُ والمُسْتَتَرُ عَنْهُ الجَوارِحُ أيْ ما تَسْتَتِرُونَ عَنْ جَوارِحِكم مَخافَةَ أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكم لَكِنْ ظَنَنْتُمْ.. إلَخْ، وقِيلَ: إنَّ ﴿تَسْتَتِرُونَ﴾ ضُمِّنَ مَعْنى الظَّنِّ فَعُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ أيْ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ ظانِّينَ شَهادَةَ الجَوارِحِ عَلَيْكم، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ قَتادَةَ: أيْ ما كُنْتُمْ تَظُنُّونَ أنْ تَشْهَدَ عَلَيْكم.. إلَخْ، والحَقُّ أنَّ هَذا بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى.

أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وجَماعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنْتُ مُسْتَتِرًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ فَجاءَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ قُرَشِيٌّ وثَقَفِيّانِ أوْ ثَقَفِيٌّ وقُرَشِيّانِ كَثِيرٌ لَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلٌ عِفَّةُ قُلُوبِهِمْ فَتَكَلَّمُوا بِكَلامٍ لَمْ أسْمَعْهُ فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ اللَّهَ يَسْمَعُ كَلامَنا هَذا ؟ فَقالَ الآخَرُ: إنّا إذا رَفَعْنا أصْواتَنا يَسْمَعُهُ وإذا لَمْ نَرْفَعْ لَمْ يَسْمَعْ فَقالَ الآخَرُ: إنْ سَمِعَ مِنهُ شَيْئًا سَمِعَهُ كُلَّهُ قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكُمْ﴾ - إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ - ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾» فالحُكْمُ المَحْكِيُّ حِينَئِذٍ يَكُونُ خاصًّا بِمَن كانَ عَلى ذَلِكَ الِاعْتِقادِ مِنَ الكُفْرِ لَكِنَّهُ قَلِيلٌ في الكَفَرَةِ. وفي الإرْشادِ لَعَلَّ الأنْسَبَ أنْ يُرادَ بِالظَّنِّ مَعْنى مَجازِيٌّ يَعُمُّ مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ وما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ الأعْمالِ المُنْبِئَةِ عَنْهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ [الهُمَزَةَ: 3] لِيَعُمَّ ما حُكِيَ مِنَ الحالِ جَمِيعَ أصْنافِ الكَفَرَةِ فَتَدَبَّرْ. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَنْبَغِي أنْ لا يَمُرَّ عَلَيْهِ حالٌ إلّا بِمُلاحَظَةِ أنَّ عَلَيْهِ رَقِيبًا كَما قالَ أبُو نُواسٍ:

إذا ما خَلَوْتُ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلا تَقُلْ خَلَوْتُ ولَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ

ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفُلُ ساعَةً ∗∗∗ ولا أنَّ ما يَخْفى عَلَيْهِ يَغِيبُ

41:23Page 479

وَذَٰلِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَىٰكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٢٣

And that was your assumption which you assumed about your Lord. It has brought you to ruin, and you have become among the losers."

﴿وذَلِكُمْ﴾ إشارَةً إلى ظَنِّهِمُ المَذْكُورِ في ضِمْنِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ظَنَنْتُمْ ) وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ بُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ والسُّوءِ، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أرْداكُمْ﴾ أيْ أهْلَكَكم خَبَرُهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( ظَنُّكُمُ ) خَبَرَ أوْ ﴿أرْداكُمْ﴾ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ( ذَلِكم ) إشارَةٌ إلى ظَنِّهِمُ السّابِقِ فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ وظَنُّكم بِرَبِّكم أنَّهُ لا يُعْلَمُ ظَنُّكم بِرَبِّكم فَما اسْتُفِيدَ مِنَ الخَبَرِ هو ما اسْتُفِيدَ مِنَ المُبْتَدَأِ وهو لا يَجُوزُ كَقَوْلِهِمْ: سَيِّدُ الجارِيَةِ مالِكُها وقَدْ مَنَعَهُ النُّحاةُ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ ما ذُكِرَ لِجَوازِ جَعْلِ الإشارَةِ إلى الأمْرِ العَظِيمِ في القَباحَةِ فَيَخْتَلِفُ المَفْهُومُ بِاخْتِلافِ العُنْوانِ ويَصِحُّ

صفحة 118

الحَمْلُ كَما في هَذا زَيْدٌ، ولَوْ سُلِّمَ فالِاتِّحادُ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ:

أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي

مِمّا يَدُلُّ عَلى الكَمالِ في الحُسْنِ كَما في هَذا المِثالِ أوْ في القُبْحِ كَما في الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ التَّعَجُّبُ والتَّهَكُّمُ، وقَدْ يُرادُ مِنَ الخَبَرِ غَيْرُ فائِدَةِ الخَبَرِ ولازِمِها. واخْتارَ بَعْضُهم في الجَوابِ ما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ هِشامٍ في شَرْحِ -

بانَتْ سُعادُ .....

- وبَسَطَ الكَلامَ فِيهِ مِن أنَّ الفائِدَةَ كَما تَحْصُلُ مِنَ الخَبَرِ تَحْصُلُ مِن صِفَتِهِ وقَيْدِهِ كالحالِ، وجُوِّزَ في جُمْلَةِ ﴿أرْداكُمْ﴾ أنْ تَكُونَ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، والمَوْصُولُ في جَمِيعِ الأوْجَهِ صِفَةٌ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ وقِيلَ: الثَّلاثَةُ أخْبارٌ فَلا تَغْفُلْ ﴿فَأصْبَحْتُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ الظَّنِّ السُّوءِ الَّذِي أهْلَكَكم ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾ إذْ صارَ ما أعْطَوْا مِنَ الجَوارِحِ لِنَيْلِ السَّعادَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِأنَّ بِها تَعَيُّشَهم في الدُّنْيا وإدْراكَهم ما يَهْتَدُونَ بِهِ إلى اليَقِينِ ومَعْرِفَةِ رَبِّ العالَمِينَ المُوَصِّلِ لِلسَّعادَةِ الأُخْرَوِيَّةِ سَبَبًا لِلشَّقاءِ في الدّارَيْنِ حَيْثُ أدّاهم إلى كُفْرانِ نِعَمِ الرّازِقِ والكُفْرِ بِالخالِقِ والِانْهِماكِ في الغَفَلاتِ وارْتِكابِ المَعاصِي واتِّباعِ الشَّهَواتِ

41:24Page 479

فَإِن يَصۡبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡۖ وَإِن يَسۡتَعۡتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلۡمُعۡتَبِينَ ٢٤

So [even] if they are patient, the Fire is a residence for them; and if they ask to appease [Allāh], they will not be of those who are allowed to appease.

﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ مَحَلُّ ثَواءٍ وإقامَةٍ أبَدِيَّةٍ لَهم بِحَيْثُ لا بَراحَ لَهم مِنها، وتَرْتِيبُ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ أنْ يَصْبِرُوا والظَّنُّ أنَّ الصَّبْرَ يَنْفَعُهم لِأنَّهُ مِفْتاحُ الفَرَجِ لا يَنْفَعُهم صَبْرُهم إذا لَمْ يُصادِفْ مَحَلَّهُ فَإنَّ النّارَ مَحَلُّهم لا مَحالَةَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ والتَّقْدِيرُ أوْ لا يَصْبِرُوا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطُّورَ: 16] وقِيلَ: المُرادُ فَإنْ يَصْبِرُوا عَلى تَرْكِ دِينِكَ واتِّباعِ هَواهم فالنّارُ مَثْوًى لَهم ولَيْسَ بِذاكَ، والِالتِفاتُ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ حالِهِمْ أنْ يُعْرِضَ عَنْهم ويَحْكِيَ سُوءَ حالِهِمْ لِلْغَيْرِ أوْ لِلْإشْعارِ بِإبْعادِهِمْ عَنْ حَيِّزِ الخِطابِ وإلْقائِهِمْ في غَيابَةِ دَرَكاتِ النّارِ ﴿وإنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أيْ يَسْألُوا العُتْبى وهي الرُّجُوعُ إلى ما يُحِبُّونَهُ جَزَعًا مِمّا هم فِيهِ ﴿فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ﴾ أيِ المُجابِينَ إلَيْها.

وقالَ الضَّحّاكُ: المُرادُ إنْ يَعْتَذِرُوا فَما هم مِنَ المَعْذُورِينَ: وقَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ومُوسى الأسْوارِيُّ «وإنْ يَسْتَعْتِبُوا» مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ «فَما هم مِنَ المُعْتِبِينَ» اسْمُ فاعِلٍ أيْ إنْ طُلِبَ مِنهم أنْ يُرْضُوا رَبَّهم فَما هم فاعِلُونَ ولا يَكُونُ ذَلِكَ لِأنَّهم قَدْ فارَقُوا الدُّنْيا دارَ الأعْمالِ كَما قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ»» ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِراءَةُ بِمَعْنى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنْعامَ: 28] .

41:25Page 479

۞ وَقَيَّضۡنَا لَهُمۡ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ ٢٥

And We appointed for them companions1 who made attractive to them what was before them and what was behind them [of sin], and the word [i.e., decree] has come into effect upon them among nations which had passed on before them of jinn and men. Indeed, they [all] were losers.

﴿وقَيَّضْنا لَهُمْ﴾ أيْ قَدَّرْنا، وفي البَحْرِ أيْ سَبَّبْنا لَهم مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقِيلَ: سَلَّطْنا ووَكَّلْنا عَلَيْهِمْ ﴿قُرَناءَ﴾ جَمْعَ قَرِينٍ أيْ أخْدانًا وأصْحابًا مِن غُواةِ الجِنِّ، وقِيلَ: مِنهم ومِنَ الإنْسِ يَسْتَوْلُونَ عَلَيْهِمُ اسْتِيلاءَ القَيْضِ وهو القِشْرُ عَلى البَيْضِ، وقِيلَ: أصْلُ القَيْضِ البَدَلُ ومِنهُ المُقايَضَةُ لِلْمُعاوَضَةِ فَتَقْيِيضُ القَرِينِ لِلشَّخْصِ إمّا لِاسْتِيلائِهِ عَلَيْهِ أوْ لِأخْذِهِ بَدَلًا عَنْ غَيْرِهِ مِن قُرَنائِهِ ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ حَسَّنُوا وقَرَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن أمْرِ الآخِرَةِ حَيْثُ ألْقَوْا إلَيْهِمْ أنَّهُ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بَعْثَ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ مِن أمْرِ الدُّنْيا مِنَ الضَّلالَةِ والكُفْرِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ، وقالَ الحَسَنُ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن أمْرِ الدُّنْيا وما خَلْفَهم مِن أمْرِ الآخِرَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ أعْمالُهُمُ الَّتِي يُشاهِدُونَها وما خَلْفَهم ما هم عامِلُوهُ في المُسْتَقْبَلِ ولِكُلِّ وُجْهَةٍ، ولَعَلَّ الأحْسَنَ ما حُكِيَ عَنِ الحَسَنِ ﴿وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ أيْ ثَبَتَ وتَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ وتَحَقَّقَ مُوجِبُها ومِصْداقُها وهي قَوْلُهُ تَعالى لِإبْلِيسَ ﴿فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: 85] . حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ أيْ كائِنِينَ في جُمْلَةِ أُمَمٍ، وقِيلَ: ( في ) بِمَعْنى مَعَ ويَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ قَوْلُهُ:

صفحة 119

إنْ تَكُ عَنْ أحْسَنِ الصَّنِيعَةِ مَأْ فُوكًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أفَكُوا

وفِي البَحْرِ لا حاجَةَ لِلتَّضْمِينِ مَعَ صِحَّةِ مَعْنى في، وتَنْكِيرُ ( أُمَمٍ ) لِلتَّكْثِيرِ أيْ في أُمَمٍ كَثِيرَةٍ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ﴾ عَلى الكُفْرِ والعِصْيانِ كَدَأْبِ هَؤُلاءِ ﴿إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ والضَّمِيرُ لَهم ولِلْأُمَمِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ لَهم بِقَرِينَةِ السِّياقِ

41:26Page 479

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ ٢٦

And those who disbelieve say, "Do not listen to this Qur’ān and speak noisily1 during [the recitation of] it that perhaps you will overcome."

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن رُؤَساءِ المُشْرِكِينَ لِأعْقابِهِمْ أوْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ﴾ أيْ لا تُنْصِتُوا لَهُ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِمَكَّةَ إذا قَرَأ القُرْآنَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَكانَ المُشْرِكُونَ يَطْرُدُونَ النّاسَ عَنْهُ ويَقُولُونَ: لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ» ﴿والغَوْا فِيهِ﴾ وأْتُوا بِاللَّغْوِ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِيَتَشَوَّشَ عَلى القارِئِ، والمُرادُ بِاللَّغْوِ ما لا أصْلَ لَهُ وما لا مَعْنى لَهُ، وكانَ المُشْرِكُونَ عِنْدَ قِراءَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَأْتُونَ بِالمُكاءِ والصَّفِيرِ والصِّياحِ وإنْشادِ الشِّعْرِ والأراجِيزِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ أيْ قَعُوا فِيهِ وعَيِّبُوهُ، وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ وقَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو السَّمّالِ والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بِخِلافٍ عَنْهُما «وألْغُوا» بِضَمِّ الغَيْنِ مُضارِعَ لَغا بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ يُقالُ لَغِيَ يَلْغى كَرَضِيَ يَرْضى ولَغا يَلْغُو كَعَدا يَعْدُو إذا هَذى، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفَتْحُ مِن لَغى بِالشَّيْءِ يَلْغى بِهِ إذا رَمى بِهِ فَيَكُونُ ﴿فِيهِ﴾ بِمَعْنى بِهِ أيِ ارْمُوا بِهِ وانْبُذُوهُ ﴿لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ أيْ تَغْلِبُونَهُ عَلى قِراءَتِهِ أوْ تَطُمُّونَ أمْرَهُ وتُمِيتُونَ ذِكْرَهُ

41:27Page 479

فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابٗا شَدِيدٗا وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٧

But We will surely cause those who disbelieve to taste a severe punishment, and We will surely recompense them for the worst of what they had been doing.

﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ فَواللَّهِ لَنُذِيقَنَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ، والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِالعِلِّيَّةِ أوْ جَمِيعِ الكُفّارِ وهم يَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿عَذابًا شَدِيدًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ جَزاءَ سَيِّئاتِ أعْمالِهِمُ الَّتِي هي في أنْفُسِها أسْوَأُ - فَأفْعَلُ - لِلزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُجازِيهِمْ بِمَحاسِنِ أعْمالِهِمْ كَإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ وصِلَةِ الأرْحامِ وقِرى الأضْيافِ لِأنَّها مُحْبَطَةٌ بِالكُفْرِ، والعَذابُ إمّا في الدّارَيْنِ أوْ في إحْداهُما، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَذابًا شَدِيدًا يَوْمَ بَدْرٍ وأسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ في الآخِرَةِ.

41:28Page 479

ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعۡدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُۖ لَهُمۡ فِيهَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٢٨

That is the recompense of the enemies of Allāh - the Fire. For them therein is the home of eternity as recompense for what they, of Our verses, were rejecting.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةً إلى ما ذُكِرَ مِنَ الجَزاءِ وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ﴾ خَبَرُهُ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ الجَزاءِ جَزاءٌ مُعَدٌّ لِأعْدائِهِ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿النّارُ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِجَزاءٍ أوْ بَدَلٌ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ و( جَزاءُ ) مُبْتَدَأٌ و( النّارُ ) خَبَرُهُ، والإشارَةُ حِينَئِذٍ إلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( اَلنّارُ ) مُبْتَدَأً وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ أيْ هي بِعَيْنِها دارُ إقامَتِهِمْ عَلى أنَّ في لِلتَّجْرِيدِ كَما قِيلَ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحْزابَ: 21] وقَوْلِ الشّاعِرِ:

وفِي اللَّهِ إنْ لَمْ يُنْصِفُوا حُكْمَ عَدْلِ

وهُوَ أنْ يُنْتَزَعَ مِن أمْرٍ ذِي صِفَةٍ آخَرُ مِثْلُهُ مُبالَغَةً فِيها، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: المَقْصُودُ ذِكْرُ الصِّفَةِ والدّارِ إنَّما ذُكِرَتْ تَوْطِئَةً فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَهم فِيها الخُلُودُ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ والظَّرْفِيَّةُ حَقِيقِيَّةٌ، والمُرادُ أنَّ لَهم في النّارِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الدَّرَكاتِ دارًا مَخْصُوصَةً هم فِيها خالِدُونَ والأوَّلُ أبْلَغُ.

صفحة 120

﴿جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ يُجْزَوْنَ جَزاءً أوْ بِالمَصْدَرِ السّابِقِ فَإنَّ المَصْدَرَ يَنْتَصِبُ بِمِثْلِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسْراءَ: 63] والباءُ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِجَزاءٍ والثّانِيَةُ بِيَجْحَدُونَ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِقَصْدِ الحَصْرِ الإضافِيِّ مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ أيْ بِسَبَبِ ما كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِنا الحَقَّةِ دُونَ الأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي جُحُودُها، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الجَحُودَ مَجازًا عَنِ اللَّغْوِ المُسَبَّبِ عَنْهُ أيْ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يُلْغُونَ

41:29Page 479

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيۡنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ نَجۡعَلۡهُمَا تَحۡتَ أَقۡدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٢٩

And those who disbelieved will [then] say, "Our Lord, show us those who misled us of the jinn and men [so] we may put them under our feet1 that they will be among the lowest."

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم مُتَقَلِّبُونَ فِيما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ.

﴿رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ يَعْنُونَ فَرِيقَيْ شَياطِينِ النَّوْعَيْنِ المُقَيَّضِينَ لَهُمُ الحامِلِينَ لَهم عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي بِالتَّسْوِيلِ والتَّزْيِينِ، وعَنْعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ وقَتادَةَ أنَّهُما إبْلِيسُ وقابِيلُ فَإنَّهُما سَبَبا الكُفْرِ والقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَإنَّ قابِيلَ مُؤْمِنٌ عاصٍ، والظّاهِرُ أنَّ الكُفّارَ إنَّما طَلَبُوا إراءَةَ المُضِلِّينَ بِالكُفْرِ المُؤَدِّي إلى الخُلُودِ وكَوْنُهم رَئِيسَ الكَفَرَةِ ورَئِيسَ أهْلِ الكَبائِرِ خِلافَ الظّاهِرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ «أرِنا» بِالتَّخْفِيفِ كَفَخْذٍ بِالسُّكُونِ في فَخِذٍ، وفي الكَشّافِ «أرِنا» بِالكَسْرِ لِلِاسْتِبْصارِ وبِالسُّكُونِ لِلِاسْتِعْطاءِ ونَقَلَهُ عَنِ الخَلِيلِ، فَمَعْنى القِراءَةِ عَلَيْهِ أعْطِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾ نَدُوسُهُما بِها انْتِقامًا مِنهُما، وقِيلَ: نَجْعَلُهُما في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ لِيَشْتَدَّ عَذابُهُما فالمُرادُ نَجْعَلُهُما في الجِهَةِ الَّتِي تَحْتَ أقْدامِنا، وقُرِئَ في السَّبْعَةِ «اللَّذَيْنِّ» بِتَشْدِيدِ النُّونِ وهي حُجَّةٌ عَلى البَصْرِيِّينَ الَّذِينَ لا يُجَوِّزُونَ التَّشْدِيدَ فِيها في حالِ كَوْنِها بِالياءِ وكَذا في اللَّتَيْنِ وهَذَيْنِ وهاتَيْنِ ﴿لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ﴾ ذُلًّا ومَهانَةً أوْ مَكانًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском