Al-AlusiAz‑Zukhruf · 43:60–70

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:60–70

43:60Page 493

وَلَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَا مِنكُم مَّلَٰٓئِكَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَخۡلُفُونَ ٦٠

And if We willed, We could have made [instead] of you angels succeeding [one another]1 on the earth.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا﴾ إلَخْ تَذْيِيلٌ لِوَجْهِ دَلالَتِهِ عَلى اَلْقُدْرَةِ وأنَّ اَلِافْتِتانَ مِن عَدَمِ اَلتَّأمُّلِ وتَضْمِينٌ لِلْإنْكارِ عَلى مَنِ اِتَّخَذَ اَلْمَلائِكَةَ آلِهَةً كَما اِتُّخِذَ عِيسى عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ أيْ ولَوْ نَشاءُ لِقُدْرَتِنا عَلى عَجائِبِ اَلْأُمُورِ وبَدائِعِ اَلْفِطَرِ لَجَعَلْنا بِطَرِيقِ اَلتَّوْلِيدِ ومَآلُهُ لَوَلَّدْنا ﴿مِنكُمْ﴾ يا رِجالُ ﴿مَلائِكَةً﴾ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ ﴿فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ أيْ يَخْلُفُونَكم في اَلْأرْضِ كَما يَخْلُفُكم أوْلادُكم أوْ يَكُونُونَ خَلَفًا ونَسْلًا لَكم لِيُعْرَفَ تَمَيُّزُنا بِالقُدْرَةِ اَلْباهِرَةِ ولِيُعْلَمَ أنَّ اَلْمَلائِكَةَ ذَواتٌ مُمْكِنَةٌ تُخْلَقُ تَوْلِيدًا كَما تُخْلَقُ إبْداعًا فَمِن أيْنَ لَهُمُ اِسْتِحْقاقُ اَلْأُلُوهِيَّةِ والِانْتِسابِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالبُنُوَّةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْنى لَجَعَلْنا إلَخْ لَحَوَّلْنا بَعْضَكم مَلائِكَةً فَمِنَ اِبْتِدائِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ و(مَلائِكَةً) مَفْعُولٌ ثانٍ أوْ حالٌ، وقِيلَ: مِن لِلْبَدَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ وقَوْلِهِ:

ولَمْ تَذُقْ مِنَ اَلْبُقُولِ اَلْفُسْتَقا

أيْ ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا بَدَلَكم مَلائِكَةً يَكُونُونَ مَكانَكم بَعْدَ إذْهابِكُمْ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ، والمُرادُ بَيانُ كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى لا اَلتَّوَعُّدُ بِالِاسْتِئْصالِ وإنْ تَضَمَّنَهُ فَإنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِلْمَقامِ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِن قَصْدِهِما مَعًا نَعَمْ كَثِيرٌ مِنَ اَلنَّحْوِيِّينَ لا يُثْبِتُونَ لِمِن مَعْنى اَلْبَدَلِيَّةِ ويَتَأوَّلُونَ ما ورَدَ مِمّا يُوهِمُ ذَلِكَ والأظْهَرُ ما قُرِّرَ أوَّلًا.

وذَكَرَ اَلْعَلّامَةُ اَلطَّيِّبِيُّ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ هو إلا عَبْدٌ﴾ إلَخْ جَوابٌ عَنْ جَدَلِ اَلْكَفَرَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ إلَخْ وإنَّ تَقْرِيرَهُ إنَّ جَدَلَكم هَذا باطِلٌ لِأنَّهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ما دَخَلَ في ذَلِكَ اَلنَّصِّ اَلصَّرِيحِ لِأنَّ اَلْكَلامَ مَعَكم أيُّها اَلْمُشْرِكُونَ وأنْتُمُ اَلْمُخاطَبُونَ بِهِ وإنَّما اَلْمُرادُ بِما تَعْبُدُونَ اَلْأصْنامَ اَلَّتِي تَنْحِتُونَها بِأيْدِيكم وأمّا عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَما هو إلّا عَبْدٌ مُكْرَمٌ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ مَرْفُوعُ اَلْمَنزِلَةِ والذِّكْرِ مَشْهُورٌ في بَنِي إسْرائِيلَ كالمَثَلِ اَلسّائِرِ فَمِن أيْنَ تَدْخُلُ في قَوْلِنا: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ثُمَّ لا اِعْتِراضَ عَلَيْنا أنْ نَجْعَلَ قَوْمًا أهْلًا لِلنّارِ وآخَرِينَ أهْلًا لِلْجَنَّةِ إذْ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم ومِن أنْفُسِكم أيُّها اَلْكَفَرَةُ مَلائِكَةً أيْ عَبِيدًا مُكْرَمُونَ مُهْتَدُونَ وإلى اَلْجَنَّةِ صائِرُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ

صفحة 94

نَفْسٍ هُداها﴾ اهـ.

وعَلى ما ذَكَرْنا أنَّ اَلْكَلامَ في إبْطالٍ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَصِمُونَ﴾ وما بَعْدُ لِما سَمِعْتَ قَبْلُ وهو أدَقُّ وأوْلى مِمّا ذَكَرَهُ بَلْ ما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ إلَخْ لِنَفِيَ اَلِاعْتِراضِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

ورُوِيَ «أنَّ اِبْنَ اَلزِّبَعْرى قالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أهَذا لَنا ولِآلِهَتِنا أمْ لِجَمِيعِ اَلْأُمَمِ؟ فَقالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: هو لَكم ولِآلِهَتِكم ولِجَمِيعِ اَلْأُمَمِ فَقالَ: خَصَمْتُكَ ورَبِّ اَلْكَعْبَةِ ألَيْسَتِ اَلنَّصارى يَعْبُدُونَ اَلْمَسِيحَ، واليَهُودُ عُزَيْرًا، وبَنُو مَلِيحٍ اَلْمَلائِكَةَ؟ فَإنْ كانَ هَؤُلاءِ في اَلنّارِ فَقَدْ رَضِينا أنْ نَكُونَ نَحْنُ وآلِهَتُنا مَعَهم فَفَرِحُوا وضَحِكُوا وسَكَتَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ» فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ اَلْآيَةَ أوْ نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ، وأنْكَرَ بَعْضُهُمُ اَلسُّكُوتَ، وذَكَرَ «أنَّ اِبْنَ اَلزِّبَعْرى حِينَ قالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلام: خَصَمْتُكَ رَدَّ عَلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ ما أجْهَلَكَ بِلُغَةِ قَوْمِكَ أما فَهِمْتَ أنَّ ما لِما لا يَعْقِلُ،» ورَوى مُحْيِي اَلسُّنَّةِ في اَلْمَعالِمِ «أنَّ اِبْنَ اَلزِّبَعْرى قالَ لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: أنْتَ قُلْتَ: (إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: ألَيْسَتِ اَلْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا والنَّصارى تَعْبُدُ اَلْمَسِيحَ وبَنُو مَلِيحٍ يَعْبُدُونَ اَلْمَلائِكَةَ؟ فَقالَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: بَلْ هم يَعْبُدُونَ اَلشَّيْطانَ» فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ وهَذا أثْبَتُ مِنَ اَلْخَبَرِ اَلَّذِي قَبْلَهُ. وتُعُقِّبَ ما تَقَدَّمَ في اَلْخَبَرِ اَلسّابِقِ مِن سُؤالِ «اِبْنِ اَلزِّبَعْرى أهَذا لَنا إلَخْ، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: هو لَكم إلَخْ» بِأنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ.

وذَكَرَ مَن أثْبَتَهُ أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إنَّما لَمْ يُجِبْ حِينَ سُئِلَ عَنِ اَلْخُصُوصِ والعُمُومِ بِالخُصُوصِ عَمَلًا بِما تَقْتَضِيهِ كَلِمَةُ (ما) لِأنَّ إخْراجَ اَلْمَعْهُودِينَ عَنِ اَلْحُكْمِ عِنْدَ اَلْمُحاجَّةِ وهم لِلرُّخْصَةِ في عِبادَتِهِمْ في اَلْجُمْلَةِ فَعَمَّمَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْكُلِّ لَكِنْ لا بِطْرِيقِ عِبارَةِ اَلنَّصِّ بَلْ بِطَرِيقِ اَلدَّلالَةِ بِجامِعِ اَلِاشْتِراكِ في اَلْمَعْبُودِيَّةِ مِن دُونِ اَللَّهِ تَعالى ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونُوا مَعْبُودِيهِمْ بِما جاءَ في خَبَرِ مُحْيِي اَلسُّنَّةِ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: «بَلْ هم يَعْبُدُونَ اَلشَّيْطانَ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾» اَلْآيَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَنْفَعُكَ تَذَكُّرُهُ فَتَذَكَّرْ.

وفِي اَلدَّرِّ اَلْمَنثُورِ أخْرَجَ اَلْإمامُ أحْمَدُ. وابْنُ أبِي حاتِمٍ. والطَّبَرانِيُّ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِقُرَيْشٍ: إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ يُعْبَدُ مِن دُونِ اَللَّهِ تَعالى فِيهِ خَيْرٌ فَقالُوا: ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى كانَ نَبِيًّا وعَبْدًا مِن عِبادِ اَللَّهِ تَعالى صالِحًا فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَإنَّهُ كَآلِهَتِنا» فَأنْزَلَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا﴾ إلَخْ، والكَلامُ في اَلْآياتِ عَلى هَذِهِ اَلرِّوايَةِ يُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ بِأدْنى اِلْتِفاتٍ، وقِيلَ: إنَّ اَلْمُشْرِكِينَ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ قالُوا: نَحْنُ أهْدى مِنَ اَلنَّصارى لِأنَّهم عَبَدُوا آدَمِيًّا ونَحْنُ نَعْبُدُ اَلْمَلائِكَةَ فَنَزَلَتْ، فالمَثَلُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ اَلْآيَةَ والضّارِبُ هو تَعالى شَأْنُهُ أيْ ولَمّا بَيَّنَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ حالَهُ اَلْعَجِيبَةَ اِتَّخَذَهُ قَوْمُكَ ذَرِيعَةً إلى تَرْوِيجِ ما هم فِيهِ مِنَ اَلْباطِلِ بِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مَخْلُوقًا بَشَرًا قَدْ عُبِدَ فَنَحْنُ أهْدى حَيْثُ عَبَدْنا مَلائِكَةً مُطَهَّرِينَ مُكْرَمِينَ عَلَيْهِ وهو اَلَّذِي عَنَوْهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ﴾ فَأبْطَلَ اَللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِأنَّهُ مُقايَسَةُ باطِلٍ بِباطِلٍ وأنَّهم في اِتِّخاذِهِمُ اَلْعَبْدَ اَلْمُنْعَمَ عَلَيْهِ إلَهًا مُبْطِلُونَ مِثْلُكم في اِتِّخاذِ اَلْمَلائِكَةِ وهم عِبادٌ مُكْرَمُونَ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ﴾ دَلالَةً عَلى أنَّ اَلْمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ مَخْلُوقُونَ مِثْلُهُ وأنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ

صفحة 95

عَلى أعْجَبِ مِن خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وأنَّهُ لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ اَلْمَخْلُوقِ تَوالُدًا وإبْداعًا فَلا يَصْلُحُ اَلْقِسْمانِ لِلْإلَهِيَّةِ. وفي رِوايَةٍعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. وقَتادَةَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ اَلْآيَةَ قالَتْ قُرَيْشٌ: ما أرادَ مُحَمَّدٌ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن ذِكْرِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ إلّا أنْ نَعْبُدَهُ كَما عَبَدَتِ اَلنَّصارى عِيسى.

ومَعْنى يَصِدُّونَ يَضِجُّونَ ويَضْجَرُونَ، والضَّمِيرُ في (أمْ) هو لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، وغَرَضُهم بِالمُوازَنَةِ بَيْنَهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيْنَ آلِهَتِهِمُ اَلِاسْتِهْزاءُ بِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ إلَخْ رَدٌّ وتَكْذِيبٌ لَهم في اِفْتِرائِهِمْ عَلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَيانِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ في اَلْحَقِيقَةِ وفِيما أُوحِيَ إلى اَلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ إلّا أنَّهُ عَبْدٌ مُنْعَمٌ عَلَيْهِ كَما ذُكِرَ فَكَيْفَ يَرْضى صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَعْبُودِيَّتِهِ أوْ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ اَلرِّضا بِمَعْبُودِيَّةِ نَفْسِهِ ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ شَأْنُهُ أنَّ مَثَلَ عِيسى لَيْسَ بِبِدْعٍ مِن قُدْرَةِ اَللَّهِ تَعالى وأنَّهُ قادِرٌ عَلى أبْدَعَ مِنهُ وأبْدَعَ مَعَ اَلتَّنْبِيهِ عَلى سُقُوطِ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ أيْضًا عَنْ دَرَجَةِ اَلْمَعْبُودِيَّةِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ إلَخْ وفِيهِ أنَّ اَلدَّلالَةَ عَلى ذَلِكَ اَلْمَعْنى غَيْرُ واضِحَةٍ، وكَذَلِكَ رُجُوعُ اَلضَّمِيرِ إلى نَبِيِّنا عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ هُوَ﴾ مَعَ رُجُوعِهِ إلى عِيسى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ هو إلا عَبْدٌ﴾ وفِيهِ مِن فَكِّ اَلنَّظْمِ ما يَجِبُ أنْ يُصانَ اَلْكِتابُ اَلْمُعْجِزُ عَنْهُ، ولا يَكادُ يُقْبَلُ اَلْقَوْلُ بِرُجُوعِ اَلضَّمِيرِ اَلثّانِي إلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَعَلَّ اَلرِّوايَةَ عَنِ اَلْخَبَرِ غَيْرُ ثابِتَةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُرادُهُمُ اَلتَّنَصُّلَ عَمّا أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمُ: اَلْمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ بَناتُ اَللَّهِ سُبْحانَهُ ومِن عِبادَتِهِمْ إيّاهم كَأنَّهم قالُوا: ما قُلْنا بِدْعًا مِنَ اَلْقَوْلِ ولا فَعَلْنا مُنْكَرًا مِنَ اَلْفِعْلِ فَإنَّ اَلنَّصارى جَعَلُوا اَلْمَسِيحَ اِبْنَ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَنَحْنُ أشَفُّ مِنهم قَوْلًا وفِعْلًا حَيْثُ نَسَبْنا إلَيْهِ تَعالى اَلْمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ وهم نَسَبُوا إلَيْهِ اَلْأناسِيَّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾ إلَخْ عَلَيْهِ كَما في اَلْوَجْهِ اَلثّانِي

43:61Page 494

وَإِنَّهُۥ لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١

And indeed, he [i.e., Jesus] will be [a sign for] knowledge of the Hour, so be not in doubt of it, and follow Me.1 This is a straight path.

﴿وإنَّهُ﴾ أيْ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾ أيْ إنَّهُ بِنُزُولِهِ شَرْطٌ مِن أشْراطِها أوْ بِحُدُوثِهِ بِغَيْرِ أبٍ أوْ بِإحْيائِهِ اَلْمَوْتى دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ اَلْبَعْثِ اَلَّذِي هو مُعْظَمُ ما يُنْكِرُهُ اَلْكَفَرَةُ مِنَ اَلْأُمُورِ اَلْواقِعَةِ في اَلسّاعَةِ، وأيًّا ما كانَ فَعِلْمُ اَلسّاعَةِ مَجازٌ عَمّا تُعْلَمُ بِهِ والتَّعْبِيرُ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ (لَذِكْرٌ) وهو مَجازٌ كَذَلِكَ.

وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ. وأبُو هُرَيْرَةَ. وأبُو مالِكٍ اَلْغِفارِيُّ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وقَتادَةُ. ومُجاهِدٌ. والضَّحّاكُ. ومالِكُ بْنُ دِينارٍ. والأعْمَشُ. والكَلْبِيُّ قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ. وأبُو نُصْرَةَ (لَعَلَمٌ) بِفَتْحِ اَلْعَيْنِ واللّامِ أيْ لَعَلامَةٌ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ. قالَ اِبْنُ خالَوَيْهِ. وأبُو نُصْرَةَ ( لالعَلَمُ) مُعَرَّفًا بِفُتْحَتَيْنِ والحُصْرُ إضافِيٌّ، وقِيلَ: بِاعْتِبارِ أنَّهُ أعْظَمُ اَلْعَلاماتِ، وقَدْ نَطَقَتِ اَلْأخْبارُ بِنُزُولِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَقَدْ أخْرَجَ اَلْبُخارِيُّ. ومُسْلِمٌ. واَلتِّرْمِذِيُّ. وأبُو داوُدَ. وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «يَنْزِلَنَّ اِبْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَلَيَكْسِرَنَّ اَلصَّلِيبَ ولَيَقْتُلَنَّ اَلْخِنْزِيرَ ولَيَضَعَنَّ اَلْجِزْيَةَ ولَيَتْرُكَنَّ اَلْقِلاصَ فَلا يُسْقى عَلَيْها ولَيُذْهِبَنَّ اَلشَّحْناءَ والتَّباغُضَ والتَّحاسُدَ ولَيَدْعُوَنَّ إلى اَلْمالِ فَلا يَقْبَلُهُ أحَدٌ)، وفي رِوايَةٍ (وإنَّهُ نازِلٌ فَإذا رَأيْتُمُوهُ فاعْرِفُوهُ فَإنَّهُ رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إلى اَلْحُمْرَةِ والبَياضِ يَنْزِلُ بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ كَأنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وإنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ فَلَيُقاتِلُ اَلنّاسَ عَلى اَلْإسْلامِ) وفِيهِ (ويُهْلِكُ اَلْمَسِيحَ اَلدَّجّالَ) وفي أُخْرى قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَيْفَ أنْتُمْ إذا نَزَلَ اِبْنُ مَرْيَمَ فِيكم وإمامُكم مِنكُمْ) وفي رِوايَةٍ (فَأمَّكم مِنكُمْ) قالَ اِبْنُ أبِي ذِئْبٍ: تَدْرِي ما أمَّكم مِنكُمْ؟ قالَ: تُخْبِرُنِي قالَ: فَأمَّكم بِكِتابِ رَبِّكم عَزَّ وجَلَّ وسُنَّةِ نَبِيِّكم صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ،» والمَشْهُورُ نُزُولُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ بِدِمَشْقَ والنّاسُ في

صفحة 96

صَلاةِ اَلصُّبْحِ فَيَتَأخَّرُ اَلْإمامُ وهو اَلْمَهْدِيُّ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ويُصَلِّي خَلْفَهُ ويَقُولُ: إنَّما أُقِيمَتْ لَكَ.

وقِيلَ بَلْ يَتَقَدَّمُ هو ويَؤُمُّ اَلنّاسَ والأكْثَرُونَ عَلى اِقْتِدائِهِ بِالمَهْدِيِّ في تِلْكَ اَلصَّلاةِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ نُزُولِهِ ناسِخًا وأمّا في غَيْرِها فَيَؤُمُّ هو اَلنّاسَ لِأنَّهُ اَلْأفْضَلُ والشِّيعَةُ تَأْبى ذَلِكَ.

وفِي بَعْضِ اَلرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ يُقالُ لَها أفِيقُ بِفاءٍ وقافٍ بِوَزْنِ أمِيرٍ وهي هُنا مَكانٌ بِالقُدْسِ اَلشَّرِيفِ نَفْسِهِ ويَمْكُثُ في اَلْأرْضِ عَلى ما جاءَ في رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أرْبَعِينَ سَنَةً وفي رِوايَةٍ سَبْعَ سِنِينَ قِيلَ والأرْبَعُونَ إنَّما هي مُدَّةُ مُكْثِهِ قَبْلَ اَلرَّفْعِ وبَعْدَهُ ثُمَّ يَمُوتُ ويُدْفَنُ في اَلْحُجْرَةِ اَلشَّرِيفَةِ اَلنَّبَوِيَّةِ، وتَمامُ اَلْكَلامِ في اَلْبُحُورِ اَلزّاخِرَةِ لِلسَّفارِينِيِّ، وعَنِ اَلْحَسَنِ. وقَتادَةَ. وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ ضَمِيرَ ﴿إنَّهُ﴾ لِلْقُرْآنِ لِما أنَّ فِيهِ اَلْإعْلامَ بِالسّاعَةِ فَجَعَلَهُ عَيْنَ اَلْعِلْمِ مُبالَغَةً أيْضًا، وضُعِّفَ بِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْقُرْآنِ ذِكْرٌ هُنا مَعَ عَدَمِ مُناسِبَةِ ذَلِكَ لِلسِّياقِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: «(بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ)» وفِيهِ مِنَ اَلْبُعْدِ ما فِيهِ.

وكَأنَّ هَؤُلاءِ يَجْعَلُونَ ضَمِيرَ ﴿أمْ هُوَ﴾ وضَمِيرَ ﴿إنْ هُوَ﴾ لَهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْضًا وهو كَما تَرى ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ فَلا تَشُكُّنَّ في وُقُوعِها ﴿واتَّبِعُونِ﴾ أيْ واتَّبِعُوا هُدايَ أوْ شَرْعِي أوْ رَسُولِي، وقِيلَ: هو قَوْلُ اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَأْمُورًا مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو بِتَقْدِيرِ اَلْقَوْلِ أيْ وقُلِ اِتَّبِعُونِي ﴿هَذا﴾ أيِ اَلَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ أوِ اَلْقُرْآنُ عَلى أنَّ اَلضَّمِيرَ في (إنَّهُ) لَهُ ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ مُوصِلٌ إلى اَلْحَقِّ

43:62Page 494

وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٢

And never let Satan avert you. Indeed, he is to you a clear enemy.

﴿ولا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ عَنِ اِتِّباعِي ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ بَيِّنُ اَلْعَداوَةِ أوْ مُظْهِرُها حَيْثُ أخْرَجَ أباكم مِنَ اَلْجَنَّةِ وعَرَّضَكم لِلْبَلِيَّةِ

43:63Page 494

وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالَ قَدۡ جِئۡتُكُم بِٱلۡحِكۡمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي تَخۡتَلِفُونَ فِيهِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٦٣

And when Jesus brought clear proofs, he said, "I have come to you with wisdom [i.e., prophethood] and to make clear to you some of that over which you differ, so fear Allāh and obey me.

﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ﴾ بِالأُمُورِ اَلْواضِحاتِ وهي اَلْمُعْجِزاتُ أوْ آياتُ اَلْإنْجِيلِ أوِ اَلشَّرائِعُ ولا مانِعَ مِن إرادَةِ اَلْجَمِيعِ ﴿قالَ﴾ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ أيِ اَلْإنْجِيلِ كَما قالَ اَلْقُشَيْرِيُّ. والماوَرْدِيُّ، وقالَ اَلسُّدِّيُّ: بِالنُّبُوَّةِ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ هي قَضايا يَحْكُمُ بِها اَلْعَقْلُ، وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ بِما تَقْتَضِيهِ اَلْحِكْمَةُ اَلْإلَهِيَّةُ مِنَ اَلشَّرائِعِ، وقالَ اَلضَّحّاكُ: أيْ بِالمَوْعِظَةِ ﴿ولأُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمُقَدَّرٍ أيْ وجِئْتُكم لِأُبَيِّنَ لَكُمْ، ولَمْ يَتْرُكِ اَلْعاطِفَ لِيَتَعَلَّقَ بِما قَبْلَهُ لِيُؤْذِنَ بِالِاهْتِمامِ بِالعِلَّةِ حَيْثُ جُعِلَتْ كَأنَّها كَلامٌ بِرَأْسِهِ. وفي اَلْإرْشادِ هو عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ اَلْمَجِيءُ بِالحِكْمَةِ كَأنَّهُ قِيلَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ لِأُعَلِّمَكم إيّاها ولِأُبَيِّنَ لَكم ﴿بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وهو أمْرُ اَلدِّياناتِ وما يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْلِيفِ دُونَ اَلْأُمُورِ اَلَّتِي لَمْ يَتَعَبَّدُوا بِمَعْرِفَتِها كَكَيْفِيَّةِ نَضْدِ اَلْأفْلاكِ وأسْبابِ اِخْتِلافِ تَشَكُّلاتِ اَلْقَمَرِ مَثَلًا فَإنَّ اَلْأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ لَمْ يُبْعَثُوا لِبَيانِ ما يُخْتَلَفُ فِيهِ مِن ذَلِكَ ومِثْلُها ما يَتَعَلَّقُ بِأمْرِ اَلدُّنْيا كَكَيْفِيَّةِ اَلزِّراعَةِ وما يُصْلِحُ اَلزَّرْعَ وما يُفْسِدُهُ مَثَلًا فَإنَّ اَلْأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ لَمْ يُبْعَثُوا لِبَيانِهِ أيْضًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قِصَّةِ تَأْبِيرِ اَلنَّخْلِ «(أنْتُمْ أعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْياكُمْ)» .

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهَذا اَلْبَعْضِ بَعْضُ أُمُورِ اَلدِّينِ اَلْمُكَلَّفِ بِها وأُرِيدَ بِالبَيانِ اَلْبَيانُ عَلى سَبِيلِ اَلتَّفْصِيلِ وهي لا يُمْكِنُ بَيانُ جَمِيعِها تَفْصِيلًا وبَعْضُها مُفَوَّضٌ لِلِاجْتِهادِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اَلْمُرادُ بَعْضُ اَلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ وقَدْ أحَلَّ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ لَهم لُحُومَ اَلْإبِلِ والشَّحْمَ مِن كُلِّ حَيَوانٍ وصَيْدَ اَلسَّمَكِ يَوْمَ اَلسَّبْتِ، وقالَ مُجاهِدٌ: بَعْضُ اَلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن تَبْدِيلِ اَلتَّوْراةِ، وقالَ قَتادَةُ: لِأُبَيِّنَ لَكُمُ اِخْتِلافَ اَلَّذِينَ تَحَزَّبُوا في أمْرِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ مِن

صفحة 97

مُخالَفَتِي ﴿وأطِيعُونِ﴾ فِيما أُبَلِّغُهُ عَنْهُ تَعالى

43:64Page 494

إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦٤

Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. This is a straight path."

﴿إنَّ اللَّهَ هو رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ بَيانٌ لِما أمَرَهم بِالطّاعَةِ فِيهِ وهو اِعْتِقادُ اَلتَّوْحِيدِ والتَّعَبُّدُ بِالشَّرائِعِ ﴿هَذا﴾ أيْ هَذا اَلتَّوْحِيدُ والتَّعَبُّدُ بِالشَّرائِعِ ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ لا يَضِلُّ سالِكُهُ، وهو إمّا مِن تَتِمَّةِ كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ أوِ اِسْتِئْنافٌ مِنَ اَللَّهِ تَعالى مُقَرِّرٌ لِمَقالَةِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ.

43:65Page 494

فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمٍ أَلِيمٍ ٦٥

But the denominations from among them differed [and separated], so woe to those who have wronged from the punishment of a painful Day.

﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ﴾ اَلْفِرَقُ اَلْمُتَحَزِّبَةُ ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ مِن بَيْنِ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ وخاطَبَهم بِما خاطَبَهم مِنَ اَلْيَهُودِ والنَّصارى وهم أُمَّةُ دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ اَلنَّصارى وهم أُمَّةُ إجابَتِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، وقَدِ اِخْتَلَفُوا فِرَقًا مَلْكانِيَّةً ونَسْطُورِيَّةً ويَعْقُوبِيَّةً ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مِنَ اَلْمُخْتَلِفِينَ وهُمُ اَلَّذِينَ لَمْ يَقُولُوا: إنَّهُ عَبْدُ اَللَّهِ ورَسُولُهُ ﴿مِن عَذابِ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ هو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ وألِيمٌ صِفَةُ عَذابٍ أوْ يَوْمٍ عَلى اَلْإسْنادِ اَلْمَجازِيِّ.

43:66Page 494

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٦٦

Are they waiting except for the Hour to come upon them suddenly while they perceive not?

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ اَلضَّمِيرُ لِقُرَيْشٍ، وأنْ تَأْتِيَهم بَدَلٌ مِنَ اَلسّاعَةِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، وجُوِّزَ جَعْلُ إلّا بِمَعْنى غَيْرِ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ ويَنْظُرُونَ بِمَعْنى يَنْتَظِرُونَ أيْ ما يَنْتَظِرُونَ شَيْئًا إلّا إتْيانَ اَلسّاعَةِ فَجْأةً وهم غافِلُونَ عَنْها، وفي ذَلِكَ تَهَكُّمٌ بِهِمْ حَيْثُ جُعِلَ إتْيانُ اَلسّاعَةِ كالمُنْتَظَرِ اَلَّذِي لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ.

ولَمّا جازَ اِجْتِماعُ اَلْفَجْأةِ والشُّعُورِ وجَبَ أنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ لِعَدَمِ إغْناءِ اَلْأوَّلِ عَنْهُ فَلا اِسْتِدْراكَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِلا يَشْعُرُونَ اَلْإثْباتُ لِأنَّ اَلْكَلامَ وارِدٌ عَلى اَلْإنْكارِ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ يَزْعُمُونَ أنَّها تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ أيْ لا يَكُونُ ذَلِكَ بَلْ تَأْتِيهِمْ وهم فَطِنُونَ، وفِيهِ ما فِيهِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ لِلَّذِينِ ظُلِمُوا، وقِيلَ: لِلنّاسِ مُطْلَقًا وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تَقُومُ اَلسّاعَةُ والرَّجُلانِ يَحْلِبانِ اَلنَّعْجَةَ والرَّجُلانِ يَطْوِيانِ اَلثَّوْبَ ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾»

43:67Page 494

ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ ٦٧

Close friends, that Day, will be enemies to each other, except for the righteous

﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ اَلظَّرْفُ مُتَعَلِّقٍ بِعَدُوٍّ والفَصْلُ لا يَضُرُّهُ، والمُرادُ أنَّ اَلْمَحَبّاتِ تَنْقَطِعُ يَوْمَ إذْ تَأْتِيَهِمُ اَلسّاعَةُ ولا يَبْقى إلّا مَحَبَّةُ اَلْمُتَّقِينَ وهُمُ اَلْمُتَصادِقُونَ في اَللَّهِ عَزَّ وجِلٍ لِما أنَّهم يَرَوْنَ ثَوابَ اَلتَّحابِّ في اَللَّهِ تَعالى، واعْتِبارُ اَلِانْقِطاعِ لِأنَّ اَلْخِلَّ حالَ كَوْنِهِ خِلًّا مُحالٌ أنْ يَصِيرَ عَدُوًّا.

وقِيلَ: اَلْمَعْنى اَلْأخِلّاءُ تَنْقَطِعُ خِلَّتُهم ذَلِكَ اَلْيَوْمَ إلّا اَلْمُجْتَنِبِينَ أخِلّاءَ اَلسُّوءِ، والفَرْقُ بَيْنَ اَلْوَجْهَيْنِ أنَّ اَلْمُتَّقِيَ في اَلْأوَّلِ هو اَلْمُحِبُّ لِصاحِبِهِ في اَللَّهِ تَعالى فاتَّقى اَلْحُبَّ أنْ يَشُوبَهُ غَرَضٌ غَيْرُ إلَهِيٍّ، وفي اَلثّانِي هو مَنِ اِتَّقى صُحْبَةَ اَلْأشْرارِ.

والِاسْتِثْناءُ فِيهِما مُتَّصِلٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ يَوْمَئِذٍ مُتَعَلِّقًا بِالأخِلّاءِ والمُرادُ بِهِ في اَلدُّنْيا ومُتَعَلِّقُ عَدُوٍّ مُقَدَّرٌ أيْ في اَلْآخِرَةِ والآيَةُ قِيلَ نَزَلَتْ في أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ وعَقَبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ

43:68Page 494

يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٦٨

[To whom Allāh will say], "O My servants, no fear will there be concerning you this Day, nor will you grieve,

﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ حِكايَةً لِما يُنادى بِهِ اَلْمُتَّقُونَ اَلْمُتَحابُّونَ في اَللَّهِ تَعالى يَوْمَئِذٍ فَهو بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ أيْ فَيُقالُ لَهم يا عِبادِي إلَخْ أوْ فَأقُولُ: لَهم بِناءً عَلى أنَّ اَلْمُنادِيَ هو اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ تَشْرِيفًا لَهُمْ، وعَنِ اَلْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ أنَّ اَلنّاسَ حِينَ يُبْعَثُونَ لَيْسَ مِنهم أحَدٌ إلّا يَفْزَعُ فَيُنادِي مُنادٍ يا عِبادِ إلَخْ فَيَرْجُوها اَلنّاسُ كُلُّهم فَيَتْبَعُها

43:69Page 494

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ مُسۡلِمِينَ ٦٩

[You] who believed in Our verses and were Muslims.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فَيَيْأسُ مِنها اَلْكُفّارُ، فَيا عِبادِ عامٌّ مَخْصُوصٌ إمّا بِالآيَةِ اَلسّابِقَةِ وإمّا بِاللّاحِقَةِ، والأوَّلُ أوْفَقُ مِن أوْجُهٍ عَدِيدَةٍ.

والمَوْصُولُ إمّا صِفَةٌ لِلْمُنادى أوْ بَدَلٌ أوْ مَفْعُولٌ لِمُقَدَّرٍ أيْ أمْدَحُ ونَحْوَهُ، وجُمْلَةُ ﴿وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿آمَنُوا﴾ بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ، وجُوِّزَ عَطْفُها عَلى اَلصِّلَةِ، ورُجِّحَتِ اَلْحالِيَّةُ بِأنَّ اَلْكَلامَ عَلَيْها أبْلَغُ لِأنَّ اَلْمُرادَ بِالإسْلامِ

صفحة 98

هُنا اَلِانْقِيادُ والإخْلاصُ لِيُفِيدَ ذِكْرُهُ بَعْدَ اَلْإيمانِ فَإذا جُعِلَ حالًا أفادَ بَعْدَ تَلَبُّسِهِمْ بِهِ في اَلْماضِي اِتِّصالَهُ بِزَمانِ اَلْإيمانِ، وكانَ تَدُلُّ عَلى اَلِاسْتِمْرارِ أيْضًا ومِن هُنا جاءَ اَلتَّأْكِيدُ والأبْلَغِيَّةُ بِخِلافِ اَلْعَطْفِ، وكَذا اَلْحالُ اَلْمُفْرَدَةُ بِأنْ يُقالَ: اَلَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا مُخْلِصِينَ، وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلسَّبْعَةِ (يا عِبادِيَ) بِالياءِ عَلى اَلْأصْلِ، والحَذْفُ كَثِيرٌ شائِعٌ وبِهِ قَرَأ حَفْصٌ. وحَمْزَةُ. والكِسائِيُّ، وقَرَأ اِبْنُ مُحَيْصِنٍ (لا خَوْفُ) بِالرَّفْعِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، والحَسْنُ. والزُّهْرِيُّ. وابْنُ أبِي إسْحاقَ. وعِيسى. وابْنُ يَعْمُرَ. ويَعْقُوبُ. بِفَتْحِها مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ

43:70Page 494

ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ ٧٠

Enter Paradise, you and your kinds,1 delighted."

﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ﴾ نِساؤُكُمُ اَلْمُؤْمِناتُ فالإضافَةُ لِلِاخْتِصاصِ اَلتّامِّ فَيَخْرُجُ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنهُنَّ ﴿تُحْبَرُونَ﴾ تُسَرُّونَ سُرُورًا يَظْهَرُ حِبارُهُ أيْ أثَرُهُ مِنَ اَلنَّضْرَةِ والحُسْنِ عَلى وُجُوهِكم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أوْ تُزَيَّنُونَ مِنَ اَلْحَبْرِ بِفَتْحِ اَلْحاءِ وكَسْرِها وهو اَلزِّينَةُ وحُسْنُ اَلْهَيْئَةِ وهَذا مُتَحَدٌّ بِما قَبْلَهُ مَعْنًى والفَرْقُ في اَلْمُشْتَقِّ مِنهُ، وقالَ اَلزَّجّاجُ: أيْ تُكْرَمُونَ إكْرامًا يُبالَغُ فِيهِ، والحَبْرَةُ بِالفَتْحِ اَلْمُبالَغَةُ في اَلْفِعْلِ اَلْمَوْصُوفِ بِأنَّهُ جَمِيلٌ ومِنهُ اَلْإكْرامُ فَهو في اَلْأصْلِ عامٌّ أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ أفْرادِهِ هُنا

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском