Al-AlusiAz‑Zukhruf · 43:32–38

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:32–38

43:32Page 491

أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٣٢

Do they distribute the mercy of your Lord? It is We who have apportioned among them their livelihood in the life of this world and have raised some of them above others in degrees [of rank] that they may make use of one another for service. But the mercy of your Lord is better than whatever they accumulate.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ إنْكارٌ فِيهِ تَجْهِيلٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَحَكُّمِهِمْ بِنُزُولِ اَلْقُرْآنِ اَلْعَظِيمِ عَلى مَن أرادُوا، والرَّحْمَةُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْمُرادُ بِها ظاهِرَها وهو ظاهِرُ كَلامِ اَلْبَحْرِ ونَزَّلَ تَعْيِينَهم لِمَن يَنْزِلُ عَلَيْهِ اَلْوَحْيُ مَنزِلَةَ اَلتَّقْسِيمِ لَها وتَدْخُلُ اَلنُّبُوَّةُ فِيها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْمُرادُ بِها اَلنُّبُوَّةَ وهو اَلْأنْسَبُ لِما قَبْلُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ اَلْمُفَسِّرِينَ، وفي إضافَةِ اَلرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن تَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ما فِيهِ، وفي إضافَةِ اَلرَّحْمَةِ إلى اَلرَّبِّ إشارَةٌ إلى أنَّها مِن صِفاتِ اَلرُّبُوبِيَّةِ ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ﴾ أسْبابَ مَعِيشَتِهِمْ.

وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ. وابْنُ عَبّاسٍ. والأعْمَشُ. وسُفْيانُ (مَعايِشَهُمْ) عَلى اَلْجَمْعِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قِسْمَةً تَقْتَضِيها مَشِيئَتُنا اَلْمَبْنِيَّةُ عَلى اَلْحِكَمِ والمَصالِحِ ولَمْ نُفَوِّضْ أمْرَها إلَيْهِمْ عِلْمًا مِنّا بِعَجْزِهِمْ عَنْ تَدْبِيرِها بِالكُلِّيَّةِ وإطْلاقُ اَلْمَعِيشَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حَلالُها وحَرامُها مِنَ اَللَّهِ تَعالى: ﴿ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ﴾ في اَلرِّزْقِ وسائِرِ مَبادِئِ اَلْمَعاشِ ﴿دَرَجاتٍ﴾ مُتَفاوِتَةً بِحَسْبِ اَلْقُرْبِ والبُعْدِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ اَلْحِكْمَةُ فَمِن ضَعِيفٍ وقَوِيٍّ وغَنِيٍّ وفَقِيرٍ وخادِمٍ ومَخْدُومٍ وحاكِمٍ ومَحْكُومٍ ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ لِيَسْتَعْمِلَ بَعْضُهم بَعْضًا في مَصالِحِهِمْ ويَسْتَخْدِمُوهم في مِهَنِهِمْ ويُسَخِّرُوهم في أشْغالِهِمْ حَتّى يَتَعايَشُوا ويَتَرافَدُوا ويَصِلُوا إلى مُرافِقِهِمْ لا لِكَمالٍ في اَلْمُوَسَّعِ عَلَيْهِ ولا لِنَقْصٍ في اَلْمُقَتَّرِ عَلَيْهِ ولَوْ فَوَّضْنا ذَلِكَ إلى تَدْبِيرِهِمْ لَضاعُوا وهَلَكُوا فَإذا كانُوا في تَدْبِيرِ خُوَيِّصَةِ أمْرِهِمْ وما يُصْلِحُهم مِن مَتاعِ اَلدُّنْيا اَلدَّنِيَّةِ وهو عَلى طَرَفِ اَلتَّمامِ بِهَذِهِ اَلْحالَةِ فَما ظَنُّهم بِأنْفُسِهِمْ في تَدْبِيرِ أمْرِ اَلدِّينِ وهو أبْعَدُ مِن مَناطِ اَلْعُيُوقِ ومِن أيْنَ لَهُمُ اَلْبَحْثُ عَنْ أمْرِ اَلنُّبُوَّةِ والتَّخَيُّرُ لَها مَن يَصْلُحُ لَها ويَقُومُ بِأمْرِها، والسُّخْرِيُّ عَلى ما سَمِعْتَ نِسْبَةٌ إلى اَلسُّخْرَةِ وهي اَلتَّذْلِيلُ والتَّكْلِيفُ، وقالَ اَلرّاغِبُ: اَلسُّخْرِيُّ هو اَلَّذِي يَقْهَرُ أنْ يَتَسَخَّرَ بِإرادَتِهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ هُنا مِنَ اَلسَّخْرِ بِمَعْنى اَلْهَزْءِ أيْ لِيَهْزَأ اَلْغَنِيُّ بِالفَقِيرِ واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ. وقالَ اَلسَّمِينُ: إنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ. وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وابْنُ أبِي لَيْلى. وأبُو رَجاءٍ. والوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ (سِخْرِيًّا) بِكَسْرِ اَلسِّينِ والمُرادُ بِهِ ما ذَكَرْنا أيْضًا، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنا﴾ إلَخْ ما يَزْهَدُ في اَلِانْكِبابِ عَلى طَلَبِ اَلدُّنْيا ويُعِينُ عَلى اَلتَّوَكُّلِ

صفحة 79

عَلى اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ:

فاعْتَبِرْ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم تَلْقَهُ حَقًّا وبِالحَقِّ نَزَلْ

﴿ورَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ أيِ اَلنُّبُوَّةُ وما يَتْبَعُها مِن سَعادَةِ اَلدّارَيْنِ، وقِيلَ: اَلْهِدايَةُ والإيمانُ، وقالَ قَتادَةُ. والسُّدِّيُّ: اَلْجَنَّةُ ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ مِن حُطامِ اَلدُّنْيا اَلدَّنِيَّةِ فالعَظِيمُ مَن رُزِقَ تِلْكَ اَلرَّحْمَةَ دُونَ ذَلِكَ اَلْحُطامِ اَلدَّنِيءِ اَلْفانِي.

43:33Page 491

وَلَوۡلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ لَّجَعَلۡنَا لِمَن يَكۡفُرُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ لِبُيُوتِهِمۡ سُقُفٗا مِّن فِضَّةٖ وَمَعَارِجَ عَلَيۡهَا يَظۡهَرُونَ ٣٣

And if it were not that the people would become one community [of disbelievers],1 We would have made for those who disbelieve in the Most Merciful - for their houses - ceilings and stairways of silver upon which to mount.

﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُبِينٌ لِحَقارَةِ مَتاعِ اَلدُّنْيا ودَناءَةِ قَدْرِهِ عِنْدَ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والمَعْنى أنَّ حَقارَةَ شَأْنِهِ بِحَيْثُ لَوْلا كَراهَةُ أنْ يَجْتَمِعَ اَلنّاسُ عَلى اَلْكُفْرِ ويُطْبِقُوا عَلَيْهِ لَأعْطَيْناهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ مَن هو شَرُّ اَلْخَلائِقِ وأدْناهم مَنزِلَةً، فَكَراهَةُ اَلِاجْتِماعِ عَلى اَلْكُفْرِ هي اَلْمانِعَةُ مِن تَمْتِيعِ كُلِّ كافِرٍ والبَسْطِ عَلَيْهِ لا أنَّ اَلْمانِعَ كَوْنُ مَتاعِ اَلدُّنْيا لَهُ قَدْرٌ عِنْدَنا، والكَراهَةُ اَلْمَذْكُورَةُ هي وجْهُ اَلْحِكْمَةِ في تَرْكِ تَنْعِيمِ كُلِّ كافِرٍ وبَسْطِ اَلرِّزْقِ عَلَيْهِ فَلا مَحْذُوفَ في تَقْدِيرِها ولَيْسَ ذَلِكَ مَبْنِيًّا عَلى وُجُوبِ رِعايَةِ اَلْمَصْلَحَةِ وإرادَةِ اَلْإيمانِ مِنَ اَلْخَلْقِ لِيَكُونَ اِعْتِزالًا كَما ظُنَّ، وكَأنَّ وجْهَ كَوْنِ اَلْبَسْطِ عَلى اَلْكُفّارِ سَبَبًا لِلِاجْتِماعِ عَلى اَلْكُفْرِ مَزِيدُ حُبِّ اَلنّاسِ لِلدُّنْيا فَإذا رَأوْا ذَلِكَ كَفَرُوا لِيَنالُوها، وهَذا عَلى مَعْنى أنَّ اَللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ عَلِمَ أنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَدَعا اَلنّاسَ إذْ ذاكَ حُبُّهم لِلدُّنْيا إلى اَلْكُفْرِ، فَلا يُقالُ: إنَّ كَثِيرًا مِنَ اَلنّاسِ اَلْيَوْمَ يَتَحَقَّقُ اَلْغِنى اَلتّامُّ لَوْ كَفَرَ ولا يَكْفُرُ ولَوْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِالقَتْلِ، وكَوْنُ اَلْمُرادِ بِالأمْرِ اَلْواحِدِ اَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَوْنُهم أُمَّةً واحِدَةً فَإنَّهُ بِمَعْنى اِجْتِماعِهِمْ عَلى أمْرٍ واحِدٍ اَلْكُفْرَ بِقَرِينَةِ اَلْجَوابِ،

43:34Page 492

وَلِبُيُوتِهِمۡ أَبۡوَٰبٗا وَسُرُرًا عَلَيۡهَا يَتَّكِـُٔونَ ٣٤

And for their houses - doors and couches [of silver] upon which to recline

﴿ولِبُيُوتِهِمْ﴾ بَدَلُ اِشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَن يَكْفُرُ﴾ واللّامُ فِيهِما لِلِاخْتِصاصِ أوْ هُما مُتَعَلِّقانِ بِالفِعْلِ لا عَلى اَلْبَدَلِيَّةِ ولامُ لِمَن صِلَةُ اَلْفِعْلِ لِتَعَدِّيهِ بِاللّامِ فَهو بِمَنزِلَةِ اَلْمَفْعُولِ بِهِ ولامُ ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ لِلتَّعْلِيلِ فَهو بِمَنزِلَةِ اَلْمَفْعُولِ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اَلْأُولى لِلْمِلْكِ والثّانِيَةُ لِلِاخْتِصاصِ كَما في قَوْلِكَ: وهَبْتُ اَلْحَبْلَ لِزَيْدٍ لِدابَّتِهِ وإلَيْهِ ذَهَبَ اِبْنُ عَطِيَّةَ، ولا يَجُوزُ عَلى تَقْدِيرِ اِخْتِلافِ اَللّامَيْنِ مَعْنى اَلْبَدَلِيَّةِ إذْ مُقْتَضى إعادَةِ اَلْعامِلِ في اَلْبَدَلِ اَلِاتِّحادُ في اَلْمَعْنى وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو حَيّانَ، وقالَ اَلْخَفاجِيُّ: لا مانِعَ مِن أنْ يُبْدَلَ اَلْمَجْمُوعُ مِنَ اَلْمَجْمُوعِ بِدُونِ اِعْتِبارِ إعادَةٍ، والسُّقُفُ جَمْعُ سَقْفٍ كَرُهُنٍ جَمْعُ رَهْنٍ، وعَنِ اَلْفَرّاءِ أنَّهُ جَمْعُ سَقِيفَةٍ كَسُفُنٍ جَمْعُ سَفِينَةٍ، والمَعارِجُ جَمْعُ مَعْرِجٍ وهو عَطْفٌ عَلى (سُقُفًا) أيْ ولَجَعَلْنا لَهم مَصاعِدَ عَلَيْها يَعْلَوْنَ اَلسُّطُوحَ والعِلالِي وكَأنَّ اَلْمُرادَ مَعارِجُ مِن فِضَّةٍ بِناءً عَلى أنَّ اَلْعَطْفَ ظاهِرٌ في اَلتَّشْرِيكِ في اَلْقَيْدِ وإنْ تَقَدَّمَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ (سُقْفًا) بِضَمِّ اَلسِّينِ وسُكُونِ اَلْقافِ تَخْفِيفًا وفي اَلْبَحْرِ هي لُغَةُ تَمِيمٍ.

وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ. وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ اَلسِّينِ والسُّكُونِ عَلى اَلْإفْرادِ لِأنَّهُ اِسْمُ جِنْسٍ يُطْلَقُ عَلى اَلْواحِدِ وما فَوْقَهُ وهو اَلْمُرادُ بِقَرِينَةِ اَلْبُيُوتِ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ اَلسِّينِ والقافِ وهي لُغَةٌ في سَقْفٍ ولَيْسَ ذَلِكَ تَحْرِيكَ ساكِنٍ لِأنَّهُ لا وجْهَ لَهُ.

وقُرِئَ (سُقُوفًا) وهو جَمْعُ سَقْفٍ كَفُلُوسٍ جَمْعُ فَلْسٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ (مَعارِيجَ) جَمْعُ مِعْراجٍ ﴿ولِبُيُوتِهِمْ﴾ أيْ ولَجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ، وتَكْرِيرُ ذِكْرِ بُيُوتِهِمْ لِزِيادَةِ اَلتَّقْرِيرِ ولِأنَّهُ اِبْتِداءُ آيَةٍ ﴿أبْوابًا وسُرُرًا﴾ أيْ مِن فِضَّةٍ عَلى ما سَمِعْتَ، وقُرِئَ (سَرَرًا) بِفَتْحِ اَلسِّينِ والرّاءِ وهي لُغَةٌ لِبَنِي تَمِيمٍ وبَعْضِ كَلْبٍ وذَلِكَ في جَمْعِ فَعِيلٍ اَلْمُضَعَّفِ إذا كانَ اِسْمًا بِاتِّفاقٍ وصِفَةً نَحْوُ ثَوْبٌ جَدِيدٌ وثِيابٌ جُدُدٌ بِاخْتِلافٍ بَيْنَ اَلنُّحاةِ ﴿عَلَيْها﴾ أيْ عَلى اَلسُّرُرِ يَتَّكِؤُنَ

صفحة 80

كَما هو شَأْنُ اَلْمُلُوكِ لا يُهِمُّهم شَيْءٌ

43:35Page 492

وَزُخۡرُفٗاۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ ٣٥

And gold ornament. But all that is not but the enjoyment of worldly life. And the Hereafter with your Lord is for the righteous.

﴿وزُخْرُفًا﴾ قالَ اَلْحَسَنُ: أيْ نُقُوشًا وتَزاوِيقَ، وقالَ اِبْنُ زَيْدٍ: اَلزُّخْرُفُ أثاثُ اَلْبَيْتِ وتَحَمُّلاتُهُ وهو عَلَيْهِما عَطْفٌ عَلى (سُقُفًا) . وقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ. وقَتادَةُ. والشَّعْبِيُّ. والسُّدِّيُّ. والحُسْنُ أيْضًا في رِوايَةٍ اَلزُّخْرُفُ اَلذَّهَبُ، وأكْثَرُ اَللُّغَوِيِّينَ ذَكَرُوا لَهُ مَعْنَيَيْنِ هَذا والزِّينَةَ فَقِيلَ اَلظّاهِرُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِما، وقِيلَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ في اَلزِّينَةِ ولِكَوْنِ كَمالِها بِالذَّهَبِ اِسْتُعْمِلَ فِيهِ أيْضًا، ويُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ اَلرّاغِبِ قالَ: اَلزُّخْرُفُ اَلزِّينَةُ اَلْمُزَوِّقَةُ ومِنهُ قِيلَ لِلذَّهَبِ زُخْرُفٌ، وفي اَلْبَحْرِ جاءَ في اَلْحَدِيثِ إيّاكم والحُمْرَةَ فَإنَّها مِن أحَبِّ اَلزِّينَةِ إلى اَلشَّيْطانِ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: اَلْحُسْنُ أحْمَرُ والشَّهَواتُ تَتْبَعُهُ ولِبَعْضِ شُعَراءِ اَلْمَغْرِبِ:

وصَبَغْتَ دِرْعَكَ مِن دِماءِ كَماتِهِمْ لَمّا رَأيْتَ اَلْحُسْنَ يُلْبَسُ أحْمَرا

وهُوَ عَلى هَذا عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ ﴿مِن فِضَّةٍ﴾ كَأنَّ اَلْأصْلَ سُقْفًا مِن فِضَّةٍ وزُخْرُفٍ يَعْنِي بَعْضُها مِن فِضَّةٍ وبَعْضُها مِن ذَهَبٍ فَنُصِبَ عَطْفًا عَلى اَلْمَحَلِّ، وجُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى (سُقُفًا) أيْضًا ﴿وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ وما كَلُّ ما ذُكِرَ مِنَ اَلْبُيُوتِ اَلْمَوْصُوفَةِ بِالصِّفاتِ اَلْمُفَصَّلَةِ إلّا شَيْءٌ يُتَمَتَّعُ بِهِ في اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا وفي مَعْناهُ ما قُرِئَ (وما كَلُّ ذَلِكَ إلّا مَتاعُ اَلدُّنْيا) وقَرَأ اَلْجُمْهُورُ (لَما) بِفَتْحِ اَللّامِ والتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ (إنْ) هي اَلْمُخَفَّفَةُ مِنَ اَلثَّقِيلَةِ واللّامُ هي اَلْفارِقَةُ بَيْنَ اَلْمُخَفَّفَةِ وغَيْرِها وما زائِدَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ بِتَقْدِيرِ لَمّا هو مَتاعٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ في قِراءَةِ مَن رَفَعَ اَلنُّونَ، وقَرَأ رَجاءٌ وفي اَلتَّحْرِيرِ أبُو حَيْوَةَ (لِما) بِكَسْرِ اَللّامِ والتَّخْفِيفِ عَلى أنَّ (إنْ) هي اَلْمُخَفَّفَةُ واللّامُ حَرْفُ جَرٍّ وما مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ جَرٍّ بِها والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ اَلْخَبَرِ لِكُلُّ وصَدْرُ اَلصِّلَةِ مَحْذُوفٌ كَما سَمِعْتَ آنِفًا.

وحَقُّ اَلتَّرْكِيبِ في مِثْلِهِ اَلْإتْيانُ بِاللّامِ اَلْفارِقَةِ فَيُقالُ: لَلَمّا مَتاعُ لَكِنَّها حُذِفَتْ لِظُهُورِ إرادَةِ اَلْإثْباتِ كَما في قَوْلِهِ:

أنا اِبْنُ أُباةِ اَلضَّيْمِ مِن آلِ مالِكٍ ∗∗∗ وإنْ مالِكٌ كانَتْ كِرامَ اَلْمَعادِنِ

بَلْ لا يَجُوزُ في اَلْبَيْتِ إدْخالُ اَللّامِ كَما لا يَخْفى عَلى اَلنَّحْوِيِّ ﴿والآخِرَةُ﴾ أيْ بِما فِيها مِن فُنُونِ اَلنَّعِيمِ اَلَّتِي لا يُحِيطُ بِها نِطاقُ اَلْبَيانِ ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ خاصَّةً لَهُمْ، والمُرادُ بِهِمْ مَنِ اِتَّقى اَلشِّرْكَ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: مَنِ اِتَّقى ذَلِكَ والمَعاصِي، وفي اَلْآيَةِ مِنَ اَلدَّلالَةِ عَلى اَلتَّزْهِيدِ في اَلدُّنْيا وزِينَتِها والتَّحْرِيضِ عَلى اَلتَّقْوى ما فِيها، وقَدْ أخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لَوْ كانَتِ اَلدُّنْيا تَعْدِلُ عِنْدَ اَللَّهِ تَعالى جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى مِنها كافِرًا شَرْبَةَ ماءٍ)» وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: اَلدُّنْيا أحْقَرُ مِن ذِراعِ خِنْزِيرٍ مَيِّتٍ بالَ عَلَيْهِ كَلْبٌ في يَدِ مَجْذُومٍ، هَذا واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾ عَلى أنَّ اَلسَّقْفَ لِرَبِّ اَلْبَيْتِ اَلْأسْفَلِ لا لِصاحِبِ اَلْعُلُوِّ لِأنَّهُ مَنسُوبٌ إلى اَلْبَيْتِ

43:36Page 492

وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ نُقَيِّضۡ لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ ٣٦

And whoever is blinded from remembrance of the Most Merciful - We appoint for him a devil, and he is to him a companion.

﴿ومَن يَعْشُ﴾ أيْ يَتَعامَ ويُعْرِضْ ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ وهو اَلْقُرْآنُ، وإضافَتُهُ إلى اَلرَّحْمَنِ لِلْإيذانِ بِنُزُولِهِ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أُضِيفَ إلى اَلْمَفْعُولِ أيْ مَن يَعْشُ عَنْ أنْ يَذْكُرَ اَلرَّحْمَنَ. وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أُضِيفَ إلى اَلْفاعِلِ أيْ عَنْ تَذْكِيرِ اَلرَّحْمَنِ عِبادَهُ سُبْحانَهُ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ سَلامٍ اَلْبَصْرِيُّ (يَعْشَ) بِفَتْحِ اَلشِّينِ كَيَرْضَ أيْ يَعْمَ يُقالُ: عَشِيَ كَرَضِيَ إذا حَصَلَتِ اَلْآفَةُ في بَصَرِهِ وعَشا كَغَزا إذا نَظَرَ نَظَرَ اَلْعَشى لِعارِضٍ قالَ اَلْحُطَيْئَةُ:

مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مُوقِدِ

أيْ تَنْظُرُ إلَيْها نَظَرَ اَلْعَشى لِما يُضْعِفُ بَصَرَكَ مِن عِظَمِ اَلْوَقُودِ واتِّساعِ اَلضَّوْءِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِكَلِمَةِ

صفحة 81

اَلْغايَةِ مُوقِعٌ وأظْهَرُ مِنهُ في اَلْمَقْصُودِ قَوْلُ حاتِمٍ:

أعُشْو إذا ما جارَتِي بَرَزَتْ ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي اَلْخِدْرُ

لِأنَّهُ قُيِّدَ بِالوَقْتِ وأتى بِالغايَةِ وما هو خَلْقِيٌّ لا يَزُولُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ أرَ أحَدًا يُجِيزُ عَشَوْتُ عَنْهُ إذا أعْرَضْتَ وإنَّما يُقالُ تَعاشَيْتُ وتَعامَيْتُ عَنِ اَلشَّيْءِ إذا تَغافَلْتَ عَنْهُ كَأنَّكَ لَمْ تَرَهُ ويُقالُ: عَشَوْتُ إلى اَلنّارِ إذا اِسْتَدْلَلْتَ عَلَيْها بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ، وهو مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ومِثْلُهُ عَشِيَ وعَشا عَرِجَ بِكَسْرِ اَلرّاءِ لِمَن بِهِ اَلْآفَةُ وعَرَجَ بِفَتْحِها لِمَن مَشى مِشْيَةَ اَلْعِرَجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ عَلى ما في اَلْكَشّافِ، وفِيهِ خِلافٌ لِأهْلِ اَللُّغَةِ فَفي اَلْقامُوسِ يُقالُ: عَرَجَ أيْ بِالفَتْحِ إذا أصابَهُ شَيْءٌ في رِجْلِهِ ولَيْسَ بِخِلْقَةٍ فَإذا كانَ خِلْقَةً فَعَرِجَ كَفَرِحَ أوْ يُثَلَّثُ في غَيْرِ اَلْخِلْقَةِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (يَعْشُو) بِإثْباتِ اَلْواوِ وخَرَّجَ ذَلِكَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ لا شَرْطِيَّةٌ جازِمَةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والمِدَّةُ إمّا لِلْإشْباعِ أوْ عَلى لُغَةِ مَن يَجْزِمُ اَلْمُعْتَلَّ اَلْآخِرَ بِحَذْفِ اَلْحَرَكَةِ عَلى ما حَكاهُ اَلْأخْفَشُ، وجُوِّزَ كَوْنُ اَلْفِعْلِ مَجْزُومًا بِحَذْفِ اَلنُّونِ والواوُ ضَمِيرُ اَلْجَمْعِ، وقَدْ رُوعِيَ فِيهِ مَعْنى مَن، وتَخْرِيجُ اَلزَّمَخْشَرِيِّ مَبْنِيٌّ عَلى اَلْفَصِيحِ اَلْمُطَّرِدِ اَلْمُتَبادِرِ.

﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ أيْ نُتِحْ لَهُ شَيْطانًا لِيَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ اِسْتِيلاءَ اَلْقَيْضِ عَلى اَلْبَيْضِ وهو اَلْقِشْرُ اَلْأعْلى.

﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ دائِمًا لا يُفارِقُهُ ولا يَزالُ يُوَسْوِسُهُ ويُغْوِيهِ وهَذا عُقابٌ عَلى اَلْكُفْرِ بِالخَتْمِ وعَدَمِ اَلْفَلاحِ كَما يُقالُ: إنَّ اَللَّهَ تَعالى يُعاقِبُ عَلى اَلْمَعْصِيَةِ بِمَزِيدِ اِكْتِسابِ اَلسَّيِّئاتِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. والسِّلْمِيُّ. والأعْمَشُ ويَعْقُوبُ. وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ. وحَمّادٌ عَنْ عاصِمٍ. وعِصْمَةُ عَنِ اَلْأعْمَشِ وعَنْ عاصِمٍ والعُلَيْمِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ (يُقَيِّضْ) بِالياءِ عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ (اَلرَّحْمَنِ)، وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ (يُقَيَّضْ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ (شَيْطانٌ) بِالرَّفْعِ والفِعْلُ في جَمِيعِ اَلْقِراءاتِ مَجْزُومٌ ولَمْ نَسْمَعْ أنَّهُ قُرِئَ بِالرَّفْعِ، وفي اَلْكَشّافِ حَقُّ مَن قَرَأ (مَن يَعْشُو) بِالواوِ أنْ يَرْفَعَهُ أيْ بِناءً عَلى تَخْرِيجِهِ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ، وجُوِّزَ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (يُقَيِّضُ) مَرْفُوعًا لَكِنَّهُ سَكَنَ تَخْفِيفًا.

وفِي اَلْبَحْرِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً وجُزِمَ (نُقَيِّضْ) تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولِ بِاسْمِ اَلشَّرْطِ وإذا كانَ ذَلِكَ مَسْمُوعًا في اَلَّذِي وهو لَمْ يَكُنِ اِسْمَ شَرْطٍ قَطُّ فالأوْلى أنْ يَكُونَ فِيما اِسْتُعْمِلَ مَوْصُولًا وشَرْطًا، قالَ الشّاعِرُ:

لا تَحْفِرَنْ بِئْرًا تُرِيدُ أخًا بِها ∗∗∗ فَإنَّكَ فِيها أنْتَ مِن دُونِهِ تَقَعْ

كَذاكَ اَلَّذِي يَبْغِي عَلى اَلنّاسِ ظالِمًا ∗∗∗ تُصِبْهُ عَلى رَغْمٍ عَواقِبُ ما صَنَعْ

أنْشَدَهُما اِبْنُ اَلْأعْرابِيِّ وهو مَذْهَبٌ لِلْكُوفِيِّينَ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ اَلْقِياسِ وهو أنَّهُ كَما شُبِّهَ اَلْمَوْصُولُ بِاسْمِ اَلشَّرْطِ فَدَخَلَتِ اَلْفاءُ في خَبَرِهِ فَكَذَلِكَ يُشَبَّهُ بِهِ فَيَنْجَزِمُ اَلْخَبَرُ إلّا أنَّ دُخُولَ اَلْفاءِ مُنْقاسٌ إذا كانَ اَلْخَبَرُ مُسَبَّبًا عَنِ اَلصِّلَةِ بِشُرُوطِهِ اَلْمَذْكُورَةِ في اَلنَّحْوِ وهَذا لا يَقِيسُهُ اَلْبَصْرِيُّونَ

43:37Page 492

وَإِنَّهُمۡ لَيَصُدُّونَهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٧

And indeed, they [i.e., the devils] avert them from the way [of guidance] while they think that they are [rightly] guided

﴿وإنَّهُمْ﴾ أيِ اَلشَّياطِينُ اَلَّذِينَ قُيِّضَ وقُدِّرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم لِكُلِّ واحِدٍ مِمَّنْ يَعْشُو ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ أيْ لَيَصُدُّونَ قُرَناءَهم وهُمُ اَلْكُفّارُ اَلْمُعَبَّرُ عَنْهم بِمَن يَعْشُ، وجُمِعَ ضَمِيرُ اَلشَّيْطانِ لِأنَّ اَلْمُرادَ بِهِ اَلْجِنْسُ. وجُمِعَ ضَمِيرُ مَن رِعايَةً لِلْمَعْنى كَما أُفْرِدَ أوَّلًا رِعايَةً لِلَّفْظِ. وفي اَلِانْتِصافِ أنَّ في هَذِهِ اَلْآيَةِ نُكْتَتَيْنِ بَدِيعَتَيْنِ اَلْأُولى اَلدَّلالَةُ عَلى أنَّ اَلنَّكِرَةَ اَلْواقِعَةَ في سِياقِ اَلشَّرْطِ تُفِيدُ اَلْعُمُومَ وهي مَسْألَةٌ أضْرَبَ فِيها اَلْأُصُولِيُّونَ وإمامُ اَلْحَرَمَيْنِ مِنَ اَلْقائِلِينَ بِإفادَتِها اَلْعُمُومَ حَتّى اِسْتَدْرَكَ عَلى اَلْأئِمَّةِ إطْلاقَهُمُ اَلْقَوْلَ بِأنَّ اَلنَّكِرَةَ في سِياقِ اَلْإثْباتِ تَخُصُّ، وقالَ إنَّ اَلشَّرْطَ يَعُمُّ والنَّكِرَةَ في سِياقِهِ تَعُمُّ وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ اَلْفَقِيهُ أبُو اَلْحَسَنِ

صفحة 82

عَلِيٌّ اَلْأبْيارِيُّ شارِحُ كِتابِهِ رَدًّا عَنِيفًا، وفي هَذِهِ اَلْآيَةِ لِلْإمامِ ومَن قالَ بِقَوْلِهِ كِفايَةٌ، وذَلِكَ أنَّ اَلشَّيْطانَ ذُكِرَ فِيها مُنَكَّرًا في سِياقِ شَرْطٍ ونَحْنُ نَعْلَمُ أنَّهُ إنَّما أُرِيدَ عُمُومُ اَلشَّياطِينِ لا واحِدٌ لِوَجْهَيْنِ. أحَدُهُما أنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ شَيْطانًا فَكَيْفَ بِالعاشِي عَنْ ذِكْرِ اَللَّهِ تَعالى والآخَرُ مِنَ اَلْآيَةِ وهو أنَّهُ أُعِيدَ عَلَيْهِ اَلضَّمِيرُ مَجْمُوعًا في قَوْلِهِ تَعالى: (وإنَّهُمْ) فَإنَّهُ عائِدٌ إلى اَلشَّيْطانِ قَوْلًا واحِدًا ولَوْلا إفادَتُهُ عُمُومَ اَلشُّمُولِ لَما جازَ عَوْدُ ضَمِيرِ اَلْجَمْعِ عَلَيْهِ بِلا إشْكالٍ، فَهَذِهِ نُكْتَةٌ تَجِدُ عِنْدَ سَماعِها لِمُخالِفِي هَذا اَلرَّأْيِ سَكْتَةً. اَلنُّكْتَةُ اَلثّانِيَةُ أنَّ فِيها رَدًّا عَلى مَن زَعَمَ أنَّ اَلْعَوْدَ عَلى مَعْنى مَن يَمْنَعُ مِنَ اَلْعَوْدِ عَلى لَفْظِها بَعْدَ ذَلِكَ واحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأنَّهُ إجْمالٌ بَعْدَ تَفْسِيرٍ، وهو خِلافُ اَلْمَعْهُودِ مِنَ اَلْفَصاحَةِ وقَدْ نَقَضَ ذَلِكَ اَلْكِنْدِيُّ وغَيْرُهُ بِآياتٍ، واسْتَخْرَجَ جَدِّي مِن هَذِهِ اَلْآيَةِ نَقْضَ ذَلِكَ أيْضًا لِأنَّهُ أُعِيدَ اَلضَّمِيرُ عَلى اَللَّفْظِ في (يَعْشُ. ولَهُ) وعَلى اَلْمَعْنى في ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ ثُمَّ عَلى اَللَّفْظِ في ﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ وقَدْ قَدَّمْتُ أنَّ اَلَّذِي مَنَعَ قَدْ يَكُونُ اِقْتَصَرَ بِمَنعِهِ عَلى مَجِيءِ ذَلِكَ في جُمْلَةٍ واحِدَةٍ وأمّا إذا تَعَدَّدَتِ اَلْجُمَلُ واسْتَقَلَّتْ كُلٌّ بِنَفْسِها فَقَدْ لا يُمْنَعُ ذَلِكَ اِنْتَهى.

وفِي كَوْنِ ضَمِيرِ (إنَّهُمْ) عائِدًا عَلى اَلشَّيْطانِ قَوْلًا واحِدًا نَظَرٌ، فَقَدْ قالَ أبُو حَيّانَ: اَلظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ اَلنَّصْبِ في ﴿وإنَّهم لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مَن عَلى اَلْمَعْنى وهو أوْلى مِن عَوْدٍ ضَمِيرِ”(إنَّهُمْ)“ عَلى اَلشَّيْطانِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ اِبْنُ عَطِيَّةَ لِتَناسُقِ اَلضَّمائِرِ في (إنَّهُمْ) وما بَعْدَهُ فَلا تَغْفُلْ ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ اَلْمُسْتَبِينِ اَلَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ ذِكْرُ اَلرَّحْمَنِ ﴿ويَحْسَبُونَ﴾ أيِ اَلْعاشُونَ ﴿أنَّهُمْ﴾ أيِ اَلشَّياطِينَ ﴿مُهْتَدُونَ﴾ أيْ إلى ذَلِكَ اَلسَّبِيلِ اَلْحَقِّ وإلّا لَما اِتَّبَعُوهم أوْ ويَحْسَبُ اَلْعاشُونَ أنَّ أنْفُسَهم مُهْتَدُونَ فَإنَّ اِعْتِقادَ كَوْنِ اَلشَّياطِينِ مُهْتَدِينَ مُسْتَلْزِمٌ لِاعْتِقادِ كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ لِاتِّحادِ مَسْلَكِهِما.

والظّاهِرُ أنَّ أبا حَيّانَ يَخْتارُ هَذا اَلْوَجْهَ لِلتَّناسُقِ أيْضًا، والجُمْلَةُ حالٌ مِن مَفْعُولِ (يَصُدُّونَ) بِتَقْدِيرِ اَلْمُبْتَدَأِ أوْ مِن فاعِلِهِ أوْ مِنهُما لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرَيْهِما أيْ وإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ اَلطَّرِيقِ اَلْحَقِّ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ إلَيْهِ.

43:38Page 492

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيۡتَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ ٣٨

Until, when he comes to Us [at Judgement], he says [to his companion], "How I wish there was between me and you the distance between the east and west; and what a wretched companion."

وصِيغَةُ اَلْمُضارِعِ في اَلْأفْعالِ اَلْأرْبَعَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى اَلِاسْتِمْرارِ اَلتَّجَدُّدِيِّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَنا﴾ فَإنَّ (حَتّى) وإنْ كانَتِ اِبْتِدائِيَّةً داخِلَةً عَلى اَلْجُمْلَةِ اَلشَّرْطِيَّةِ لَكِنَّها تَقْتَضِي حَتْمًا أنْ تَكُونَ غايَةً لِأمْرٍ مُمْتَدٍّ وأفْرَدَ اَلضَّمِيرَ في جاءَ وما بَعْدَهُ لِما أنَّ اَلْمُرادَ حِكايَةُ مَقالَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ اَلْعاشِينَ لِقَرِينِهِ لِتَهْوِيلِ اَلْأمْرِ وتَفْظِيعِ اَلْحالِ والمَعْنى يَسْتَمِرُّ أمْرُ اَلْعاشِينَ عَلى ما ذُكِرَ حَتّى إذا جاءَنا كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَعَ قَرِينِهِ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ ﴿قالَ﴾ مُخاطِبًا لَهُ: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾ أيْ في اَلدُّنْيا، وقِيلَ: في اَلْآخِرَةِ ﴿بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ أيْ بُعْدَ كُلٍّ مِنهُما مِنَ اَلْآخَرِ، والمُرادُ بِهِما اَلْمَشْرِقُ والمَغْرِبُ كَما اِخْتارَهُ اَلزَّجّاجُ أوِ اَلْفَرّاءُ وغَيْرُهُما لَكِنْ غَلَبَ اَلْمَشْرِقُ عَلى اَلْمَغْرِبِ وثُنِّيا كالمَوْصِلَيْنِ لِلْمَوْصِلِ والجَزِيرَةِ وأُضِيفُ اَلْبُعْدُ إلَيْهِما، والأصْلُ بُعْدَ اَلْمَشْرِقِ مِنَ اَلْمَغْرِبِ والمَغْرِبِ مِنَ اَلْمَشْرِقِ وإنَّما اِخْتُصِرَ هَذا اَلْمَبْسُوطُ لِعَدَمِ اَلْإلْباسِ إذْ لا خَفاءَ أنَّهُ لا يُرادُ بُعْدُهُما مِن شَيْءٍ واحِدٍ لِأنَّ اَلْبُعْدَ مِن أحَدِهِما قُرْبٌ مِنَ اَلْآخَرِ ولِأنَّهُما مُتَقابِلانِ فَبُعْدُ أحَدِهِما مِنَ اَلْآخَرِ مِثْلٌ في غايَةِ اَلْبُعْدِ لا بُعْدُهُما عَنْ شَيْءٍ آخَرَ، وإشْعارُ اَلسِّياقِ بِالمُبالَغَةِ لا يُنْكَرُ فَلا لَبْسَ مِن هَذا اَلْوَجْهِ أيْضًا، وقالَ اِبْنُ اَلسّائِبِ: لا تَغْلِيبَ، والمُرادُ مَشْرِقُ اَلشَّمْسِ في أقْصَرِ يَوْمٍ مِنَ اَلسَّنَةِ ومَشْرِقُها في أطْوَلِ يَوْمٍ مِنها ﴿فَبِئْسَ القَرِينُ﴾ أيْ أنْتَ، وقِيلَ: أيْ هو عَلى أنَّهُ مِن كَلامِهِ تَعالى وهو كَما تَرى.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ. وشَيْبَةُ. وأبُو بَكْرٍ. والحَرَمِيّانِ. وقَتادَةُ. والزُّهْرِيُّ. والجَحْدَرِيُّ (جاءانا) عَلى اَلتَّثْنِيَةِ أيِ اَلْعاشِي والقَرِينُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском