Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ad-Dukhan 44:16–31
44:16Page 496
يَوۡمَ نَبۡطِشُ ٱلۡبَطۡشَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ١٦
The Day We will strike with the greatest assault, indeed, We will take retribution.
﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى﴾ هو يَوْمُ بَدْرٍ عِنْدَ اِبْنِ مَسْعُودٍ وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. ومُجاهِدٍ. والحَسَنِ. وأبِي اَلْعالِيَةِ. وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. وقَتادَةَ. وعَطِيَّةَ، وأخْرَجَهُ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرُجُ اِبْنُ جَرِيرٍ. وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ. قالَ: قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: قالَ اِبْنُ مَسْعُودٍ: اَلْبَطْشَةُ اَلْكُبْرى يَوْمُ بَدْرٍ، وأنا أقُولُ: هي يَوْمُ اَلْقِيامَةِ ونَقَلَ في اَلْبَحْرِ حِكايَةً أنَّهُ يَوْمُ اَلْقِيامَةِ عَنِ اَلْحَسَنِ. وقَتادَةَ أيْضًا.
والظَّرْفُ مَعْمُولٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ أيْ إنّا نَنْتَقِمُ يَوْمَ إذْ إنّا مُنْتَقِمُونَ، وقِيلَ لَمُنْتَقِمُونَ ورَدَّهُ اَلزَّجّاجُ وغَيْرُهُ بِأنَّ ما بَعْدَ أنْ لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيما قَبْلَها، وقِيلَ لَعائِدُونَ عَلى مَعْنى إنَّكم لَعائِدُونَ إلى اَلْعَذابِ يَوْمَ نَبْطِشُ.
وقِيلَ بِكاشِفُو اَلْعَذابِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وقِيلَ لِذِكْرِهِمْ أوِ اُذْكُرْ مُقَدَّرًا، وقِيلَ هو بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ إلَخْ.
وقُرِئَ (نَبْطُشُ) بِضَمِّ اَلطّاءِ وقَرَأ اَلْحَسَنُ. وأبُو رَجاءٍ وطَلْحَةُ بِخِلافٍ عَنْهُ (نُبْطِشُ) بِضَمِّ اَلنُّونِ مِن بابِ اَلْإفْعالِ عَلى مَعْنى نُحْمِلُ اَلْمَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ عَلى أنْ يَبْطِشُوا بِهِمْ أوْ نُمَكِّنُهم مِن ذَلِكَ فالمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ وزِيادَةِ اَلتَّهْوِيلِ، وجَعْلُ اَلْبَطْشَةِ عَلى هَذا مَفْعُولًا مُطْلَقًا عَلى طَرِيقَةِ أنْبَتَكم نَباتًا، وقالَ اِبْنُ جِنِّي، وأبُو حَيّانَ: هي مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ اَلظّاهِرُ أيْ يَوْمَ نَبْطِشُ مَن نَبْطِشُهُ فَيُبْطَشُ اَلْبَطْشَةَ اَلْكُبْرى، وقالَ اِبْنُ جِنِّي: ولَكَ أنْ تَنْصِبَها عَلى أنَّها مَفْعُولٌ كَأنَّهُ بِهِ قِيلَ: يَوْمَ نُقَوِّي اَلْبَطْشَةَ اَلْكُبْرى عَلَيْهِمْ ونُمَكِّنُها مِنهم كَقَوْلِكَ: يَوْمَ نُسَلِّطُ اَلْقَتْلَ عَلَيْهِمْ ونُوَسِّعُ اَلْأخْذَ مِنهُمْ، وفي اَلْقامُوسِ بَطَشَ بِهِ ويَبْطِشُ ويَبْطُشُ أخَذَهُ بِالعُنْفِ والسَّطْوَةِ كَأبْطُشُهُ والبَطْشُ اَلْأخْذُ اَلشَّدِيدُ في كُلِّ شَيْءٍ والبَأْسُ اهـ فَلا تَغْفُلْ
44:17Page 496
۞ وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَآءَهُمۡ رَسُولٞ كَرِيمٌ ١٧
And We had already tried before them the people of Pharaoh, and there came to them a noble messenger [i.e., Moses],
﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ أيِ اِمْتَحَنّاهم بِإرْسالِ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ إلَيْهِمْ عَلى أنَّهُ مِن فَتَنَ اَلْفِضَّةَ عَرَضَها عَلى اَلنّارِ فَيَكُونُ بِمَعْنى اَلِامْتِحانِ وهو اِسْتِعارَةٌ والمُرادُ عامَلْناهم مُعامَلَةَ اَلْمُمْتَحَنِ لِيَظْهَرَ حالُهم لِغَيْرِهِمْ أوْ أوْقَعْناهم في اَلْفِتْنَةِ عَلى أنَّهُ بِمَعْناهُ اَلْمَعْرُوفِ والمُرادُ بِالفِتْنَةِ حِينَئِذٍ ما يُفْتَنُ بِهِ اَلشَّخْصُ أيْ يَغْتَرُّ ويَغْفُلُ عَمّا فِيهِ صَلاحُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ وفُسِّرَتْ هُنا بِالإمْهالِ وتَوْسِيعِ اَلرِّزْقِ.
وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ اَلْفِتْنَةَ بِالعَذابِ ثُمَّ تَجَوَّزَ بِهِ عَنِ اَلْمَعاصِي اَلَّتِي هي سَبَبٌ وهو تَكَلُّفُ ما لا داعِيَ لَهُ.
وقُرِئَ (فَتَّنّا) بِتَشْدِيدِ اَلتّاءِ إمّا لِتَأْكِيدِ مَعْناهُ اَلْمَصْدَرِيِّ أوْ لِتَكْثِيرِ اَلْمَفْعُولِ أوِ اَلْفِعْلِ.
﴿وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ مُكَرَّمٌ مُعَظَّمٌ عِنْدِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ عِنْدَ اَلْمُؤْمِنِينَ أوْ عِنْدَهُ تَعالى وعِنْدَهم أوْ كَرِيمٌ في نَفْسِهِ مُتَّصِفٌ بِالخِصالِ اَلْحَمِيدَةِ والصِّفاتِ اَلْجَلِيلَةِ حَسَبًا ونَسَبًا، وقالَ اَلرّاغِبُ: اَلْكَرَمُ إذا وُصِفَ بِهِ اَلْإنْسانُ فَهو اِسْمٌ لِلْأخْلاقِ والأفْعالِ اَلْمَحْمُودَةِ اَلَّتِي تَظْهَرُ مِنهُ ولا يُقالُ هو كَرِيمٌ حَتّى يَظْهَرَ ذَلِكَ مِنهُ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِ اَلْعُلَماءِ أنَّ اَلْكَرَمَ كالحَرِيَّةِ إلّا أنَّ اَلْحُرِّيَّةَ قَدْ تُقالُ في اَلْمَحاسِنِ اَلصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ والكَرَمُ لا يُقالُ إلّا في اَلْمَحاسِنِ اَلْكَبِيرَةِ. وقالَ اَلْخَفاجِيُّ: أصْلُ مَعْنى اَلْكَرِيمِ جامِعُ اَلْمَحامِدِ والمَنافِعِ وادَّعى لِذَلِكَ أنَّ تَفْسِيرَهُ بِهِ أحْسَنُ مِن تَفْسِيرِهِ بِالتَّفْسِيرَيْنِ اَلسّابِقَيْنِ
44:18–19Page 496
أَنۡ أَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٨
[Saying], "Render to me the servants of Allāh.1 Indeed, I am to you a trustworthy messenger,"
وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنِّيٓ ءَاتِيكُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٩
And [saying], "Be not haughty with Allāh. Indeed, I have come to you with clear evidence.
صفحة 121
﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ أطْلِقُوهم وسَلِّمُوهم إلَيَّ، والمُرادُ بِهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ اَلَّذِينَ كانَ فِرْعَوْنُ مُسْتَعْبِدَهُمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِعِبادِ اَللَّهِ تَعالى لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اِسْتِعْبادَهُ إيّاهم ظُلْمٌ مِنهُ، والأداءُ مَجازٌ عَمّا ذُكِرَ، وهَذا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ ومُجاهِدٍ. وقَتادَةَ أوْ أدُّوا إلَيَّ حَقَّ اَللَّهِ تَعالى مِنَ اَلْإيمانِ وقَبُولِ اَلدَّعْوى يا عِبادَ اَللَّهِ عَلى أنَّ مَفْعُولَ (أدُّوا) مَحْذُوفٌ وعِبادَ مُنادى وهو عامٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ والقِبْطِ، والأداءُ بِمَعْنى اَلْفِعْلِ لِلطّاعَةِ وقَبُولِ اَلدَّعْوى ورُوِيَ هَذا عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، وأنْ عَلَيْهِما قِيلَ مَصْدَرِيَّةٌ قَبْلَها حَرْفُ جَرٍّ مُقَدَّرٌ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَهم أيْ بِأنْ أدُّوا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِقَوْلِكَ: جاءَهم بِالتَّأْدِيَةِ إلَيَّ، وحَمْلُهُ عَلى طَلَبِ اَلتَّأْدِيَةِ إلَيَّ لا يَخْلُو عَنْ تَعَسُّفٍ ورُدَّ بِأنَّهُ بِتَقْدِيرِ اَلْقَوْلِ وهو شائِعٌ مُطَّرِدٌ فَتَقْدِيرُهُ بِأنْ قالَ أدُّوا إلَيَّ ولا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ ما ومَعَ هَذا اَلْأمْرُ مَبْنِيٌّ عَلى جَوازِ وصْلِ اَلْمَصْدَرِيَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ وهو غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، نَعَمِ اَلْأصَحُّ اَلْجَوازُ.
وقِيلَ: هي مُخَفَّفَةٌ مِنَ اَلثَّقِيلَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّها حِينَئِذٍ يُقَدَّرُ مَعَها ضَمِيرُ اَلشَّأْنِ ومُفَسِّرُهُ لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً خَبَرِيَّةً وأيْضًا لا بُدَّ أنْ يَقَعَ بَعْدَها اَلنَّفْيُ أوْ قَدْ أوِ اَلسِّينُ أوْ سَوْفَ أوْ لَوْ وأنْ يَتَقَدَّمَها فِعْلٌ قَلْبِيٌّ ونَحْوُهُ وأُجِيبَ بِأنَّ مَجِيءَ اَلرَّسُولِ يَتَضَمَّنُ مَعْنى فِعْلِ اَلتَّحْقِيقِ كالإعْلامِ والفَصْلُ اَلْمَذْكُورُ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، فَقَدْ ذَهَبَ اَلْمُبَرِّدُ تَبَعًا لِلْبَغادِدَةِ إلى عَدَمِ اِشْتِراطِهِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ شاذٌّ يُصانُ اَلْقُرْآنُ عَنْ مِثْلِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ واشْتِراطُ كَوْنِ مُفَسِّرِ ضَمِيرِ اَلشَّأْنِ جُمْلَةً خَبَرِيَّةً فِيهِ خِلافٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ، ولَمْ يُذْكَرْ في اَلْمُغْنِي في اَلْبابِ اَلرّابِعِ في اَلْكَلامِ عَلى ضَمِيرِ اَلشَّأْنِ إلّا اِشْتِراطُ كَوْنِ مُفَسِّرِهِ جُمْلَةً ولَمْ يَشْتَرِطْ فِيها اَلْخَبَرِيَّةَ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِخِلافٍ، نَعَمْ قالَ في اَلْبابِ اَلْخامِسِ: اَلنَّوْعُ اَلثّامِنُ اِشْتِراطُهم في بَعْضِ اَلْجُمْلَةِ اَلْخَبَرِيَّةَ وفي بَعْضِها اَلْإنْشائِيَّةَ وعُدَّ مِنَ اَلْأوَّلِ خَبَرانِ وضَمِيرُ اَلشَّأْنِ لَكِنَّهُ قالَ بَعْدُ: ويَنْبَغِي أنْ يُسْتَثْنى مِن ذَلِكَ في خَبَرَيْ أنْ وضَمِيرِ اَلشَّأْنِ خَبَرُ أنَّ اَلْمَفْتُوحَةِ إذا خُفِّفَتْ فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً دُعائِيَّةً كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ في قِراءَةِ مَن قَرَأ أنْ وغَضِبَ بِالفِعْلِ والِاسْمُ اَلْجَلِيلُ فاعِلٌ.
وحَقَّقَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ أنَّ اَلْإخْبارَ عَنْ ضَمِيرِ اَلشَّأْنِ بِجُمْلَةٍ إنْشائِيَّةٍ جائِزٌ عِنْدَ اَلزَّمَخْشَرِيِّ أوْ هي مُفَسِّرَةٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى اَلْقَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ لِأنَّ مَجِيءَ اَلرَّسُولِ يَكُونُ بِرِسالَةٍ ودَعْوَةٍ وكَأنَّ اَلتَّفْسِيرَ لِمُتَعَلِّقِهِ اَلْمُقَدَّرِ أيْ جاءَهم بِالدَّعْوَةِ وهي أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اَللَّهِ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ ولا تَسْتَكْبِرُوا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالِاسْتِهانَةِ بِوَحْيِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ورَسُولِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ و﴿أنْ﴾ كاَلَّتِي قَبْلَها، والمَعْنى عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ بِكَفِّكم عَنِ اَلْعُلُوِّ عَلى اَللَّهِ تَعالى ﴿إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أيْ آتِيكم بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ لا سَبِيلَ إلى إنْكارِها أوْ مُوَضَّحَةٍ صِدْقَ دَعْوايَ و(آتِيكُمْ) عَلى صِيغَةِ اَلْفاعِلِ أوِ اَلْمُضارِعِ، ولا يَخْفى حُسْنُ ذِكْرِ اَلْأمِينِ مَعَ اَلْأداءِ والسُّلْطانِ مَعَ اَلْعَلاءِ، وذُكِرَ أنَّ في اَلْأوَّلِ تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ اَلْمُصَرِّحَةِ أوِ اَلْمَكْنِيَّةِ بِجَعْلِهِمْ كَأنَّهم مالٌ لِلْغَيْرِ في يَدِهِ أمَرَهُ بِدَفْعِهِ لِمَن يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ وفي اَلثّانِي تَوْرِيَةٌ عَنْ مَعْنى اَلْمَلِكَ مُرَشَّحَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿لا تَعْلُوا﴾ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ”(أنِّي)“ بِفَتْحِ اَلْهَمْزَةِ فَقِيلَ هو أيْضًا عَلى تَعْلِيلِ اَلنَّهْيِ بِتَقْدِيرِ اَللّامِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِما دَخَلَهُ اَلنَّهْيُ نَظِيرُ قَوْلِكَ لِمَن غَضِبَ مِن قَوْلِ اَلْحَقِّ لَهُ لا تَغْضَبْ لِأنْ قِيلَ لَكَ اَلْحَقُّ
44:20Page 497
وَإِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ ٢٠
And indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord, lest you stone me.1
﴿وإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ أيِ اِلْتَجَأْتُ إلَيْهِ تَعالى وتَوَكَّلْتُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿أنْ تَرْجُمُونِ﴾ مِن أنْ تَرْجُمُونِي أيْ تُؤْذُونِي ضَرْبًا أوْ شَتْمًا أوْ أنْ تَقْتُلُونِي، ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ وجَماعَةٍ قِيلَ: لَمّا قالَ: ﴿وأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ﴾ تَوَعَّدُوهُ بِالقَتْلِ فَقالَ ذَلِكَ، وفي اَلْبَحْرِ أنَّ هَذا كانَ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَهُ عَزَّ وجَلَّ بِعَجْزِهِمْ عَنْ رَجْمِهِ بِقَوْلِهِ
صفحة 122
سُبْحانَهُ: فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى اَلْجُمْلَةِ اَلْمُسْتَأْنَفَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو. والأخَوانِ عُتُّ بِإدْغامِ اَلذّالِ في اَلتّاءِ
44:21Page 497
وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَٱعۡتَزِلُونِ ٢١
But if you do not believe me, then leave me alone."
﴿وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ فَكُونُوا بِمَعْزِلِ مِنِّي لا عَلَيَّ ولا لِي ولا تَتَعَرَّضُوا لِي بِسُوءٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ جَزاءَ مَن يَدْعُوكم إلى ما فِيهِ فَلاحُكُمْ، وقِيلَ: اَلْمَعْنى وإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَلا مُوالاةَ بَيْنِي وبَيْنَ مَن لا يُؤْمِنُ فَتَنَحَّوْا واقْطَعُوا أسْبابَ اَلْوَصْلَةِ عَنِّي، فَفي اَلْكَلامِ حَذْفُ اَلْجَوابِ وإقامَةُ اَلْمُسَبَّبِ عَنْهُ مَقامَهُ والأوَّلُ أوْفَقُ بِالمَقامِ، والِاعْتِزالُ عَلَيْهِ عِبارَةٌ عَنِ اَلتَّرْكِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مُفارَقَةً بِالأبْدانِ
44:22Page 497
فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ مُّجۡرِمُونَ ٢٢
And [finally] he called to his Lord that these were a criminal people.
﴿فَدَعا رَبَّهُ﴾ بَعْدَ أنْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ﴿أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ أيْ بِأنَّ هَؤُلاءِ إلَخْ فَهو بِتَقْدِيرِ اَلْباءِ صِلَةَ اَلدُّعاءِ كَما يُقالُ دَعا بِهَذا اَلدُّعاءِ، وفِيهِ اِخْتِصارٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ تَناهى أمْرُهم في اَلْكُفْرِ وأنْتَ أعْلَمُ بِهِمْ فافْعَلْ بِهِمْ ما يَسْتَحِقُّونَهُ قِيلَ كانَ دُعاؤُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ اَللَّهُمَّ عَجِّلْ لَهم ما يَسْتَحِقُّونَ بِإجْرامِهِمْ، وقِيلَ: قَوْلُهُ ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ وإنَّما ذَكَرَ اَللَّهُ سُبْحانَهُ اَلسَّبَبَ اَلَّذِي اِسْتَوْجَبُوا بِهِ اَلْهَلاكَ لِيُعْلَمَ مِنهُ دُعاؤُهُ والإجابَةُ مَعًا وأنَّ دُعاءَهُ كانَ عَلى يَأْسٍ مِن إيمانِهِمْ وهَذا مِن بَلِيغِ اِخْتِصاراتِ اَلْكِتابِ اَلْمُعْجِزِ.
وقَرَأ اِبْنُ أبِي إسْحاقَ. وعِيسى. والحَسَنُ في رِوايَةٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِكَسْرِ هَمْزَةِ أنَّ وخُرِّجَ عَلى إضْمارِ اَلْقَوْلِ أيْ قائِلًا إنَّ هَؤُلاءِ إلَخْ
44:23Page 497
فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٢٣
[Allāh said], "Then set out with My servants by night. Indeed, you are to be pursued.
﴿فَأسْرِ بِعِبادِي﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ ومَن آمَنَ بِهِ مِنَ اَلْقِبْطِ ﴿لَيْلا﴾ بِقِطْعٍ مِنَ اَللَّيْلِ، والكَلامُ بِإضْمارِ اَلْقَوْلِ إمّا بَعْدَ اَلْفاءِ أيْ فَقالَ أسْرِ إلَخْ فالفاءُ لِلتَّعْقِيبِ والتَّرْتِيبِ والقَوْلُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ أوْ قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ قالَ: أوْ فَقالَ إنْ كانَ اَلْأمْرُ كَما تَقُولُ: فَأسْرِ إلَخْ، فالفاءُ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ وهو وجَوابُهُ مَقُولُ اَلْقَوْلِ اَلْمُقَدَّرِ مَعَ اَلْفاءِ أوْ بِدُونِها عَلى أنَّهُ اِسْتِئْنافٌ والإضْمارُ اَلْأوَّلُ أوْلى لِقِلَّةِ اَلتَّقْدِيرِ مَعَ أنَّ تَقْدِيرَ أنْ لا يُناسِبُ إذْ لا شَكَّ فِيهِ تَحْقِيقًا ولا تَنْزِيلًا وجَعْلُها بِمَعْنى إذا تَكَلُّفٌ عَلى تَكَلُّفٍ وأبُو حَيّانَ لا يُجِيزُ حَذْفَ اَلشَّرْطِ وإبْقاءَ جَوابِهِ في مِثْلِ هَذا اَلْمَوْضِعِ وقَدْ شَنَّعَ عَلى اَلزَّمَخْشَرِيِّ في تَجْوِيزِهِ، وقَرَأ نافِعٌ. وابْنُ كَثِيرٍ (فاسْرِ) بِوَصْلِ اَلْهَمْزَةِ مِن سَرى.
﴿إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ إذا عَلِمُوا بِخُرُوجِكم فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَعْلِيلِ اَلْأمْرِ بِالسَّرى لَيْلًا لِيَتَأخَّرَ اَلْعِلْمُ بِهِ فَلا يُدْرِكُونَ والتَّأْكِيدُ لِتَقَدُّمِ ما يَلُوحُ بِالخَبَرِ
44:24Page 497
وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًاۖ إِنَّهُمۡ جُندٞ مُّغۡرَقُونَ ٢٤
And leave the sea in stillness.1 Indeed, they are an army to be drowned."
﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ أيْ ساكِنًا كَما قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ يُقالُ رَها اَلْبَحْرُ يَرْهُو رَهْوًا سَكَنَ ويُقالُ: جاءَتِ اَلْخَيْلُ رَهْوًا أيْ ساكِنَةً، قالَ اَلشّاعِرُ:
والخَيْلُ تَمْزَعُ رَهْوًا في أعِنَّتِها كالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ اَلشُّؤْبُوبِ ذِي اَلْبَرَدِ
ويُقالُ اِفْعَلْ ذَلِكَ رَهْوًا أيْ ساكِنًا عَلى هَيْنَةٍ وأنْشَدَ غَيْرُ واحِدٍ لِلْقُطامِيِّ في نَعْتِ اَلرِّكابِ:
يَمْشِينَ رَهْوًا فَلا اَلْأعْجازُ خاذِلَةً ∗∗∗ ولا اَلصُّدُورُ عَلى اَلْأعْجازِ تَتَّكِلُ
والظّاهِرُ أنَّهُ مَصْدَرٌ في اَلْأصْلِ يُؤَوَّلُ بِاسْمِ اَلْفاعِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اَلسّاكِنِ حَقِيقَةً وعَنْ مُجاهِدٍ رَهْوًا أيْ مُنْفَرِجًا مَفْتُوحًا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ رَها اَلرَّجُلُ يَرْهُو رَهْوًا فَتَحَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وعَنْ بَعْضِ اَلْعَرَبِ أنَّهُ رَأى جَمَلًا فالِجًا أيْ ذا سَنامَيْنِ فَقالَ: سُبْحانَ اَللَّهِ تَعالى رَهْوٌ بَيْنَ سَنامَيْنِ قالُوا: أرادَ فُرْجَةً واسِعَةً، والظّاهِرُ أيْضًا أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَوَّلٌ أوْ فِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ ذا فُرْجَةٍ قالَ قَتادَةُ: أرادَ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ بَعْدَ أنْ جاوَزَ اَلْبَحْرَ هو ومَن مَعَهُ أنْ يَضْرِبَهُ بِعَصاهُ حَتّى يَلْتَئِمَ كَما ضَرَبَهُ أوَّلًا فانْفَلَقَ لِئَلّا يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ فَأُمِرَ بِأنْ يَتْرُكَهُ رَهْوًا أيْ مَفْتُوحًا مُنْفَرِجًا أوْ ساكِنًا عَلى هَيْئَتِهِ قارًّا عَلى حالِهِ مِنَ اِنْتِصابِ اَلْماءِ وكَوْنِ اَلطَّرِيقِ يَبَسًا ولا
صفحة 123
يَضْرِبْهُ بِعَصاهُ ولا يُغَيِّرْ مِنهُ شَيْئًا لِيَدْخُلَهُ اَلْقِبْطُ فَإذا حَصَلُوا فِيهِ أطْبَقَهُ اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ فَهو تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِتَرْكِهِ رَهْوًا، وقِيلَ: رَهْوًا سَهْلًا، وقِيلَ: يابِسًا، وقِيلَ: جُدُدًا، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ والكُلُّ بَيانٌ لِحاصِلِ اَلْمَعْنى، وزَعَمَ اَلرّاغِبُ أنَّ اَلصَّحِيحَ أنَّ اَلرَّهْوَ اَلسَّعَةُ مِنَ اَلطَّرِيقِ ثُمَّ قالَ: ومِنهُ اَلرَّهاءُ اَلْمَفازَةُ اَلْمُسْتَوِيَةُ ويُقالُ لِكُلِّ جَوْبَةٍ مُسْتَوِيَةٍ يَجْتَمِعُ فِيها اَلْماءُ رَهْوٌ ومِنهُ قِيلَ: لا شُفْعَةَ في رَهْوٍ. والحَقُّ أنَّ ما ذَكَرَهُ مِن جُمْلَةِ إطْلاقاتِهِ وأمّا أنَّهُ اَلصَّحِيحُ فَلا وقُرِئَ (أنَّهُمْ) بِالفَتْحِ أيْ لِأنَّهُمْ
44:25–26Page 497
كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٢٥
How much they left behind of gardens and springs
وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٢٦
And crops and noble sites
﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ أيْ كَثِيرًا تَرَكُوا بِمِصْرَ ﴿مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ حَسَنٍ شَرِيفٍ في بابِهِ، وأُرِيدَ بِذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ اَلْمَواضِعُ اَلْحِسانُ مِنَ اَلْمَجالِسِ والمَساكِنِ وغَيْرِها.
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. وابْنِ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جابِرٍ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ اَلْمَنابِرُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا، وقِيلَ: اَلسُّرُرُ في اَلْحِجالِ والأوَّلُ أوْلى، وقَرَأ اِبْنُ هُرْمُزٍ. وقَتادَةُ. وابْنُ اَلسَّمَيْقَعِ. ونافِعٌ في رِوايَةِ خارِجَةَ (مُقامٍ) بِضَمِّ اَلْمِيمِ
﴿ونَعْمَةٍ﴾ أيْ تَنَعُّمٍ، قالَ اَلرّاغِبُ: اَلنَّعْمَةُ بِالفَتْحِ اَلتَّنَعُّمُ وبِناؤُها بِناءُ اَلْمَرَّةِ مِنَ اَلْفِعْلِ كالضَّرْبَةِ والشَّتْمَةِ والنِّعْمَةُ بِالكَسْرِ اَلْحالَةُ اَلْحَسَنَةُ وبِناؤُها بِناءُ اَلَّتِي يَكُونُ عَلَيْها اَلْإنْسانُ كالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ وتُقالُ لِلْجِنْسِ اَلصّادِقِ بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ واخْتِيرَ هَهُنا تَفْسِيرُ اَلنَّعْمَةِ بِالشَّيْءِ اَلْمُنْعَمِ بِهِ لِأنَّهُ أنْسَبُ لِلتَّرْكِ وهي كَثِيرًا ما تَكُونُ بِهَذا اَلْمَعْنى.
وقَرَأ أبُو رَجاءٍ (ونَعْمَةً) بِالنَّصْبِ وخُرِّجَ بِالعَطْفِ عَلى ﴿كَمْ﴾، وقِيلَ: هي مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحَلٍّ ما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ:
كَمْ تَرَكُوا جَنّاتٍ وعُيُونًا وزُرُوعًا ومَقامًا كَرِيمًا ونَعْمَةً ﴿كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ طَيِّبِي اَلْأنْفُسِ وأصْحابَ فاكِهَةٍ فَفاكِهُ كَلابِنٍ وتامِرٍ، وقالَ اَلْقُشَيْرِيُّ: لاهِينَ، وقَرَأ اَلْحَسَنُ. وأبُو رَجاءٍ (فَكِهِينَ) بِغَيْرِ ألِفٍ والفَكِهُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في اَلْمُسْتَخِفِّ اَلْمُسْتَهْزِئِ فالمَعْنى مُسْتَخِفِّينَ بِشُكْرِ اَلنِّعْمَةِ اَلَّتِي كانُوا فِيها.
وقالَ اَلْجَوْهَرِيُّ: فَكِهَ اَلرَّجُلُ بِالكَسْرِ فَهو فَكِهٌ إذا كانَ مَزّاحًا والفَكِهُ أيْضًا اَلْأشِرُ
44:28Page 497
كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ٢٨
Thus. And We caused to inherit it another people.
﴿كَذَلِكَ﴾ قالَ اَلزَّجّاجُ: اَلْمَعْنى اَلْأمْرُ كَذَلِكَ، والمُرادُ اَلتَّأْكِيدُ والتَّقْرِيرُ فَيُوقَفُ عَلى ذَلِكَ فالكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوِ اَلْجارُّ والمَجْرُورُ كَذَلِكَ، وقِيلَ: اَلْكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ نَفْعَلُ فِعْلًا كَذَلِكَ لِمَن نُرِيدُ إهْلاكَهُ، وقَوْلُ اَلْكَلْبِيِّ: أيْ كَذَلِكَ أفْعَلُ بِمَن عَصانِي ظاهِرٌ فِيما ذُكِرَ، وقالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: اَلْكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى مِثْلَ ذَلِكَ اَلْإخْراجِ أيِ اَلْمَفْهُومُ مِمّا تَقَدَّمَ أخْرَجْناهم مِنها ﴿وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى تَرَكُوا والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ فِيما عَدا اَلْقَوْلَ اَلْأخِيرَ وعَلى أخْرَجْناهم فِيهِ، وقِيلَ: اَلْكافُ مَنصُوبَةٌ عَلى مَعْنى تَرَكُوا تَرْكًا مِثْلَ ذَلِكَ فالعَطْفُ عَلى ﴿تَرَكُوا﴾ بِدُونِ اِعْتِراضٍ وهو كَما تَرى، والمُرادُ بِالقَوْمِ اَلْآخَرِينَ بَنُو إسْرائِيلَ وهم مُغايِرُونَ لِلْقِبْطِ جِنْسًا ودِينًا. ويُفَسِّرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ اَلشُّعَراءِ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وهو ظاهِرٌ في أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ ومَلَكُوها وبِهِ قالَ اَلْحَسَنُ.
وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِهِمْ غَيْرُ بَنِي إسْرائِيلَ مِمَّنْ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ اَلْقِبْطِ وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ قالَ: لَمْ يَرِدْ في مَشْهُورِ اَلتَّوارِيخِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ ولا أنَّهم مَلَكُوها قَطُّ وأوَّلَ ما في سُورَةِ اَلشُّعَراءِ بِأنَّهُ مِن بابِ ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾ وقَوْلِكَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ فَلَيْسَ اَلْمُرادُ خُصُوصَ ما تَرَكُوهُ
صفحة 124
بَلْ نَوْعُهُ وما يُشْبِهُهُ، والإيراثُ اَلْإعْطاءُ. وقِيلَ: اَلْمُرادُ مِن إيراثِها إيّاهم تَمْكِينُهم مِنَ اَلتَّصَرُّفِ فِيها ولا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلى رُجُوعِهِمْ إلى مِصْرَ كَما كانُوا فِيها أوَّلًا، وأخَذَ جَمْعٌ بِقَوْلِ اَلْحَسَنِ وقالُوا لا اِعْتِبارَ بِالتَّوارِيخِ وكَذا اَلْكُتُبِ اَلَّتِي بِيَدِ اَلْيَهُودِ اَلْيَوْمَ لِما أنَّ اَلْكَذِبَ فِيها كَثِيرٌ وحَسْبُنا كِتابُ اَللَّهِ تَعالى وهو سُبْحانَهُ أصْدَقُ اَلْقائِلِينَ وكِتابُهُ جَلَّ وعَلا مَأْمُونٌ مِن تَحْرِيفِ اَلْمُحَرِّفِينَ
44:29Page 497
فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ ٢٩
And the heaven and earth wept not for them, nor were they reprieved.
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ مَجازٌ عَنْ عَدَمِ اَلِاكْتِراثِ بِهَلاكِهِمْ والِاعْتِدادِ بِوُجُودِهِمْ، وهو اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ شَبَّهَ حالَ مَوْتِهِمْ لِشِدَّتِهِ وعَظَمَتِهِ بِحالِ مَن تَبْكِي عَلَيْهِ اَلسَّماءُ والأجْرامُ اَلْعِظامُ وأثْبَتَ لَهُ ذَلِكَ والنَّفْيُ تابِعٌ لِلْإثْباتِ في اَلتَّجَوُّزِ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ، وقِيلَ: هي اِسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ بِأنْ شَبَّهَ اَلسَّماءَ والأرْضَ بِالإنْسانِ وأسْنَدَ إلَيْهِما اَلْبُكاءَ أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنْ شَبَّهَ حالَهُما في عَدَمِ تَغَيُّرِ حالِهِما وبَقائِهِما عَلى ما كانا عَلَيْهِ بِحالِ مَن لَمْ يَبْكِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَ كَلامَهُمْ، وقَدْ كَثُرَ في اَلتَّعْظِيمِ لِمَهْلِكِ اَلشَّخْصِ بَكَتْ عَلَيْهِ اَلسَّماءُ والأرْضُ وبَكَتْهُ اَلرِّيحُ ونَحْوُ ذَلِكَ، قالَ يَزِيدُ بْنُ مُفَرَّغٍ:
اَلرِّيحُ يَبْكِي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامِهْ
وقالَ اَلنّابِغَةُ:
بَكى حارِثُ اَلْجُولانِ مِن فَقْدِ رَبِّهِ ∗∗∗ وحُورانُ مِنهُ خاشِعٌ مُتَضائِلُ
أرادَ بِهِما مَكانَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ، وقالَ جَرِيرٌ:
لَمّا أتى خَبَرُ اَلزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ اَلْمَدِينَةِ والجِبالُ اَلْخُشَّعُ
وقالَ اَلْفَرَزْدَقُ يَرْثِي أمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ اَلْعَزِيزِ:
اَلشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اَللَّيْلِ والقَمَرا
يَتَعَجَّبُ مِن طُلُوعِ اَلشَّمْسِ وكانَ مِن حَقِّها أنْ لا تَطْلُعَ أوْ تَطْلُعَ كاسِفَةً، والنُّجُومُ تُرْوى مَنصُوبَةً ومَرْفُوعَةً فالنَّصْبُ عَلى اَلْمُغالَبَةِ أيْ تَغْلِبُ اَلشَّمْسُ اَلنُّجُومَ في اَلْبُكاءِ نَحْوَ باكَيْتُهُ فَبَكَيْتُهُ، قالَ جارُ اَللَّهِ: كانَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَتَهَجَّدُ بِاللَّيْلِ فَتَبْكِيهِ اَلنُّجُومُ ويَعْدِلُ بِالنَّهارِ فَتَبْكِيهِ اَلشَّمْسُ والشَّمْسُ غالِبَةٌ في اَلْبُكاءِ لِأنَّ اَلْعَدْلَ أفْضَلُ مِن صَلاةِ اَللَّيْلِ، والجَوْهَرِيُّ جَعَلَها مَنصُوبَةً بِكاسِفَةٍ أيْ لا تَكْسِفُ ضَوْءَ اَلنُّجُومِ لِكَثْرَةِ بُكائِها وكَأنَّهُ جَعَلَ خَفاءَ اَلنُّجُومِ تَحْتَ ضَوْءِ اَلشَّمْسِ كَسْفًا لَها مَجازًا، وفِيهِ أنَّ اَلْكَسْفَ بِالمَعْنى اَلْمَذْكُورِ غَيْرُ واضِحٍ وتَخَلُّلُ تَبْكِي غَيْرُ مُسْتَفْصَحٍ وفي حَواشِي اَلصِّحاحِ اَلشَّمْسُ كاسِفَةٌ لَيْسَتْ بِطالِعَةٍ. وفِيها أنَّ نُجُومَ اَللَّيْلِ ظَرْفٌ أيْ طُولَ اَلدَّهْرِ كَأنَّهُ مِن بابِ آتِيكَ اَلشَّمْسَ والقَمَرَ أيْ وقْتَهُما كَأنَّهُ قِيلَ: تَبْكِي ما يَطْلُعُ اَلنُّجُومُ والقَمَرُ، وفِيهِ أنَّ مِثْلَ هَذا اَلظَّرْفِ مَسْمُوعٌ لا يَثْبُتُ إلّا بِثَبْتٍ فَكَيْفَ يُعْدَلُ إلَيْهِ مَعَ اَلْمَعْنى اَلْواضِحِ، وقِيلَ: اَلتَّقْدِيرُ تَبْكِي بُكاءَ اَلنُّجُومِ فَحُذِفَ اَلْمُضافُ، وفِيهِ أنَّهُ مِمّا لا يَكادُ يُفْهَمُ، والرَّفْعُ واضِحٌ والقَمَرُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ وهَذا اِسْتِطْرادٌ دَعانا إلَيْهِ شُهْرَةُ اَلْبَيْتِ مَعَ كَثْرَةِ اَلْخَبْطِ فِيهِ.
وأخْرَجَ اَلتِّرْمِذِيُّ. وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ قالَ قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «(ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ في اَلسَّماءِ بابانِ بابٌ يَصْعَدُ مِنهُ عَمَلُهُ وبابٌ يَنْزِلُ مِنهُ رِزْقُهُ فالمُؤْمِنُ إذا ماتَ فَقَداهُ وبَكَيا عَلَيْهِ وتَلا هَذِهِ اَلْآيَةَ ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾ وذَكَرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ عَلى وجْهِ اَلْأرْضِ عَمَلًا صالِحًا فَتَفْقِدُهم فَتَبْكِي عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَصْعَدْ لَهم إلى اَلسَّماءِ مِن كَلامِهِمْ ولا مِن عَمَلِهِمْ كَلامٌ طَيِّبٌ ولا عَمَلٌ صالِحٌ فَتَفْقِدُهم فَتَبْكِي عَلَيْهِمْ».
صفحة 125
وأخْرَجَ اَلْبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ اَلْإيمانِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهُما عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: (إنَّ اَلْأرْضَ لَتَبْكِي عَلى اَلْمُؤْمِنِ أرْبَعِينَ صَباحًا ثُمَّ قَرَأ اَلْآيَةَ) وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ اَلْمُؤْمِنَ إذا ماتَ بَكى عَلَيْهِ مُصَلّاهُ مِنَ اَلْأرْضِ ومَصْعِدَ عَمَلِهِ مِنَ اَلسَّماءِ ثُمَّ تَلا ﴿فَما بَكَتْ﴾ إلَخْ وجَعَلُوا كُلَّ ذَلِكَ مِن بابِ اَلتَّمْثِيلِ.
ومَن أثْبَتَ كالصُّوفِيَّةِ لِلْأجْرامِ اَلسَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ وسائِرِ اَلْجَماداتِ شُعُورًا لائِقًا بِحالِها لَمْ يَحْتَجْ إلى اِعْتِبارِ اَلتَّمْثِيلِ وأثْبَتَ بُكاءً حَقِيقِيًّا لَها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ ذاتُها ويَلِيقُ بِها أوْ أوَّلَهُ بِالحُزْنِ أوْ نَحْوِهِ وأثْبَتَهُ لَها حَسْبَ ذَلِكَ أيْضًا.
وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ بُكاءُ اَلسَّماءِ حُمْرَةُ أطْرافِها. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي اَلدُّنْيا عَنِ اَلْحَسَنِ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ عَنْ سُفْيانَ اَلثَّوْرِيِّ قالَ: كانَ يُقالُ هَذِهِ اَلْحُمْرَةُ اَلَّتِي تَكُونُ في اَلسَّماءِ بُكاءُ اَلسَّماءِ عَلى اَلْمُؤْمِنِ ولَعَمْرِي يَنْبَغِي لِمَن لَمْ يَضْحَكْ مِن ذَلِكَ أنْ يَبْكِيَ عَلى عَقْلِهِ، وأنا لا أعْتَقِدُ أنَّ مَن ذُكِرَ مِنَ اَلْأجِلَةِ كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ، وقِيلَ: إنَّ اَلْآيَةَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمْ سُكّانُ اَلسَّماءِ وهُمُ اَلْمَلائِكَةُ وسُكّانُ اَلْأرْضِ وهُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ بَلْ كانُوا بِهَلاكِهِمْ مَسْرُورِينَ.
ورُوِيَ هَذا عَنِ اَلْحَسَنِ والأحْسَنُ ما تَقَدَّمَ ﴿وما كانُوا﴾ لَمّا جاءَ وقْتُ هَلاكِهِمْ ﴿مُنْظَرِينَ﴾ مُمْهَلِينَ إلى وقْتٍ آخَرَ أوْ إلى يَوْمِ اَلْقِيامَةِ بَلْ عُجِّلَ لَهم في اَلدُّنْيا
44:30–31Page 497
وَلَقَدۡ نَجَّيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ٣٠
And We certainly saved the Children of Israel from the humiliating torment -
مِن فِرۡعَوۡنَۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيٗا مِّنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١
From Pharaoh. Indeed, he was a haughty one among the transgressors.
﴿ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ بِما فَعَلْنا بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ما فَعَلْنا ﴿مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ مِنَ اِسْتِعْبادِ فِرْعَوْنَ وقَتْلِهِ أبْناءَهم واسْتِحْيائِهِ نِساءَهم عَلى اَلْخَسْفِ والضَّيْمِ ﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾ بَدَلٌ مِنَ اَلْعَذابِ عَلى حَذْفِ اَلْمُضافِ والتَّقْدِيرُ مِن عَذابِ فِرْعَوْنَ أوْ جَعَلَهُ عَلَيْهِ اَللَّعْنَةُ عَيْنَ اَلْعَذابِ مُبالَغَةً، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ يَقَعُ حالًا أيْ كائِنًا مِن جِهَةِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ واقِعٍ صِفَةً أيْ كائِنًا أوِ اَلْكائِنَ مِن فِرْعَوْنَ ولا بَأْسَ بِهَذا إذا لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ مِن حَذْفِ اَلْمَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ.
وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ (مِن عَذابِ اَلْمُهِينِ) عَلى إضافَةِ اَلْمَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ كَبَقْلَةِ اَلْحَمْقاءِ. وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ مَن (فِرْعَوْنُ) عَلى اَلِاسْتِفْهامِ لِتَهْوِيلِ اَلْعَذابِ أيْ هَلْ تَعْرِفُونَ مَن فِرْعَوْنُ في عُتُوِّهِ وشَيْطَنَتِهِ فَما ظَنُّكم بِعَذابِهِ، وقِيلَ: لِتَحْقِيرِ فِرْعَوْنَ بِجَعْلِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ يُسْتَفْهَمُ عَنْهُ كالنَّكِرَةِ لِما فِيهِ في اَلْقَبائِحِ اَلَّتِي لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُها وما بَعْدُ يُناسِبُ ما قَبْلُ كَما لا يَخْفى.
وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ اَلْجُمْلَةَ اِسْتِئْنافٌ، وقِيلَ: إنَّها مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ هو صِفَةٌ لِلْعَذابِ، وقُدِّرَ اَلْمَقُولُ عِنْدَهُ إنْ كانَ تَعْرِيفُ اَلْعَذابِ لِلْعَهْدِ ومَقُولٌ إنْ كانَ لِلْجِنْسِ فَلا تَغْفُلْ ﴿إنَّهُ كانَ عالِيًا﴾ مُتَكَبِّرًا ﴿مِنَ المُسْرِفِينَ﴾ في اَلشَّرِّ والفَسادِ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا خَبَرٌ ثانٍ لَكانَ أيْ كانَ مُتَكَبِّرًا مُغْرِقًا في اَلْإسْرافِ، وإمّا حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في عالِيًا أيْ كانَ مُتَكَبِّرًا في حالِ إغْراقِهِ في اَلْإسْرافِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences