Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
الزخرف
Az-Zukhruf
The Ornaments of Gold · Meccan · 89 ayahs
سُورَةُ اَلزُّخْرُفِ
مَكِّيَّةٌ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وحَكى اِبْنُ عَطِيَّةَ إجْماعَ أهْلِ اَلْعِلْمِ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يُنْقَلِ اِسْتِثْناءٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا﴾ فَإنَّها نَزَلَتْ بِبَيْتِ اَلْمَقْدِسِ كَذا في مَجْمَعِ اَلْبَيانِ، وفي اَلْإتْقانِ نَزَلَتْ بِالسَّماءِ، وقِيلَ: بِالمَدِينَةِ، وعَدَدُ آيِها ثَمانٌ وثَمانُونَ في اَلشّامِيِّ وتِسْعٌ وثَمانُونَ في غَيْرِهِ، ووَجْهُ مُناسَبَةِ مُفْتَتَحِها لِمُخْتَتَمِ ما قَبْلَها ظاهِرٌ.
بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ ﴿حم﴾ اَلْكَلامُ فِيهِ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ في مُفْتَتَحِ يس ﴿والكِتابِ﴾ أيِ اَلْقُرْآنِ والمُرادُ بِهِ جَمِيعُهُ، وجُوِّزَ إرادَةُ جِنْسِهِ اَلصّادِقِ بِبَعْضِهِ وكُلِّهِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ جِنْسُ اَلْكُتُبِ اَلْمُنَزَّلَةِ أوِ اَلْمَكْتُوبِ في اَللَّوْحِ أوِ اَلْمَعْنى اَلْمَصْدَرِيِّ وهو اَلْكِتابَةُ والخَطُّ، وأقْسَمَ سُبْحانَهُ بِها لِما فِيها مِن عَظِيمِ اَلْمَنافِعِ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ، والأوْلى عَلى تَقْدِيرِ اِسْمِيَّةِ (حم) كَوْنُهُ اِسْمًا لِلْقُرْآنِ وأنْ يُرادَ ذَلِكَ أيْضًا بِالكِتابِ وهو مُقْسَمٌ بِهِ إمّا اِبْتِداءً أوْ عَطْفًا عَلى (حم) عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَجْرُورًا بِإضْمارِ باءِ اَلْقَسَمِ عَلى أنَّ مَدارَ اَلْعَطْفِ اَلْمُغايِرَةُ في اَلْعُنْوانِ لَكِنْ يَلْزَمُ عَلى هَذا حَذْفُ حَرْفِ اَلْجَرِّ وإبْقاءُ عَمَلِهِ كَما فِي:
أشارَتْ كُلَيْبٌ بِالأكُفِّ اَلْأصابِعِ
ومَنعُ أنْ يُقْسَمَ بِشَيْئَيْنِ بِحَرْفٍ واحِدٍ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ومَناطُ تَكْرِيرِ اَلْقَسَمِ اَلْمُبالَغَةُ في تَأْكِيدِ اَلْجُمْلَةِ اَلْقَسَمِيَّةِ ﴿المُبِينِ﴾ أيِ اَلْمُبِينِ لِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ بِلُغَتِهِمْ وعَلى أسالِيبِ كَلامِهِمْ عَلى أنَّهُ مِن أبانَ اَللّازِمِ أوِ اَلْمُبِينِ لِطَرِيقِ اَلْهُدى مِن طَرِيقِ اَلضَّلالَةِ اَلْمُوَضِّحِ لِأصُولَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في أبْوابِ اَلدِّيانَةِ عَلى أنَّهُ مِن أبانَ اَلْمُتَعَدِّي.
43:3Page 489
إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٣
Indeed, We have made it an Arabic Qur’ān that you might understand.
صفحة 64
﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ، والجَعْلُ بِمَعْنى اَلتَّصْيِيرِ اَلْمُعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ لا بِمَعْنى اَلْخَلْقِ اَلْمُعَدّى لِواحِدٍ لا لِأنَّهُ يُنافِي تَعْظِيمَ اَلْقُرْآنِ بَلْ لِأنَّهُ يَأْباهُ ذَوْقُ اَلْمَقامِ اَلْمُتَكَلَّمِ فِيهِ لِأنَّ اَلْكَلامَ لَمْ يَسْبِقْ لِتَأْكِيدِ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا وما كانَ إنْكارُهم مُتَوَجِّهًا عَلَيْهِ بَلْ هو مَسُوقٌ لِإثْباتِ كَوْنِهِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا مُفَصَّلًا وارِدًا عَلى أسالِيبِهِمْ لا يَعْسُرُ عَلَيْهِمْ فَهْمُ ما فِيهِ ودَرَكُ كَوْنِهِ مُعْجِزًا كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تَفْهَمُوهُ وتُحِيطُوا بِما فِيهِ مِنَ اَلنَّظَرِ اَلرّائِقِ والمَعْنى اَلْفائِقِ وتَقِفُوا عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ اَلشَّواهِدِ اَلنّاطِقَةِ بِخُرُوجِهِ عَنْ طَوْقِ اَلْبَشَرِ وتَعْرِفُوا حَقَّ اَلنِّعْمَةِ في ذَلِكَ وتَنْقَطِعَ أعْذارُكم بِالكُلِّيَّةِ والقَسَمُ بِالقُرْآنِ عَلى ذَلِكَ مِنَ اَلْأيْمانِ اَلْحَسَنَةِ اَلْبَدِيعَةِ لِما فِيهِ مِن رِعايَةِ اَلْمُناسَبَةِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ أعْلى مِنهُ فَيُقْسَمَ بِهِ ولا أهَمَّ مِن وصْفِهِ فَيُقْسَمَ عَلَيْهِ كَما قالَ أبُو تَمّامٍ:
وثَناياكَ إنَّها إغْرِيضُ ولِآلِ قَوْمٍ وبَرْقٍ ومِيضِ
بِناءً عَلى أنَّ جَوابَ اَلْقَسَمِ قَوْلُهُ: إنَّها إغْرِيضُ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اَلْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ وأطالُوا اَلْكَلامَ في ذَلِكَ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنْ دَلَّ عَلى اَلْمَخْلُوقِيَّةِ فَلا يَدُلُّ عَلى أكْثَرَ مِن مَخْلُوقِيَّةِ اَلْكَلامِ اَللَّفْظِيِّ ولا نِزاعَ فِيها.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ اَلْحَنابِلَةَ يُنازِعُونَ في ذَلِكَ ولَهم عَنِ اَلِاسْتِدْلالِ أجْوِبَةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِهِمْ، وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ طاوُسٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى اِبْنِ عَبّاسٍ مِن حَضْرَمَوْتَ فَقالَ لَهُ: يا اِبْنَ عَبّاسٍ أخْبِرْنِي عَنِ اَلْقُرْآنِ أكَلامٌ مِن كَلامِ اَللَّهِ تَعالى أمْ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اَللَّهِ سُبْحانَهُ قالَ: بَلْ كَلامٌ مِن كَلامِ اَللَّهِ تَعالى أوَما سَمِعْتَ اَللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ فَقالَ لَهُ اَلرَّجُلُ أفَرَأيْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قالَ: كَتَبَهُ اَللَّهُ تَعالى في اَللَّوْحِ اَلْمَحْفُوظِ بِالعَرَبِيَّةِ أما سَمِعْتَ اَللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ فَتَأمَّلْ فِيهِ
43:4Page 489
وَإِنَّهُۥ فِيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ٤
And indeed it is, in the Mother of the Book1 with Us, exalted and full of wisdom.2
﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ﴾ أيْ في اَللَّوْحِ اَلْمَحْفُوظِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ فَإنَّهُ أُمُّ اَلْكُتُبِ اَلسَّماوِيَّةِ أيْ أصْلُها لِأنَّها كُلَّها مَنقُولَةٌ مِنهُ، وقِيلَ: (أُمُّ اَلْكِتابِ) اَلْعِلْمُ اَلْأزَلِيُّ، وقِيلَ: اَلْآياتُ اَلْمُحْكَماتُ والضَّمِيرُ – لِحم - أوْ لِلْكِتابِ بِمَعْنى اَلسُّورَةِ أيْ إنَّها واقِعَةٌ في اَلْآياتِ اَلْمُحْكَماتِ اَلَّتِي هي اَلْأُمُّ وهو كَما تَرى.
وقَرَأ اَلْأخَوانِ (إمِّ) بِكَسْرِ اَلْهَمْزَةِ لِإتْباعِ اَلْمِيمِ أوِ (اَلْكِتابِ) فَلا تُكْسَرُ في عَدَمِ اَلْوَصْلِ ﴿لَدَيْنا﴾ أيْ عِنْدَنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾ رَفِيعُ اَلشَّأْنِ بَيْنَ اَلْكُتُبِ لِإعْجازِهِ واشْتِمالِهِ عَلى عَظِيمِ اَلْأسْرارِ ﴿حَكِيمٌ﴾ ذُو حِكْمَةٍ بالِغَةٍ أوْ مُحْكَمٌ لا يَنْتَسِخُهُ غَيْرُهُ أوْ حاكِمٌ عَلى غَيْرِهِ مِنَ اَلْكُتُبِ وهُما خِبْرانِ لَإنَّ، وفي (أُمِّ اَلْكِتابِ) قِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِعَلِيٍّ واللّامُ لَمّا فارَقَتْ مَحَلَّها وتَغَيَّرَتْ عَنْ أصْلِها بَطَلَتْ صَدارَتُها فَجازَ تَقْدِيمُ ما في حَيِّزِها عَلَيْها أوْ حالٌ مِنهُ لِأنَّهُ صِفَةُ نَكِرَةٍ تَقَدَّمَتْها أوْ مِن ضَمِيرِهِ اَلْمُسْتَتِرِ و(لَدَيْنا) بَدَلٌ مِن (أُمِّ اَلْكِتابِ) وهُما وإنْ كانا مُتَغايِرَيْنِ بِالنَّظَرِ إلى اَلْمَعْنى مُتَوافِقانِ بِالنَّظَرِ إلى اَلْحاصِلِ أوْ حالٌ مِنهُ أوْ مِنَ اَلْكِتابِ فَإنَّ اَلْمُضافَ في حُكْمِ اَلْجُزْءِ لِصِحَّةِ سُقُوطِهِ، ولَعَلَّ اَلْمُخْتارَ كَوْنُ اَلظَّرْفَيْنِ في مَوْضِعِ اَلْخَبَرِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ مَحَلِّ اَلْحُكْمِ كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ بَيانِ اِتِّصافِهِ بِما ذُكِرَ مِنَ اَلْوَصْفَيْنِ اَلْجَلِيلَيْنِ هَذا في أُمِّ اَلْكِتابِ ولَدَيْنا، ولَمْ يُجَوِّزُوا كَوْنَهُما في مَوْضِعِ اَلْخَبَرِ لَإنَّ لِدُخُولِ اَللّامِ في غَيْرِهِما.
وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ اَلْمُؤَكَّدَةُ إمّا عَطْفٌ عَلى اَلْجُمْلَةِ اَلْمُقْسَمِ عَلَيْها داخِلَةٌ في حُكْمِها وإمّا مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِعُلُوِّ شَأْنِ اَلْقُرْآنِ
صفحة 65
اَلَّذِي أنْبَأ اَلْإقْسامُ بِهِ عَلى مِنهاجِ اَلِاعْتِراضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾
43:5Page 489
أَفَنَضۡرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكۡرَ صَفۡحًا أَن كُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّسۡرِفِينَ ٥
Then should We turn the message away, disregarding you, because you are a transgressing people?
وبَعْدَ ما بَيَّنَ سُبْحانَهُ عُلُوَّ شَأْنِ اَلْقُرْآنِ اَلْعَظِيمِ وحَقَّقَ جَلَّ وعَلا أنَّ إنْزالَهُ عَلى لُغَتِهِمْ لِيَعْقِلُوهُ ويُؤْمِنُوا بِهِ ويَعْمَلُوا بِمُوجِبِهِ عَقَّبَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ اَلْأمْرُ بِخِلافِهِ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ﴾ أيْ أفَنُنَحِّيهِ ونُبْعِدُهُ عَنْكم عَلى سَبِيلِ اَلِاسْتِعارَةِ اَلتَّمْثِيلِيَّةِ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ اَلْغَرائِبَ عَنِ اَلْحَوْضِ شَبَّهَ حالَ اَلذِّكْرِ وتَنْحِيَتَهُ بِحالِ غَرائِبِ اَلْإبِلِ وذَوْدِها عَنِ اَلْحَوْضِ إذا دَخَلَتْ مَعَ غَيْرِها عِنْدَ اَلْوَرْدِ ثُمَّ اِسْتَعْمَلَ ما كانَ في تِلْكَ اَلْقِصَّةِ هاهُنا، وفِيهِ إشْعارٌ بِاقْتِضاءِ اَلْحِكْمَةِ تَوَجُّهَ اَلذِّكْرِ إلَيْهِمْ ومُلازَمَتَهُ لَهم كَأنَّهُ يَتَهافَتُ عَلَيْهِمْ، ولَوْ جُعِلَ اِسْتِعارَةً في اَلْمُفْرِدِ بِجَعْلِ اَلتَّنْحِيَةِ ضَرْبًا جازَ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ طُرْفَةَ:
أضْرِبُ عَنْكَ اَلْهُمُومَ طارِقَها ضَرْبَكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَسَ اَلْفَرَسِ
وقَوْلُ اَلْحَجّاجِ في خُطْبَتِهِ يُهَدِّدُ أهْلَ اَلْعِراقِ: لَأضْرِبَنَّكم ضَرْبَ غَرائِبِ اَلْإبِلِ. و(الذِّكْرَ) قِيلَ اَلْمُرادُ بِهِ اَلْقُرْآنُ ويُرْوى ذَلِكَ عَنِ اَلضَّحّاكِ وأبِي صالِحٍ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ إنْزالَ اَلذِّكْرِ وفِيهِ إقامَةُ اَلظّاهِرِ مَقامَ اَلْمُضْمَرِ تَفْخِيمًا، وقِيلَ: بَلْ هو ذِكْرُ اَلْعِبادِ بِما فِيهِ صَلاحُهم فَهو بِمَعْنى اَلْمَصْدَرِ حَقِيقَةً، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. ومُجاهِدٍ ما يَقْتَضِيهِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مَحْذُوفٍ يَقْتَضِيهِ عَلى أحَدِ اَلرَّأْيَيْنِ في مِثْلِ هَذا اَلتَّرْكِيبِ أيْ أنُهْمِلُكم فَنُنَحِّي اَلذِّكْرَ عَنْكُمْ، وقالَ اِبْنُ اَلْحاجِبِ: اَلْفاءُ لِبَيانِ ما قَبْلَها وهو جَعْلُ اَلْقُرْآنِ عَرَبِيًّا سَبَبٌ لِما بَعْدَها وهو إنْكارُ أنْ يَضْرِبَ سُبْحانَهُ اَلذِّكْرَ عَنْهم ﴿صَفْحًا﴾ أيْ إعْراضًا، وهو مَصْدَرٌ لِنَضْرِبَ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ فَإنَّ تَنْحِيَةَ اَلذِّكْرِ إعْراضٌ فَنَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عَلى نَهْجِ قَعَدْتُ جُلُوسًا كَأنَّهُ قِيلَ: أفَنَصْفَحُ عَنْكم صَفْحًا أوْ هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أوْ حالٌ مُؤَوَّلٍ بِصافِحِينَ بِمَعْنى مُعْرِضِينَ، وأصْلُ اَلصَّفْحِ أنْ تُولِيَ اَلشَّيْءَ صَفْحَةَ عُنُقِكَ، وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى اَلْجانِبِ فَيَنْتَصِبُ عَلى اَلظَّرْفِيَّةِ أيْ أفَنُنَحِّيهِ عَنْكم جانِبًا، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ حَسّانَ بْنِ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ اَلضَّبْعِيِّ والسُّمَيْطِ بْنِ عُمَيْرٍ وشُبَيْلِ بْنِ عُذْرَةَ (صُفْحًا) بِضَمِّ اَلصّادِ وحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَخْفِيفُ صُفْحٍ كَرُسْلٍ جَمْعَ صَفُوحٍ بِمَعْنى صافِحِينَ، وأبُو حَيّانَ اِخْتارَ أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا بِمَعْنى اَلْمَفْتُوحِ كالسَّدِّ والسُّدِّ.
وحُكِيَ عَنِ اِبْنِ عَطِيَّةَ أنَّ اِنْتِصابَ صَفْحًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ اَلْجُمْلَةِ اَلسّابِقَةِ فَيَكُونُ اَلْعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفًا، ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَظْهَرُ ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ إنْكارُ أنْ يَكُونَ اَلْأمْرُ خِلافَ ما ذُكِرَ مِن إنْزالِ كِتابٍ عَلى لُغَتِهِمْ لِيَفْهَمُوهُ ﴿أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ أيْ لِأنْ كُنْتُمْ مُنْهَمِكِينَ في اَلْإسْرافِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ عَلى مَعْنى أنَّ اَلْحِكْمَةَ تَقْتَضِي ذِكْرَكم وإنْزالَ اَلْقُرْآنِ عَلَيْكم فَلا نَتْرُكُ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّكم مُسْرِفُونَ لا تَلْتَفِتُونَ إلَيْهِ بَلْ نَفْعَلُ اِلْتَفَتُّمْ أمْ لا.
وقِيلَ: هو عَلى مَعْنى أنَّ حالَكم وإنِ اِقْتَضى تَخْلِيَتَكم وشَأْنَكم حَتّى تَمُوتُوا عَلى اَلْكُفْرِ والضَّلالَةِ وتَبْقَوْا في اَلْعَذابِ اَلْخالِدِ لَكِنَّنا لِسِعَةِ رَحْمَتِنا لا نَفْعَلُ ذَلِكَ بَلْ نَهْدِيكم إلى اَلْحَقِّ بِإرْسالِ اَلرَّسُولِ اَلْأمِينِ وإنْزالِ اَلْكِتابِ اَلْمُبِينِ.
وقَرَأ نافِعٌ والأخَوانِ (إنْ كُنْتُمْ) بِكَسْرِ اَلْهَمْزَةِ عَلى أنَّ اَلْجُمْلَةَ شَرْطِيَّةٌ، وإنْ وإنْ كانَتْ تُسْتَعْمَلُ لِلْمَشْكُوكِ وإسْرافُهم أمْرٌ مُحَقَّقٌ لَكِنْ جِيءَ بِها هُنا بِناءً عَلى جَعْلِ اَلْمُخاطَبِ كَأنَّهُ مُتَرَدِّدٌ في ثُبُوتِ اَلشَّرْطِ شاكٌّ فِيهِ قَصْدًا إلى نِسْبَتِهِ إلى اَلْجَهْلِ بِارْتِكابِهِ اَلْإسْرافَ لِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما يَفْرِضُ لِوُجُوبِ اِنْتِفائِهِ وعَدَمِ صُدُورِهِ مِمَّنْ يَعْقِلُ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى هَذا لِأنَّ اَلشَّرْطَ اَلْإسْرافُ في اَلْمُسْتَقْبَلِ وهو لَيْسَ بِمُتَحَقِّقٍ، ورُدَّ بِأنَّ إنِ اَلدّاخِلَةَ عَلى كانَ لا تَقْلِبُهُ لِلِاسْتِقْبالِ
صفحة 66
عِنْدَ اَلْأكْثَرِ، ولِذا قِيلَ: (إنْ) هُنا بِمَعْنى إذْ. وأُيِّدَ بِأنَّ عَلِيَّ بْنَ زَيْدٍ قَرَأ بِهِ وأنَّهُ يَدُلُّ عَلى اَلتَّعْلِيلِ فَتُوافِقُ قِراءَةَ اَلْفَتْحِ مَعْنًى، ولَوْ سُلِّمَ فالظّاهِرُ مِن حالِ اَلْمُسْرِفِ اَلْمُصِرِّ عَلى إسْرافِهِ بَقاؤُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ فَيَكُونُ مُحَقَّقًا في اَلْمُسْتَقْبَلِ أيْضًا عَلى اَلْقَوْلِ بِأنَّها تَقْلِبُ كانَ كَغَيْرِها مِنَ اَلْأفْعالِ وجَوابُ اَلشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلشَّرْطُ في مَوْقِعِ اَلْحالِ أيْ مَفْرُوضًا إسْرافُكم عَلى أنَّهُ مِنَ اَلْكَلامِ اَلْمُنْصِفِ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ جَوابٍ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ إنَّما يَتَأتّى عَلى اَلْقَوْلِ بِأنَّ إنِ اَلْوَصْلِيَّةَ تَرِدُ في كَلامِهِمْ بِدُونِ اَلْواوِ والمَعْرُوفُ في اَلْعَرَبِيَّةِ خِلافُهُ.
43:6–7Page 489
وَكَمۡ أَرۡسَلۡنَا مِن نَّبِيّٖ فِي ٱلۡأَوَّلِينَ ٦
And how many a prophet We sent among the former peoples,
وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٧
But there would not come to them a prophet except that they used to ridicule him.
وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ بِبَيانِ أنَّ إسْرافَ اَلْأُمَمِ اَلسّالِفَةِ لَمْ يَمْنَعْهُ تَعالى مِن إرْسالِ اَلْأنْبِياءِ إلَيْهِمْ وتَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ اِسْتِهْزاءِ قَوْمِهِ بِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقَدْ قِيلَ: اَلْبَلِيَّةُ إذا عَمَّتْ طابَتْ، و”(كَمْ)“ مَفْعُولُ ﴿أرْسَلْنا﴾ و﴿فِي الأوَّلِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ صِفَةُ ﴿نَبِيٍّ﴾ وما يَأْتِيهِمْ إلَخْ لِلِاسْتِمْرارِ وضَمِيرُهُ لِلْأوَّلِينَ،
43:8Page 489
فَأَهۡلَكۡنَآ أَشَدَّ مِنۡهُم بَطۡشٗا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨
And We destroyed greater than them1 in [striking] power, and the example of the former peoples has preceded.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا﴾ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ اَلتَّسْلِيَةِ لَهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وضَمِيرُ ﴿مِنهُمْ﴾ يَرْجِعُ إلى اَلْمُسْرِفِينَ اَلْمُخاطَبِينَ لا إلى ما يَرْجِعُ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”(ما يَأْتِيهِمْ)“ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ سَلَفَ في اَلْقُرْآنِ غَيْرَ مَرَّةٍ ذِكْرُ قِصَّتِهِمُ اَلَّتِي حَقُّها أنْ تَسِيرَ مَسِيرَ اَلْمَثَلِ، ونَصْبُ ﴿بَطْشًا﴾ عَلى اَلتَّمْيِيزِ وجُوِّزَ كَوْنُهُ عَلى اَلْحالِ مِن فاعِلِ ﴿فَأهْلَكْنا﴾ أيْ باطِشِينَ، والأوَّلُ أحْسَنُ، ووَصَفَ أُولَئِكَ بِالأشَدِّيَّةِ لِإثْباتِ حُكْمِهِمْ لِهَؤُلاءِ بِطَرِيقِ اَلْأوْلَوِيَّةِ،
43:9Page 489
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ ٩
And if you should ask them, "Who has created the heavens and the earth?" they would surely say, "They were created by the Exalted in Might, the Knowing,"
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ عَطْفٌ عَلى اَلْخِطابِ اَلسّابِقِ والآيَتانِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وكَمْ أرْسَلْنا﴾ اِعْتِراضٌ لِإفادَةِ اَلتَّقْرِيرِ والتَّسْلِيَةِ كَما سَمِعْتَ، والمُرادُ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ اَلْعالَمَ لَيُسْنِدُّنَ خَلْقَهُ إلى مَن هو مُتَّصِفٌ بِهَذِهِ اَلصِّفاتِ في نَفْسِ اَلْأمْرِ لا أنَّهم يَقُولُونَ هَذِهِ اَلْألِفاظَ ويَصِفُونَهُ تَعالى بِما ذُكِرَ مِنَ اَلصِّفاتِ ذَكَرَهُ اَلزَّمَخْشَرِيُّ فِيما نُسِبَ إلَيْهِ. وهَذا حَسَنٌ ولَهُ نَظِيرٌ عُرْفًا وهو أنَّ واحِدًا لَوْ أخْبَرَكَ أنَّ اَلشَّيْخَ قالَ كَذا وعَنى بِالشَّيْخِ شَمْسَ اَلْأئِمَّةِ ثُمَّ لَقِيتَ شَمْسَ اَلْأئِمَّةِ فَقُلْتَ: إنَّ فُلانًا أخْبَرَنِي أنَّ شَمْسَ اَلْأئِمَّةِ قالَ: كَذا مَعَ أنَّ فُلانًا لَمْ يَجْرِ عَلى لِسانِهِ إلّا اَلشَّيْخُ ولَكِنَّكَ تَذْكُرُ ألْقابَهُ وأوْصافَهُ فَكَذا هَهُنا اَلْكُفّارُ يَقُولُونَ: خَلَقَهُنَّ اَللَّهُ لا يُنْكِرُونَ ثَمَّ أنَّ اَللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ذَكَرَ صِفاتِهِ أيْ أنَّ اَللَّهَ تَعالى اَلَّذِي يُحِيلُونَ عَلَيْهِ خَلْقَ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ مِن صِفَتِهِ سُبْحانَهُ كَيْتَ وكَيْتَ، وقالَ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ: إنَّ ﴿العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ مِن كَلامِ اَلْمَسْؤُولِينَ وما بَعْدُ مِن كَلامِهِ سُبْحانَهُ. وفي اَلْكَشْفِ لا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ اَلْوَجْهِ وهَذا في اَلْحاصِلِ فَإنَّهُ حِكايَةُ كَلامٍ عَنْهم مُتَّصِلٍ بِهِ كَلامُهُ تَعالى عَلى أنَّهُ مِن تَتِمَّتِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ تَفَوَّهُوا بِهِ، وهَذا كَما يَقُولُ مُخاطِبُكَ: أكْرَمَنِي زَيْدٌ فَنَقُولُ: اَلَّذِي أكْرَمَكَ وحَيّاكَ أوْ لِجَماعَةٍ آخَرِينَ حاضِرِينَ اَلَّذِي أكْرَمَكم وحَيّاكم فَإنَّكَ تَصِلُ كَلامَهُ عَلى أنَّهُ مِن تَتِمَّتِهِ ولَكِنْ لا تَجْعَلُهُ مِن مَقُولِهِ، والأظْهَرُ مِن حَيْثُ اَللَّفْظِ ما ذَكَرَهُ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ وحِينَئِذٍ يَقَعُ اَلِالتِفاتُ في ﴿فَأنْشَرْنا﴾ بَعْدَ مَوْقِعِهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ وفي إعادَةِ اَلْفِعْلِ في اَلْجَوابِ اِعْتِناءٌ بِشَأْنِهِ ومُطابَقَتُهُ لِلسُّؤالِ مِن حَيْثُ اَلْمَعْنى عَلى ما زَعَمَ أبُو حَيّانَ لا مِن حَيْثُ اَللَّفْظِ قالَ: لِأنَّ مَن مُبْتَدَأٌ فَلَوْ طابَقَ في اَللَّفْظِ لَكانَ بِالِاسْمِ مُبْتَدَأً دُونَ اَلْفِعْلِ بِأنْ يُقالَ: اَلْعَزِيزُ اَلْعَلِيمُ خَلَقَهُنَّ
43:10Page 489
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠
[The one] who has made for you the earth a bed and made for you upon it roads that you might be guided
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ مَكانًا مُمَهَّدًا أيْ مُوَطَّأً ومَآلُهُ بَسْطُها لَكم تَسْتَقِرُّونَ فِيها
صفحة 67
ولا يُنافِي ذَلِكَ كُرَيَّتِها لِمَكانِ اَلْعِظَمِ، وعَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ (مَهْدًا) بِدُونِ ألِفٍ ﴿وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلا﴾ طُرُقًا تَسْلُكُونَها في أسْفارِكم ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ أيْ لِكَيْ تَهْتَدُوا بِسُلُوكِها إلى مَقاصِدِكم أوْ بِالتَّفَكُّرِ فِيها إلى اَلتَّوْحِيدِ اَلَّذِي هو اَلْمَقْصِدُ اَلْأصْلِيُّ ﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ﴾ أيْ بِمِقْدارٍ تَقْتَضِيهِ اَلْمَشِيئَةُ اَلْمَبْنِيَّةُ عَلى اَلْحِكَمِ والمَصالِحِ ولا يَعْلَمُ مِقْدارَ ما يُنْزِلُ مِن ذَلِكَ في كُلِّ سَنَةٍ عَلى اَلتَّحْقِيقِ إلّا اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والآلَةُ اَلَّتِي صَنَعَها اَلْفَلاسِفَةُ في هَذِهِ اَلْأعْصارِ اَلْمُسَمّاةُ بِالأُودُومِيتَرِ يَزْعُمُونَ أنَّهُ يُعْرَفُ بِها مِقْدارُ اَلْمَطَرِ اَلنّازِلِ في كُلِّ بَلَدٍ مِنَ اَلْبِلادِ في جَمِيعِ اَلسَّنَةِ لا تُفِيدُ تَحْقِيقًا في اَلْبُقْعَةِ اَلْواحِدَةِ اَلصَّغِيرَةِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِها كَما لا يَخْفى عَلى اَلْمُنْصِفِ. وفي اَلْبَحْرِ بِقَدَرٍ أيْ بِقَضاءٍ وحَتْمٍ في اَلْأزَلِ، والأوَّلُ أوْلى
43:11Page 490
وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَنشَرۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ ١١
And who sends down rain from the sky in measured amounts, and We revive thereby a dead land - thus will you be brought forth -
﴿فَأنْشَرْنا بِهِ﴾ أيْ أحْيَيْنا بِذَلِكَ اَلْماءِ ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ خالِيَةً عَنِ اَلنَّماءِ والنَّباتِ بِالكُلِّيَّةِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى (مَيِّتًا) بِالتَّشْدِيدِ، وتَذْكِيرِهِ لِأنَّ اَلْبَلْدَةَ في مَعْنى اَلْبَلَدِ والمَكانِ، قالَ اَلْجَلْبِيُّ: لا يَبْعُدُ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنْ يَكُونَ تَأْنِيثُ اَلْبَلَدِ وتَذْكِيرُ ﴿مَيْتًا﴾ إشارَةً إلى بُلُوغِ ضَعْفِ حالِهِ اَلْغايَةَ، وفي اَلْكَلامِ اِسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أوْ تَصْرِيحِيَّةٌ.
والِالتِفاتُ في (أنْشَرْنا) إلى نُونِ اَلْعَظَمَةِ لِإظْهارِ كَمالِ اَلْعِنايَةِ بِأمْرِ اَلْإحْياءِ والإشْعارِ بِعِظَمِ خَطَرِهِ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ اَلْإنْشارِ اَلَّذِي هو في اَلْحَقِيقَةِ إخْراجٌ مِنَ اَلْأرْضِ وهو صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إنْشارًا كَذَلِكَ ﴿تُخْرَجُونَ﴾ أيْ تُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكم أحْياءً، وفي اَلتَّعْبِيرِ عَنْ إخْراجِ اَلنَّباتِ بِالإنْشارِ اَلَّذِي هو إحْياءُ اَلْمَوْتى وعَنْ إحْيائِهِمْ بِالإخْراجِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ اَلْإنْباتِ وتَهْوِينٌ لِأمْرِ اَلْبَعْثِ، وفي ذَلِكَ مِنَ اَلرَّدِّ عَلى مُنْكِرِيهِ ما فِيهِ.
وقَرَأ اِبْنُ وثّابٍ. وعَبْدُ اَللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ. وعِيسى. وابْنُ عامِرٍ. والأخَوانِ (تَخْرُجُونَ) مَبْيِنًّا لِلْفاعِلِ.
43:12Page 490
وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ ١٢
And who created the species, all of them, and has made for you of ships and animals those which you mount
﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ أيْ أصْنافَ اَلْمَخْلُوقاتِ فالزَّوْجُ هُنا بِمَعْنى اَلصِّنْفِ لا بِمَعْناهُ اَلْمَشْهُورِ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ اَلْأزْواجُ اَلضُّرُوبُ والأنْواعُ كالحُلْوِ والحامِضِ والأبْيَضِ والأسْوَدِ والذَّكَرِ والأُنْثى، وقِيلَ: كُلُّ ما سِوى اَللَّهِ سُبْحانَهُ زَوْجٌ لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِنَ اَلْمُقابِلِ كَفَوْقٍ وتَحْتٍ ويَمِينٍ وشِمالٍ وماضٍ ومُسْتَقْبَلٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ والفَرْدُ اَلْمُنْزَعُ عَنِ اَلْمُقابِلِ هو اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ دَعْوى اِطِّرادِهِ في اَلْمَوْجُوداتِ بِأسْرِها لا تَخْلُو عَنِ اَلنَّظَرِ.
ولَعَلَّ مَن قالَ: كُلُّ ما سِوى اَللَّهِ سُبْحانَهُ زَوْجٌ لَمْ يَبْنِ اَلْأمْرَ عَلى ما ذُكِرَ وإنَّما بَناهُ عَلى أنَّ اَلْواجِبَ جَلَّ شَأْنُهُ واحِدٌ مِن جَمِيعِ اَلْجِهاتِ لا تَرْكِيبَ فِيهِ سُبْحانَهُ بِوَجْهٍ مِنَ اَلْوُجُوهِ لا عَقْلًا ولا خارِجًا ولا كَذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ اَلْمُمَكَّناتِ مادِّيَّةً كانَتْ أوْ مُجَرَّدَةً ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾ أيْ ما تَرْكَبُونَهُ، فَما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والرُّكُوبُ بِالنَّظَرِ إلى اَلْفُلْكِ يَتَعَدّى بِواسِطَةِ اَلْحَرْفِ وهو في كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ﴾ بِخِلافِهِ لا بِالنَّظَرِ إلَيْهِ فَإنَّهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ إلّا أنَّهُ غَلَبَ اَلْمُتَعَدِّي بِغَيْرِ واسِطَةٍ لِقُوَّتِهِ عَلى اَلْمُتَعَدِّي بِواسِطَةٍ فالتَّجَوُّزُ اَلَّذِي يَقْتَضِيهِ اَلتَّغْلِيبُ بِالنِّسْبَةِ إلى اَلْمُتَعَلِّقِ أوْ غَلَبَ اَلْمَخْلُوقُ لِلرُّكُوبِ عَلى اَلْمَصْنُوعِ لَهُ لِكَوْنِهِ مَصْنُوعَ اَلْخالِقِ اَلْقَدِيرِ أوِ اَلْغالِبُ عَلى اَلنّادِرِ فالتَّجَوُّزُ في ما وضَمِيرِهِ اَلَّذِي تَعَدّى اَلرُّكُوبُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ دُونَ اَلنِّسْبَةِ إلى اَلْمَفْعُولِ ولِتَغْلِيبِ ما رُكِبَ مِنَ اَلْحَيَوانِ عَلى اَلْفُلْكِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences