Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Az-Zukhruf 43:71–79
43:71Page 494
يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٧١
Circulated among them will be plates and vessels of gold. And therein is whatever the souls desire and [what] delights the eyes, and you will abide therein eternally.
﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ بَعْدَ دُخُولِهِمُ اَلْجَنَّةَ حَيْثُما أمَرُوا بِهِ ﴿بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾ كَذَلِكَ، والصِّحافُ جَمْعُ صَحْفَةٍ قِيلَ هي كالقَصْعَةِ، وقِيلَ: أعْظَمُ أوانِي اَلْأكْلِ اَلْجَفْنَةُ ثُمَّ اَلْقَصْعَةُ ثُمَّ اَلصَّحْفَةُ ثُمَّ اَلْكَيْلَةُ.
والأكْوابُ جَمْعُ كُوبٍ وهو كُوزٌ لا عُرْوَةَ لَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ لا أُذُنَ لَهُ، وهو عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ دُونَ اَلْإبْرِيقِ، وقالَ: بَلَغَنا أنَّهُ مُدَوَّرُ اَلرَّأْسِ ولَمّا كانَتْ أوانِي اَلْمَأْكُولِ أكْثَرَ بِالنِّسْبَةِ لِأوانِي اَلْمَشْرُوبِ عادَةً جَمْعَ اَلْأوَّلَ جَمْعَ كَثْرَةٍ والثّانِيَ جَمْعَ قِلَّةٍ، وقَدْ تَظافَرَتِ اَلْأخْبارُ بِكَثْرَةِ اَلصِّحافِ، أخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُبارَكِ. وابْنُ أبِي اَلدُّنْيا في صِفَةِ اَلْجَنَّةِ. والطَّبَرانِيُّ في اَلْأوْسَطِ بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ أسْفَلَ أهْلِ اَلْجَنَّةِ أجْمَعِينَ دَرَجَةً لِمَن يَقُومُ عَلى رَأْسِهِ عَشَرَةُ آلافِ خادِمٍ بِيَدِ كُلِّ واحِدٍ صَحْفَتانِ واحِدَةٌ مِن ذَهَبٍ والأُخْرى مِن فِضَّةٍ في كُلِّ واحِدَةٍ لَوْنٌ لَيْسَ في اَلْأُخْرى مِثْلُهُ يَأْكُلُ مِن آخِرِها مِثْلَ ما يَأْكُلُ مِن أوَّلِها يَجِدُ لِآخِرِها مِنَ اَلطِّيبِ واللَّذَّةِ مِثْلَ اَلَّذِي يَجِدُ لِأوَّلِها ثُمَّ يَكُونُ ذَلِكَ كَرَشْحِ اَلْمِسْكِ اَلْأذْفَرِ لا يَبُولُونَ ولا يَتَغَوَّطُونَ ولا يَمْتَخِطُونَ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ)» وفي حَدِيثٍ رَواهُ عِكْرِمَةُ «(إنَّ أدْنى أهْلِ اَلْجَنَّةِ مَنزِلَةً وأسْفَلَهم دَرَجَةً لَرَجُلٌ لا يَدْخُلُ بَعْدَهُ أحَدٌ يُفْسَحُ لَهُ في بَصَرِهِ مَسِيرَةُ عامٍ في قُصُورٍ مِن ذَهَبٍ وخِيامٍ مِن لُؤْلُؤٍ لَيْسَ فِيها مَوْضِعَ شِبْرٍ إلّا مَعْمُورٌ يُغْدى عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ ويُراحُ بِسَبْعِينَ ألِفَ صَحْفَةٍ في كُلِّ صَحْفَةٍ لَوْنٌ لَيْسَ في اَلْأُخْرى مِثْلُهُ شَهْوَتُهُ في آخِرِها كَشَهْوَتِهِ في أوَّلِها لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ جَمِيعُ أهْلِ اَلْأرْضِ لَوَسِعَ عَلَيْهِمْ مِمّا أُعْطِي لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِمّا أُوتِيَ شَيْئًا)» ورَوى اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ هَذا اَلْعَدَدَ عَنْ كَعْبٍ أيْضًا، وإذا كانَ ذَلِكَ لِلْأدْنى فَما ظَنُّكَ بِالأعْلى، رَزَقَنا اَللَّهُ تَعالى ما يَلِيقُ بِجُودِهِ وكَرَمِهِ.
وأمالَ أبُو اَلْحَرْثِ عَنِ اَلْكِسائِيِّ كَما ذَكَرَ اِبْنُ خالَوَيْهِ بِصِحافٍ ﴿وفِيها﴾ أيْ في اَلْجَنَّةِ ﴿ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ مِن فُنُونِ اَلْمَلاذِّ ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ أيْ تَسْتَلِذُّ وتَقَرُّ بِمُشاهَدَتِهِ، وذِكْرُ ذَلِكَ اَلشّامِلِ لِكُلِّ لَذَّةٍ ونَعِيمٍ بَعْدَ ذِكْرِ اَلطَّوافِ عَلَيْهِمْ بِأوانِي اَلذَّهَبِ اَلَّذِي هو بَعْضٌ مِنَ اَلتَّنَعُّمِ والتَّرَفُّهِ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ كَما أنَّ ذِكْرَ لَذَّةِ اَلْعَيْنِ اَلَّتِي هي جاسُوسُ اَلنَّفْسِ بَعْدَ اِشْتِهاءِ اَلنَّفْسِ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، وقالَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ بِصِحافٍ دَلَّ عَلى اَلْأطْعِمَةِ ﴿وأكْوابٍ﴾ عَلى اَلْأشْرِبَةِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ عَلى اَلْمَنكَحِ والمَلْبَسِ وما يَتَّصِلُ بِهِما لِيَتَكامَلَ جَمِيعُ اَلْمُشْتَهَياتِ اَلنَّفْسانِيَّةِ فَبَقِيَتِ اَللَّذَّةُ اَلْكُبْرى وهي اَلنَّظَرُ إلى وجْهِ اَللَّهِ تَعالى اَلْكَرِيمِ
صفحة 99
فَكُنِّيَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ ولِهَذا قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما رَواهُ اَلنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ: «(حُبِّبَ إلَيَّ اَلطِّيبُ والنِّساءُ وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في اَلصَّلاةِ)» وقالَ قَيْسُ بْنُ مُلَوَّحٍ:
ولَقَدْ هَمَمْتُ بِقَتْلِها مِن حُبِّها كَيْما تَكُونَ خَصِيمَتِي في اَلْمَحْشَرِ
حَتّى يَطُولَ عَلى اَلصِّراطِ وُقُوفُنا ∗∗∗ وتَلَذُّ عَيْنِي مِن لَذِيذِ اَلْمَنظَرِ
ويُوافِقُ هَذا قَوْلُ اَلْإمامِ جَعْفَرٍ اَلصّادِقِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ: شَتّانَ بَيْنَ ما تَشْتَهِي اَلْأنْفُسُ وبَيْنَ ما تَلَذُّ اَلْأعْيُنُ لِأنَّ جَمِيعَ ما في اَلْجَنَّةِ مِنَ اَلنَّعِيمِ والشَّهَواتِ في جَنْبِ ما تَلَذُّ اَلْأعْيُنُ كَأُصْبُعٍ تُغْمَسُ في اَلْبَحْرِ لِأنَّ شَهَواتِ اَلْجَنَّةِ لَها حَدٌّ ونِهايَةٌ لِأنَّها مَخْلُوقَةٌ ولا تَلَذُّ عَيْنٌ في اَلدّارِ اَلْباقِيَةِ إلّا بِالنَّظَرِ إلى اَلْباقِي جَلَّ وعَزَّ ولا حَدَّ لِذَلِكَ ولا صِفَةَ ولا نِهايَةَ اِنْتَهى، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ اَلْمَعْنى عَلى اِعْتِبارِ وفِيها ما تَلَذُّ اَلْأعْيُنُ وعَلى ذَلِكَ بَنى اَلزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: هَذا حَصْرٌ لِأنْواعِ اَلنِّعَمِ لِأنَّها إمّا مُشْتَهاةٌ في اَلْقُلُوبِ أوْ مُسْتَلَذَّةٌ في اَلْأعْيُنِ، وتَعَقَّبَهُ في اَلْكَشْفِ فَقالَ: فِيهِ نَظَرٌ لِانْتِقاضِهِ بِمُسْتَلَذّاتِ سائِرِ اَلْمَشاعِرِ اَلْخَمْسِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّها مِنَ اَلْقِسْمِ اَلْأوَّلِ قُلْنا: مُسْتَلَذُّ اَلْعَيْنِ كَذَلِكَ فالوَجْهُ أنَّهُ ذُكِرَ تَعْظِيمًا لِنَعِيمِها بِأنَّهُ مِمّا يَتَوافَقُ فِيهِ اَلْقَلْبُ والعَيْنُ وهو اَلْغايَةُ عِنْدَهم في اَلْمَحْبُوبِ لِأنَّ اَلْعَيْنَ مُقَدِّمَةُ اَلْقَلْبِ وهَذا قَوْلٌ بِأنَّهُ لَيْسَ في اَلْجُمْلَةِ اَلثّانِيَةِ اِعْتِبارُ مَوْصُولٍ آخَرَ بَلْ هي والجُمْلَةُ قَبْلَها صِلَتانِ لِمَوْصُولٍ واحِدٍ وهو اَلْمَذْكُورُ، وما تَقَدَّمَ هو اَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ اَلْأكْثَرِينَ، وحَذْفُ اَلْمَوْصُولِ في مِثْلِ ذَلِكَ شائِعٌ، ولا مانِعَ مِن إدْخالِ اَلنَّظَرِ إلى وجْهِهِ تَعالى اَلْكَرِيمِ فِيما تَلَذُّ اَلْأعْيُنُ عَلى ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا، و(ألْ) في اَلْأنْفُسِ والأعْيُنِ لِلِاسْتِغْراقِ عَلى ما قِيلَ، ولا فَرْقَ بَيْنَ جَمْعِ اَلْقِلَّةِ والكَثْرَةِ.
ولَعَلَّ مَن يَقُولُ: بِأنَّ اِسْتِغْراقَ اَلْمُفْرَدِ أشْمَلُ مِنَ اِسْتِغْراقِ اَلْجَمْعِ ويَفْرِقُ بَيْنَ اَلْجَمْعَيْنِ في اَلْمَبْدَأِ والمُنْتَهى يَقُولُ: بِأنَّ اِسْتِغْراقَ جَمْعِ اَلْقِلَّةِ أشْمَلُ مِنَ اِسْتِغْراقِ جَمْعِ اَلْكَثْرَةِ، وقِيلَ: هي لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: عِوَضٌ عَنِ اَلْمُضافِ إلَيْهِ أيْ ما تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهم وتَلَذُّ أعْيُنُهُمْ، وجَمْعُ اَلنَّفْسِ والعَيْنِ اَلْباصِرَةِ عَلى أفْعُلٍ في كَلامِهِمْ أكْثَرُ مِن جَمْعِهِما عَلى غَيْرِهِ بَلْ لَيْسَ في اَلْقُرْآنِ اَلْكَرِيمِ جَمْعُ اَلْباصِرَةِ إلّا عَلى ذَلِكَ، وما أنْسَبَ هَذا اَلْجَمْعَ هُنا لِمَكانِ ﴿الأخِلاءُ﴾ وحَمْلُ ما تَشْتَهِيهِ اَلنَّفْسُ عَلى اَلْمَنكَحِ والمَلْبَسِ وما يَتَّصِلُ بِهِما خِلافُ اَلظّاهِرِ.
وفِي اَلْأخْبارِ أيْضًا ما هو ظاهِرٌ في اَلْعُمُومِ، أخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ. واَلتِّرْمِذِيُّ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «(جاءَ رَجُلٌ إلى اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: هَلْ في اَلْجَنَّةِ خَيْلٌ فَإنَّها تُعْجِبُنِي؟ قالَ: إنْ أحْبَبْتَ ذَلِكَ أُتِيتَ بِفَرَسٍ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ فَتَطِيرَ بِكَ في اَلْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: إنَّ اَلْإبِلَ تُعْجِبُنِي فَهَلْ في اَلْجَنَّةِ مِن إبِلٍ؟ فَقالَ: يا عَبْدَ اَللَّهِ إنْ أُدْخِلْتَ اَلْجَنَّةَ فَلَكَ فِيها ما تَشْتَهِي نَفْسُكَ ولَذَّتْ عَيْنُكَ)» .
وأُخْرِجَ أيْضًا نَحْوُهُ عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ وقالَ: هو أصَحُّ مِنَ اَلْأوَّلِ، وجاءَ نَحْوُهُ أيْضًا في رِواياتٍ أُخَرَ فَلا يَضُرُّهُ ما قِيلَ مِن ضَعْفِ إسْنادِهِ، ولا يُشْكِلُ عَلى اَلْعُمُومِ أنَّ اَللُّواطَةَ مَثَلًا لا تَكُونُ في اَلْجَنَّةِ لِأنَّ ما لا يَلِيقُ أنْ يَكُونَ فِيها لا يُشْتَهى بَلْ قِيلَ في خُصُوصِ اَللُّواطَةِ أنَّهُ لا يَشْتَهِيها في اَلدُّنْيا اَلْأنْفُسُ اَلسَّلِيمَةُ.
واخْتَلَفَ اَلنّاسُ هَلْ يَكُونُ في اَلْجَنَّةِ حَمْلٌ أمْ لا فَذَهَبَ بَعْضٌ إلى اَلْأوَّلِ، فَقَدْ أخْرَجَ اَلْإمامُ أحْمَدُ. وهَنّادٌ. والدّارِمِيُّ. وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ ماجَهْ. وابْنُ حِبّانَ. واَلتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ. والبَيْهَقِيُّ في اَلْبَعْثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ قالَ: «(قُلْنا يا رَسُولَ اَللَّهِ إنَّ اَلْوَلَدَ مِن قُرَّةِ اَلْعَيْنِ وتَمامِ اَلسُّرُورِ فَهَلْ يُولَدُ لِأهْلِ اَلْجَنَّةِ؟ فَقالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ اَلْمُؤْمِنَ إذا اِشْتَهى اَلْوَلَدُ في اَلْجَنَّةِ كانَ حَمْلُهُ ووَضْعُهُ وسِنُّهُ في ساعَةٍ كَما يَشْتَهِي)».
صفحة 100
وذَهَبِ طاوُسٌ. وإبْراهِيمُ اَلنَّخْعِيُّ. ومُجاهِدٌ. وعَطاءٌ. وإسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ إلى اَلثّانِي. فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي رَزِينٍ اَلْعَقِيلِيِّ عَنِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(إنَّ أهْلَ اَلْجَنَّةِ لا يَكُونُ لَهم ولَدٌ)» وفي حَدِيثِ لَقِيطٍ اَلطَّوِيلِ اَلَّذِي رَواهُ عَبْدُ اَللَّهِ اِبْنُ اَلْإمامِ أحْمَدَ. وأبُو بَكْرِ بْنُ عَمْرٍو. وأبُو أحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ إبْراهِيمَ. والطَّبَرانِيُّ. وابْنُ حِبّانَ. ومُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ اِبْنِ مَندَهْ. وابْنُ مَرْدُوَيْهِ. وأبُو نُعَيْمٍ. وجَماعَةٌ مِنَ اَلْحُفّاظِ وتَلَقّاهُ اَلْأئِمَّةُ بِالقَبُولِ وقالَ فِيهِ اِبْنُ مَندَهْ: لا يُنْكِرُ هَذا اَلْحَدِيثَ إلّا جاحِدٌ أوْ جاهِلٌ أوْ مُخالِفٌ لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ قُلْتُ: «(يا رَسُولَ اَللَّهِ أوَلَنا فِيها- يَعْنِي اَلْجَنَّةَ- أزْواجٌ أوَمِنهُنَّ مُصْلِحاتٌ؟ قالَ: اَلْمُصْلِحاتُ لِلْمُصْلِحِينَ تَلْذَذُونَهُنَّ ويَلْذُذْنَكم مِثْلَ لَذّاتِكم في اَلدُّنْيا غَيْرَ أنْ لا تَوالُدَ)» .
وقالَ مُجاهِدٌ. وعَطاءٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أيْ مُطَهَّرَةٌ مِنَ اَلْوَلَدِ والحَيْضِ والغائِطِ والبَوْلِ ونَحْوِها، وقالَ إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ اَلسّابِقِ: إنَّهُ عَلى مَعْنى إذا اِشْتَهى اَلْمُؤْمِنُ اَلْوَلَدَ في اَلْجَنَّةِ كانَ حَمْلُهُ ووَضْعُهُ وسِنُّهُ في ساعَةٍ كَما يَشْتَهِي ولَكِنْ لا يَشْتَهِي، وتُعُقِّبَ بِأنَّ (إذا) لِمُتَحَقِّقِ اَلْوُقُوعِ ولَوْ أُرِيدَ ما ذُكِرَ لَقِيلَ: لَوِ اِشْتَهى، وفي حادِي اَلْأرْواحِ إسْنادُ حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ عَلى شَرْطِ اَلصَّحِيحِ فَرِجالُهُ يُحْتَجُّ بِهِمْ فِيهِ ولَكِنَّهُ غَرِيبٌ جِدًّا.
وقالَ اَلسَّفارِينِيُّ في اَلْبُحُورِ اَلزّاخِرَةِ: حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ أجْوَدُ أسانِيدِهِ إسْنادُ اَلتِّرْمِذِيِّ وقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالغَرابَةِ وأنَّهُ لا يُعْرَفُ إلّا مِن حَدِيثِ أبِي اَلصَّدِيقِ اَلتّاجِيِّ وقَدِ اِضْطَرَبَ لَفْظُهُ فَتارَةً يُرْوى عَنْهُ إذا اِشْتَهى اَلْوَلَدَ وتارَةً أنَّهُ يَشْتَهِي اَلْوَلَدَ وتارَةً أنَّ اَلرَّجُلَ لَيُولَدُ لَهُ، وإذا قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ اَلتَّعْلِيقِ اَلْأعَمِّ مِنَ اَلْمُحَقَّقِ وغَيْرِهِ، ورُجِّحَ اَلْقَوْلُ بِعَدَمِ اَلْوِلادَةِ بِعَشَرَةِ وُجُوهٍ مَذْكُورَةٍ فِيها، وأنا أخْتارُ اَلْقَوْلَ بِالوِلادَةِ كَما نَطَقَ بِها حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ وقَدْ قالَ فِيهِ اَلْأُسْتاذُ أبُو سَهْلٍ فِيما نَقَلَهُ اَلْحاكِمُ: إنَّهُ لا يُنْكِرُهُ إلّا أهْلُ اَلزَّيْغِ، وفِيهِ غَيْرُ إسْنادٍ، ولَيْسَ تَكَوُّنُ اَلْوَلَدِ عَلى اَلْوَجْهِ اَلْمَعْهُودِ في اَلدُّنْيا بَلْ يُكَوَّنُ كَما نَطَقَ بِهِ اَلْحَدِيثُ ومَتى كانَ كَذَلِكَ فَلا يُسْتَبْعَدُ تَكَوُّنُهُ مِن نَسِيمٍ يَخْرُجُ وقْتَ اَلْجِماعِ، وزُعِمَ أنَّ اَلْوَلَدَ إنَّما يُخْلَقُ مِنَ اَلْمَنِيِّ فَحَيْثُ لا مَنِيَّ في اَلْجَنَّةِ كَما جاءَ في اَلْأخْبارِ لا خَلْقَ فِيهِ تَعْجِيزٌ لِلْقُدْرَةِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ ما في حَدِيثِ لَقِيطٍ لِأنَّ اَلْمُرادَ هُناكَ نَفْيُ اَلتَّوالُدِ اَلْمَعْهُودِ في اَلدُّنْيا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ وُقُوعُ غَيْرَ أنْ لا تَوالُدَ بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: مِثْلَ لَذّاتِكم في اَلدُّنْيا، ويُقالُ نَحْوُ ذَلِكَ في حَدِيثِ أبِي رَزِينٍ جَمْعًا بَيْنَ اَلْأخْبارِ، ثُمَّ إنَّ اَلتَّوالُدَ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ اَلِاسْتِمْرارِ بَلْ هو تابِعٌ لِلِاشْتِهاءِ ولا يَلْزَمُ اِسْتِمْرارُهُ فالقَوْلُ بِأنَّهُ إنِ اِسْتَمَرَّ لَزِمَ وُجُودُ أشْخاصٍ لا نِهايَةَ لَها وإنِ اِنْقَطَعَ لَزِمَ اِنْقِطاعُ نَوْعٍ مِن لَذَّةِ أهْلِ اَلْجَنَّةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وما قِيلَ: إنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في اَلصَّحِيحِ أنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(يَبْقى في اَلْجَنَّةِ فَضْلٌ فَيُنْشِئُ اَللَّهُ تَعالى لَها خَلْقًا يُسْكِنُهم إيّاها)» ولَوْ كانَ في اَلْجَنَّةِ إيلادٌ لَكانَ اَلْفَضْلُ لِأوْلادِهِمُ اَلْمُلازِمَةِ فِيهِ مَمْنُوعَةً لِجَوازِ أنْ يُقالَ مَن يَشْتَهِي اَلْوَلَدَ يَشْتَهِي أنْ يَكُونَ مَعَهُ في مَنزِلِهِ، والقَوْلُ بِأنَّ اَلتَّوالُدَ في اَلدُّنْيا لِحِكْمَةِ بَقاءِ اَلنَّوْعِ وهو باقٍ في اَلْجَنَّةِ بِدُونِ تَوالُدٍ فَيَكُونُ عَبَثًا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ ما اَلْمانِعُ مِن أنْ يَكُونَ هُناكَ لِلَّذَّةِ ونَحْوِها كالأكْلِ والشُّرْبِ فَإنَّهُما في اَلدُّنْيا لِشَيْءٍ وفي اَلْجَنَّةِ لِشَيْءٍ آخَرَ، وبِالجُمْلَةِ ما ذُكِرَ لِتَرْجِيحِ عَدَمِ اَلْوِلادَةِ مِنَ اَلْوُجُوهِ مِمّا لا يَخْفى حالُهُ عَلى مَن لَهُ ذِهْنٌ وجِيهٌ.
وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلسَّبْعَةِ وغَيْرِهِمْ (ما تَشْتَهِي اَلْأنْفُسُ وتَلَذُّ اَلْأعْيُنُ) بِحَذْفِ اَلضَّمِيرِ اَلْعائِدِ عَلى ما مِنَ اَلْجُمْلَتَيْنِ اَلْمُتَعاطِفَتَيْنِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اَللَّهِ (ما تَشْتَهِيهِ اَلْأنْفُسُ وتَلَذُّهُ اَلْأعْيُنُ) بِالضَّمِيرِ فِيهِما، والقِراءَةُ بِهِ في اَلْأوَّلِ دُونَ اَلثّانِيَةِ لِأبِي جَعْفَرٍ. وشَيْبَةَ. ونافِعٍ. وابْنِ عامِرٍ. وحَفْصٍ ﴿وأنْتُمْ فِيها﴾ أيْ في اَلْجَنَّةِ، وقِيلَ: في اَلْمَلاذِّ
صفحة 101
اَلْمَفْهُومَةِ مِمّا تَقَدَّمَ وهو كَما تَرى ﴿خالِدُونَ﴾ دائِمُونَ أبَدَ اَلْآبِدِينَ، والجُمْلَةُ داخِلَةٌ في حَيِّزِ اَلنِّداءِ وهي كالتَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ ونُودُوا بِذَلِكَ إتْمامًا لِلنِّعْمَةِ وإكْمالًا لِلسُّرُورِ فَإنَّ كُلَّ نَعِيمٍ زائِلٍ مُوجِبٌ لِكُلْفَةِ اَلْحِفْظِ وخَوْفِ اَلزَّوالِ ومُسْتَعْقِبٌ لِلتَّحَسُّرِ في ثانِي اَلْأحْوالِ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ اَلْقائِلِ:
وإذا نَظَرْتَ فَإنَّ بُؤْسًا زائِلًا ∗∗∗ لِلْمَرْءِ خَيْرٌ مِن نَعِيمٍ زائِلِ
وعَنِ اَلنَّصْرِآباذِيِّ أنَّهُ إنْ كانَ خُلُودُهم لِشَهْوَةِ اَلْأنْفُسِ ولَذَّةِ اَلْأعْيُنِ فالفَناءُ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ وإنْ كانَ لِفَناءِ اَلْأوْصافِ والِاتِّصافِ بِصِفاتِ اَلْحَقِّ والمَقامِ فِيها عَلى سُرُرِ اَلرِّضا والمُشاهَدَةِ فَأنْتُمْ إذًا أنْتُمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرَهُ يَدْخُلُ في عُمُومِ ما تَقَدَّمَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وذَكَرَ بَعْضُهم هُنا أنَّ اَلْخِطابَ هُنا مِن بابِ اَلِالتِفاتِ وأنَّهُ لِلتَّشْرِيفِ.
وقالَ اَلطَّيِّبِيُّ: ذُقْ مَعَ طَبْعِكَ اَلْمُسْتَقِيمِ مَعْنى اَلْخِطابِ والِالتِفاتِ وتَقْدِيمِ اَلظَّرْفِ في ﴿وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ لِتَقِفَ عَلى ما لا يَكْتَنِهُهُ اَلْوَصْفُ
43:72Page 494
وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧٢
And that is Paradise which you are made to inherit for what you used to do.
﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوها﴾ صِفَةُ اَلْجَنَّةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأُورِثْتُمُوها، وقِيلَ: (تِلْكَ اَلْجَنَّةُ) مُبْتَدَأٌ وصِفَةٌ و(اَلَّتِي أُورِثْتُمُوها) اَلْخَبَرُ والجارُّ بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وقِيلَ: تِلْكَ مُبْتَدَأٌ والجَنَّةُ صِفَتُها واَلَّتِي أُورِثْتُمُوها صِفَةُ اَلْجَنَّةِ وبِما كُنْتُمْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو اَلْخَبَرُ.
والإشارَةُ عَلى اَلْوَجْهِ اَلْأوَّلِ إلى اَلْجَنَّةِ اَلْمَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ وعَلى اَلْأخِيرَيْنِ إلى اَلْجَنَّةِ اَلْواقِعَةِ صِفَةً عَلى ما قِيلَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْمُقابَلَةِ، وقَدْ شَبَّهَ ما اِسْتَحَقُّوهُ بِأعْمالِهِمُ اَلْحَسَنَةِ مِنَ اَلْجَنَّةِ ونَعِيمِها اَلْباقِي لَهم بِما يَخْلُفُهُ اَلْمَرْءُ لِوارِثِهِ مِنَ اَلْأمْلاكِ والأرْزاقِ ويَلْزَمُهُ تَشْبِيهُ اَلْعَمَلِ نَفْسِهِ بِالمُوَرِّثِ اِسْمِ فاعِلٍ فاسْتُعِيرَ اَلْمِيراثُ لِما اِسْتَحَقُّوهُ ثُمَّ اُشْتُقَّ أُورِثْتُمُوها فَيَكُونُ هُناكَ اِسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وقالَ بَعْضٌ: اَلِاسْتِعارَةُ تَمْثِيلِيَّةٌ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَكْنِيَّةً، وقِيلَ: اَلْإرْثُ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِلنَّيْلِ والأخْذِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «(ما مِن أحَدٍ إلّا ولَهُ مَنزِلٌ في اَلْجَنَّةِ ومَنزِلٌ في اَلنّارِ فالكافِرُ يَرِثُ اَلْمُؤْمِنَ مَنزِلَهُ في اَلنّارِ والمُؤْمِنُ يَرِثُ اَلْكافِرَ مَنزِلَهُ في اَلْجَنَّةِ» وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ولا يَخْلُو اَلْكَلامُ عَنْ مَجازٍ عَلَيْهِ أيْضًا، وأيًّا ما كانَ فَسَبَبِيَّةُ اَلْعَمَلِ لِإيراثِ اَلْجَنَّةِ ونَيْلِها لَيْسَ إلّا بِفَضْلِ اَللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُمُ اَلْجَنَّةَ عَمَلُهُ)» فَفي إدْخالِ اَلْعَمَلِ اَلْجَنَّةَ عَلى سَبِيلِ اَلِاسْتِقْلالِ والسَّبَبِيَّةِ اَلتّامَّةِ فَلا تَعارُضَ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ. وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في اَلزُّهْدِ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: تَجُوزُونَ اَلصِّراطَ بِعَفْوِ اَللَّهِ تَعالى وتَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اَللَّهِ تَعالى وتَقْتَسِمُونَ اَلْمَنازِلَ بِأعْمالِكم فَتَأمَّلْ. وقُرِئَ (ورِثْتُمُوها)
43:73Page 494
لَكُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ كَثِيرَةٞ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٧٣
For you therein is much fruit1 from which you will eat.
﴿لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ بِحَسْبِ اَلْأنْواعِ والأصْنافِ لا بِحَسْبِ اَلْأفْرادِ فَقَطْ ﴿مِنها تَأْكُلُونَ﴾ أيْ لا تَأْكُلُونَ إلّا بَعْضَها وأعْقابُها باقِيَةٌ في أشْجارِها فَهي مُزَيَّنَةٌ بِالثِّمارِ أبَدًا مُوَقَّرَةٌ بِها لا تُرى شَجَرَةٌ عُرْيانَةً مِن ثَمَرِها كَما في اَلدُّنْيا، وفي اَلْحَدِيثِ «(لا يَنْزِعُ رَجُلٌ في اَلْجَنَّةِ مِن ثَمَرِها إلّا نَبَتَ مَكانَها مِثْلاها)» فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ وجُوِّزَ كَوْنُها اِبْتِدائِيَّةً، والتَّقْدِيمُ لِلْحَصْرِ اَلْإضافِيِّ وقِيلَ لِرِعايَةِ اَلْفاصِلَةِ.
ولَعَلَّ تَكْرِيرَ ذِكْرِ اَلْمَطاعِمِ في اَلْقُرْآنِ اَلْعَظِيمِ مَعَ أنَّها كَلا شَيْءَ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ أنْواعِ نَعِيمِ اَلْجَنَّةِ لَمّا كانَ بِأكْثَرِهِمْ في اَلدُّنْيا مِنَ اَلشِّدَّةِ والفاقَةِ فَهو تَسْلِيَةٌ لَهُمْ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِكَوْنِ أكْثَرِ اَلْمُخاطَبِينَ عَوامًّا نَظَرُهم مَقْصُورٌ عَلى اَلْأكْلِ والشُّرْبِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ تامٍّ ولِلصُّوفِيَّةِ كَلامٌ سَيَأْتِي في مَواضِعَ إنْ شاءَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ
43:74Page 495
إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ٧٤
Indeed, the criminals will be in the punishment of Hell, abiding eternally.
﴿إنَّ المُجْرِمِينَ﴾
صفحة 102
أيِ اَلرّاسِخِينَ في اَلْإجْرامِ اَلْكامِلِينَ فِيهِ وهُمُ اَلْكُفّارُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اَلْكُفّارَ ﴿فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ وأيَّدَ إرادَةَ ذَلِكَ بِجَعْلِهِمْ قَسِيمَ اَلْمُؤْمِنِينَ بِالآياتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا﴾ فَلا تَدُلُّ اَلْآيَةُ عَلى خُلُودِ عُصاةِ اَلْمُؤْمِنِينَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ اَلْمُعْتَزِلَةُ والخَوارِجُ، ولا يَضُرُّ عَدَمُ اَلتَّعَرُّضِ لِبَيانِ حُكْمِهِمْ بِناءً عَلى أنَّ اَلْمُرادَ بِاَلَّذِينِ آمَنُوا اَلْمُتَّقُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ والقَوْلُ بِأنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا شامِلٌ لَهم لِأنَّ اَلْعِلَّةَ إيمانُهم وإسْلامُهم لا يَخْفى ما فِيهِ. والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِخالِدُونَ وخالِدُونَ خَبَرُ إنَّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلظَّرْفُ هو اَلْخَبَرَ وخالِدُونَ فاعِلَهُ لِاعْتِمادِهِ
43:75Page 495
لَا يُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ وَهُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٥
It will not be allowed to subside for them, and they, therein, are in despair.
﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أيْ لا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن فَتَرَتْ عَنْهُ اَلْحُمّى إذا سَكَنَتْ قَلِيلًا، والمادَّةُ بِأيِّ صِيغَةٍ كانَتْ تَدُلُّ عَلى اَلضَّعْفِ مُطْلَقًا ﴿وهم فِيهِ﴾ أيْ في اَلْعَذابِ، وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ (فِيها) أيْ في جَهَنَّمَ ﴿مُبْلِسُونَ﴾ حَزِينُونَ مِن شِدَّةِ اَلْبَأْسِ، قالَ اَلرّاغِبُ: اَلْإبْلاسُ اَلْحُزْنُ اَلْمُعْتَرِضُ مِن شِدَّةِ اَلْبَأْسِ ومِنهُ اُشْتُقَّ إبْلِيسُ فِيما قِيلَ.
ولَمّا كانَ اَلْمُبْلِسُ كَثِيرًا ما يَلْزَمُ اَلسُّكُوتَ ويَنْسى ما يَعْنِيهِ قِيلَ أُبْلِسَ فُلانٌ إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ اِنْتَهى، وقَدْ فُسِّرَ اَلْإبْلاسُ هُنا بِالسُّكُوتِ وانْقِطاعِ اَلْحُجَّةِ
43:76Page 495
وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٦
And We did not wrong them, but it was they who were the wrongdoers.
﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ لِسُوءِ اِخْتِيارِهِمْ، و(هُمُ) ضَمِيرُ فَصْلٍ فَيُفِيدُ اَلتَّخْصِيصَ، وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ. وأبُو زَيْدٍ (اَلظّالِمُونَ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ هم مُبْتَدَأٌ وهو خَبَرُهُ، وذَكَرَ أبُو عُمَرَ اَلْجِرْمِيُّ أنَّ لُغَةَ تَمِيمٍ جَعْلُ ما هو فَصْلٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مُبْتَدَأً ويَرْفَعُونَ ما بَعْدَهُ عَلى اَلْخَبَرِ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: سَمِعْتُهم يَقْرَأُونَ (تَجِدُوهُ عِنْدَ اَللَّهِ هو خَيْرٌ وأعْظَمُ) بِرَفْعِ خَيْرٌ وأعْظَمُ، وقالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ:
تَحِنُّ إلى لَيْلى وأنْتَ تَرَكْتَها وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ
وقالَ سِيبَوَيْهِ: بَلَغَنا أنَّ رُؤْبَةَ كانَ يَقُولُ أظُنُّ زَيْدًا هو خَيْرٌ مِنكَ يَعْنِي بِالرَّفْعِ
43:77Page 495
وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ ٧٧
And they will call, "O Mālik,1 let your Lord put an end to us!" He will say, "Indeed, you will remain."
﴿ونادَوْا﴾ أيْ مِن شِدَّةِ اَلْعَذابِ.
وفِي بَعْضِ اَلْآثارِ يُلْقى عَلى أهْلِ اَلنّارِ اَلْجُوعُ حَتّى يَعْدِلَ ما هم فِيهِ مِنَ اَلْعَذابِ فَيَقُولُونَ: اُدْعُوا مالِكًا فَيَدْعُونَ ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ أيْ لِيُمِتْنا مِن قَضى عَلَيْهِ إذا أماتَهُ، ومُرادُهم سَلْ رَبَّكَ أنْ يَقْضِيَ عَلَيْنا حَتّى نَسْتَرِيحَ، وإضافَتُهُمُ اَلرَّبَّ إلى ضَمِيرِهِ لِحَثِّهِ لا لِلْإنْكارِ، وهَذا لا يُنافِي اَلْإبْلاسَ عَلى اَلتَّفْسِيرِ اَلْأوَّلِ لِأنَّهُ صُراخٌ وتَمَنِّي لِلْمَوْتِ مِن فَرْطِ اَلشِّدَّةِ، وأمّا عَلى اَلتَّفْسِيرِ اَلثّانِي أنَّهُ وإنْ نَفاهُ لَكِنَّ زَمانَ كُلٍّ غَيْرُ زَمانِ اَلْآخَرِ فَإنَّ أزْمِنَةَ اَلْعَذابِ مُتَطاوِلَةٌ وأحْقابُهُ مُمْتَدَّةٌ فَتَخْتَلِفُ بِهِمُ اَلْأحْوالُ فَيَسْكُتُونَ أوْقاتًا لِغَلَبَةِ اَلْيَأْسِ عَلَيْهِمْ وعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا خَلاصَ لَهم ولَوْ بِالمَوْتِ ويُغَوِّثُونَ أوْقاتًا لِشِدَّةِ ما بِهِمْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ دَوامَ اَلْجُمْلَةِ اَلِاسْمِيَّةِ أعْنِي وهم مُبْلِسُونَ وقِيلَ إنْ نادَوْا مَعْطُوفٌ بِالواوِ وهي لا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا، ولا يَخْفى أنَّ تِلْكَ اَلْجُمْلَةَ حالِيَّةٌ لا تَنْفَكُّ عَنِ اَلْخُلُودِ.
وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ مَسْعُودٍ. وابْنُ وثّابٍ. والأعْمَشُ (يا مالُ) بِالتَّرْخِيمِ عَلى لُغَةِ مَن يَنْتَظِرُ وقَرَأ أبُو اَلسُّوارِ (يا مالُ) بِالتَّرْخِيمِ أيْضًا لَكِنْ عَلى لُغَةِ مَن لَمْ يَنْتَظِرْ.
قالَ اِبْنُ جِنِّي: ولِلتَّرْخِيمِ في هَذا اَلْمَوْضِعِ سِرٌّ وذَلِكَ أنَّهم لِعِظَمِ ما هم فِيهِ ضَعُفَتْ قُواهم وذَلَّتْ أنْفُسُهم فَكانَ هَذا مِن مَوْضِعِ اَلِاخْتِصارِ ضَرُورَةٌ وبِهَذا يُجابُ عَنْ قَوْلِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَدْ حُكِيَتْ لَهُ اَلْقِراءَةُ بِهِ عَلى اَللُّغَةِ اَلْأُولى: ما أشْغَلَ أهْلَ اَلنّارِ عَنِ اَلتَّرْخِيمِ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى إنْكارِها فَإنَّ ما لِلتَّعَجُّبِ وفِيها مَعْنى اَلصَّدِّ يَعْنِي أنَّهم في حالَةٍ تَشْغَلُهم عَنِ اَلِالتِفاتِ إلى اَلتَّرْخِيمِ وتَرْكِ اَلنِّداءِ عَلى اَلْوَجْهِ اَلْأكْثَرِ في اَلِاسْتِعْمالِ، وحاصِلُ اَلْجَوابِ أنَّ هَذا اَلتَّرْخِيمَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم لِقَصْدِ اَلتَّصَرُّفِ في اَلْكَلامِ والتَّفَنُّنِ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ:
صفحة 103
يُحْيِي رُفاتَ اَلْعِظامِ بالِيَةً والحُقِّ يا مالُ غَيْرُ ما تَصِفُ
بَلْ لِلْعَجْزِ وضِيقِ اَلْمَجالِ عَنِ اَلْإتْمامِ كَما يُشاهَدُ في بَعْضِ اَلْمَكْرُوبِينَ ﴿قالَ﴾ أيْ مالِكٌ ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ مُقِيمُونَ في اَلْعَذابِ أبَدًا لا خَلاصَ لَكم مِنهُ بِمَوْتٍ ولا غَيْرِهِ، وهَذا تَقْنِيطٌ ونِكايَةٌ لَهم فَوْقَ ما هم فِيهِ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ عِلْمُهُ بِيَأْسِهِمْ إنْ قُلْنا بِهِ.
وذَكَرَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ أنَّ فِيهِ اِسْتِهْزاءً لِأنَّهُ أقامَ اَلْمُكْثَ مَقامَ اَلْخُلُودِ والمُكْثُ يُشْعِرُ بِالِانْقِطاعِ لِأنَّهُ كَما قالَ اَلرّاغِبُ ثَباتٌ مَعَ اِنْتِظارٍ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ وجْهُ اَلِاسْتِهْزاءِ اَلتَّعْبِيرَ بِماكِثُونَ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُشْعِرُ بِالِاخْتِيارِ وإجابَتُهم بِذَلِكَ بَعْدَ مُدَّةٍ.
قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ يُجِيبُهم بَعْدَ مُضِيِّ ألِفِ سَنَةٍ، وقالَ نَوْفٌ: بَعْدَ مِائَةٍ، وقِيلَ ثَمانِينَ، وقِيلَ أرْبَعِينَ.
43:78Page 495
لَقَدۡ جِئۡنَٰكُم بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَكُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٨
We had certainly brought you the truth, but most of you, to the truth, were averse.
﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ خِطابُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى مُقَرِّرٌ لِجَوابِ مالِكٍ ومُبَيِّنٌ لِسَبَبِ مُكْثِهِمْ، ولا مانِعَ مِن خِطابِهِ سُبْحانَهُ اَلْكَفَرَةَ تَقْرِيعًا لَهُمْ، وقِيلَ: هو مِن كَلامِ بَعْضِ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ وهو كَما يَقُولُ أحَدُ خَدَمِ اَلْمَلِكِ لِلرَّعِيَّةِ أعْلَمْناكم وفَعَلْنا بِكم قِيلَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ مالِكٍ لا لِأنَّ ضَمِيرَ اَلْجَمْعِ يُنافِيهِ بَلْ لِأنَّ مالِكًا لا يَصِحُّ مِنهُ أنْ يَقُولَهُ لِأنَّهُ لا خِدْمَةَ لَهُ غَيْرُ خَزْنِهِ لِلنّارِ.
وفِيهِ بَحْثٌ، وقِيلَ: في (قالَ) ضَمِيرُهُ تَعالى فالكُلُّ مَقُولُهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنَّكم ماكِثُونَ﴾ خاتِمَةُ حالِ اَلْفَرِيقَيْنِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ لَقَدْ إلَخْ كَلامٌ آخَرُ مَعَ قُرَيْشٍ والمُرادُ عَلَيْهِ جِئْناكم في هَذِهِ اَلسُّورَةِ أوِ اَلْقُرْآنِ بِالحَقِّ، وعَلى ما تَقَدَّمَ لَقَدْ جِئْناكم في اَلدُّنْيا بِالحَقِّ وهو اَلتَّوْحِيدُ وسائِرُ ما يَجِبُ اَلْإيمانُ بِهِ وذَلِكَ بِإرْسالِ اَلرُّسُلِ وإنْزالِ اَلْكُتُبِ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ أيِّ حَقٍّ كانَ كارِهُونَ لا يَقْبَلُونَهُ ويَنْفِرُونَ مِنهُ وفُسِّرَ اَلْحَقُّ بِذَلِكَ دُونَ اَلْحَقِّ اَلْمَعْهُودِ سَواءٌ كانَ اَلْخِطابُ لِأهْلِ اَلنّارِ أوْ لِقُرَيْشٍ لِمَكانِ ﴿أكْثَرَكُمْ﴾ فَإنَّ اَلْحَقَّ اَلْمَعْهُودَ كُلُّهم كارِهُونَ لَهُ مُشْمَئِزُّونَ مِنهُ، وقَدْ يُقالُ: اَلظّاهِرُ اَلْعَهْدُ وعُبِّرَ بِالأكْثَرِ لِأنَّ مِنَ اَلْأتْباعِ مَن يَكْفُرُ تَقْلِيدًا. وقُرِئَ (لَقَدْ جِئْتُكُمْ)
43:79Page 495
أَمۡ أَبۡرَمُوٓاْ أَمۡرٗا فَإِنَّا مُبۡرِمُونَ ٧٩
Or have they devised [some] affair?1 But indeed, We are devising [a plan].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ ناعٍ عَلى اَلْمُشْرِكِينَ ما فَعَلُوا مِنَ اَلْكَيْدِ بِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِن تَوْبِيخِ أهْلِ اَلنّارِ إلى حِكايَةِ جِنايَةِ هَؤُلاءِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ فَإنْ أُرِيدَ بِالإبْرامِ اَلْأحْكامُ حَقِيقَةً فَهي لِإنْكارِ اَلْوُقُوعِ واسْتِبْعادِهِ، وإنْ أُرِيدَ اَلْأحْكامُ صُورَةً فَهي لِإنْكارِ اَلْواقِعِ واسْتِقْباحِهِ أيْ بَلْ أبْرَمَ مُشْرِكُو مَكَّةَ أمْرًا مِن كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ بِرَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾ كَيْدَنا حَقِيقَةً لا هم أوْ فَإنًّا مُبْرِمُونَ كَيْدَنا بِهِمْ حَقِيقَةً كَما أبْرَمُوا كَيْدَهم صُورَةً كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾ والآيَةُ إشارَةٌ إلى ما كانَ مِنهم مَن تَدْبِيرِ قَتْلِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ في دارِ اَلنَّدْوَةِ وإلى ما كانَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ مِن تَدْمِيرِهِمْ، وقِيلَ: هو مِن تَتِمَّةِ اَلْكَلامِ اَلسّابِقِ، والمَعْنى أمْ أبْرَمُوا في تَكْذِيبِ اَلْحَقِّ ورَدِّهِ ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى كَراهَتِهِ فَإنّا مُبْرِمُونَ أمْرًا في مُجازاتِهِمْ، فَإنْ كانَ ذاكَ خِطابًا لِأهْلِ اَلنّارِ فَإبْرامُ اَلْأمْرِ في مُجازاتِهِمْ هو تَخْلِيدُهم في اَلنّارِ مُعَذَّبِينَ، وإنْ كانَ خِطابًا لِقُرَيْشٍ فَهو خِذْلانُهم ونَصْرُ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنّا مُبْرِمُونَ أمْرًا في مُجازاتِهِمْ وإظْهارِ أمْرِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إبْرامَهم لا يُفِيدُهُمْ، ولا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا والعُدُولُ عَنِ اَلْخِطابِ في أكْثَرَكم إلى اَلْغَيْبَةِ في أبْرَمُوا عَلى هَذا
صفحة 104
اَلْقِيلِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ أسْوَأُ مِن كَراهَتِهِمْ ويُؤَيِّدُهُ ما ذُكِرَ أوَّلًا عَلى ما قِيلَ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences