Al-AlusiAz‑Zukhruf · 43:80–88

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:80–88

43:80Page 495

أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ ٨٠

Or do they think that We hear not their secrets and their private conversations? Yes, [We do], and Our messengers [i.e., angels] are with them recording.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما أبْرَمُوهُ كانَ أمْرًا قَدْ أخْفَوْهُ فَيُناسِبُ اَلْكَيْدَ دُونَ تَكْذِيبِ اَلْحَقِّ لِأنَّ اَلْكَفَرَةَ مُجاهِرُونَ فِيهِ والمُرادُ بِالسِّرِّ هُنا حَدِيثُ اَلنَّفْسِ أيْ بَلْ أيَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ حَدِيثَ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ اَلْكَيْدِ ﴿ونَجْواهُمْ﴾ أيْ تَناجِيَهِمْ وتَحادُثَهم سِرًّا.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: اَلسِّرُّ ما حَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم أوْ غَيْرَهم في مَكانٍ خالٍ والنَّجْوى ما تَكَلَّمُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم بِطَرِيقِ اَلتَّناجِي ﴿بَلى﴾ نَسْمَعُهُما ونَطَّلِعُ عَلَيْهِما ﴿ورُسُلُنا﴾ اَلَّذِي يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم ﴿لَدَيْهِمْ﴾ مُلازِمُونَ لَهم ﴿يَكْتُبُونَ﴾ أيْ يَكْتُبُونَهُما أوْ يَكْتُبُونَ كُلَّ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ اَلْأفْعالِ والأقْوالِ اَلَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ.

والمُضارِعُ لِلِاسْتِمْرارِ اَلتَّجَدُّدِيِّ، وهو مَعَ فاعِلِهِ خَبَرٌ و(لَدَيْهِمْ) حالٌ قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ أوْ خَبَرٌ أيْضًا وجُمْلَةُ اَلْمُبْتَدَأِ والخَبَرِ إمّا عَطْفٌ عَلى ما يُتَرْجِمُ عَنْهُ بَلىْ أوْ حالٌ أيْ نَسْمَعُ ذَلِكَ والحالُ أنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَهُ، وإذا كانَ اَلْمُرادُ بِالسِّرِّ حَدِيثَ اَلنَّفْسِ فالآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ اَلسِّرَّ والكَلامَ اَلْمُخَيَّلَ مَسْمُوعٌ لَهُ تَعالى، وكَذا هي ظاهِرَةٌ في أنَّ اَلْحَفَظَةَ تَكْتُبُهُ كَغَيْرِهِ مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمُ اَلظّاهِرَةِ، ولا يَبْعُدُ ذَلِكَ بِأنْ يُطْلِعَهُمُ اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ بِطَرِيقٍ مِن طُرُقِ اَلْإطْلاعِ فَيَكْتُبُوهُ.

ومَن خُصَّ كُتّابُهم بِالأُمُورِ اَلْغَيْرِ اَلْقَلْبِيَّةِ خُصَّ اَلسِّرُّ بِما حَدَثَ بِهِ اَلْغَيْرُ في مَكانٍ خالٍ؛ والظّاهِرُ أنَّ حُسْبانَهم ذَلِكَ حَقِيقَةٌ ولا يُسْتَبْعَدُ مِنَ اَلْكَفَرَةِ اَلْجَهَلَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ اَلْقُرَظِيِّ قالَ: بَيْنا ثَلاثَةٌ عِنْدَ اَلْكَعْبَةِ وأسْتارِها قُرَشِيّانِ وثَقَفِيٌّ أوْ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيٌّ فَقالَ واحِدٌ مِنهم تَرَوْنَ اَللَّهَ تَعالى يَسْمَعُ كَلامَنا فَقالَ واحِدٌ: إذا جَهَرْتُمْ وإذا أسْرَرْتُمْ لَمْ يَسْمَعْ فَنَزَلَتْ ﴿أمْ يَحْسَبُونَ﴾ اَلْآيَةَ.

وقِيلَ: إنَّهم نَزَلُوا في إقْدامِهِمْ عَلى اَلْباطِلِ وعَدَمِ خَوْفِهِمْ مِنَ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَنزِلَةَ مَن يَحْسَبُ أنَّ اَللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَسْمَعُ سِرَّهُ ونَجْواهُ

43:81Page 495

قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٞ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَٰبِدِينَ ٨١

Say, [O Muḥammad], "If the Most Merciful had a son, then I would be the first of [his] worshippers."1

﴿قُلْ﴾ أيْ لِلْكَفَرَةِ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ مُخالَفَتَكَ لَهم بِعَدَمِ عِبادَتِكَ ما يَعْبُدُونَ مِنَ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ لَيْسَ لِبُغْضِكَ وعَداوَتِكَ لَهم أوْ لِمَعْبُودِيهِمْ بَلْ إنَّما هو لِجَزْمِكَ بِاسْتِحالَةِ ما نَسَبُوا إلَيْهِمْ وبَنَوْا عَلَيْهِ عِبادَتَهم مِن كَوْنِهِمْ بَناتِ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ أيْ لِذَلِكَ اَلْوَلَدِ وكانَ بِمَعْنى صَحَّ كَما يُقالُ ما كانَ لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا وهو أحَدُ اِسْتِعْمالاتِها، و(أوَّلُ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ اَلْمَقُولُ لَهُمْ، وجُوِّزَ اِعْتِبارُ ذَلِكَ مُطْلَقًا، والمُرادُ إظْهارُ اَلرَّغْبَةِ والمُسارَعَةِ، والمُنْساقُ إلى اَلذِّهْنِ اَلْأوَّلُ.

ووَجْهُ اَلْمُلازَمَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أعْلَمُ اَلنّاسِ بِشُؤُونِهِ تَعالى وبِما يَجُوزُ عَلَيْهِ وبِما لا يَجُوزُ وأحْرَصُهم عَلى مُراعاةِ حُقُوقِهِ وما تُوجِبُهُ مِن تَعْظِيمِ ولَدِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّ حَقَّ اَلْوالِدِ عَلى شَخْصٍ يُوجِبُ عَلَيْهِ تَعْظِيمَ ولَدِهِ لِما أنَّ تَعْظِيمَ اَلْوَلَدِ تَعْظِيمُ اَلْوالِدِ. فالمَعْنى إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ وصَحَّ ذَلِكَ وثَبَتَ بِبُرْهانٍ صَحِيحٍ تُورِدُونَهُ وحُجَّةٍ واضِحَةٍ تُدْلُونَ بِها فَأنا أوَّلُ مَن يُعَظِّمُ ذَلِكَ اَلْوَلَدَ وأسْبِقُكم إلى طاعَتِهِ والِانْقِيادِ لَهُ كَما يُعَظِّمُ اَلرَّجُلُ ولَدَ اَلْمَلِكِ لِعِظَمِ أبِيهِ، وهَذا نَفْيٌ لِكَيْنُونَةِ ولَدٍ لَهُ سُبْحانَهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وهو اَلطَّرِيقُ اَلْبُرْهانِيُّ والمَذْهَبُ اَلْكَلامِيُّ، فَإنَّهُ في اَلْحَقِيقَةِ قِياسٌ اِسْتِثْنائِيٌّ اِسْتُدِلَّ فِيهِ بِنَفْيِ اَللّازِمِ اَلْبَيِّنِ اِنْتِفاؤُهُ وهو عِبادَتُهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلْوَلَدِ عَلى نَفْيِ اَلْمَلْزُومِ وهو كَيْنُونَةُ اَلْوَلَدِ لَهُ سُبْحانَهُ، وذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ لَكِنَّهُ جِيءَ بِإنْ دُونَ لَوْ لِجَعْلِ ما في حَيِّزِها بِمَنزِلَةِ ما لا قَطْعَ بِعَدَمِهِ عَلى طَرِيقِ اَلْمُساهَلَةِ وإرْخاءِ اَلْعِنانِ لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ.

صفحة 105

وفِي اَلْكَشْفِ أنَّ في اَلْآيَةِ مُبالَغَةً مِن حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ اَلْمُمْكِنَ في نَفْسِهِ أعْنِي عِبادَتَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ لِما يَدَّعُونَهُ ولَدًا مُحالًا فَهو نَفْيٌ لِعِبادَةِ اَلْوَلَدِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ حَيْثُ جُعِلَ مُسَبَّبًا عَنْ مُحالٍ ثُمَّ نَفى لِلْوَلَدِ كَذَلِكَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ وهو أنَّهُ لَمّا لَمْ يَعْبُدْ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلْوَلَدَ مَعَ كَوْنِهِ أوْلى بِعِبادَتِهِ لَوْ كانَ دَلَّ عَلى نَفْيِهِ، ونَحْوُها ذُكِرَ في اَلْآيَةِ مَرْوِيًّا عَنْ قَتادَةَ. والسُّدِّيِّ. والطَّبَرِيِّ.

وأخْرَجَ عَبْدُ اَلرَّزّاقِ. وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ اَلْمَعْنى قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ مَن عَبْدَ اَللَّهَ تَعالى وحْدَهُ وكَذَّبَكم بِما تَقُولُونَ فالمُرادُ مِن كَوْنِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلَ اَلْعابِدِينَ كَوْنُهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوَّلَ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، والمُلازَمَةُ في اَلشُّرْطِيَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّ نِسْبَتَهُمُ اَلْوَلَدَ لَهُ تَعالى تَقْتَضِي أنْ يُكَذِّبَهُمُ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنْ يَكُونَ أوَّلَ مَن يُنْكِرُهُ لِأنَّهُ صاحِبُ اَلدَّعْوَةِ إلى اَلتَّوْحِيدِ، وقَدْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلى اَلْإمامِ فَنَفى صِحَّةَ هَذا اَلْوَجْهِ، وتَكَلَّفَ بَعْضُهم فَقالَ: إنْ تُسَبِّبُ اَلْجَزاءَ عَنِ اَلشَّرْطِ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ اَلْأوَّلِيَّةِ في اَلْعِبادَةِ والتَّوْحِيدِ مِن بَيْنِهِمْ فَإنَّهم إذا أطْبَقُوا عَلى ذَلِكَ اَلزَّعْمِ يَكُونُ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوَّلَهم في عِبادَةِ اَللَّهِ تَعالى وحْدَهُ لا مَحالَةَ، وقِيلَ: إنِ اَلسَّبَبِيَّةُ بِاعْتِبارِ اَلْإخْبارِ والذِّكْرِ نَحْوُ إنْ تَضْرِبْنِي فَأنا لا أضْرِبُكَ وهو أوْلى مِمّا قَبْلَهُ، والإنْصافُ أنَّ اَلِارْتِباطَ خَفِيٌّ لا يَظْهَرُ إلّا لِمُجاهِدٍ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنْ جَماعَةٍ ولَمْ يُسَمِّ أحَدًا مِنهم أنَّ ﴿العابِدِينَ﴾ مِن عَبِدَ يَعْبَدُ كَفَرِحَ يَفْرَحُ إذا أنِفَ مِنَ اَلشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ:

وأعْبَدُ إنْ أهْجُوَ كُلَيْبًا بِدارِمِ

وقَوْلُ اَلْآخَرِ:

مَتى ما يَشَأْ ذُو اَلْوِدِّ يَصْرُمْ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبَدْ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِما

أيْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ اَلْآنِفِينَ مِنَ اَلْوَلَدِ أوْ مِن كَوْنِهِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ونِسْبَتِهِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ. ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أخْرَجَ اَلطَّسْتِيُّ عَنْهُ أنَّ نافِعَ بْنَ اَلْأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ فَقالَ: أنا أوَّلُ مَن يَنْفِرُ عَنْ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعالى ولَدٌ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِقِراءَةِ اَلسِّلْمِيِّ. واليَمانِيِّ (اَلْعَبِدِينَ) جَمْعُ عَبِدٍ كَحَذِرٍ وحَذِرِينَ وهو اَلْمَعْرُوفُ في مَعْنى أنِفَ وقَلَّما يُقالُ فِيهِ عابِدٍ، ومِن هُنا ضَعَّفَ اِبْنُ عَرَفَةَ هَذا اَلْوَجْهَ لِما فِيهِ مِنَ اِسْتِعْمالِ ما قَلَّ اِسْتِعْمالُهُ في كَلامِهِمْ، وذَكَرَ اَلْخَلِيلُ في كِتابِ اَلْعَيْنِ أنَّهُ قُرِئَ (اَلْعَبْدِينَ) بِسُكُونِ اَلْباءِ تَخْفِيفَ اَلْعَبِدِينَ بِكَسْرِها، وقالَ أبُو حاتِمٍ: اَلْعَبِدُ بِكَسْرِ اَلْباءِ اَلشَّدِيدُ اَلْغَضَبِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اَلْعَرَبُ تَقُولُ عَبَدَنِي حَقِّي أيْ جَحَدَنِي، ورُوِيَ عَنِ اَلْحَسَنِ. وابْنِ زَيْدٍ. وزُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وهو رِوايَةٌ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. وقَتادَةَ. والسُّدِّيِّ أيْضًا أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ أيْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ مَن قالَ ذَلِكَ وعَبَدَ ووَحَّدَ، و(كانَ) عَلَيْهِ لِلِاسْتِمْرارِ والمَقْصُودُ اِسْتِمْرارُ اَلنَّفْيِ لا نَفْيُ اَلِاسْتِمْرارِ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ خِلافُ اَلظّاهِرِ مَعَ خَفاءِ وجْهِ اَلسَّبَبِيَّةِ أوْ حُسْنِها، وزَعَمَ مَكِّيٌّ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِإيهامِهِ نَفْيَ اَلْوَلَدِ فِيما مَضى وهو كَما تَرى.

وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ. وابْنُ وثّابٍ. وطَلْحَةُ. والأعْمَشُ. وحَمْزَةُ. والكِسائِيُّ كَما قالَ اَلْقاضِي (وُلْدٌ) بِضَمِّ اَلْواوِ وسُكُونِ اَللّامِ جَمْعُ ولَدٍ بِفَتْحِهِما.

43:82Page 495

سُبۡحَٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٨٢

Exalted is the Lord of the heavens and the earth, Lord of the Throne, above what they describe.

﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أيْ عَنْ وصْفِهِمْ أوِ اَلَّذِي يَصِفُونَهُ

صفحة 106

بِهِ مِن كَوْنِهِ سُبْحانَهُ لَهُ ولَدٌ، وفي إضافَةِ اِسْمِ اَلرَّبِّ إلى أعْظَمِ اَلْأجْرامِ وأقْواها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّها وما فِيها مِنَ اَلْمَخْلُوقاتِ حَيْثُ كانَتْ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ تَعالى ورُبُوبِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ كَيْفَ يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنها جُزْءًا مِنهُ سُبْحانَهُ وهو يُنافِي وُجُوبَ اَلْوُجُودِ، وفي تَكْرِيرِ ذَلِكَ اَلِاسْمِ اَلْجَلِيلِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ اَلْعَرْشِ

43:83Page 495

فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٨٣

So leave them to converse vainly and amuse themselves until they meet their Day which they are promised.

﴿فَذَرْهُمْ﴾ فَدَعْهم غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يُذْعِنُوا لِلْحَقِّ بَعْدَ ما سَمِعُوا هَذا اَلْبُرْهانَ اَلْجَلِيَّ ﴿يَخُوضُوا﴾ في أباطِيلِهِمْ ﴿ويَلْعَبُوا﴾ في دُنْياهم فَإنَّ ما هم فِيهِ مِنَ اَلْأقْوالِ والأفْعالِ لَيْسَ إلّا مِن بابِ اَلْجَهْلِ، والجَزْمُ لِجَوابِ اَلْأمْرِ ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ عِنْدَ اَلْأكْثَرِينَ، وعَنْ عِكْرِمَةَ. وجَماعَةٍ أنَّهُ يَوْمُ بَدْرٍ وقَدْ وُعِدُوا اَلْهَلاكَ فِيهِ، وقَرِيبٌ مِنهُ تَفْسِيرُهُ بِيَوْمِ اَلْمَوْتِ، وقِيلَ: يَنْبَغِي تَفْسِيرُهُ بِهِ دُونَ يَوْمِ اَلْقِيامَةِ لِأنَّ اَلْغايَةَ لِلْخَوْضِ واللَّعِبِ إنَّما هو يَوْمُ اَلْمَوْتِ لِانْقِطاعِهِما بِالمَوْتِ، وانْتُصِرَ لِلْأكْثَرِينَ بِأنَّ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ هو اَلْيَوْمُ اَلْمَوْعُودُ وبِهِ سُمِّيَ في لِسانِ اَلشَّرْعِ وتَفْسِيرُهُ بِذاكَ مُخالِفٌ لِلْمَعْرُوفِ ولِما بَعْدُ مِن ذِكْرِ اَلسّاعَةِ، وما ذُكِرَ مِن أمْرِ اَلِانْقِطاعِ مَدْفُوعٌ بِأنَّ اَلْمَوْتَ وما بَعْدَهُ في حُكْمِ اَلْقِيامَةِ ولِذا ورَدَ مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ ومِثْلُهُ قَدْ يُرادُ بِهِ اَلدَّلالَةُ عَلى طُولِ اَلْمُدَّةِ مَعَ قَطْعِ اَلنَّظَرِ عَنِ اَلِانْتِهاءِ فَيُقالُ: لا يَزالُ في ضَلالَةٍ إلى أنْ تَقُومَ اَلْقِيامَةُ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ. وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وعُبَيْدُ بْنُ عُقَيْلٍ. عَنْ أبِي عَمْرٍو (يَلْقَوْا) مُضارِعَ لَقِيَ، والآيَةُ قِيلَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ اَلسَّيْفِ ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ اَلظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِإلَهٍ لِأنَّهُ صِفَةٌ بِمَعْنى مَعْبُودٍ مِن ألَهَ بِمَعْنى عَبَدَ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو إلَهٌ وذَلِكَ عائِدُ اَلْمَوْصُولِ وحُذِفَ لِطُولِ اَلصِّلَةِ بِمُتَعَلِّقِ اَلْخَبَرِ والعَطْفِ عَلَيْهِ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: اَلْجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِإلَهٍ بِاعْتِبارِ ما يُنْبِئُ عَنْهُ مِن مَعْنى اَلْمَعْبُودِيَّةِ بِالحَقِّ بِناءً عَلى اِخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِ بِالحَقِّ وهَذا كَتَعَلُّقِ اَلْجارِّ بِالعَلَمِ اَلْمُشْتَهِرِ بِصِفَةٍ نَحْوَ قَوْلِكَ: هو حاتِمٌ في طَيْءٍ حاتِمٌ في تَغْلِبَ، وعَلى هَذا تُخَرَّجُ قِراءَةُ عُمَرَ. وعَلِيٍّ. وعَبْدِ اَللَّهِ. وأُبَيٍّ. والحَكَمِ بْنِ أبِي اَلْعالِي. وبِلالِ بْنِ أبِي بُرْدَةَ. وابْنِ يَعْمُرَ. وجابِرٍ. وابْنِ زَيْدٍ. وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ اَلْعَزِيزِ. وأبُو شَيْخٍ اَلْهَنّائِيِّ. وحُمَيْدٍ. وابْنِ مِقْسَمٍ. وابْنِ اَلسَّمَيْقَعِ (وهُوَ اَلَّذِي في اَلسَّماءِ اَللَّهُ وفي اَلْأرْضِ اَللَّهُ) فَيُعَلَّقُ اَلْجارُّ بِالِاسْمِ اَلْجَلِيلِ بِاعْتِبارِ اَلْوَصْفِ اَلْمُشْتَهِرِ بِهِ، واعْتَبَرَ بَعْضُهم مَعْنى اَلِاسْتِحْقاقِ لِلْعِبادَةِ وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ اَلْعِبادَةَ بِالفِعْلِ لا تَلْزَمُ، وجُوِّزَ كَوْنُ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ صِلَةَ اَلْمَوْصُولِ، و(إلَهٌ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْضًا عَلى أنَّ اَلْجُمْلَةَ بَيانٌ لِلصِّلَةِ وأنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ في اَلسَّماءِ عَلى سَبِيلِ اَلْإلَهِيَّةِ لا عَلى مَعْنى اَلِاسْتِقْرارِ.

واخْتِيرَ كَوْنُ (إلَهٌ) في هَذا اَلْوَجْهِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى كَوْنِهِ خَبَرًا آخَرَ لِلْمُبْتَدَأِ اَلْمَذْكُورِ أوْ بَدَلًا مِنَ اَلْمَوْصُولِ أوْ مِن ضَمِيرِهِ بِناءً عَلى تَجْوِيزِهِ لِأنَّ إبْدالَ اَلنَّكِرَةِ اَلْغَيْرِ اَلْمَوْصُوفَةِ مِنَ اَلْمَعْرِفَةِ إذا أفادَتْ ما لَمْ يُسْتَفَدْ أوَّلًا كَما هُنا جائِزٌ حَسَنٌ عَلى ما قالَ أبُو عَلِيٍّ في اَلْحُجَّةِ لِأنَّ اَلْبَيانَ هَهُنا أتَمُّ وأهَمُّ فَلِذا رُجِّحَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ اَلتَّقْدِيرِ وحِينَئِذٍ فَلا فاصِلَ أجْنَبِيًّا بَيْنَ اَلْمُتَعاطِفَيْنِ، ولا يَجُوزُ كَوْنُ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ خَبَرًا مُقَدَّمًا وإلَهٍ مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا لِلُزُومِ خُلُوِّ اَلْجُمْلَةِ عَنِ اَلْعائِدِ مَعَ فَسادِ اَلْمَعْنى، وفي اَلْآيَةِ نَفْيُ اَلْآلِهَةِ اَلسَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ واخْتِصاصُ اَلْإلَهِيَّةِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ لِما فِيها مِن تَعْرِيفِ طَرَفَيِ اَلْإسْنادِ. والمَوْصُولُ في مِثْلِ ذَلِكَ كالمُعَرِّفِ بِالأداةِ ولِلِاعْتِناءِ بِكُلٍّ مِن إلَهِيَّتِهِ تَعالى في اَلسَّماءِ وإلَهِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ في اَلْأرْضِ قِيلَ

43:84Page 495

وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٞ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَٰهٞۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٤

And it is He [i.e., Allāh] who is [the only] deity in the heaven, and on the earth [the only] deity. And He is the Wise, the Knowing.

﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ ولَمْ يُقَلْ: وهو اَلَّذِي في اَلسَّماءِ وفي اَلْأرْضِ إلَهٌ أوْ هو اَلَّذِي في اَلسَّماءِ والأرْضِ إلَهٌ، وحَدِيثُ اَلْإعادَةِ قِيلَ مِمّا لا يَجْرِي هَهُنا لِأنَّ اَلْقاعِدَةَ أغْلَبِيَّةٌ كَأكْثَرِ قَواعِدِ اَلْعَرَبِيَّةِ.

وقالَ بَعْضُ اَلْأفاضِلِ: يَجُوزُ إجْراءُ اَلْقاعِدَةِ فِيهِ والمُغايِرَةُ بَيْنَ اَلشَّيْئَيْنِ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ بِالذّاتِ أوْ بِالوَصْفِ

صفحة 107

والِاعْتِبارِ والمُرادُ هُنا اَلثّانِي ولا شَكَّ أنَّ طَرِيقَ عِبادَةِ أهْلِ اَلسَّماءِ لَهُ تَعالى غَيْرُ طَرِيقِ عِبادَةِ أهْلِ اَلْأرْضِ عَلى ما يَشْهَدُ بِهِ تَتَبُّعُ اَلْآثارِ فَإذا كانَ إلَهٌ بِمَعْنى مَعْبُودٍ كانَ مَعْنى اَلْآيَةِ أنَّهُ تَعالى مَعْبُودٌ في اَلسَّماءِ عَلى وجْهٍ ومَعْبُودٌ في اَلْأرْضِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وإنْ كانَ بِمَعْنى اَلتَّحَيُّرِ فِيهِ فالتَّحَيُّرُ في أهْلِ اَلسَّماءِ غَيْرُ اَلتَّحَيُّرِ في أهْلِ اَلْأرْضِ فَلا جَرَمَ تَكُونُ أطْوارُهم مُخالِفَةً لِأطْوارِ أهْلِ اَلْأرْضِ، ومِن ذَلِكَ اِخْتِلافُ عُلُومِهِمْ فَإنَّ عُلُومَ أهْلِ اَلْأرْضِ إنْ كانَتْ ضَرُورِيَّةً فَأكْثَرُها مُسْتَنِدَةٌ إلى اَلْحِسِّ وإنْ كانَتْ نَظَرِيَّةً كانَتْ مُكْتَسَبَةً مِنَ اَلنَّظَرِ فَإذا اِنْسَدَّ طَرِيقُ اَلنَّظَرِ والحِسِّ عَجَزُوا وتَحَيَّرُوا ولا كَذَلِكَ أهْلُ اَلسَّماءِ لِتَنَزُّهِهِمْ عَنِ اَلْكَسْبِ والحِسِّ فَتَحَيُّرُهم عَلى نَحْوٍ آخَرَ، أوْ نَقُولُ اَلتَّحَيُّرُ في إدْراكِ ذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ إنَّما يَنْشَأُ مِن مُشاهَدَةِ آثارِ عَظَمَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ اَلْآثارَ في اَلسَّماءِ أعْظَمُ مِنَ اَلْآثارِ في اَلْأرْضِ وعَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْإلَهُ بِمَعْنى اَلْمُتَحَيَّرِ فِيهِ ويَكُونُ مَجازًا عَنْ عَظِيمِ اَلشَّأْنِ مِن بابِ ذِكْرِ اَللّازِمِ وإرادَةِ اَلْمَلْزُومِ فَيَكُونُ اَلْمَعْنى أنَّهُ تَعالى عَظِيمُ اَلشَّأْنِ في اَلسَّماءِ عَلى نَحْوٍ وعَظِيمُ اَلشَّأْنِ في اَلْأرْضِ عَلى نَحْوٍ آخَرَ اهـ، ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ كَما لا يَخْفى ﴿وهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ كالدَّلِيلِ عَلى اَلنَّفْيِ والِاخْتِصاصِ اَلْمُشارِ إلَيْهِما فَإنَّ مَن لا يَتَّصِفُ بِكَمالِ اَلْحِكْمَةِ والعِلْمِ لا يَسْتَحِقُّ اَلْإلَهِيَّةَ.

43:85Page 495

وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٥

And blessed is He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them and with whom is knowledge of the Hour and to whom you will be returned.

﴿وتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ كالهَواءِ ومَخْلُوقاتِ اَلْجَوِّ اَلْمُشاهَدَةِ وغَيْرِها ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيِ اَلْعِلْمُ بِالسّاعَةِ أيِ اَلزَّمانِ اَلَّذِي تَقُومُ اَلْقِيامَةُ فِيهِ فالمَصْدَرُ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ، والسّاعَةُ بِمَعْناها اَللُّغَوِيِّ وهو مِقْدارٌ قَلِيلٌ مِنَ اَلزَّمانِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها مَعْناها اَلشَّرْعِيُّ وهو يَوْمُ اَلْقِيامَةِ، والمَحْذُورُ مُنْدَفِعٌ بِأدْنى تَأمُّلٍ، وفي تَقْدِيمِ اَلْخَبَرِ إشارَةٌ إلى اِسْتِئْثارِهِ تَعالى بِعِلْمِ ذَلِكَ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِلْجَزاءِ، والِالتِفاتُ إلى اَلْخِطابِ لِلتَّهْدِيدِ، وقَرَأ اَلْأكْثَرُ بِياءِ اَلْغَيْبَةِ والفِعْلُ في اَلْقِراءَتَيْنِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ تاءِ اَلْخِطابِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ (تُحْشَرُونَ) بِتاءِ اَلْخِطابِ أيْضًا والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ

43:86Page 495

وَلَا يَمۡلِكُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٨٦

And those they invoke1 besides Him do not possess [power of] intercession; but only those who testify to the truth [can benefit], and they know.2

﴿ولا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيْ ولا يَمْلِكُ آلِهَتُهُمُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَهم ﴿مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ﴾ كَما زَعَمُوا أنَّهم شُفَعاؤُهم عِنْدَ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقُرِئَ (تَدْعُونَ) بِتاءِ اَلْخِطابِ والتَّخْفِيفِ؛ والسِّلْمِيُّ وابْنُ وثّابٍ بِها وشَدِّ اَلدّالِ ﴿إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ﴾ اَلَّذِي هو اَلتَّوْحِيدُ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ يَعْلَمُونَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ اَلْحالِ، وقُيِّدَ بِها لِأنَّ اَلشَّهادَةَ عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِالمَشْهُودِ بِهِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها، وجَمَعَ اَلضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ اَلْإفْرادَ أوَّلًا بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، والمُرادُ بِهِ اَلْمَلائِكَةُ وعِيسى وعُزَيْرٌ وأضْرابُهم صَلاةُ اَللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ، والِاسْتِثْناءُ قِيلَ: مُتَّصِلٌ إنْ أُرِيدَ بِاَلَّذِينِ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ كُلُّ ما يُعْبَدُ مَن دُونِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومُنْفَصِلٌ إنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ اَلْأصْنامُ فَقَطْ، وقِيلَ: هو مُنْفَصِلٌ مُطْلَقًا وعُلِّلَ بِأنَّ اَلْمُرادَ نَفْيُ مُلْكِ اَلْآلِهَةِ اَلْباطِلَةِ اَلشَّفاعَةَ لِلْكَفَرَةِ ومَن شَهِدَ بِالحَقِّ مِنها لا يَمْلِكُ اَلشَّفاعَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَكَأنَّهُ قِيلَ عَلى تَقْدِيرِ اَلتَّعْمِيمِ: ولا يَمْلِكُ اَلَّذِينَ يَدْعُونَهم مِن دُونِ اَللَّهِ تَعالى كائِنِينَ ما كانُوا اَلشَّفاعَةَ لَهم لَكِنْ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ يَمْلِكُ اَلشَّفاعَةَ لِمَن شاءَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ فالكَلامُ نَظِيرُ قَوْلِكَ: ما جاءَ اَلْقَوْمُ إلَيَّ إلّا زَيْدًا جاءَ إلى عَمْرٍو فَتَأمَّلْ.

وقالَ مُجاهِدٌ. وغَيْرُهُ: اَلْمُرادُ بِمَن شَهِدَ بِالحَقِّ اَلْمَشْفُوعُ فِيهِمْ، وجَعَلَ اَلِاسْتِثْناءَ عَلَيْهِ مُتَّصِلًا والمُسْتَثْنى مِنهُ مَحْذُوفًا كَأنَّهُ قِيلَ: ولا يَمْلِكُ هَؤُلاءِ اَلْمَلائِكَةُ وأضْرابُهُمُ اَلشَّفاعَةَ في أحَدٍ إلّا فِيمَن وحَّدَ عَنْ إيقانٍ وإخْلاصٍ

صفحة 108

ومِثْلُهُ في حَذْفِ اَلْمُسْتَثْنى مِنهُ قَوْلُهُ:

نَجا سالِمٌ والنَّفْسُ مِنهُ بِشَرْقَةٍ ولَمْ يَنْجُ إلّا جَفْنُ سَيْفٍ ومِئْزَرا

أيْ ولَمْ يَنْجُ شَيْءٌ إلّا جَفْنَ سَيْفٍ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اَلْعِلْمَ مِمّا لا بُدَّ مِنهُ في اَلشَّهادَةِ دُونَ اَلْمُشاهَدَةِ.

43:87Page 495

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٨٧

And if you asked them1 who created them, they would surely say, "Allāh." So how are they deluded?

﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهُمْ﴾ أيْ سَألْتَ اَلْعابِدِينَ أوِ اَلْمَعْبُودِينَ ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لِتَعَذُّرِ اَلْمُكابَرَةِ في ذَلِكَ مِن فَرْطِ ظُهُورِهِ ووَجْهُ قَوْلِ اَلْمَعْبُودِينَ ذَلِكَ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ فَكَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ ويُشْرِكُونَهُ مَعَهُ عَزَّ وجَلَّ مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّهُ تَعالى خالِقُهم أوْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِإقْرارِ آلِهَتِهِمْ بِذَلِكَ، والفاءُ جَزائِيَّةٌ أيْ إذا كانَ اَلْأمْرُ كَذَلِكَ فَأنّى إلَخْ، والمُرادُ اَلتَّعَجُّبُ مِن إشْراكِهِمْ مَعَ ذَلِكَ، وقِيلَ: اَلْمَعْنى فَكَيْفَ يُكَذِّبُونَ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ فَهو تَعَجُّبٌ مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى وإنْكارِهِمْ لِلتَّوْحِيدِ مَعَ أنَّهُ مَرْكُوزٌ في فِطْرَتِهِمْ، وأيًّا ما كانَ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ اَلتَّوْحِيدِ والإقْرارِ بِأنَّهُ تَعالى هو اَلْخالِقُ، وأمّا كَوْنُ اَلْمَعْنى فَكَيْفَ أوْ أيْنَ يُصْرَفُونَ عَنِ اَلتَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ مَعَ أنَّ اَلْإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ اَلْإبْداءِ وجَعْلُهُ مُتَعَلِّقًا بِأمْرِ اَلسّاعَةِ كَما قِيلَ فَيَأْباهُ اَلسِّياقُ.

وقَرَأ عَبْدُ اَلْوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو (تُؤْفَكُونَ) بِتاءِ اَلْخِطابِ

43:88Page 495

وَقِيلِهِۦ يَٰرَبِّ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨

And [Allāh acknowledges] his saying,1 "O my Lord, indeed these are a people who do not believe."

﴿وقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِجَرِّ (قِيلِهِ) وهي قِراءَةُ عاصِمٍ. وحَمْزَةَ. والسِّلْمِيِّ. وابْنِ وثّابٍ. والأعْمَشِ.

وقَرَأ اَلْأعْرَجُ. وأبُو قِلابَةَ. ومُجاهِدٌ. والحَسَنُ. وقَتادَةُ. ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ بِرَفْعِهِ وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ.

وقَرَأ اَلْجُمْهُورُ بِنَصْبِهِ، واخْتُلِفَ في اَلتَّخْرِيجِ فَقِيلَ اَلْجَرُّ عَلى عَطْفِهِ عَلى لَفْظِ اَلسّاعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ أيْ عِنْدَهُ عِلْمُ قِيلِهِ، والنَّصْبُ عَلى عَطْفِهِ عَلى مَحَلِّها لِأنَّها في مَحَلِّ نَصْبٍ بِعِلْمٍ اَلْمُضافِ إلَيْها فَإنَّهُ كَما قَدَّمْنا مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَعْلَمُ اَلسّاعَةَ ويَعْلَمُ قِيلَهُ، والرَّفْعُ عَلى عَطْفِهِ عَلى ﴿عِلْمُ السّاعَةِ﴾ عَلى حَذْفِ مُضافٍ والأصْلُ وعِلْمُ قِيلِهِ فَحُذِفَ اَلْمُضافُ وأُقِيمَ اَلْمُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ونُسِبَ اَلْوَجْهُ اَلْأوَّلُ لِأبِي عَلِيٍّ والثّالِثُ لِابْنِ جِنِّي وجَمِيعُ اَلْأوْجُهِ لِلزَّجّاجِ وضَمِيرُ ”قِيلِهِ“ عَلَيْها لِلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلْمَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ والقِيلُ والقالُ والقَوْلُ مَصادِرُ جاءَتْ بِمَعْنًى واحِدٍ، والمُنادى وما في حَيِّزِهِ مَقُولُ اَلْقَوْلِ، والكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ اَلتَّحَسُّرِ والتَّحَزُّنِ والتَّشَكِّي مِن عَدَمِ إيمانِ أُولَئِكَ اَلْقَوْمِ، وفي اَلْإشارَةِ إلَيْهِمْ بِهَؤُلاءِ دُونَ قَوْلِهِ قَوْمِي ونَحْوِهِ تَحْقِيرٌ لَهم وتَبَرٍّ مِنهم لِسُوءِ حالِهِمْ، والمُرادُ مِن إخْبارِهِ تَعالى بِعِلْمِهِ ذَلِكَ وعِيدُهُ سُبْحانَهُ إيّاهُمْ، وقِيلَ: اَلْجَرُّ عَلى إضْمارِ حَرْفِ اَلْقَسَمِ والنَّصْبُ عَلى حَذْفِهِ وإيصالِ فِعْلِهِ إلَيْهِ مَحْذُوفًا والرَّفْعُ عَلى نَحْوِ لَعَمْرُكَ لَأفْعَلَنَّ وإلَيْهِ ذَهَبَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ وجَعَلَ اَلْمَقُولَ يا رَبِّ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ إلَخْ جَوابُ اَلْقَسَمِ عَلى اَلْأوْجُهِ اَلثَّلاثَةِ وضَمِيرُ ”قِيلِهِ“ كَما سَبَقَ، والكَلامُ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ وإقْسامُهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «يا رَبِّ» لِرَفْعِ شَأْنِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وتَعْظِيمِ دُعائِهِ والتِجائِهِ إلَيْهِ تَعالى، والواوُ عِنْدَهُ لِلْعَطْفِ أعْنِي عَطْفَ اَلْجُمْلَةِ اَلْقَسَمِيَّةِ عَلى اَلْجُمْلَةِ اَلشَّرْطِيَّةِ لَكِنْ لَمّا كانَ اَلْقَسَمُ بِمَنزِلَةِ اَلْجُمْلَةِ اَلِاعْتِراضِيَّةِ صارَتِ اَلْواوُ كالمُضْمَحِلِّ عَنْها مَعْنى اَلْعَطْفِ، وفِيهِ أنَّ اَلْحَذْفَ اَلَّذِي تَضَمَّنَهُ تَخْرِيجُهُ مِن ألِفاظٍ شاعَ اِسْتِعْمالُها في اَلْقَسَمِ كَعُمْرُكَ واَيْمُنُ اَللَّهِ واضِحُ اَلْوَجْهِ عَلى اَلْأوْجُهِ اَلثَّلاثَةِ، وأمّا في غَيْرِها كالقِيلِ هُنا فَلا يَخْلُو عَنْ ضَعْفٍ، وقِيلَ: اَلْجَرُّ عَلى أنَّ اَلْواوَ واوُ اَلْقَسَمِ والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ لَنَنْصُرَنَّهُ أوْ لَنَفْعَلَنَّ بِهِمْ ما نَشاءُ حَكاهُ في اَلْبَحْرِ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: اَلنُّصْبُ عَلى اَلْعَطْفِ عَلى مَفْعُولِ يَكْتُبُونَ اَلْمَحْذُوفِ أيْ يَكْتُبُونَ أقْوالَهم

صفحة 109

وأفْعالَهم وقِيلَهُ يا رَبِّ إلَخْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: هو عَلى اَلْعَطْفِ عَلى مَفْعُولِ يَعْلَمُونَ أعْنِي اَلْحَقَّ أيْ يَعْلَمُونَ اَلْحَقَّ وقِيلَ إلَخْ، وهو قَوْلٌ لا يَكادُ يُعْقَلُ، وعَنِ اَلْأخْفَشِ أنَّهُ عَلى اَلْعَطْفِ عَلى ﴿سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ ورُدَّ بِأنَّهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ في اَلْمَعْنى مَعَ وُقُوعِ اَلْفَصْلِ بِما لا يَحْسُنُ اِعْتِراضًا ومَعَ تَنافُرِ اَلنُّظُمِ. وتُعُقِّبَ أنَّ ما ذُكِرَ مِنَ اَلْفَصْلِ ظاهِرٌ وأمّا ضَعْفُ اَلْمَعْنى وتَنافُرُ اَلنَّظْمِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ أمْ يَحْسُبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنّا لا نَسْمَعُ قِيلَهُ إلَخْ وهو مُنْتَظِمٌ أتَمَّ اِنْتِظامٍ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ مِنَ اَلْقِيلِ ناصِبٍ لَهُ عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ والتَّقْدِيرُ قالَ قِيلَهُ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ اِبْنُ مَسْعُودٍ (وقالَ اَلرَّسُولُ) والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها. ورُدَّ بِأنَّهُ لا يَظْهَرُ فِيهِ ما يَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى اَلْجُمْلَةِ قَبْلَهُ ولَيْسَ اَلتَّأْكِيدُ بِالمُصَدِّرِ في مَوْقِعِهِ ولا اِرْتِباطَ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاصْفَحْ﴾ بِهِ، وقالَ اَلْعَلّامَةَ اَلطَّيِّبِيُّ في تَوْجِيهِهِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ وقُلْنا لَكَ: ولَئِنْ سَألْتَهم إلَخْ وقُلْتَ: يا رَبِّ يَأْسًا مِن إيمانِهِمْ وإنَّما جُعِلَ غائِبًا عَلى طَرِيقِ اَلِالتِفاتِ لِأنَّهُ كَأنَّهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاقِدٌ نَفْسَهُ لِلتَّحَزُّنِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعُ فِيهِمْ سَعْيُهُ واحْتِشادُهُ، وقِيلَ: اَلْواوُ عَلى هَذا اَلْوَجْهِ لِلْحالِ وقالَ بِتَقْدِيرِ قَدْ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أيْ فَأنّى يُؤْفَكُونَ وقَدْ قالَ اَلرَّسُولُ يا رَبِّ إلَخْ، وحاصِلُهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ وقَدْ شَكا اَلرَّسُولُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والإسْلامُ إصْرارَهم عَلى اَلْكُفْرِ وهو خِلافُ اَلظّاهِرِ، وقِيلَ: اَلرَّفْعُ عَلى اَلِابْتِداءِ والخَبَرُ يا رَبِّ إلى لا يُؤْمِنُونَ أوْ هو مَحْذُوفٌ أيْ مَسْمُوعٌ أوْ مُتَقَبِّلُ فَجُمْلَةُ اَلنِّداءِ وما بَعْدَهُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقِيلِهِ والجُمْلَةُ حالٌ أوْ مَعْطُوفَةٌ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ، والأوْجَهُ عِنْدِي ما نُسِبَ إلى اَلزَّجّاجِ، والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِالفَصْلِ هَيِّنٌ، وبِضَعْفِ اَلْمَعْنى والتَّنافُرِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، فَفي اَلْكَشْفِ بَعْدَ ذِكْرِ تَخْرِيجِ اَلزَّجّاجِ اَلْجَرَّ أنَّ اَلْفاصِلَ أعْنِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ - إلى- ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يَصْلُحُ اِعْتِراضًا لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ عَلى ما لا يَخْفى، والكَلامُ مَسُوقٌ لِلْوَعِيدِ اَلْبالِغِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ اِتِّصالَ اَلْعَصا بِلِحاها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ خِطابٌ لِمَن يَتَأتّى مِنهُ اَلسُّؤالُ تَتْمِيمٌ لِذَلِكَ اَلْكَلامِ بِاسْتِحْقاقِهِمْ ما أُوعِدُوهُ لِعِنادِهِمُ اَلْبالِغِ، ومِنهُ يَظْهَرُ وُقُوعُ اَلتَّعَجُّبِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ وعَلى هَذا ظَهَرَ اِرْتِباطُ وعِلْمُ قِيلِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ وأنَّ اَلْفاصِلَ مُتَّصِلٌ بِهِما اِتِّصالًا يُجَلُّ مَوْقِعُهُ، ومِن هَذا اَلتَّقْرِيرِ يَلُوحُ أنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ اَلزَّجّاجُ في اَلْأوْجُهِ اَلثَّلاثَةِ حَسَنٌ، ولَكَ أنْ تُرَجِّحَهُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ اَلْأخْفَشُ بِتَوافُقِ اَلْقِراءَتَيْنِ، وأنَّ حَمْلَ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ عَلى اَلْخِطابِ اَلْمَتْرُوكِ إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ أوْفَقُ بِالمَقامِ مِن حَمْلِهِ عَلى خِطابِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وسَلامَتُهُ مِن إضْمارِ اَلْقَوْلِ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾ مَعَ أنَّ اَلسِّياقَ غَيْرُ ظاهِرِ اَلدَّلالَةِ عَلَيْهِ اهـ، وهو أحْسَنُ ما رَأيْتُهُ لِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا اَلْمَقامِ. وقَرَأ أبُو قِلابَةَ (يا رَبَّ) بِفَتْحِ اَلْباءِ ووَجْهٌ ظاهِرٌ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском