Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:17–22
42:17Page 485
ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ وَٱلۡمِيزَانَۗ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٞ ١٧
It is Allāh who has sent down the Book in truth and [also] the balance [i.e., justice]. And what will make you perceive? Perhaps the Hour is near.
صفحة 26
﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ﴾ جِنْسَ اَلْكِتابِ أوِ اَلْكِتابَ اَلْمَعْهُودَ أوْ جَمِيعَ اَلْكُتُبِ ﴿بِالحَقِّ﴾ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ بَعِيدًا مِنَ اَلْباطِلِ في أحْكامِهِ وأخْبارِهِ أوْ مُلْتَبِسًا بِما يَحِقُّ ويَجِبُ مِنَ اَلْعَقائِدِ والأحْكامِ ﴿والمِيزانَ﴾ أيِ اَلْعَدْلَ كَما قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهم أوِ اَلشَّرْعَ اَلَّذِي يُوزَنُ بِهِ اَلْحُقُوقُ ويُسَوِّي بَيْنَ اَلنّاسِ، وعَلى اَلْوَجْهَيْنِ فِيهِ اِسْتِعارَةٌ ونِسْبَةُ اَلْإنْزالِ إلَيْهِ مَجازٌ لِأنَّهُ مِن صِفاتِ اَلْأجْسامِ والمُنْزِلُ حَقِيقَةً مَن بَلَّغَهُ، واعْتَبَرَ بَعْضُهُمُ اَلْأمْرَ أيْ أنْزَلَ اَلْأمْرَ بِالمِيزانِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ أيْضًا مُحْتاجٌ إلى اَلتَّأْوِيلِ، وقَدْ يُقالُ: نِسْبَةُ اَلْإنْزالِ وكَذا اَلنُّزُولِ إلى اَلْأمْرِ مَشْهُورَةٌ جِدًّا فالتَحَقَتْ بِالحَقِيقَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُتَجَوَّزَ في اَلْإنْزالِ ويُقالَ نَحْوُ ذَلِكَ في ﴿أنْزَلَ الكِتابَ﴾ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ اَلْمِيزانَ اَلْآلَةُ اَلْمَعْرُوفَةُ فَعَلى هَذا إنْزالُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ اَلْأمْرِ بِهِ، واسْتَظْهَرَ اَلْأوَّلَ لِما نَقَلَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ في اَلْحَدِيدِ أنَّهُ نَزَلَ إلى نُوحٍ وأمَرَ أنْ يُوزَنَ بِهِ، وكَوْنُ اَلْمُرادِ بِهِ مِيزانَ اَلْأعْمالِ بَعِيدٌ هُنا.
﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ دارِيًا أيْ عالِمًا ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ﴾ أيْ إتْيانَ اَلسّاعَةِ اَلَّذِي أخْبَرَ بِهِ اَلْكِتابُ اَلنّاطِقُ بِالحَقِّ فالكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مُذَكَّرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَرِيبٌ﴾ خَبَرٌ عَنْهُ في اَلْحَقِيقَةِ لِأنَّ اَلْمَحْذُوفَ بِقَرِينَةٍ كالمَلْفُوظِ وهو وجْهٌ في تَذْكِيرِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِتَأْوِيلِ اَلسّاعَةِ بِالبَعْثِ وأنْ يَكُونَ ﴿قَرِيبٌ﴾ مِن بابِ تامِرٍ ولابِنٍ أيْ ذاتُ قُرْبٍ إلى أوْجُهٍ أُخَرَ تَقَدَّمَتْ في اَلْكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى إنَّ اَلسّاعَةَ عَلى جَناحِ اَلْإتْيانِ فاتَّبِعِ اَلْكِتابَ وواظِبْ عَلى اَلْعَدْلِ واعْمَلْ بِالشَّرْعِ قَبْلَ أنْ يُفاجِئَكَ اَلْيَوْمُ اَلَّذِي تُوزَنُ فِيهِ اَلْأعْمالُ ويُوفى جَزاؤُها
42:18Page 485
يَسۡتَعۡجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِهَاۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشۡفِقُونَ مِنۡهَا وَيَعۡلَمُونَ أَنَّهَا ٱلۡحَقُّۗ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٍ ١٨
Those who do not believe in it are impatient for it,1 but those who believe are fearful of it and know that it is the truth. Unquestionably, those who dispute concerning the Hour are in extreme error.
﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾ اِسْتِعْجالَ إنْكارٍ واسْتِهْزاءٍ كانُوا يَقُولُونَ: مَتى هي لَيْتَها قامَتْ حَتّى يَظْهَرَ لَنا أهُوَ اَلَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ أمْ كاَلَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابُهُ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ أيْ خائِفُونَ مِنها مَعَ اِعْتِناءٍ بِها فَإنَّ اَلْإشْفاقَ عِنايَةٌ مُخْتَلِطَةٌ بِخَوْفٍ فَإذا عُدِّيَ بِمِن كَما هُنا فَمَعْنى اَلْخَوْفِ فِيهِ أظْهَرُ وإذا عُدِّيَ بِعَلى فَمَعْنِي اَلْعِنايَةِ أظْهَرُ، وعِنايَتُهم بِها لِتَوَقُّعِ اَلثَّوابِ، وزَعَمَ اَلْجَلْبِيُّ أنَّ اَلْآيَةَ مِنَ اَلِاحْتِباكِ والأصْلُ يَسْتَعْجِلُ بِها اَلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها فَلا يُشْفِقُونَ مِنها واَلَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها فَلا يَسْتَعْجِلُونَ بِها ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ اَلْأمْرُ اَلْمُتَحَقِّقُ اَلْكائِنُ لا مَحالَةَ ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ﴾ أيْ يُجادِلُونَ فِيها، وأصْلُهُ مِن مَرَيْتُ اَلنّاقَةَ إذا مَسَحْتُ ضَرْعَها لِلْحَلْبِ، وإطْلاقُ اَلْمُماراةِ عَلى اَلْمُجادَلَةِ لِأنَّ كُلًّا مِنَ اَلْمُتَجادِلَيْنِ يَسْتَخْرِجُ ما عِنْدَ صاحِبِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ اَلْمِرْيَةِ اَلتَّرَدُّدُ في اَلْأمْرِ وهو أخَصُّ مِنَ اَلشَّكِّ ومَعْنى اَلْمُفاعَلَةِ غَيْرُ مَقْصُودٍ فالمَعْنى أنَّ اَلَّذِينَ يَتَرَدَّدُونَ في أمْرِ اَلسّاعَةِ ويَشُكُّونَ فِيهِ ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ عَنِ اَلْحَقِّ فَإنَّ اَلْبَعْثَ أقْرَبُ اَلْغائِباتِ بِالمَحْسُوساتِ لِأنَّهُ يُعْلَمُ مِن تَجْوِيزِهِ مِن إحْياءِ اَلْأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها وغَيْرِ ذَلِكَ فَمَن لَمْ يَهْتَدِ إلَيْهِ فَهو عَنِ اَلِاهْتِداءِ إلى ما وراءَهُ أبْعَدُ وأبْعَدُ.
42:19Page 485
ٱللَّهُ لَطِيفُۢ بِعِبَادِهِۦ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ١٩
Allāh is Subtle1 with His servants; He gives provision to whom He wills. And He is the Powerful, the Exalted in Might.
﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ بَرٌّ بَلِيغُ اَلْبِرِّ بِهِمْ يَفِيضُ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى جَمِيعِهِمْ مِن صُنُوفِهِ ما لا يَبْلُغُهُ اَلْأفْهامُ ويُؤْذِنُ بِذَلِكَ مادَّةُ اَللُّطْفِ وصِيغَةُ اَلْمُبالَغَةِ فِيها وتَنْكِيرُها اَلدّالُّ عَلى اَلْمُبالَغَةِ بِحَسْبِ اَلْكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، قالَ حُجَّةُ اَلْإسْلامِ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ: إنَّما يَسْتَحِقُّ هَذا اَلِاسْمَ مَن يَعْلَمُ دَقائِقَ اَلْمَصالِحِ وغَوامِضَها وما دَقَّ مِنها ولَطُفَ ثُمَّ يَسْلُكُ في إيصالِها إلى اَلْمُسْتَصْلَحِ سَبِيلَ اَلرِّفْقِ دُونَ اَلْعُنْفِ فَإذا اِجْتَمَعَ اَلرِّفْقُ في اَلْفِعْلِ واللُّطْفُ في اَلْإدْراكِ تَمَّ مَعْنى اَللَّطِيفِ ولا يُتَصَوَّرُ كَمالُ ذَلِكَ إلّا في اَللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ، فَصُنُوفُ اَلْبِرِّ مِنَ اَلْمُبالَغَةِ في اَلْكَمِّ، وكَوْنُها لا تَبْلُغُها اَلْأفْهامُ مِنَ اَلْمادَّةِ
صفحة 27
والمُبالَغَةِ في اَلْكَيْفِيَّةِ لِأنَّهُ إذا دَقَّ جِدًّا كانَ أخْفى وأخْفى، وإرادَةُ اَلْجَمِيعِ مِن إضافَةِ اَلْعِبادِ وهو جَمْعٌ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى فَيُفِيدُ اَلشُّمُولَ والِاسْتِغْراقَ، وبِالعُمُومِ قالَ مُقاتِلٌ إلّا أنَّهُ قالَ: لَطِيفٌ بِالبَرِّ والفاجِرِ حَيْثُ لَمْ يَقْتُلْهم جُوعًا.
وقالَ أبُو حَيّانَ: لَطِيفٌ بِعِبادِهِ أيْ بَرٌّ بِعِبادِهِ اَلْمُؤْمِنِينَ ومَن سَبَقَ لَهُ اَلْخُلُودُ في اَلْجَنَّةِ وما يُرى مِنَ اَلنِّعَمِ عَلى اَلْكافِرِ فَلَيْسَ بِلُطْفٍ إنَّما هو إمْلاءٌ إلّا ما آلَ إلى رَحْمَةٍ ووَفاةٍ عَلى اَلْإسْلامِ، وحَكى اَلطَّيِّبِيُّ هَذا اَلتَّخْصِيصَ عَنِ اَلْواحِدِيِّ ومالَ إلى تَرْجِيحِهِ وذَلِكَ أنَّهُ اِدَّعى أنَّ اَلْإضافَةَ في (عِبادِهِ) إضافَةُ تَشْرِيفٍ إذْ أكْثَرُ اِسْتِعْمالِ اَلتَّنْزِيلِ اَلْجَلِيلِ في مِثْلِ ذَلِكَ فَيَخْتَصُّ اَلْعِبادَ بِأوْلِيائِهِ تَعالى اَلْمُؤْمِنِينَ، وحَمَلَ اَللُّطْفَ عَلى مَنحِ اَلْهِدايَةِ وتَوْفِيقِ اَلطّاعَةِ وعَلى اَلْكِمالاتِ اَلْأُخْرَوِيَّةِ والكَراماتِ اَلسَّنِيَّةِ، وحَمَلَ اَلرِّزْقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ عَلَيْهِ أيْضًا وقالَ: إنَّ اِسْتِعْمالَهُ فِيما ذُكِرَ كاسْتِعْمالِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللَّهُ يَرْزُقُ مِن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ .
وجَعَلَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ مُؤْذِنًا بِالتَّعْلِيلِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما تَلَطَّفَ جَلَّ شَأْنُهُ في حَقِّ عِبادِهِ اَلْمُؤْمِنِينَ دُونَ مَن غَضِبَ عَلَيْهِمْ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ تَعالى قَوِيٌّ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْتَصَّ بِرَحْمَتِهِ وكَرامَتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ عَزِيزٌ غالِبٌ لا يَمْنَعُهُ سُبْحانَهُ عَمّا يُرِيدُهُ أحَدٌ، وادَّعى أنَّهُ يَكُونُ وِزانُ اَلْآيَةِ عَلى هَذا مَعَ قَوْلِهِ تَعالى:
42:20Page 485
مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ٢٠
Whoever desires the harvest of the Hereafter - We increase for him in his harvest [i.e., reward]. And whoever desires the harvest [i.e., benefits] of this world - We give him thereof, but there is not for him in the Hereafter any share.
﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ اَلْآيَةَ وِزانَ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ ويَنْتَظِمُ اَلْكَلامُ أتَمَّ اِنْتِظامٍ وتَلْتَئِمُ أطْرافُهُ أشَدَّ اِلْتِئامٍ، ولا يُقالُ حِينَئِذٍ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ حُكْمٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى اَلسّابِقِ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَعُمَّ عُمُومُهُ والعُمُومُ أظْهَرُ، وحَدِيثُ اَلتَّخْصِيصِ في ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ فَقَدْ أجابَ عَنْهُ صاحِبُ اَلتَّقْرِيبِ فَقالَ: إنَّما خَصَّصَ اَلرِّزْقَ بِمَن يَشاءُ مَعَ أنَّهم كُلَّهم بَرَّ سُبْحانَهُ بِهِمْ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ يَخُصُّ أحَدًا بِنِعْمَةٍ وغَيْرَهُ بِأُخْرى فالعُمُومُ لِجِنْسِ اَلْبِرِّ والخُصُوصُ لِنَوْعِهِ. وأشارَ جارُ اَللَّهِ إلى أنَّهُ لا تَخْصِيصَ بِالحَقِيقَةِ فَإنَّ اَللَّهَ تَعالى بَلِيغُ اَلْبِرِّ بِجَمِيعِ عِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ مِنهُ - فَيُرْزَقُ مَن يَشاءُ - بَيانٌ لِتَوْزِيعِهِ عَلى جَمِيعِهِمْ فَلَيْسَ اَلرِّزْقُ إلّا اَلنَّصِيبُ اَلْخاصُّ لِكُلِّ واحِدٍ، ولَمّا شَمِلَ اَلدّارَيْنِ لاءَمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ﴾ إلَخْ كُلَّ اَلْمُلاءَمَةِ، ولا يَتَوَقَّفُ هَذا عَلى ما قالَهُ اَلطَّيِّبِيُّ، ولَعَلَّ أمْرَ اَلتَّذْيِيلِ بِالِاسْمَيْنِ اَلْجَلِيلَيْنِ عَلى اَلْقَوْلِ بِالعُمُومِ أظْهَرُ والتَّعْلِيلَ أنْسَبُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَطِيفٌ بِعِبادِهِ عامُّ اَلْإحْسانِ بِهِمْ لِأنَّهُ تَعالى اَلْقَوِيُّ اَلْباهِرُ اَلْقُدْرَةِ اَلَّذِي غَلَبَ وغَلَبَتْ قُدْرَتُهُ سُبْحانَهُ جَمِيعَ اَلْقُدَرِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ لِأنَّهُ اَلْعَزِيزُ اَلَّذِي لا يُغْلَبُ عَلى ما يُرِيدُ فَكُلٌّ مِنَ اَلِاسْمَيْنِ اَلْجَلِيلَيْنِ ناظِرٌ إلى حُكْمٍ فافْهَمْ ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ .
فَكَمْ لِلَّهِ مِن لُطْفٍ خَفِيٍّ يَدِقُّ خَفاهُ عَنْ فَهْمِ اَلذَّكِيِّ
والحَرْثُ في اَلْأصْلِ إلْقاءُ اَلْبَذْرِ في اَلْأرْضِ يُطْلَقُ عَلى اَلزَّرْعِ اَلْحاصِلِ مِنهُ، ويُسْتَعْمَلُ في ثَمَراتِ اَلْأعْمالِ ونَتائِجِها بِطَرِيقِ اَلِاسْتِعارَةِ اَلْمَبْنِيَّةِ عَلى تَشْبِيهِها بِالغِلالِ اَلْحاصِلَةِ مِنَ اَلْبُذُورِ اَلْمُتَضَمِّنِ لِتَشْبِيهِ اَلْأعْمالِ بِالبُذُورِ أيْ مَن كانَ يُرِيدُ بِأعْمالِهِ ثَوابَ اَلْآخِرَةِ نُضاعِفْ لَهُ ثَوابَهُ بِالواحِدِ عَشَرَةً إلى سَبْعِمِائَةٍ فَما فَوْقَها ﴿ومَن كانَ يُرِيدُ﴾ بِأعْمالِهِ ﴿حَرْثَ الدُّنْيا﴾ وهو مَتاعُها وطَيِّباتُها ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ شَيْئًا مِنها حَسْبَما قَدَّرْناهُ لَهُ بِطَلَبِهِ وإرادَتِهِ ﴿وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾ إذْ كانَتْ هِمَّتُهُ مَقْصُورَةً عَلى اَلدُّنْيا وقَرَأ اِبْنُ مُقْسِمٍ والزَّعْفَرانِيُّ ومَحْبُوبٌ
صفحة 28
والمِنقَرِيُّ كِلاهُما عَنْ أبِي عَمْرٍو (يَزِدْ) و(يُؤْتِهِ) بِالياءِ فِيهِما، وقَرَأ سَلّامٌ (نُؤْتِهُ) بِضَمِّ اَلْهاءِ وهي لُغَةُ أهْلِ اَلْحِجازِ وقَدْ جاءَ في اَلْآيَةِ فِعْلُ اَلشَّرْطِ ماضِيًا والجَوابُ مُضارِعًا مَجْزُومًا قالَ أبُو حَيّانَ: ولا نَعْلَمُ خِلافًا في جَوازِ اَلْجَزْمِ في مِثْلِ ذَلِكَ وأنَّهُ فَصِيحٌ مُخْتارٌ مُطْلَقًا إلّا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ كِتابِ اَلْإعْرابِ أبُو اَلْحَكَمِ بْنُ عُذْرَةَ عَنْ بَعْضِ اَلنَّحْوِيِّينَ أنَّهُ لا يَجِيءُ في اَلْفَصِيحِ إلّا إذا كانَ فِعْلُ اَلشَّرْطِ كانَ، وإنَّما يَجِيءُ مَعَها لِأنَّها أصْلُ اَلْأفْعالِ ونَصُّ كَلامِ سِيبَوَيْهِ والجَماعَةِ أنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِكانَ بَلْ سائِرُ اَلْأفْعالِ مِثْلُها في ذَلِكَ وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ لِلْفَرَزْدَقِ:
دَسَّتْ رَسُولًا بِأنَّ اَلْقَوْمَ إنْ قَدَرُوا ∗∗∗ عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُورًا ذاتَ تَوْغِيرِ
وقالَ أيْضًا:
تَعِشْ فَإنْ عاهَدَتْنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ
42:21Page 485
أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢١
Or have they partners [i.e., other deities] who have ordained for them a religion to which Allāh has not consented? But if not for the decisive word,1 it would have been concluded between them. And indeed, the wrongdoers will have a painful punishment.
﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ في اَلْكُفْرِ وهُمُ اَلشَّياطِينُ ﴿شَرَعُوا لَهُمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ اَلْكَفَرَةِ اَلْمُعاصِرِينَ لَكَ بِالتَّسْوِيلِ والتَّزْيِينِ ﴿مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ كالشِّرْكِ وإنْكارِ اَلْبَعْثِ والعَمَلِ لِلدُّنْيا. و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ فِيها مَعْنى بَلِ اَلِإضْرابِيَّةِ والهَمْزَةِ اَلَّتِي لِلتَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ والإضْرابِ عَمّا سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ﴾ إلَخْ فالعَطْفُ عَلَيْهِ وما اِعْتَرَضَ بِهِ بَيْنَ اَلْآيَتَيْنِ مِن تَتِمَّةٍ اَلْأُولى، وتَأْخِيرُ اَلْإضْرابِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم في شَرْعٍ يُخالِفُ ما شَرَعَهُ اَللَّهُ تَعالى مِن كُلِّ وجْهٍ فالشِّرْكُ في مُقابَلَةِ إقامَةِ اَلدِّينِ والِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ وإنْكارُ اَلْبَعْثِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ﴾ والعَمَلُ لِلدُّنْيا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ وهَذا أظْهَرُ مِن جَعْلِ اَلْإضْرابِ عَمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ﴾ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: شُرَكاؤُهم أصْنامُهُمْ، وإضافَتُها إلَيْهِمْ لِأنَّهُمُ اَلَّذِينَ جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وإسْنادُ اَلشَّرْعِ إلَيْها لِأنَّها سَبَبُ ضَلالَتِهِمْ وافْتِتانِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلِاسْتِفْهامُ اَلْمُقَدَّرُ عَلى هَذا لِلْإنْكارِ أيْ لَيْسَ لَهم شَرْعٌ ولا شارِعٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾ وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ (شَرَعُوا) لِلشُّرَكاءِ وضَمِيرُ ﴿لَهُمْ﴾ لِلْكُفّارِ.
وجُوِّزَ عَلى تَفْسِيرِ اَلشُّرَكاءِ بِالأصْنامِ أنْ يَكُونَ اَلْأوَّلُ لِلْكُفّارِ والثّانِي لِلشُّرَكاءِ أيْ شَرَعَ اَلْكُفّارُ لِأصْنامِهِمْ ورَسَمُوا مِنَ اَلْمُعْتَقَداتِ والأحْكامِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اَللَّهُ تَعالى كاعْتِقادِ أنَّهم آلِهَةٌ وأنَّ عِبادَتَهم تُقَرِّبُهم إلى اَللَّهِ سُبْحانَهُ، وكَجَعْلِ اَلْبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو كَما تَرى ﴿ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيِ اَلْقَضاءُ والحُكْمُ اَلسّابِقُ مِنهُ تَعالى بِتَأْخِيرِ اَلْعَذابِ إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ أوْ إلى آخِرِ أعْمارِهِمْ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ اَلْكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ في اَلدُّنْيا أوْ حِينَ اِفْتَرَقُوا بِالعِقابِ والثَّوابِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى لَوْلا ما وعَدَهُمُ اَللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ اَلْفَصْلِ في اَلْآخِرَةِ لَقُضِيَ بَيْنَهم فالفَصْلُ بِمَعْنى اَلْبَيانِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ وقِيلَ: ضَمِيرُ بَيْنَهم لِلْكُفّارِ وشُرَكائِهِمْ بِأيِّ مَعْنًى كانَ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ﴾ وهُمُ اَلْمُحَدَّثُ عَنْهم أوِ اَلْأعَمُّ مِنهم ويَدْخُلُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في اَلْآخِرَةِ. وفي اَلْبَحْرِ أيْ في اَلدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والنَّهْبِ وفي اَلْآخِرَةِ بِالنّارِ.
وقَرَأ اَلْأعْرَجُ ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ (وأنَّ) بِفَتْحِ اَلْهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى ﴿كَلِمَةُ الفَصْلِ﴾ أيْ لَوْلا اَلْقَضاءُ اَلسّابِقُ بِتَأْخِيرِ اَلْعَذابِ وتَقْدِيرِ أنَّ اَلظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في اَلْآخِرَةِ أوْ لَوْلا اَلْعِدَةُ بِأنَّ اَلْفَصْلَ يَكُونُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ وتَقْدِيرُ أنَّ اَلظّالِمِينَ لَهم إلَخْ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ، والعَطْفُ عَلى اَلتَّقْدِيرَيْنِ تَتْمِيمٌ لِلْإيضاحِ لا تَفْسِيرِيٌّ مَحْضٌ
42:22Page 485
تَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعُۢ بِهِمۡۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي رَوۡضَاتِ ٱلۡجَنَّاتِۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ ٢٢
You will see the wrongdoers fearful of what they have earned, and it will [certainly] befall them. And those who have believed and done righteous deeds will be in lush regions of the gardens [in Paradise] having whatever they will in the presence of their Lord. That is what is the great bounty.
﴿تَرى الظّالِمِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما قَبْلَ، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ يَصْلُحُ لَهُ لِلْقَصْدِ إلى اَلْمُبالَغَةِ في سُوءِ حالِهِمْ أنْ تَرى يا مَن يَصِحُّ
صفحة 29
مِنهُ اَلرُّؤْيا اَلظّالِمِينَ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائِفِينَ اَلْخَوْفَ اَلشَّدِيدَ ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ في اَلدُّنْيا مِنَ اَلسَّيِّئاتِ، والكَلامُ قِيلَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ.
و(مِن) صِلَةُ اَلْإشْفاقِ أيْ مُشْفِقِينَ مِن وبالِ ما كَسَبُوا ﴿وهُوَ﴾ أيِ اَلْوَبالُ ﴿واقِعٌ بِهِمْ﴾ أيْ حاصِلٌ لَهم لاحِقٌ بِهِمْ، واخْتارَ بَعْضُهم أنْ لا تَقْدِيرَ ومِن تَعْلِيلِيَّةٍ لِأنَّهُ أُدْخِلَ في اَلْوَعِيدِ، والجُمْلَةُ اِعْتِراضٌ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إشْفاقَهم لا يَنْفَعُهُمْ، وإيثارُ ﴿واقِعٌ﴾ عَلى يَقَعُ مِن أنَّ اَلْمَعْنى عَلى اَلِاسْتِقْبالِ لِأنَّ اَلْخَوْفَ إنَّما يَكُونُ مِنَ اَلتَّوَقُّعِ بِخِلافِ اَلْحَزَنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿مُشْفِقِينَ﴾ وظاهِرُ ما سَمِعْتُ أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ أيْ مُسْتَقِرُّونَ في أطْيَبِ بِقاعِها وأنْزَهِها.
وقالَ اَلرّاغِبُ: هي مَحاسِنُها ومَلاذُّها، وأصْلُ اَلرَّوْضَةِ مُسْتَنْقَعُ اَلْماءِ والخُضْرَةِ واللُّغَةُ اَلْكَثِيرَةُ في واوِها جَمْعًا اَلتَّسْكِينُ كَما في اَلْمُنْزَلِ ولُغَةُ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ فَتْحُها فَيَقُولُونَ رَوَضاتِ إجْراءً لِلْمُعْتَلِّ مَجْرى اَلصَّحِيحِ نَحْوَ جَفَناتٍ ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ فِيما عَلِمْنا بِلُغَتِهِمْ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ ما يَشْتَهُونَهُ مِن فُنُونِ اَلْمُسْتَلَذّاتِ حاصِلٌ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ فالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُتَعَلِّقِ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ اَلْواقِعِ خَبَرًا لِما أوْ بِهِ واخْتارَهُ جارُ اَللَّهِ ونَفى أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِيَشاؤُونَ مَعَ أنَّهُ اَلظّاهِرُ نَحْوًا، وبَيَّنَ صاحِبُ اَلْكَشْفِ ذَلِكَ بِأنَّهُ كَلامٌ في مَعْرِضِ اَلْمُبالَغَةِ في وصْفِ ما يَكُونُ أهْلُ اَلْجَنَّةِ فِيهِ مِنَ اَلنَّعِيمِ اَلدّائِمِ فَأُفِيدَ أنَّهم في أنْزَهِ مَوْضِعٍ مِنَ اَلْجَنَّةِ وأطْيَبِ مَقْعَدٍ مِنها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي رَوْضاتِ الجَنّاتِ﴾ لِأنَّ رَوْضَةَ اَلْجَنَّةِ أنْزَهُ مَوْضِعٍ مِنها لا سِيَّما والإضافَةُ في هَذا اَلْمَقامِ تُنْبِئُ عَنْ تَمَيُّزِها بِالشَّرَفِ والطِّيبِ، والتَّعْقِيبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾ أيْضًا ثَمَّ أفْيَدُ أنَّ لَهم ما يَشْتَهُونَ مِن رَبِّهِمْ ولا خَفاءَ أنَّكَ إذا قُلْتَ: لِي عِنْدَ فُلانٍ ما شِئْتُ كانَ أبْلَغَ في حُصُولِ كُلِّ مَطالِبِكَ مِنهُ مِمّا إذا قُلْتَ: لِي ما شِئْتُ عِنْدَ فُلانٍ بِالنِّسْبَةِ إلى اَلطّالِبِ والمَطْلُوبِ مِنهُ.
أمّا اَلْأوَّلُ فَلِأنَّهُ يُفِيدُ أنَّ جَمِيعَ ما تَشاؤُهُ مَوْجُودٌ مَبْذُولٌ لَكَ مِنهُ، والثّانِي يُفِيدُ أنَّ ما شِئْتَ عِنْدَهُ مَبْذُولٌ لا جَمِيعَ ما تَشاؤُهُ، وأمّا اَلثّانِي فَلِأنَّكَ وصَفْتَهُ بِأنَّهُ يَبْذُلُ جَمِيعَ اَلْمُراداتِ، وفي اَلثّانِي وصَفْتَهُ بِأنَّ ما شِئْتَ عِنْدَهُ مَبْذُولٌ لَكَ إمّا مِنهُ وإمّا مِن غَيْرِهِ ثُمَّ في اَلْأوَّلِ مُبالَغَةٌ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ وثُبُوتِهِ كَما تَقُولُ: لِي عِنْدَكَ وقِبَلَكَ كَذا، فاَللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ أخْبَرَ بِأنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهم ثابِتٌ مَقْضِيٌّ في ذِمَّةِ فَضْلِهِ سُبْحانَهُ ولا كَذَلِكَ في اَلثّانِي، ثُمَّ قالَ: ولَعَلَّ اَلْأوْجُهَ أنْ يُجْعَلَ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ خَبَرًا آخَرَ أيِ اَلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا اَلصّالِحاتِ عِنْدَ رَبِّهِمْ في رَوْضاتِ اَلْجَنّاتِ لَهم فِيها ما يَشاؤُونَ، وإنَّما أخَّرَ تَوَخِّيًا لِسُلُوكِ طَرِيقِ اَلْمُبالَغَةِ في اَلتَّرَقِّي مِنَ اَلْأدْنى إلى اَلْأعْلى ومُراعاةً لِتَرْتِيبِ اَلْوُجُودِ أيْضًا فَإنَّ اَلْوافِدَ والضَّيْفَ يَنْزِلُ في أنْزَهِ مَوْضِعٍ ثُمَّ يُحْضَرُ بَيْنَ يَدَيْهِ اَلَّذِي يَشْتَهِيهِ ومِلاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ أنْ يَخْتَصَّهُ رَبُّ اَلْمَنزِلِ بِالقُرْبِ والكَرامَةِ، وأنْ جَعَلَهُ حالًا مِن فاعِلِ يَشاؤُونَ أوْ مِنَ اَلْمَجْرُورِ في ﴿لَهُمْ﴾ أفادَ هَذا اَلْمَعْنى أيْضًا لَكِنَّهُ يَقْصُرُ عَمّا آثَرْناهُ لِأنَّهُ قَدْ أتى بِهِ إتْيانُ اَلْفَضْلَةِ وهو مَقْصُودٌ بِذاتِهِ عُمْدَةٌ، ولَعَمْرِي إنَّ ما آثَرَهُ حَسَنٌ مَعْنًى إلّا أنَّهُ أبْعَدُ لَفْظًا مِمّا آثَرَهُ جارُ اَللَّهِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما هو اَلْأنْسَبُ بِالتَّنْزِيلِ.
وفِي اَلْخَبَرِ عَنْ أبِي ظَبْيَةَ قالَ: إنِ اَلسِّرْبَ مِن أهْلِ اَلْجَنَّةِ لَتُظِلُّهُمُ اَلسَّحابَةُ فَتَقُولُ: ما أُمْطِرُكُمْ؟ فَما يَدْعُو داعٍ مِنَ اَلْقَوْمِ إلّا أمْطَرَتْهُ حَتّى أنَّ اَلْقائِلَ مِنهم لِيَقُولَ: أمْطِرِينا كَواعِبَ أتْرابًا ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِن حالِ اَلْمُؤْمِنِينَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى اَلْبُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَةِ اَلْمُشارِ إلَيْهِ ﴿هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ اَلَّذِي لا يُقْدَرُ قَدْرُهُ ولا تُبْلَغُ غايَتُهُ ويَصْغُرُ دُونَهُ ما لِغَيْرِهِمْ في اَلدُّنْيا
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences