Al-AlusiAz‑Zukhruf · 43:39–48

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:39–48

43:39Page 492

وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٩

And never will it benefit you that Day, when you have wronged, that you are [all] sharing in the punishment.

صفحة 83

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ﴾ إلَخْ حِكايَةٌ لِما سَيُقالُ لَهم حِينَئِذٍ مِن جِهَةِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا، وفاعِلُ (يَنْفَعَكُمْ) ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلى ما يُفْهَمُ مِمّا قَبْلُ أيْ لَنْ يَنْفَعَكم هو أيْ تَمَنِّيكم لِمُباعَدَتِهِمْ أوِ اَلنَّدَمُ أوِ اَلْقَوْلُ اَلْمَذْكُورُ ﴿اليَوْمَ﴾ أيْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ ﴿إذْ ظَلَمْتُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿اليَوْمَ﴾ أيْ إذْ تَبَيَّنَ أنَّكم ظَلَمْتُمْ في اَلدُّنْيا قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ، وفُسِّرَ ذَلِكَ بِالتَّبَيُّنِ قِيلَ لِئَلّا يُشْكِلُ جَعْلُهُ وهو ماضٍ بَدَلًا مِنَ ﴿اليَوْمَ﴾ وهو مُسْتَقْبَلٌ لِأنَّ تَبَيُّنَ كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ إنَّما يَكُونُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ فاليَوْمَ وزَمانُ اَلتَّبَيُّنِ مُتَّحِدانِ وهَذا كَقَوْلِهِ:

إذا ما اِنْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ

وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ اَلسُّؤالَ عائِدٌ لِأنَّ (إذْ) ظَرْفٌ لِما مَضى مِنَ اَلزَّمانِ ولا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ اَلتَّبَيُّنِ وتَفَصّى بَعْضُهم عَنِ اَلْإشْكالِ بِأنَّ إذْ قَدْ تَخْرُجُ مِنَ اَلْمُضِيِّ إلى اَلِاسْتِقْبالِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِنهُمُ اِبْنُ مالِكٍ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ﴾ وإلى اَلْحالِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ فَلْتَكُنْ هُنا لِلِاسْتِقْبالِ، وأهْلُ اَلْعَرَبِيَّةِ يُضْعِفُونَ دَعْوى خُرُوجِها مِنَ اَلْمُضِيِّ.

وقالَ اَلْجَلْبِيُّ: لَعَلَّ اَلْأظْهَرَ حَمْلُها عَلى اَلتَّعْلِيلِ فَيَتَعَلَّقُ بِالنَّفْيِ، فَقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّها بِمَعْنى اَلتَّعْلِيلِ حَرْفٌ بِمَنزِلَةِ لامِ اَلْعِلَّةِ، نَعَمْ أنْكَرَ اَلْجُمْهُورُ هَذا اَلْقِسْمَ لَكِنَّ إثْباتَ سِيبَوَيْهِ إيّاهُ يَكْفِي حُجَّةً

فَإنَّ اَلْقَوْلَ ما قالَتْ حَذامِ

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يَكْفِي في تَخْرِيجِ كَلامِ اَللَّهِ سُبْحانَهُ إثْباتُ سِيبَوَيْهِ وحْدَهُ مَعَ إطْباقِ جَمِيعِ أئِمَّةِ اَلْعَرَبِيَّةِ عَلى خِلافِهِ، وأيْضًا تَعْلِيلُ اَلنَّفْيِ بَعْدُ يُبْعِدُهُ وقالَ أبُو حَيّانَ: لا يَجُوزُ اَلْبَدَلُ عَلى بَقاءِ إذْ عَلى مَوْضُوعِها مِن كَوْنِها ظَرْفًا لِما مَضى مِنَ اَلزَّمانِ فَإنْ جُعِلَتْ لِمُطْلَقِ اَلْوَقْتِ جازَ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ مَجازٌ فَهَلْ تَكْفِي اَلْبَدَلِيَّةُ قَرِينَةً لَهُ فَإنْ كَفَتْ فَذاكَ، وقالَ اِبْنُ جِنِّي: راجَعْتُ أبا عَلِيٍّ في هَذِهِ اَلْمَسْألَةِ يَعْنِي اَلْإبْدالَ اَلْمَذْكُورَ مِرارًا وآخِرُ ما تَحَصَّلَ مِنهُ أنَّ اَلدُّنْيا والآخِرَةَ مُتَّصِلَتانِ وهُما سَواءٌ في حُكْمِ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وعِلْمِهِ جَلَّ شَأْنُهُ لا يَجْرِي عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ زَمانٌ فَكَأنَّ (إذْ) مُسْتَقْبَلٌ أوِ (اَلْيَوْمَ) ماضٍ فَصَحَّ ذَلِكَ، ورُدَّ بِأنَّ اَلْمُعْتَبَرَ حالَ اَلْحِكايَةِ والكَلامُ فِيها وارِدٌ عَلى ما تَعارَفَهُ اَلْعَرَبُ ولَوْلاهُ لَسُدَّ بابُ اَلنِّكاتِ ولَغَتِ اَلِاعْتِباراتُ في اَلْعِباراتِ ومِثْلُهُ غَنِيٌّ عَنِ اَلْبَيانِ، وقالَ أبُو اَلْبَقاءِ: اَلتَّقْدِيرُ بَعْدَ إذْ ظَلَمْتُمْ فَحُذِفَ اَلْمُضافُ لِلْعِلْمِ بِهِ، وقالَ اَلْحَوْفِيُّ: (إذْ) مُتَعَلِّقَةٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ اَلْمَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اَلْيَوْمَ اِجْتِماعُكم إذْ ظَلَمْتُمْ مَثَلًا.

ومِنَ اَلنّاسِ مَنِ اِسْتَشْكَلَ اَلْآيَةَ مِن حَيْثُ إنَّ فِيها إعْمالُ ﴿يَنْفَعَكُمُ﴾ اَلدّالُّ عَلى اَلِاسْتِقْبالِ لِاقْتِرانِهِ بِلَنْ في اَلْيَوْمِ وهو اَلزَّمانُ اَلْحاضِرُ وإذْ وهو لِلزَّمانِ اَلْماضِي، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يُدْفَعُ اَلثّانِي بِما قَدَّرُوهُ مِنَ اَلتَّبَيُّنِ لِأنَّ تَبَيُّنَ اَلْحالِ يَكُونُ في اَلِاسْتِقْبالِ والأوَّلُ بِأنَّ ﴿اليَوْمَ﴾ تَعْرِيفُهُ لِلْعَهْدِ وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ لا لِلْحُضُورِ كَتَعْرِيفِ اَلْآنَ وإنْ كانَ نَوْعًا مِنهُ.

وقِيلَ: يُدْفَعُ بِأنَّ اَلِاسْتِقْبالَ بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتِ اَلْخِطابِ وهو بَعْضُ أوْقاتِ اَلْيَوْمِ وهو كَما تَرى فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِنَفْيِ اَلنَّفْعِ أيْ لِأنَّ حَقَّكم أنْ تَشْتَرِكُوا أنْتُمْ وقُرَناؤُكم في اَلْعَذابِ كَما كُنْتُمْ مُشْتَرِكِينَ في سَبَبِهِ في اَلدُّنْيا.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلْفِعْلُ مُسْنَدًا إلَيْهِ أيْ لَنْ يَنْفَعَكم كَوْنُكم مُشْتَرِكِينَ في اَلْعَذابِ كَما يَنْفَعُ اَلْواقِعِينَ في اَلْأمْرِ اَلصَّعْبِ اِشْتِراكُهم فِيهِ لِتُعاوِنِهم في تَحَمُّلِ أعْبائِهِ وتَقَسُّمِهِمْ لِشِدَّتِهِ وعَنائِهِ وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنكم بِهِ مِنَ اَلْعَذابِ ما لا تَبْلُغُهُ طاقَتُهُ أوْ لَنْ يَنْفَعَكم ذَلِكَ مِن حَيْثُ اَلتَّأسِّي فَإنَّ اَلْمَكْرُوبَ يَتَأسّى ويَتَرَوَّحُ بِوِجْدانِ اَلْمُشارِكِ وهو اَلَّذِي عَنَتْهُ اَلْخَنْساءُ بِقَوْلِها:

يُذَكِّرُنِي طُلُوعُ اَلشَّمْسِ صَخْرًا ∗∗∗ وأذْكُرُهُ بِكُلِّ مَغِيبِ شَمْسِ

صفحة 84

ولَوْلا كَثْرَةُ اَلْباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أعَزِّي اَلنَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي

فَهَؤُلاءِ يُؤَسِّيهِمُ اِشْتِراكُهم ولا يُرَوِّحُهم لِعِظَمِ ما هم فِيهِ أوْ لَنْ يَنْفَعَكم ذَلِكَ مِن حَيْثُ اَلتَّشَفِّي أيْ لَنْ يَحْصُلَ لَكُمُ اَلتَّشَفِّي بِكَوْنِ قُرَنائِكم مُعَذَّبِينَ مِثْلَكم حَيْثُ كُنْتُمْ تَدْعُونَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِكُمْ: ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ وقَوْلِكُمْ: ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ لِتَتَشَفَّوْا بِذَلِكَ، واعْتُرِضَ عَلى اَلْوَجْهِ اَلْأوَّلِ مِن هَذِهِ اَلْأوْجُهِ اَلثَّلاثَةِ بِأنَّ اَلِانْتِفاعَ بِالتَّعاوُنِ في تَحَمُّلِ أعْباءِ اَلْعَذابِ لَيْسَ ما يَخْطُرُ بِبالِهِمْ حَتّى يُرَدَّ عَلَيْهِمْ بِنَفْيِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ غَيْرُ بَعِيدٍ أنْ يَخْطُرَ ذَلِكَ بِبالِهِمْ لِمَكانِ اَلْمُقارَنَةِ والصُّحْبَةِ والغَرِيقُ يَتَشَبَّثُ بِالحَشِيشِ والظَّمْآنُ يَحْسَبُ اَلسَّرابَ شَرابًا.

وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ (إنَّكُمْ) بِكَسْرِ اَلْهَمْزَةِ وهو تُقَوِّي ما ذُكِرَ أوَّلًا مِن إضْمارِ اَلْفاعِلِ وتَقْدِيرُ اَللّامِ في أنَّكم مَعْنًى ولَفْظًا لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا فَيَتَعَيَّنُ اَلْإضْمارُ، ولِأنَّ اَلْجُمْلَةَ عَلَيْها تَكُونُ اِسْتِئْنافًا تَعْلِيلِيًّا فَيُناسِبُ تَقْدِيرَ اَللّامِ لِتَتَوافَقَ اَلْقِراءَتانِ،

43:40Page 492

أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ أَوۡ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٠

Then will you make the deaf hear, [O Muḥammad], or guide the blind or he who is in clear error?

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ﴾ إنْكارُ تَعْجِيبٍ مِن أنْ يَكُونَ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو اَلَّذِي يَقْدِرُ عَلى هِدايَتِهِمْ وهم قَدْ تَمَرَّنُوا في اَلْكُفْرِ واعْتادُوهُ واسْتَغْرَقُوا في اَلضَّلالِ بِحَيْثُ صارَ ما بِهِمْ مِنَ اَلْعَشى عَمًى مَقْرُونًا بِالصَّمَمِ ﴿ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ عَطْفٌ عَلى اَلْعَمى بِاعْتِبارِ تَغايُرِ اَلْوَصْفَيْنِ أعْنِي اَلْعَمى والضَّلالَ بِحَسْبِ اَلْمَفْهُومِ وإنِ اِتَّحَدا مَآلًا، ومَدارُ اَلْإنْكارِ هو اَلتَّمَكُّنُ والِاسْتِقْرارُ في اَلضَّلالِ اَلْمُفْرِطِ اَلَّذِي لا يَخْفى لا تَوَهُّمَ اَلْقُصُورِ مِنهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ فَفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا اَللَّهُ وحْدَهُ بِالقَسْرِ والإلْجاءِ وقَدْ كانَ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُبالِغُ في اَلْمُجاهَدَةِ في دُعاءِ قَوْمِهِ وهم لا يَزِيدُونَ إلّا غَيًّا وتَعامِيًا عَمّا يُشاهِدُونَهُ مِن شَواهِدِ اَلنُّبُوَّةِ وتَصامًّا عَمّا يَسْمَعُونَهُ مِن بَيِّناتِ اَلْقُرْآنِ فَنَزَلَتْ ﴿أفَأنْتَ﴾ إلَخْ

43:41Page 492

فَإِمَّا نَذۡهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنۡهُم مُّنتَقِمُونَ ٤١

And whether [or not] We take you away [in death], indeed, We will take retribution upon them.

﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ فَإنْ قَبَضْناكَ قَبْلَ أنْ نُبْصِرَكَ عَذابَهم ونَشْفِيَ بِذَلِكَ صَدْرَكَ وصُدُورَ اَلْمُؤْمِنِينَ ﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ لا مَحالَةَ في اَلدُّنْيا والآخِرَةِ واقْتَصَرَ بَعْضَهم عَلى عَذابِ اَلْآخِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وما ذَكَرْنا أتَمُّ فائِدَةً وأوْفَقُ بِإطْلاقِ اَلِانْتِقامِ، وأمّا تِلْكَ اَلْآيَةُ فَلَيْسَ فِيها ذِكْرُهُ، وما مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وهي بِمَنزِلَةِ لامِ اَلْقَسَمِ في اِسْتِجْلابِ اَلنُّونِ اَلْمُؤَكِّدَةِ.

43:42Page 492

أَوۡ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدۡنَٰهُمۡ فَإِنَّا عَلَيۡهِم مُّقۡتَدِرُونَ ٤٢

Or whether [or not] We show you that which We have promised them, indeed, We are Perfect in Ability.

﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ أيْ أوْ أرَدْنا أنْ نُرِيَكَ اَلْعَذابَ اَلَّذِي وعَدْناهم ﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ بِحَيْثُ لا مَناصَ لَهم مِن تَحْتِ مُلْكِنا وقَهْرِنا واعْتِبارُ اَلْإرادَةِ لِأنَّها أنْسَبُ بِذِكْرِ اَلِاقْتِدارِ بَعْدُ، وفي اَلتَّعْبِيرِ بِالوَعْدِ وهو سُبْحانَهُ لا يُخْلِفُ اَلْمِيعادَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ هو اَلْواقِعُ، وهَكَذا كانَ إذْ لَمْ يُفْلِتُ أحَدٌ مِن صَنادِيدِهِمْ في بَدْرِ وغَيْرِها إلّا مَن تَحَصَّنَ بِالإيمانِ، وقُرِئَ (نُرِيَنْكَ) بِالنُّونِ اَلْخَفِيفَةِ

43:43Page 492

فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِيٓ أُوحِيَ إِلَيۡكَۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٣

So adhere to that which is revealed to you. Indeed, you are on a straight path.

﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَسْلِيَةٌ لَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لِأُمَّتِهِ بِالدَّوامِ عَلى اَلتَّمَسُّكِ بِالآياتِ والعَمَلِ بِها، والفاءُ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إذا كانَ أحَدُ هَذَيْنِ اَلْأمْرَيْنِ واقِعًا لا مَحالَةَ فاسْتَمْسِكْ بِاَلَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِمْساكِ أوْ لِلْأمْرِ بِهِ.

صفحة 85

وقَرَأ بَعْضُ قُرّاءِ اَلشّامِ (أُوحِي) بِإسْكانِ اَللّامِ، وقَرَأ اَلضَّحّاكَ (أوْحى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

43:44Page 492

وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ ٤٤

And indeed, it is a remembrance1 for you and your people, and you [all] are going to be questioned.

﴿وإنَّهُ﴾ أيْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ والمُرادُ بِهِ اَلْقُرْآنُ ﴿لَذِكْرٌ﴾ لَشَرَفٌ عَظِيمٌ ﴿لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ هم قُرَيْشٌ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. ومُجاهِدٍ. وقَتادَةَ. والسُّدِّيِّ. وابْنِ زَيْدٍ.

وأخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالا: كانَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى اَلْقَبائِلِ بِمَكَّةَ ويَعِدُهُمُ اَلظُّهُورَ فَإذا قالُوا: لِمَنِ اَلْمُلْكُ بَعْدَكَ أمْسَكَ فَلَمْ يُجِبْهم بِشَيْءٍ لِأنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُؤْمَرْ في ذَلِكَ بِشَيْءٍ حَتّى نَزَلَتْ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ فَكانَ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدُ إذا سُئِلَ قالَ لِقُرَيْشٍ: فَلا يُجِيبُونَهُ حَتّى قَبِلَتْهُ اَلْأنْصارُ عَلى ذَلِكَ».

وأخْرَجَ اَلطَّبَرانِيُّ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ. «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: (كُنْتُ قاعِدًا عِنْدَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: ألا إنَّ اَللَّهَ تَعالى عَلِمَ ما في قَلْبِي مِن حُبِّي لِقَوْمِي فَبَشَّرَنِي فِيهِمْ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ اَلْآيَةَ فَجَعَلَ اَلذِّكْرَ والشَّرَفَ لِقَوْمِي في كِتابِهِ) اَلْحَدِيثَ، وفِيهِ (فالحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي جَعَلَ اَلصِّدِّيقَ مِن قَوْمِي والشَّهِيدَ مِن قَوْمِي إنَّ اَللَّهَ تَعالى قَلَّبَ اَلْعِبادَ ظَهْرًا وبَطْنًا فَكانَ خَيْرَ اَلْعَرَبِ قُرَيْشٌ وهي اَلشَّجَرَةُ اَلْمُبارَكَةُ إلى أنْ قالَ عَدِيٌّ: ما رَأيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذُكِرَ عِنْدَهُ قُرَيْشٌ بِخَيْرٍ قَطُّ إلّا سَرَّهُ حَتّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ اَلسُّرُورُ في وجْهِهِ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ وكانَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ كَثِيرًا ما يَتْلُو هَذِهِ اَلْآيَةَ ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾» إلَخْ، وقِيلَ هُمُ اَلْعَرَبُ مُطْلَقًا لِما أنَّ اَلْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ ثُمَّ يُخْتَصُّ بِذَلِكَ اَلشَّرَفِ اَلْأخَصُّ فالأخَصُّ مِنهم حَتّى يَكُونَ اَلشَّرَفُ لِقُرَيْشٍ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِمْ ثُمَّ لِبَنِي هاشِمٍ أكْثَرَ مِمّا يَكُونُ لِسائِرِ قُرَيْشٍ، وفي رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ هم مَنِ اِتَّبَعَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن أُمَّتِهِ.

وقالَ اَلْحَسَنُ: هُمُ اَلْأُمَّةُ والمَعْنى وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ ومَوْعِظَةٌ لَكَ ولِأُمَّتِكَ، والأرْجَحُ عِنْدِي اَلْقَوْلُ اَلْأوَّلُ.

﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ عَنْهُ وعَنْ قِيامِكم بِحُقُوقِهِ، وقالَ اَلْحَسَنُ. والكَلْبِيُّ. والزَّجّاجُ: تُسْئَلُونَ عَنْ شُكْرِ ما جَعَلَهُ اَللَّهُ تَعالى لَكم مِنَ اَلشَّرَفِ، قِيلَ إنَّ هَذِهِ اَلْآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ اَلْإنْسانَ يَرْغَبُ في اَلثَّناءِ اَلْحَسَنِ والذِّكْرِ اَلْجَمِيلِ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَرْغُوبًا فِيهِ ما اِمْتَنَّ اَللَّهُ تَعالى بِهِ عَلى رَسُولِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والذِّكْرُ اَلْجَمِيلُ قائِمٌ مُقامَ اَلْحَياةِ ولِذا قِيلَ ذِكْرُ اَلْفَتى عُمْرُهُ اَلثّانِي، وقالَ اِبْنُ دُرَيْدٍ:

وإنَّما اَلْمَرْءُ حَدِيثٌ بَعْدَهُ فَكُنْ حَدِيثًا حَسَنًا لِمَن وعى

وقالَ آخَرُ:

إنَّما اَلدُّنْيا مَحاسِنُها ∗∗∗ طِيبُ ما يَبْقى مِنَ اَلْخَبَرِ

ويُحْكى أنَّ اَلطّاغِيَةَ هُلاكُو سَألَ أصْحابَهُ: مَنِ اَلْمَلِكُ؟ فَقالُوا لَهُ: أنْتَ اَلَّذِي دَوَّخْتَ اَلْبِلادَ ومَلَكْتَ اَلْأرْضَ وطاعَتْكَ اَلْمُلُوكُ وكانَ اَلْمُؤَذِّنُ إذْ ذاكَ يُؤَذِّنُ فَقالَ لا اَلْمَلِكُ هَذا لَهُ أزْيَدُ مِن سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ قَدْ ماتَ وهو يُذْكَرُ عَلى اَلْمَآذِنِ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ خَمْسَ مَرّاتٍ يُرِيدُ مُحَمَّدًا رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

43:45Page 492

وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ ٤٥

And ask those We sent before you of Our messengers; have We made besides the Most Merciful deities to be worshipped?

﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مَن قَبْلِكَ مَن رُسُلِنا أجَعَلْنا مَن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ أيْ هَلْ حَكَمْنا بِعِبادَةِ غَيْرِ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وهَلْ جاءَتْ في مِلَّةٍ مِن مِلَلِ اَلْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ والمُرادُ اَلِاسْتِشْهادُ بِإجْماعِ اَلْمُرْسَلِينَ

صفحة 86

عَلى اَلتَّوْحِيدِ والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ اِبْتَدَعَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى يُكَذَّبَ ويُعادى لَهُ، والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ واسْألْ أُمَمَ مَن أرْسَلْنا أوْ عَلى جَعْلِ سُؤالِ اَلْأُمَمِ بِمَنزِلَةِ سُؤالِ اَلْمُرْسَلِينَ إلَيْهِمْ.

قالَ اَلْفَرّاءُ: هم إنَّما يُخْبِرُونَ عَنْ كُتُبِ اَلرُّسُلِ فَإذا سَألَهم عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَأنَّهُ سَألَ اَلْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ، وعَلى اَلْوَجْهَيْنِ اَلْمَسْؤُولُ اَلْأُمَمُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اَلْحَسَنِ. ومُجاهِدٍ. وقَتادَةَ. والسُّدِّيِّ. وعَطاءٍ وهو رِوايَةٌ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في بَعْضِ اَلْقِراءاتِ واسْألْ مَن أرْسَلَنا إلَيْهِمْ رُسُلَنا قَبْلَكَ.

وأخْرَجَ هو وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ عَبْدُ اَللَّهِ يَقْرَأُ واسْألِ اَلَّذِينَ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا، وعَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ واسْألِ اَلَّذِينَ يَقْرَؤُونَ اَلْكِتابَ مِن قَبْلِ مُؤْمِنِي أهْلِ اَلْكِتابِ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ اَلسُّؤالَ مَجازًا عَنِ اَلنَّظَرِ والفَحْصِ عَنْ مِلَلِهِمْ في سُؤالِ اَلدِّيارِ والأطْلالِ ونَحْوِها مِن قَوْلِهِمْ: سَلِ اَلْأرْضَ مَن شَقَّ أنْهارَكِ وغَرَسَ أشْجارَكِ وجَنى ثِمارَكِ.

ورُوِيَ «عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وابْنِ جُبَيْرٍ. والزُّهْرِيِّ. وابْنِ زَيْدٍ أنَّ اَلْكَلامَ عَلى ظاهِرِهِ وأنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لَيْلَةَ اَلْإسْراءِ حِينَ جُمِعَ لَهُ اَلْأنْبِياءُ في اَلْبَيْتِ اَلْمُقَدَّسِ فافْهَمْ ولَمْ يَسْألْهم عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ إذْ لَمْ يَكُنْ في شَكٍّ». وفي بَعْضِ اَلْآثارِ أنَّ مِيكالَ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِما اَلسَّلامُ: هَلْ سَألَ مُحَمَّدٌ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقالَ: هو أعْظَمُ يَقِينًا وأوْثَقُ إيمانًا مِن أنْ يَسْألَ. وتُعُقِّبَ هَذا اَلْقَوْلُ بِأنَّ اَلْمُرادَ بِهَذا اَلسُّؤالِ إلْزامُ اَلْمُشْرِكِينَ وهم مُنْكِرُونَ اَلْإسْراءَ، ولِلْبَحْثِ فِيهِ مَجالٌ. والخِطابُ عَلى جَمِيعِ ما سَمِعْتَ لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ.

وفِي اَلْبَحْرِ اَلَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلسّامِعِ اَلَّذِي يُرِيدُ أنْ يَفْحَصَ عَنِ اَلدِّياناتِ قِيلَ لَهُ اِسْألْ أيُّها اَلنّاظِرُ أتْباعَ اَلرُّسُلِ أجاءَتْ رُسُلُهم بِعِبادَةِ غَيْرِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهم يُخْبِرُونَكَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ ولا يُمْكِنْ أنْ يَأْتُوا بِهِ ولَعَمْرِي إنَّهُ خِلافُ اَلظّاهِرِ جِدًّا، ومِمّا يَقْضِي مِنهُ اَلْعَجَبُ ما قِيلَ: إنَّ اَلْمَعْنى واسْألْنِي أوْ واسْألْنا عَمَّنْ أرْسَلْنا وعَلَّقَ اِسْألْ فارْتَفَعَ مَن وهو اِسْمُ اِسْتِفْهامٍ عَلى اَلِابْتِداءِ وأرْسَلْنا خَبَرُهُ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِاسْألْ بَعْدَ إسْقاطِ اَلْخافِضِ كَأنَّ سُؤالَهُ مَن أرْسَلْتَ يا رَبِّ قَبْلِي مِن رُسُلِكَ أجَعَلْتَ في رِسالَتِهِ آلِهَةً تُعْبَدُ ثُمَّ اَلسُّؤالُ فَحَكى اَلْمَعْنى فَرَدَّ اَلْخِطابَ إلى اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ اِنْتَهى، واسْألْ مَن قَرَأ أبا جادٍ أيَرْضى بِهَذا اَلْكَلامِ ويَسْتَحْسِنُ تَفْسِيرَ كَلامِ اَللَّهِ تَعالى اَلْمَجِيدِ بِذَلِكَ

43:46Page 492

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٦

And certainly did We send Moses with Our signs to Pharaoh and his establishment, and he said, "Indeed, I am the messenger of the Lord of the worlds."

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ مُلْتَبِسًا بِها ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أشْرافِ قَوْمِهِ وخُصُّوا بِالذِّكْرِ لِأنَّ غَيْرَهم تَبَعٌ ﴿فَقالَ﴾ لَهم ﴿إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ إلَيْكم وأُرِيدَ بِاقْتِصاصِ ذَلِكَ تَسْلِيَةُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإبْطالُ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ لِأنَّ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مَعَ عَدَمِ زَخارِفِ اَلدُّنْيا لَدَيْهِ كانَ لَهُ مَعَ فِرْعَوْنَ وهو مَلِكٌ جَبّارٌ ما كانَ وقَدْ أيَّدَهُ اَللَّهُ سُبْحانَهُ بِوَحْيِهِ وما أنْزَلَ عَلَيْهِ، والِاسْتِشْهادُ بِدَعْوَتِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ إلى اَلتَّوْحِيدِ إثْرَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن إجْماعِ جَمِيعِ اَلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ عَلَيْهِ ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ وجْهُ مُناسَبَةِ اَلْآياتِ لِما قَبْلَها، وقالَ أبُو حَيّانَ: مُناسَبَتُها مِن وجْهَيْنِ. اَلْأوَّلُ أنَّهُ ذَكَرَ فِيما قَبْلُ قَوْلَ اَلْمُشْرِكِينَ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ﴾ إلَخْ وفِيهِ زَعْمٌ أنَّ اَلْعِظَمَ بِالجاهِ والمالِ وأُشِيرَ في هَذِهِ اَلْآياتِ إلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ سَبَقَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ إلَخْ فَهو قُدْوَتُهم في ذَلِكَ وقَدِ اِنْتُقِمَ مِنهُ فَكَذَلِكَ يُنْتَقَمُ مِنهُمْ، اَلثّانِي أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا قالَ: ﴿واسْألْ﴾ إلَخْ ذَكَرَ جَلَّ وعَلا قِصَّةَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما اَلسَّلامُ وهُما أكْثَرُ أتْباعًا مِمَّنْ سَبَقَ

صفحة 87

مِنَ اَلْأنْبِياءِ وكُلٌّ جاءَ بِالتَّوْحِيدِ فَلَمْ يَكُنْ فِيما جاءا بِهِ إباحَةُ اِتِّخاذِ آلِهَةٍ مِن دُونِ اَللَّهِ تَعالى كَما اِتَّخَذَتْ قُرَيْشٌ فَناسَبَ ذِكْرُ قِصَّتِهِما اَلْآيَةَ اَلَّتِي قَبْلَها.

43:47Page 492

فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَضۡحَكُونَ ٤٧

But when he brought them Our signs, at once they laughed at them.

﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ أيْ فاجَأهُمُ اَلضَّحِكُ مِنها أيِ اِسْتَهْزَأُوا بِها أوَّلَ ما رَأوْها ولَمْ يَتَأمَّلُوا فِيها، وفي اَلْكَشّافِ جازَ أنْ تُجابَ لَمّا بِإذا اَلْمُفاجِأةِ لِأنَّ فِعْلَ اَلْمُفاجَأةِ مُقَدَّرٌ مَعَها وهو عامِلُ اَلنَّصْبِ في مَحَلِّها كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا فاجَأُوا وقْتَ ضَحِكِهِمْ. فالجَوابُ عِنْدَهُ ذَلِكَ اَلْفِعْلُ وهو اَلْعامِلُ في لَمّا، وقُدِّرَ ماضِيًا لِأنَّهُ اَلْمَعْرُوفُ في جَوابِها، وإذا مَفْعُولٌ بِهِ لا ظَرْفٌ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لا نَعْلَمُ نَحْوِيًّا ذَهَبَ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا اَلرَّجُلُ مِن أنَّ إذا اَلْفُجائِيَّةَ تَكُونُ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ فاجَأ بَلِ اَلْمَذاهِبُ فِيها ثَلاثَةٌ. اَلْأوَّلُ أنَّها حَرْفٌ فَلا تَحْتاجُ إلى عامِلٍ. اَلثّانِي أنَّها ظَرْفُ مَكانٍ فَإنْ صُرِّحَ بَعْدَ اَلِاسْمِ بَعْدَها بِخَبَرٍ لَهُ كانَ ذَلِكَ اَلْخَبَرُ عامِلًا فِيها نَحْوُ خَرَجْتُ فَإذا زَيْدٌ قائِمٌ فَقائِمٌ هو اَلنّاصِبُ لَها والتَّقْدِيرُ خَرَجْتُ فَفي اَلْمَكانِ اَلَّذِي خَرَجْتُ فِيهِ زَيْدٌ قائِمٌ. اَلثّالِثُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ والعامِلُ فِيها اَلْخَبَرُ أيْضًا كَأنَّهُ قِيلَ: فَفي اَلزَّمانِ اَلَّذِي خَرَجْتُ فِيهِ زَيْدٌ قائِمٌ: وإذا لَمْ يُذْكَرُ بَعْدَ اَلِاسْمِ خَبَرٌ أوْ ذُكِرَ اِسْمٌ مَنصُوبٌ عَلى اَلْحالِ كانَتْ إذا خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ: فَإنْ كانَ جُثَّةً وقُلْنا: إذا ظَرْفُ مَكانٍ كانَ اَلْأمْرُ واضِحًا وإنْ قُلْنا ظَرْفُ زَمانٍ كانَ اَلْكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ فَفي اَلزَّمانِ حُضُورُ زَيْدٍ ثُمَّ إنَّ اَلْمُفاجَأةَ اَلَّتِي اِدَّعاها لا يَدُلُّ اَلْمَعْنى عَلى أنَّها تَكُونُ مِنَ اَلْكَلامِ اَلسّابِقِ بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّها تَكُونُ مِنَ اَلْكَلامِ اَلَّتِي هي فِيهِ تَقُولُ خَرَجْتُ فَإذا اَلْأسَدُ فالمَعْنى فَفاجَأنِي اَلْأسَدُ اِنْتَهى، وقالَ اَلْخَفاجِيُّ ما قِيلَ إنَّ نَصْبَها بِفِعْلِ اَلْمُفاجَأةِ اَلْمُقَدَّرِ هَكَذا لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ اَلنُّحاةِ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وتَفْصِيلُهُ في شُرُوحِ اَلْمُغْنِي

43:48Page 493

وَمَا نُرِيهِم مِّنۡ ءَايَةٍ إِلَّا هِيَ أَكۡبَرُ مِنۡ أُخۡتِهَاۖ وَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤٨

And We showed them not a sign except that it was greater than its sister, and We seized them with affliction that perhaps they might return [to faith].

﴿وما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ﴾ مِنَ اَلْآياتِ:

﴿إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها﴾ أيْ مِن آيَةٍ مِثْلِها في كَوْنِها آيَةً دالَّةً عَلى اَلنُّبُوَّةِ واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ كَوْنُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ اَلْآياتِ فاضِلَةً ومَفْضُولَةً مَعًا وهو يُؤَدِّي إلى اَلتَّناقُضِ وتَفْضِيلُ اَلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ لِعُمُومِ آيَةٍ في اَلنَّفْيِ، وأُجِيبَ بِأنَّ اَلْغَرَضَ مِن هَذا اَلْكَلامِ أنَّهُنَّ مَوْصُوفاتٌ بِالكِبَرِ لا يَكَدْنَ يَتَفاوَتْنَ فِيهِ عَلى مَعْنى أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ لِكَمالِها في نَفْسِها إذا نُظِرَ إلَيْها قِيلَ هي أكْبَرُ مِنَ اَلْبَواقِي لِاسْتِقْلالِها بِإفادَةِ اَلْمَقْصُودِ عَلى اَلتَّمامِ كَما قالَ اَلْحَماسِيُّ:

مَن تَلْقَ مِنهم تَقُلْ لاقَيْتُ سَيِّدَهم مِثْلُ اَلنُّجُومِ اَلَّتِي يَسْرِي بِها اَلسّارِي

وإذا لُوحِظَ اَلْكُلُّ تُوُقِّفَ عَنِ اَلتَّفْضِيلِ بَيْنَهُنَّ، ولَقَدْ فاضَلَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ خُرْشُبٍ اَلْأنْمارِيَّةُ بَيْنَ أوْلادِها اَلْكِمْلَةِ رَبِيعَةَ اَلْحَفّاظِ. وعِمارَةَ اَلْوَهّابِ. وأُنْسِ اَلْفَوارِسِ ثُمَّ قالَتْ: أبْصَرْتُ مَراتِبَهم مُتَدانِيَةً قَلِيلَةَ اَلتَّفاوُتِ ثَكِلْتُهم إنْ كُنْتُ أعْلَمَ أيُّهم أفْضَلُ هم كالحَلْقَةِ اَلْمُفَرَّغَةِ لا يُدْرى أيْنَ طَرَفاها، وقالَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ: اَلْمُرادُ بِأفْعَلَ اَلزِّيادَةُ مِن وجْهٍ أيِّ ما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلّا هي مُخْتَصَّةٌ بِنَوْعٍ مِنَ اَلْإعْجازِ مُفَضَّلَةٌ عَلى غَيْرِها بِذَلِكَ اَلِاعْتِبارِ، ولا ضَيْرَ في كَوْنِ اَلشَّيْءِ اَلْواحِدِ فاضِلًا ومَفْضُولًا بِاعْتِبارَيْنِ، وقَدْ أطالَ اَلْكَلامَ في ذَلِكَ جَلالُ اَلدِّينِ اَلدَّوانِيُّ في حَواشِيهِ عَلى اَلشَّرْحِ اَلْجَدِيدِ لِلتَّجْرِيدِ فَلْيُراجِعْ ذَلِكَ مَن أرادَهُ، وفي اَلْبَحْرِ قِيلَ: كانَتْ آياتُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِن كِبارِ اَلْآياتِ وكانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ أكْبَرَ مِنَ اَلَّتِي قَبْلَها فَعَلى هَذا يَكُونُ ثَمَّ صِفَةٌ مَحْذُوفَةٌ أيْ مِن أُخْتِها اَلسّابِقَةِ عَلَيْها ولا يَبْقى في اَلْكَلامِ تَعارُضٌ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ اَلْحُكْمُ في اَلْآيَةِ اَلْأوْلى لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْها شَيْءٌ فَتَكُونَ أكْبَرَ مِنهُ، وذَكَرَ بَعْضُهم في اَلْأكْبَرِيَّةِ أنَّ اَلْأُولى تَقْتَضِي عِلْمًا والثّانِيَةَ تَقْتَضِي عِلْمًا مُنْضَمًّا إلى عِلْمِ اَلْأُولى فَيَزْدادُ اَلرُّجُوعُ اِنْتَهى، والأوْلى ما تَقَدَّمَ لِشُيُوعِ إرادَةِ ذَلِكَ اَلْمَعْنى مِن مِثْلِ هَذا اَلتَّرْكِيبِ ﴿وأخَذْناهم بِالعَذابِ﴾ كالسِّنِينَ والجَرادِ والقُمَّلِ وغَيْرِها:

صفحة 88

﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ لِكَيْ يَرْجِعُوا ويَتُوبُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ اَلْكُفْرِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском