Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:13–16
42:13Page 484
۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ ١٣
He has ordained for you of religion what He enjoined upon Noah and that which We have revealed to you, [O Muḥammad], and what We enjoined upon Abraham and Moses and Jesus - to establish the religion and not be divided therein. Difficult for those who associate others with Allāh is that to which you invite them. Allāh chooses for Himself whom He wills and guides to Himself whoever turns back [to Him].
قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ وإيذانٌ بِأنَّ ما شَرَعَ سُبْحانَهُ لَهم صادِرٌ عَنْ كَمالِ اَلْعِلْمِ والحِكْمَةِ كَما أنَّ بَيانَ نِسْبَتِهِ إلى اَلْمَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ تَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِهِ دِينًا قَدِيمًا أجْمَعَ عَلَيْهِ اَلرُّسُلُ، والخِطابُ لِأُمَّتِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ شَرَعَ لَكم مِنَ اَلدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ومَن بَعْدَهُ مِن أرْبابِ اَلشَّرائِعِ وأُولِي اَلْعَزْمِ مِن مَشاهِيرِ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وأمَرَهم بِهِ أمْرًا مُؤَكَّدًا، وتَخْصِيصُ اَلْمَذْكُورِينَ بِالذِّكْرِ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن عُلُوِّ شَأْنِهِمْ وعِظَمِ شُهْرَتِهِمْ ولِاسْتِمالَةِ قُلُوبِ اَلْكَفَرَةِ إلى اَلِاتِّباعِ لِاتِّفاقِ كُلٍّ عَلى نُبُوَّةِ بَعْضِهِمْ واخْتِصاصِ اَلْيَهُودِ بِمُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ والنَّصارى بِعِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وإلّا فَما مِن نَبِيٍّ إلّا وهو مَأْمُورٌ بِما أُمِرُوا بِهِ مِن إقامَةِ دِينِ اَلْإسْلامِ وهو اَلتَّوْحِيدُ وما لا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ اَلْأُمَمِ وتَبَدُّلِ اَلْأعْصارِ مِن أُصُولِ اَلشَّرائِعِ والأحْكامِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ اَلتَّوْصِيَةُ فَإنَّها مُعْرِبَةٌ عَنْ تَأْكِيدِ اَلْأمْرِ والِاعْتِناءِ بِشَأْنِ اَلْمَأْمُورِ بِهِ، والمُرادُ بِإيحائِهِ إلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إمّا ما ذُكِرَ في صَدْرِ اَلسُّورَةِ اَلْكَرِيمَةِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ اَلْآيَةَ وإمّا ما يَعُمُّهُما وغَيْرُهُما مِمّا وقَعَ في سائِرِ اَلْمَواقِعِ اَلَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ وغَيْرُ ذَلِكَ، وإيثارُ اَلْإيحاءِ عَلى ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ مِنَ اَلتَّوْصِيَةِ لِمُراعاةِ ما وقَعَ في اَلْآياتِ اَلْمَذْكُورَةِ ولِما في اَلْإيحاءِ مِنَ
صفحة 21
اَلتَّصْرِيحِ بِرِسالَتِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ اَلْقامِعِ لِإنْكارِ اَلْكَفَرَةِ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ اَلْعَظَمَةِ لِإظْهارِ كَمالِ اَلِاعْتِناءِ بِإيحائِهِ، وفي ذَلِكَ إشْعارٌ بِأنَّ شَرِيعَتَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هي اَلشَّرِيعَةُ اَلْمُعْتَنى بِها غايَةَ اَلِاعْتِناءِ ولِذا عَبَّرَ فِيها بِاَلَّذِي اَلَّتِي هي أصْلُ اَلْمَوْصُولاتِ وذَلِكَ هو اَلسِّرُّ في تَقْدِيمِ اَلَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما بَعْدَهُ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ زَمانًا، وتَقْدِيمِ تَوْصِيَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ اَلْمَشْرُوعِ لَهم دِينًا قَدِيمًا، وقَدْ قِيلَ إنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلُ اَلرُّسُلِ، وتَوْجِيهُ اَلْخِطابِ إلَيْهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَرِيقِ اَلتَّلْوِينِ لِلتَّشْرِيفِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ تَعالى شَرَعَهُ لَهم عَلى لِسانِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ﴾ أيْ دِينَ اَلْإسْلامِ اَلَّذِي هو تَوْحِيدُ اَللَّهِ تَعالى وطاعَتُهُ والإيمانُ بِكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وبِيَوْمِ اَلْجَزاءِ وسائِرِ ما يَكُونُ اَلْعَبْدُ بِهِ مُؤْمِنًا، والمُرادُ بِإقامَتِهِ تَعْدِيلُ أرْكانِهِ وحِفْظُهُ مِن أنْ يَقَعَ فِيهِ زَيْغٌ والمُواظَبَةُ عَلَيْهِ، و(أنْ) مَصْدَرِيَّةٌ وتَقَدَّمَ اَلْكَلامُ في وصْلِها بِالأمْرِ والنَّهْيِ أوْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ اَلثَّقِيلَةِ لِما في (شَرَعَ) مِن مَعْنى اَلْعِلْمِ، والمَصْدَرُ إمّا مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ (شَرَعَ) والمَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ والجُمْلَةُ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن إبْهامِ اَلْمَشْرُوعِ كَأنَّهُ قِيلَ: وما ذاكَ؟ فَقِيلَ: هو أنْ أقِيمُوا اَلدِّينَ، وقِيلَ: هو مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ (بِهِ) ولا يَلْزَمُهُ بَقاءُ اَلْمَوْصُولِ بِلا عائِدٍ لِأنَّ اَلْمُبْدَلَ مِنهُ لَيْسَ في نِيَّةِ اَلطَّرْحِ حَقِيقَةً، نَعَمْ قالَ شَيْخُ اَلْإسْلامِ: إنَّهُ لَيْسَ بِذاكَ لِما أنَّهُ مَعَ إفْضائِهِ إلى خُرُوجِهِ عَنْ حَيِّزِ اَلْإيحاءِ إلى اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِ اَلْخِطابِ في اَلنَّهْيِ اَلْآتِي عَنِ اَلتَّفَرُّقِ لِلْأنْبِياءِ اَلْمَذْكُورِينَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ وتَوْجِيهُ اَلنَّهْيِ إلى أُمَمِهِمْ تَمَحُّلٌ ظاهِرٌ مَعَ أنَّ اَلْأظْهَرَ أنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى أُمَّتِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنَّهُمُ اَلْمُتَفَرِّقُونَ، ثُمَّ بَيَّنَ ما اِسْتَظْهَرَهُ وسَنُشِيرُ إلَيْهِ إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى.
وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا مِنَ (اَلدِّينِ) ويَجُوزُ كَوْنُ (أنْ) مُفَسِّرَةً فَقَدْ تَقَدَّمَها ما يَتَضَمَّنُ مَعْنى اَلْقَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ والخِطابُ في ﴿أقِيمُوا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ عَلى ما اِخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلْأجِلَّةِ شامِلٌ لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأتْباعِهِ ولِلْأنْبِياءِ والأُمَمِ قَبْلَهم وضَمِيرُ ﴿فِيهِ﴾ لِلدِّينِ أيْ ولا تَتَفَرَّقُوا في اَلدِّينِ اَلَّذِي هو عِبارَةٌ عَمّا تَقَدَّمَ مِنَ اَلْأُصُولِ بِأنْ يَأْتِيَ بِهِ بَعْضٌ ولا يَأْتِيَ بَعْضٌ ويَأْتِيَ بَعْضٌ بِبَعْضٍ مِنهُ دُونَ بَعْضٍ وهو مُرادُ مُقاتِلٍ أيْ لا تَخْتَلِفُوا فِيهِ، ولا يَشْمَلُ هَذا اَلنَّهْيَ عَنِ اَلِاخْتِلافِ في اَلْفُرُوعِ فَإنَّها لَيْسَتْ مِنَ اَلْأُصُولِ اَلْمُرادَةِ هُنا ولَمْ يَتَّحِدْ بِها اَلنَّبِيُّونَ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ وبَعْضُهم أدْخَلَ بَعْضَ اَلْفُرُوعِ في أُصُولِ اَلدِّينِ اَلْمُرادَةِ هُنا مِنَ اَلدِّينِ.
قالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا أُمِرَ بِإقامَةِ اَلصَّلاةِ وإيتاءِ اَلزَّكاةِ والإقْرارِ بِاَللَّهِ تَعالى وطاعَتِهِ سُبْحانَهُ وذَلِكَ إقامَةُ اَلدِّينِ، وقالَ اَلْحافِظُ أبُو بَكْرِ بْنُ اَلْعَرَبِيِّ: لَمْ يَكُنْ مَعَ آدَمَ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ إلّا بَنُوهُ ولَمْ يُفْرَضْ لَهُ اَلْفَرائِضُ ولا شُرِعَتْ لَهُ اَلْمَحارِمُ وإنَّما كانَ مُنَبِّهًا عَلى بَعْضِ اَلْأُمُورِ مُقْتَصِرًا عَلى بَعْضِ ضَرُورِيّاتِ اَلْمَعاشِ واسْتَمَرَّ اَلْأمْرُ إلى نُوحٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَبَعَثَهُ اَللَّهُ تَعالى بِتَحْرِيمِ اَلْأُمَّهاتِ والبَناتِ ووَظَّفَ عَلَيْهِ اَلْواجِباتِ وأوْضَحَ لَهُ اَلْأدَبَ في اَلدِّياناتِ ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَأكَّدُ بِالرُّسُلِ ويَتَناصَرُ بِالأنْبِياءِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ شَرِيعَةً إثْرَ شَرِيعَةٍ حَتّى خَتَمَهُ سُبْحانَهُ بِخَيْرِ اَلْمِلَلِ عَلى لِسانِ أكْرَمِ اَلرُّسُلِ، فَمَعْنى اَلْآيَةِ شَرَعْنا لَكم مِمّا شَرَعْنا لِلْأنْبِياءِ دِينًا واحِدًا في اَلْأُصُولِ وهي اَلتَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والزَّكاةِ والصِّيامُ والحَجُّ والتَّقَرُّبُ بِصالِحِ اَلْأعْمالِ والصِّدْقُ والوَفاءُ بِالعَهْدِ وأداءُ اَلْأمانَةِ وصِلَةُ اَلرَّحِمِ وتَحْرِيمُ اَلْكِبْرِ والزِّنا والإيذاءِ لِلْخَلْقِ والِاعْتِداءِ عَلى اَلْحَيَوانِ واقْتِحامِ اَلدَّناءاتِ وما يَعُودُ بِخَرْمِ اَلْمُرُوءاتِ فَهَذا كُلُّهُ مَشْرُوعٌ دِينًا واحِدًا ومِلَّةً مُتَّحِدَةً لَمْ يَخْتَلِفْ عَلى ألْسِنَةِ اَلْأنْبِياءِ وإنِ اِخْتَلَفَتْ أعْدادُهُمْ، ومَعْنى ﴿أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا
صفحة 22
فِيهِ﴾ اِجْعَلُوهُ قائِمًا أيْ دائِمًا مُسْتَمِرًّا مِن غَيْرِ خِلافٍ فِيهِ ولا اِضْطِرابٍ اِنْتَهى، ولَعَلَّهُ أرادَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحَجِّ مُطْلَقَها لا ما نَعْرِفُهُ في شَرْعِنا مِنها فَإنَّ اَلصَّلَواتِ اَلْخَمْسَ والزَّكاةَ اَلْمَخْصُوصَةَ وصِيامَ شَهْرِ رَمَضانَ مِن خَواصِّ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ عَلى اَلصَّحِيحِ، والظّاهِرُ أنَّ حَجَّ اَلْبَيْتِ لَمْ يُشْرَعْ لِأُمَّةِ مُوسى وأُمَّةِ عِيسى عَلَيْهِما اَلسَّلامُ ولا لِأكْثَرِ اَلْأُمَمِ قَبْلَهُما عَلى أنَّ اَلْآيَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ تُشْرَعِ اَلزَّكاةُ اَلْمَعْرُوفَةُ وصِيامُ رَمَضانَ إلّا في اَلْمَدِينَةِ، وبِالجُمْلَةِ لا شَكَّ في اِخْتِلافِ اَلْأدْيانِ في اَلْفُرُوعِ، نَعَمْ لا يَبْعُدُ اِتِّفاقُها فِيما هو مِن مَكارِمِ اَلْأخْلاقِ واجْتِنابِ اَلرَّذائِلِ ﴿كَبُرَ﴾ أيْ عَظُمَ وشَقَّ ﴿عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ عَلى سَبِيلِ اَلِاسْتِمْرارِ اَلتَّجَدُّدِيِّ مِنَ اَلتَّوْحِيدِ ورَفْضِ عِبادَةِ اَلْأصْنامِ ويُشْعِرُ بِإرادَتِهِ اَلتَّعْبِيرَ بِالمُشْرِكِينَ وهو أصْلُ اَلْأُصُولِ وأعْظَمُ ما شَقَّ عَلَيْهِمْ كَما تُنْبِئُ بِذَلِكَ اَلْآياتُ أوْ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ مِن إقامَةِ اَلدِّينِ وعَدَمِ اَلتَّفَرُّقِ فِيهِ ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ﴾ تَسْلِيَةً لَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنَّ مِنهم مَن يُجِيبُ، و(يَجْتَبِي) مِنَ اَلِاجْتِباءِ بِمَعْنى اَلِاصْطِفاءِ والضَّمِيرُ في ﴿إلَيْهِ﴾ لِلَّهِ تَعالى كَما ذَكَرَ مُحْيِي اَلسُّنَّةِ وغَيْرُهُ وكَذا اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَهْدِي إلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ أيْ يَصْطَفِي إلَيْهِ سُبْحانَهُ مَن يَشاءُ اِصْطِفاءَهُ ويُخَصِّصُهُ سُبْحانَهُ بِفَيْضٍ إلَهِيٍّ يَتَحَصَّلُ لَهُ مِنهُ أنْواعُ اَلنِّعَمِ ويَهْدِي عَزَّ وجَلَّ بِالإرْشادِ والتَّوْفِيقِ مَن يُقْبِلُ إلَيْهِ تَعالى شَأْنَهُ، وعُدِّيَ اَلِاجْتِباءُ بِإلى لِما فِيهِ مِنَ اَلْجَمْعِ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ اَلرّاغِبِ، وجَعَلَهُ جَمْعٌ مِنَ اَلْجِبايَةِ بِمَعْنى اَلْجَمْعِ يُقالُ: جَبَيْتُ اَلْماءَ في اَلْحَوْضِ جَمَعْتُهُ فِيهِ فَمِنهم مَنِ اِخْتارَ جَعْلَ ضَمِيرِ (إلَيْهِ) في اَلْمَوْضِعَيْنِ- لِما- لِما فِيهِ مِنَ اِتِّساقِ اَلضَّمائِرِ أيْ يَجْتَلِبُ ويَجْمَعُ مَن يَشاءُ اِجْتِلابَهُ وجَمْعَهُ إلى ما تَدْعُوهم إلَيْهِ، ومِنهم مَنِ اِخْتارَ جَعْلَهُ لِلدِّينِ لِمُناسَبَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ هي اِتِّحادُ اَلْمُتَفَرَّقِ فِيهِ والمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ واَلزَّمَخْشَرِيُّ اِخْتارَ كَوْنَهُ مِنَ اَلْجِبايَةِ بِمَعْنى اَلْجَمْعِ وعَوْدَ اَلضَّمِيرِ عَلى اَلدِّينِ، وما ذَكَرَهُ مُحْيِي اَلسُّنَّةِ وغَيْرُهُ. قالَ في اَلْكَشْفِ: أظْهَرُ وأمْلَأُ بِالفائِدَةِ، أمّا اَلثّانِي فَلِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ أهْلَ اَلِاجْتِباءِ غَيْرُ أهْلِ اَلِاهْتِداءِ وكِلْتا اَلطّائِفَتَيْنِ هم أهْلُ اَلدِّينِ والتَّوْحِيدِ اَلَّذِينَ لَمْ يَتَفَرَّقُوا فِيهِ وعَلى مُخْتارِ طائِفَةٍ واحِدَةٍ.
وأمّا اَلْأوَّلُ فَلِأنَّ اَلِاجْتِباءَ بِمَعْنى اَلِاصْطِفاءِ أكْثَرُ اِسْتِعْمالًا ولِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أهْلَ اَلدِّينِ هم صَفْوَةُ اَللَّهِ تَعالى اِجْتَباهم إلَيْهِ واصْطَفاهم لِنَفَسِهِ سُبْحانَهُ، وأمّا اَلَّذِي آثَرَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ فَكَلامٌ ظاهِرِيٌّ بَناهُ عَلى أنَّ اَلْكَلامَ في عَدَمِ اَلتَّفَرُّقِ في اَلدِّينِ فَناسَبَ اَلْجَمْعَ والِانْتِهاءَ إلَيْهِ، وقِيلَ: (ما تَدْعُوهم إلَيْهِ) عَلى مَعْنى ما تَدْعُوهم إلى اَلْإيمانِ بِهِ والمُرادُ بِهِ اَلرِّسالَةُ أيْ ثَقُلَتْ عَلَيْهِمْ رِسالَتُكَ وعَظُمَ لَدَيْهِمْ تَخْصِيصُنا إيّاكَ بِالرِّسالَةِ والوَحْيِ دُونَهم وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مَن يَشاءُ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ عَلى نَحْوِ ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ وما قَدَّمْنا أظْهَرُ
42:14Page 484
وَمَا تَفَرَّقُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى لَّقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ١٤
And they did not become divided until after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And if not for a word1 that preceded from your Lord [postponing the penalty] until a specified time, it would have been concluded between them. And indeed, those who were granted inheritance of the Scripture after them are, concerning it, in disquieting doubt.
﴿وما تَفَرَّقُوا﴾ أيْ أُمَمِ اَلْأنْبِياءِ بَعْدَ وفاةِ أنْبِيائِهِمْ كَما في اَلْكَشْفِ مُنْذُ بَعْثِ نُوحٍ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلدِّينِ اَلَّذِي دُعُوا إلَيْهِ واخْتَلَفُوا فِيهِ في وقْتٍ مِنَ اَلْأوْقاتِ ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ مِن أنْبِيائِهِمْ بِأنَّ اَلْفُرْقَةَ ضَلالٌ وفَسادٌ وأمْرٌ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ وهَذا يُؤَيِّدُ ما دَلَّ عَلَيْهِ سابِقًا مِن أنَّ اَلْأُمَمَ اَلْقَدِيمَةَ والحَدِيثَةَ أُمِرُوا بِاتِّفاقِ اَلْكَلِمَةِ وإقامَةِ اَلدِّينِ، والمُرادُ بِالعِلْمِ سَبَبُهُ مَجازًا مُرْسَلًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلتَّجَوُّزُ في اَلْإسْنادِ، وأنْ يَكُونَ اَلْكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ جاءَهم سَبَبُ اَلْعِلْمِ، وقَدْ يُقالُ جاءَ مَجازٌ عَنْ حَصَلَ، والِاسْتِثْناءُ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ اَلْأوْقاتِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن أعَمِّ اَلْأحْوالِ أيْ ما تَفَرَّقُوا في حالٍ مِنَ اَلْأحْوالِ إلّا حالَ مَجِيءِ اَلْعِلْمِ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ عَداوَةً عَلى أنَّ اَلْبَغْيَ
صفحة 23
اَلظُّلْمُ والتَّجاوُزُ والعَداوَةُ سَبَبٌ لَهُ وهي اَلدّاعِي لِلتَّفَرُّقِ أوْ طَلَبًا لِلدُّنْيا والرِّياسَةِ عَلى أنَّ اَلْبَغْيَ مَصْدَرُ بَغى بِمَعْنى طَلَبَ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ هي عِدَتُهُ تَعالى بِتَرْكِ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ مَعْلُومٍ لَهُ سُبْحانَهُ وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ أوْ آخِرُ أعْمارِهِمُ اَلْمُقَدَّرَةِ لَهم ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بِاسْتِئْصالِ اَلْمُبْطِلِينَ حِينَ اِفْتَرَقُوا لِعِظَمِ ما اِقْتَرَفُوا ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ هم أهْلُ اَلْكِتابِ اَلَّذِينَ كانُوا في عَهْدِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (وُرِّثُوا) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدَ اَلْواوِ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ أيْ مِن كِتابِهِمْ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ حَقَّ اَلْإيمانِ ﴿مُرِيبٍ﴾ مُقْلِقٍ أوْ مُدْخِلٍ في اَلرِّيبَةِ، والجُمْلَةُ اِعْتِراضٌ يُؤَكِّدُ أنَّ تَفَرُّقَهم ذَلِكَ باقٍ في أعْقابِهِمْ مُنْضَمًّا إلَيْهِ اَلشَّكُّ في كِتابِهِمْ مَعَ اِنْتِسابِهِمْ إلَيْهِ فَهم تَفَرَّقُوا بَعْدَ اَلْعِلْمِ اَلْحاصِلِ لَهم مِنَ اَلنَّبِيِّ اَلْمَبْعُوثِ إلَيْهِمُ اَلْمُصَدِّقِ لِكِتابِهِمْ وتَفَرَّقُوا قَبْلَهُ شَكًّا في كِتابِهِمْ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولَمْ يُصَدِّقُوا حَقَّهُ.
42:15Page 484
فَلِذَٰلِكَ فَٱدۡعُۖ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡۖ وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٖۖ وَأُمِرۡتُ لِأَعۡدِلَ بَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡۖ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡۖ لَا حُجَّةَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٥
So to that [religion of Allāh] invite, [O Muḥammad],1 and remain on a right course as you are commanded and do not follow their inclinations but say, "I have believed in what Allāh has revealed of scripture [i.e., the Qur’ān], and I have been commanded to do justice among you. Allāh is our Lord and your Lord. For us are our deeds, and for you your deeds.2 There is no [need for] argument between us and you.3 Allāh will bring us together, and to Him is the [final] destination."
﴿فَلِذَلِكَ﴾ أيْ إذا كانَ اَلْأمْرُ كَما ذُكِرَ فَلِأجْلِ ذَلِكَ اَلتَّفَرُّقِ ولِما حَدَثَ بِسَبَبِهِ مِن تَشَعُّبِ اَلْكَفْرِ في اَلْأُمَمِ اَلسّالِفَةِ شُعَبًا ﴿فادْعُ﴾ إلى اَلِائْتِلافِ والِاتِّفاقِ عَلى اَلْمِلَّةِ اَلْحَنِيفِيَّةِ اَلْقَدِيمَةِ ﴿واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ أيِ اُثْبُتْ عَلى اَلدُّعاءِ كَما أُوحِيَ إلَيْكَ، وقِيلَ: اَلْإشارَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ وما يَتَّصِلُ بِهِ ونُقِلَ عَنِ اَلْواحِدِيِّ أيْ ولِأجْلِ ذَلِكَ مِنَ اَلتَّوْصِيَةِ اَلَّتِي شُورِكْتَ فِيها مَعَ نُوحٍ ومَن بَعْدَهُ ولِأجْلِ ذَلِكَ اَلْأمْرِ بِالإقامَةِ والنَّهْيِ عَنِ اَلتَّفَرُّقِ فادْعُ، وما ذُكِرَ أوَّلًا أوْلى لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنْ أقِيمُوا﴾ شَمِلَ اَلنَّبِيَّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وأتْباعَهُ كَما سَمِعْتَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ﴾ إلَخْ لا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ لِما يَظْهَرُ مِنَ اَلتَّكْرارِ وهو تَفَرُّعُ اَلْأمْرِ عَنِ اَلْأمْرِ، وأمّا تَسَبُّبُهُ عَنْ تَفَرُّقِهِمْ فَظاهِرٌ عَلى مَعْنى فَلِما أحْدَثُوا مِنَ اَلتَّفَرُّقِ وأبْدَعُوا فاثْبُتْ أنْتَ عَلى اَلدُّعاءِ اَلَّذِي أُمِرْتَ بِهِ واسْتَقِمْ وهَذا ظاهِرٌ لِلْمُتَأمِّلِ.
ومِنَ اَلنّاسِ مَن جَعَلَ اَلْمُشارَ إلَيْهِ اَلشَّرْعَ اَلسّابِقَ ولَمْ يُدْخِلْ فِيهِ اَلْأمْرَ بِالإقامَةِ لِئَلّا يَلْزَمَ اَلتَّكْرارُ أيْ فَلِأجْلِ أنَّهُ شَرَعَ لَهُمُ اَلدِّينَ اَلْقَوِيمَ اَلْقَدِيمَ اَلْحَقِيقَ بِأنْ يَتَنافَسَ فِيهِ اَلْمُتَنافِسُونَ فادْعُ، وقِيلَ: هو اَلْكِتابُ، وقِيلَ: هو اَلْعِلْمُ اَلْمَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ وقِيلَ: هو اَلشَّكُّ ورُجِّحَ بِالقُرْبِ ولَيْسَ بِذاكَ، واللّامُ عَلى جَمِيعِ اَلْأقْوالِ اَلْمَذْكُورَةِ لِلتَّعْلِيلِ، وقِيلَ: عَلى بَعْضِها هي بِمَعْنى إلى صِلَةِ اَلدُّعاءِ فَما بَعْدَها هو اَلْمَدْعُوُّ إلَيْهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ في إرادَةِ ذَلِكَ إلى جَعْلِها بِمَعْنى إلى فَإنَّ اَلدُّعاءَ يَتَعَدّى بِها أيْضًا كَما في قَوْلِهِ:
دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرا
ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ اَلْفَرّاءِ والزَّجّاجِ، وأيًّا ما كانَ فالفاءُ اَلْأُولى واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ كَما أشَرْنا إلَيْهِ والفاءُ اَلثّانِيَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولى، وقِيلَ: كانَ اَلنّاسُ بَعْدَ اَلطُّوفانِ أُمَّةً واحِدَةً مُوَحِّدِينَ فاخْتَلَفَ أبْناؤُهم بَعْدَ مَوْتِهِمْ حِينَ بَعَثَ اَللَّهُ تَعالى اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وجَعَلَ ضَمِيرَ (تَفَرَّقُوا) لِأخْلافِ أُولَئِكَ اَلْمُوَحِّدِينَ واَلَّذِينَ أُورِثُوا اَلْكِتابَ باقٍ عَلى ما تَقَدَّمَ والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقِيلَ: ضَمِيرُ تَفَرَّقُوا لِأهْلِ اَلْكِتابِ تَفَرَّقُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بِمَبْعَثِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ وإنَّما تَفَرَّقُوا حَسَدًا لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لا لِشُبْهَةٍ، والمُرادُ بِاَلَّذِينِ أُورِثُوا اَلْكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ مُشْرِكُو مَكَّةَ وأحْزابُهم لِأنَّهم أُورِثُوا اَلْقُرْآنَ فالكِتابُ اَلْقُرْآنُ وضَمِيرُ مِنهُ لَهُ وقِيلَ لِلرَّسُولِ وهو خِلافُ اَلظّاهِرِ، واخْتارَ كَوْنَ اَلْمُتَفَرِّقِينَ أهْلَ اَلْكِتابِ
صفحة 24
اَلْيَهُودَ والنَّصارى والمُورَثِينَ اَلشّاكِّينَ مُشْرِكِي مَكَّةَ وأحْزابَهم شَيْخُ اَلْإسْلامِ واسْتَظْهَرَ اَلْخِطابَ في ﴿أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ لِأُمَّتِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وتَعَقَّبَ اَلْقَوْلَ بِكَوْنِ اَلْمُتَفَرِّقِ كُلَّ أُمَّةٍ بَعْدَ نَبِيِّها والقَوْلَ بِكَوْنِهِ أخْلافَ اَلْمُوَحِّدِينَ اَلَّذِينَ كانُوا بَعْدَ اَلطُّوفانِ فَقالَ: يَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ فَإنَّ مَشاهِيرَ اَلْأُمَمِ اَلْمَذْكُورَةِ قَدْ أصابَهم عَذابُ اَلِاسْتِئْصالِ مِن غَيْرِ إنْظارٍ وإمْهالٍ عَلى أنَّ مَساقَ اَلنَّظْمِ اَلْكَرِيمِ لِبَيانِ أحْوالِ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ وإنَّما ذَكَرَ مَن ذَكَرَ مِنَ اَلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ لِتَحْقِيقِ أنَّ ما شُرِعَ لِهَؤُلاءِ دِينٌ قَدِيمٌ أجْمَعَ عَلَيْهِ أُولَئِكَ اَلْأعْلامُ عَلَيْهِمُ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ تَأْكِيدَ اَلْوُجُوبِ إقامَتَهُ وتَشْدِيدًا لِلزَّجْرِ عَنِ اَلتَّفَرُّقِ والِاخْتِلافِ فِيهِ فالتَّعَرُّضُ لِبَيانِ تَفَرُّقِ أُمَمِهِمْ عَنْهُ رُبَّما يُوهِمُ اَلْإخْلالَ بِذَلِكَ اَلْمَرامِ اِنْتَهى.
وأُجِيبَ عَنِ اَلْأوَّلِ بِأنَّ ضَمِيرَ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ لِأُولَئِكَ اَلَّذِينَ تَفَرَّقُوا وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ اَلْمُرادَ بِهِمُ اَلْمُتَفَرِّقُونَ بَعْدَ وفاةِ أنْبِيائِهِمْ وهم لَمْ يُصِبْهم عَذابُ اَلِاسْتِئْصالِ وإنَّما أصابَ اَلَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا في عَهْدِ أنْبِيائِهِمْ وإطْلاقُ اَلْمُتَفَرِّقِينَ لَيْسَ بِذاكَ اَلظُّهُورِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ لَقُضِيَ بَيْنَهم رَيْثَما اِفْتَرَقُوا ولَمْ يُمْهَلُوا أعْوامًا، وقِيلَ: اَلْمُرادُ لَقُضِيَ بَيْنَهم بِإهْلاكِ اَلْمُبْطِلِينَ وإثابَةِ اَلْمُحِقِّينَ إثابَتَهم في اَلْعُقْبى وهو كَما تَرى، وعَنِ اَلثّانِي بِأنّا لا نُسَلِّمُ إيهامَ اَلتَّعَرُّضِ لِبَيانِ تَفَرُّقِ اَلْأُمَمِ اَلْإخْلالَ بِالمَرامِ بَعْدَ بَيانِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا بَعْدَ أنْ جاءَهُمُ اَلْعِلْمُ بِأنَّهُ ضَلالٌ وفَسادٌ وأمْرٌ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ وأنَّهُ كانَ بَغْيًا بَيْنَهم ولَمْ يَكُنْ لِشُبْهَةٍ في صِحَّةِ اَلدِّينِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿تَفَرَّقُوا﴾ لِلْمُشْرِكِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ .
حُكِيَ في اَلْبَحْرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: وما تَفَرَّقُوا يَعْنِي قُرَيْشًا والعِلْمُ مُحَمَّدٌ صَلّى تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ أنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ اَلْآيَةَ، وقَدْ يُقالُ عَلَيْهِ: اَلْمُرادُ بِاَلَّذِينِ أُورِثُوا اَلْكِتابَ أهْلُ اَلْكِتابِ اَلَّذِينَ عاصَرُوا اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومَعْنى مِن بَعْدِهِمْ عَلى ما قالَ أبُو حَيّانَ مَن بَعْدَ أسْلافِهِمْ.
ونَقَلَ اَلطَّبْرَسِيُّ عَنِ اَلسُّدِّيِّ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اَلْمُرادَ مِن بَعْدِ أحْبارِهِمْ وفُسِّرَ اَلْمَوْصُولُ بِعَوامِّ أهْلِ اَلْكِتابِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ بَعْدِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ أيْضًا والبَعْدِيَّةُ رُتَبِيَّةٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: (والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها) ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّهُ لا بَأْسَ بِعَوْدِ ضَمِيرِ ﴿تَفَرَّقُوا﴾ لِلْمُشْرِكِينَ لَوْ وُجِدَ لِلَّذِينِ أُورِثُوا اَلْكِتابَ تَوْجِيهٌ يَقَعُ في حَيِّزِ اَلْقَبُولِ واَللَّهُ تَعالى اَلْمُوَفِّقُ، وجُعِلَ مُتَعَلِّقُ ”اِسْتَقِمْ“ اَلدُّعاءِ لا تَخْفى مُناسَبَتُهُ. وجُوِّزَ جَعْلُهُ عامّا فَيَكُونُ اِسْتَقِمْ أمْرًا بِالِاسْتِقامَةِ في جَمِيعِ أُمُورِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، والِاسْتِقامَةُ أنْ يَكُونَ عَلى خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ، وفَسَّرَها اَلرّاغِبُ بِلُزُومِ اَلْمَنهَجِ اَلْمُسْتَقِيمِ فَلا حاجَةَ إلى اَلتَّأْوِيلِ بِالدَّوامِ عَلى اَلِاسْتِقامَةِ أيْ دُمْ عَلى اَلِاسْتِقامَةِ ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ أيْ شَيْئًا مِن أهْوائِهِمُ اَلْباطِلَةِ عَلى أنَّ اَلْإضافَةَ لِلْجِنْسِ ﴿وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾ أيْ بِجَمِيعِ اَلْكُتُبِ اَلْمُنْزَلَةِ لِأنَّ ما مِن أدَواتِ اَلْعُمُومِ، وتَنْكِيرُ (كِتابٍ) اَلْمُبَيَّنُ مُؤَيِّدٌ لِذَلِكَ، وفي هَذا اَلْقَوْلِ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ وبَيانٌ لِاتِّفاقِ اَلْكُتُبِ في اَلْأُصُولِ وتَأْلِيفٌ لِقُلُوبِ أهْلِ اَلْكِتابَيْنِ وتَعْرِيضٌ بِهِمْ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِها ﴿وأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أيْ أمَرَنِي اَللَّهُ تَعالى بِما أمَرَنِي بِهِ لِأعْدِلَ بَيْنَكم في تَبْلِيغِ اَلشَّرائِعِ والأحْكامِ فَلا أخُصُّ بِشَيْءٍ مِنها شَخْصًا دُونَ شَخْصٍ وقِيلَ: لِأعْدِلَ بَيْنَكم في اَلْحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ، وقِيلَ: بِتَبْلِيغِ اَلشَّرائِعِ وفَصْلِ اَلْخُصُومَةِ واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وقِيلَ: لِأُسَوِّيَ بَيْنِي وبَيْنَكم ولا آمُرَكم بِما لا أعْمَلُهُ ولا أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ ولا أُفَرِّقَ بَيْنَ أصاغِرِكم وأكابِرِكم في إجْراءِ حُكْمِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ والمَأْمُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: اَللّامُ مَزِيدَةٌ أيْ أُمِرْتُ أنْ أعْدِلَ ويَحْتاجُ
صفحة 25
لِتَقْدِيرِ اَلْباءِ أيْ بِأنْ أعْدِلَ، ولا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ ﴿اللَّهُ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ أيْ خالِقُ اَلْكُلِّ ومُتَوَلِّي أمْرِهِ فَلَيْسَ اَلْمُرادُ خُصُوصَ اَلْمُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ ﴿لَنا أعْمالُنا﴾ لا يَتَخَطّانا جَزاؤُها ثَوابًا كانَ أوْ عِقابًا ﴿ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ لا يُجاوِزُكم آثارُها لِنَنْتَفِعَ بِحَسَناتِكم ونَتَضَرَّرَ بِسَيِّئاتِكم ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ أيْ لا اِحْتِجاجَ ولا خُصُومَةَ لِأنَّ اَلْحَقَّ قَدْ ظَهَرَ فَلَمْ يَبْقَ لِلِاحْتِجاجِ حاجَةٌ ولا لِلْمُخالَفَةِ مَحْمَلٌ سِوى اَلْمُكابَرَةِ والعِنادِ، وجاءَتِ اَلْحُجَّةُ هُنا عَلى أصْلِها فَإنَّها في اَلْأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اَلِاحْتِجاجِ كَما ذَكَرَهُ اَلرّاغِبُ وشاعَتْ بِمَعْنى اَلدَّلِيلِ ولَيْسَ بِمُرادٍ ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ ﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فَيَفْصِلُ سُبْحانَهُ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ، ولَيْسَ في اَلْآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى مُتارَكَةِ اَلْكُفّارِ رَأْسًا حَتّى تَكُونَ مَنسُوخَةً بِآيَةِ اَلسَّيْفِ، وادَّعى أبُو حَيّانَ أنَّ ما يَظْهَرُ مِنها اَلْمُوادَعَةُ اَلْمَنسُوخَةُ بِتِلْكَ اَلْآيَةِ.
42:16Page 485
وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ٱسۡتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمۡ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ وَلَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٌ ١٦
And those who argue concerning Allāh after He has been responded to1 - their argument is invalid with their Lord, and upon them is [His] wrath, and for them is a severe punishment.
﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ﴾ أيْ يُخاصِمُونَ في دِينِهِ، قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ. ومُجاهِدٌ نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هَمَّتْ بِرَدِّ اَلنّاسِ عَنِ اَلْإسْلامِ وإضْلالِهِمْ فَقالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم فَدِينُنا أفْضَلُ مِن دِينِكُمْ، وفي رِوايَةٍ بَدَلَ فَدِينُنا إلَخْ فَنَحْنُ أوْلى بِاَللَّهِ تَعالى مِنكُمْ، وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ قالَ اَلْمُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ لِمَن بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ: قَدْ دَخَلَ اَلنّاسُ في دِينِ اَللَّهِ أفْواجًا فاخْرُجُوا مِن بَيْنِ أظْهُرِنا أوِ اُتْرُكُوا اَلْإسْلامَ، والمُحاجَّةَ فِيهِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ ولَعَلَّهم مَعَ هَذا يَذْكُرُونَ ما فِيهِ ذَلِكَ ﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أيْ مِن بَعْدِ ما اِسْتَجابَ اَلنّاسُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ لِدِينِهِ ودَخَلُوا فِيهِ وأذْعَنُوا لَهُ لِظُهُورِ اَلْحُجَّةِ ووُضُوحِ اَلْمَحَجَّةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالِاسْتِجابَةِ بِاعْتِبارِ دَعْوَتِهِمْ إلَيْهِ ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ زائِلَةٌ باطِلَةٌ لا تُقْبَلُ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ بَلْ لا حُجَّةَ لَهم أصْلًا، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ أباطِيلِهِمْ بِالحُجَّةِ وهي اَلدَّلِيلُ هَهُنا مُجاراةً مَعَهم عَلى زَعْمِهِمُ اَلْباطِلِ.
وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ ﴿لَهُ﴾ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَوْنِهِ في حُكْمِ اَلْمَذْكُورِ والمُسْتَجِيبِ أهْلِ اَلْكُتُبِ واسْتِجابَتُهم لَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إقْرارُهم بِنُعُوتِهِ واسْتِفْتاحُهم بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ فَإذا كانُوا هُمُ اَلْمُحاجِّينَ كانَ اَلْكَلامُ في قُوَّةِ واَلَّذِينَ يُحاجُّونَ في دِينِ اَللَّهِ مِن بَعْدِ ما اِسْتَجابُوا لِرَسُولِهِ وأقَرُّوا بِنُعُوتِهِ حُجَّتُهم في تَكْذِيبِهِ باطِلَةٌ لِما فِيها مِن نَفْيِ ما أقَرُّوا بِهِ قَبْلُ وصَدَّقَهُ اَلْعِيانُ، وقِيلَ: اَلْمُسْتَجِيبُ هو اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وضَمِيرُ ﴿لَهُ﴾ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، واسْتِجابَتُهُ تَعالى لَهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِإظْهارِ اَلْمُعْجِزاتِ اَلدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ اَلْجُبّائِيُّ حَيْثُ قالَ: أيْ مِن بَعْدِ ما اِسْتَجابَ اَللَّهُ تَعالى دُعاءَهُ في كُفّارِ بَدْرٍ حَتّى قَتَلَهم بِأيْدِي اَلْمُؤْمِنِينَ ودُعاءَهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ حَتّى قَحِطُوا ودُعاءَهُ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ حَتّى خَلَّصَهُمُ اَللَّهُ تَعالى مِن أيْدِي قُرَيْشٍ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ تَعْدادُهُ، وبَطَلانُ حُجَّتِهِمْ لِظُهُورِ خِلافِ ما تَقْتَضِيهِ بِزَعْمِهِمْ بِذَلِكَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ هَذِهِ اَلْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ وقْعَةَ بَدْرٍ بَعْدَ اَلْهِجْرَةِ وحَمْلُ ﴿اسْتُجِيبَ﴾ عَلى اَلْوَعْدِ خِلافُ اَلظّاهِرِ جِدًّا، وكَذا ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وقِيلَ: إنَّ حَمْلَ اَلِاسْتِجابَةِ عَلى اِسْتِجابَةِ أهْلِ اَلْكِتابِ يَقْتَضِي ذَلِكَ أيْضًا إذْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أحَدٌ مِنهُمْ، وقِيلَ: لا يَقْتَضِيهِ لِأنَّ خَبَرَ اِسْتِجابَتِهِمْ وإقْرارِهِمْ بِنُعُوتِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُبِمَكَّةَ بَلَغَ أهْلَ مَكَّةَ والمُجادِلُونَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِمْ فَلا مانِعَ مِن كَوْنِها مَكِّيَّةٌ ﴿وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ عَظِيمٌ لِمُكابَرَتِهِمُ اَلْحَقَّ بَعْدَ ظُهُورِهِ ﴿ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences