Al-AlusiAd‑Dukhan · 44:41–55

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ad-Dukhan 44:41–55

44:41Page 498

يَوۡمَ لَا يُغۡنِي مَوۡلًى عَن مَّوۡلٗى شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤١

The Day when no relation1 will avail a relation at all, nor will they be helped -

﴿يَوْمَ لا يُغْنِي﴾ بَدَلٌ مِن (يَوْمَ اَلْفَصْلِ) أوْ عَطْفُ بَيانٍ عِنْدَ مَن لا يَشْتَرِطُ اَلْمُطابَقَةَ تَعْرِيفًا وتَنْكِيرًا، وجُوِّزَ نَصْبُهُ بِأعْنِي مُقَدَّرًا وأنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ اَلْفَصْلُ لا لَهُ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ بِأجْنَبِيٍّ، وهو مَصْدَرٌ لا يَعْمَلُ إذا فُصِلَ لِضَعْفِهِ أوْ لَهُ عَلى قَوْلِ مَنِ اِغْتَفَرَ اَلْفَصْلَ إذا كانَ اَلْمَعْمُولُ ظَرْفًا كابْنِ اَلْحاجِبِ، والرَّضِيِّ، وجَوَّزَ أبُو اَلْبَقاءِ كَوْنَهُ صِفَةً لِمِيقاتِهِمْ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ جامِدٌ نَكِرَةٌ لِإضافَتِهِ لِلْجُمْلَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ مَعَ أنَّهُ لا يَصِحُّ بِناؤُهُ عِنْدَ اَلْبَصْرِيِّينَ إذا أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ صَدْرُها مُعْرَبٌ وهو اَلْمُضارِعُ أيْ يَوْمَ لا يَجْزِي ﴿مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾ مِنَ اَلْأغْنِياءِ أيَّ اَلْإجْزاءِ، فَشَيْئًا مَنصُوبٌ عَلى اَلْمَصْدَرِيَّةِ ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ، ويُغْنِي بِمَعْنى يَدْفَعُ ويَنْفَعُ. وتَنْكِيرُ (شَيْئًا) لِلتَّقْلِيلِ، والمَوْلى اَلصّاحِبُ اَلَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَوَلّى مَعُونَةَ صاحِبِهِ عَلى أُمُورِهِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ اِبْنُ اَلْعَمِّ والحِلْفُ والعَتِيقُ والمُعْتِقُ وغَيْرُهُ، وذَكَرَ اَلْخَفاجِيُّ أنَّهُ مِنَ اَلْوِلايَةِ وهي اَلتَّصَرُّفُ فَيَشْمَلُ كُلَّ مَن يَتَصَرَّفُ في آخَرَ لِأمْرٍ ما كَقَرابَةٍ وصَداقَةٍ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْنا. وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ اِسْتِعْمالِ اَلْمُشْتَرِكِ في أكْثَرَ مِن مَعْنًى واحِدٍ، ولَوْ سُلِّمَ أنْ هُناكَ مُشْتَرِكًا اِسْتُعْمِلَ في أكْثَرَ مِن مَعْنًى كانَتِ اَلْآيَةُ دَلِيلًا لِابْنِ اَلْهُمامِ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ في جَوازِ ذَلِكَ في اَلنَّفْيِ فَيُقالُ عِنْدَهُ: ما رَأيْتُ عَيْنًا ويُرادُ اَلْعَيْنُ اَلْباصِرَةُ وعَيْنُ اَلذَّهَبِ وغَيْرُها ويُعْلَمُ مِن نَفْيِ إغْناءِ اَلْمَوْلى نَفْيُ إغْناءِ غَيْرِهِ مِن بابٍ أوْلى.

﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ اَلضَّمِيرُ عِنْدَ جَمْعٍ لِلْمَوْلى اَلْأوَّلِ؛ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ اَلْمَعْنى لِأنَّهُ نَكِرَةٌ في سِياقِ اَلنَّفْيِ وهي تَعُمُّ دُونَ اَلثّانِي لِأنَّهُ أفْيَدُ وأبْلَغُ لِأنَّ حالَ اَلْمَوْلى اَلثّانِي نُصْرَتُهُ مَعْلُومٌ مِن نَفْيِ اَلْإغْناءِ اَلسّابِقِ، ولِأنَّهُ إذا لَمْ يَنْصُرُ مَنِ اِسْتَنَدَ إلَيْهِ فَكَيْفَ هُوَ، وأيْضًا وجْهُ جَمْعِ اَلضَّمِيرِ فِيهِ أظْهَرُ، وجُوِّزَ عَوْدُهُ عَلى اَلثّانِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يَنْصُرُهُ غَيْرُ مَوْلاهُ وهو في سِياقِ اَلنَّفْيِ أيْضًا وإنْ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ بِمَرْتَبَةِ اَلْأوَّلِ. نَعَمْ قِيلَ في وجْهِ اَلْجَمْعِ عَلَيْهِما: إنَّ اَلنَّكِرَةَ في سِياقِ اَلنَّفْيِ تَدُلُّ عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ فَلا يَرْجِعُ اَلضَّمِيرُ لَها جَمْعًا.

وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا يَطَّرِدُ لِأنَّها قَدْ تُحْمَلُ عَلى اَلْمَجْمُوعِ بِقَرِينَةِ عَوْدِ ضَمِيرِ اَلْجَمْعِ عَلَيْها، ولَعَلَّ اَلْأوْلى عَوْدُ اَلضَّمِيرِ عَلى اَلْمَوْلى اَلْمَفْهُومِ مِنَ اَلنَّكِرَةِ اَلْمَنفِيَّةِ، وقالَ بَعْضٌ: لَوْ جُعِلَ اَلضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ كَضَمِيرِ (مِيقاتُهُمْ) كَثُرَتِ اَلْفائِدَةُ وقَلَّتِ اَلْمَئُونَةُ فَتَأمَّلْ

44:42Page 498

إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٤٢

Except those [believers] on whom Allāh has mercy. Indeed, He is the Exalted in Might, the Merciful.

﴿إلا مَن رَحِمَ اللَّهُ﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ (يُنْصَرُونَ) أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى اَلِاسْتِثْناءِ مِنهُ أيْ لا يُمْنَعُ مِنَ اَلْعَذابِ إلّا مَن رَحِمَهُ اَللَّهُ تَعالى وذَلِكَ بِالعَفْوِ عَنْهُ وقَبُولِ اَلشَّفاعَةِ فِيهِ.

وجُوِّزَ كَوْنُهُ بَدَلًا أوِ اِسْتِثْناءً مِن (مَوْلًى) وفِيهِ كَما في اَلْأوَّلِ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ اَلشَّفاعَةِ لَكِنَّ اَلرُّجْحانَ لِلْأوَّلِ لَفْظًا ومَعْنًى؛ والِاسْتِثْناءُ مِن أيٍّ كانَ مُتَّصِلٌ، وقالَ اَلْكِسائِيُّ: إنَّهُ مُنْقَطِعٌ أيْ لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اَللَّهُ تَعالى

صفحة 132

فَإنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى قَرِيبٍ يَنْفَعُهُ ولا إلى ناصِرٍ يَنْصُرُهُ، ولا وجْهَ لَهُ مَعَ ظُهُورِ اَلِاتِّصالِ، نَعَمْ إنَّهُ لا يَتَأتّى عَلى كَوْنِ اَلِاسْتِثْناءِ مِنَ اَلضَّمِيرِ وكَوْنِهِ راجِعًا لِلْكُفّارِ فَلا تَغْفُلْ.

﴿إنَّهُ هو العَزِيزُ﴾ اَلْغالِبُ اَلَّذِي لا يُنْصَرُ مَن أرادَ سُبْحانَهُ تَعْذِيبَهُ ﴿الرَّحِيمُ﴾ لِمَن أرادَ أنْ يَرْحَمَهُ عَزَّ وجَلَّ.

44:43–44Page 498

إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ ٤٣

Indeed, the tree of zaqqūm

طَعَامُ ٱلۡأَثِيمِ ٤٤

Is food for the sinful.

﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ مَرَّ مَعْنى اَلزَّقُّومِ في اَلصّافّاتِ وقُرِئَ (شِجَرَةَ) بِكَسْرِ اَلشِّينِ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ أيِ اَلْكَثِيرِ اَلْآثامِ والمُرادُ بِهِ اَلْكافِرُ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ عَلَيْهِ دُونَ ما يَعُمُّهُ والعاصِي اَلْمُكْثِرِ مِنَ اَلْمَعاصِي ثُمَّ إنَّ اَلْمُرادَ بِهِ جِنْسُ اَلْكافِرِ لا واحِدَ بِعَيْنِهِ، وقالَ اِبْنُ زَيْدٍ. وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ هَنا أبُو جَهْلٍ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ ولا دَلِيلَ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي مالِكٍ مِن أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَأْتِي بِالتَّمْرِ والزُّبْدِ فَيَقُولُ: تَزَقَّمُوا فَهَذا اَلزَّقُّومُ اَلَّذِي يَعِدُكم بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ لِما لا يَخْفى، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّهُ اَلْوَلِيدُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ وابْنُ اَلْأنْبارِيِّ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ عَنْ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ أنَّ اِبْنَ مَسْعُودٍ أقْرَأ رَجُلًا ﴿إنَّ شَجَرَتَ اَلزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ فَقالَ اَلرَّجُلُ طَعامُ اَلْيَثِيمِ فَرَدَّدَها عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْتَقِمْ بِها لِسانُهُ فَقالَ أتَسْتَطِيعُ أنْ تَقُولَ طَعامُ اَلْفاجِرِ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: فافْعَلْ، وأخْرَجَ اَلْحاكِمُ وصَحَّحَهُ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي اَلدَّرْداءِ أنَّهُ وقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فَلَمّا رَأى اَلرَّجُلَ أنَّهُ لا يَفْهَمُ قالَ: إنَّ شَجَرَةَ اَلزَّقُّومِ طَعامُ اَلْفاجِرِ.

واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ إبْدالَ كَلِمَةٍ مَكانَ كَلِمَةٍ جائِزٌ إذا كانَتْ مُؤَدِّيَةً مَعْناها. وتَعَقَّبَهُ اَلْقاضِي أبُو بَكْرٍ في اَلِانْتِصارِ بِأنَّهُ أرادَ أنْ يُنَبِّهَهُ عَلى أنَّهُ لا يُرِيدُ اَلْيَتِيمَ بَلِ اَلْفاجِرَ فَيَنْبَغِي أنْ يَقْرَأ (اَلْأثِيمِ) وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا اَلتَّأْوِيلَ لا يَكادُ يَتَأتّى فِيما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ فَإنَّهُ كالنَّصِّ في تَجْوِيزِ اَلْإبْدالِ لِذَلِكَ اَلرَّجُلِ وأبْعَدُ مِنهُ عَنِ اَلتَّأْوِيلِ ما أخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ كانَ يُقْرِئُ رَجُلًا فارِسِيًّا فَكانَ إذا قَرَأ عَلَيْهِ ﴿إنَّ شَجَرَتَ اَلزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ قالَ: طَعامُ اَلْيَتِيمِ فَمَرَّ بِهِ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «(قُلْ لَهُ طَعامُ اَلظَّلّامِ)» فَقالَها فَفَصَحَ بِها لِسانُهُ، وفي اَلْبابِ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ جِيادُ اَلْأسانِيدِ كَخَبَرِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «(أُنْزِلَ اَلْقُرْآنُ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ عَلِيمًا حَكِيمًا غَفُورًا رَحِيمًا)» .

وكَخَبَرِهِ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ كُلُّهُ أيِ اَلْقُرْآنُ شافٍ كافٍ ما لَمْ تَخْتِمْ آيَةَ عَذابٍ بِرَحْمَةٍ أوْ رَحْمَةٍ بِعَذابٍ نَحْوُ قَوْلِكَ تَعالَ وأقْبِلْ وأسْرِعْ وعَجِّلْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، لَكِنْ قالَ اَلطَّحاوِيُّ: إنَّما كانَ ذَلِكَ رُخْصَةً لَمّا كانَ يَتَعَسَّرُ عَلى كَثِيرٍ مِنهُمُ اَلتِّلاوَةُ بِلَفْظٍ واحِدٍ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالكِتابَةِ والضَّبْطِ وإتْقانِ اَلْحِفْظِ ثُمَّ نُسِخَ بِزَوالِ اَلْعُذْرِ وتَيَسُّرِ اَلْكِتابَةِ والحِفْظِ، وكَذا قالَ اِبْنُ عَبْدِ اَلْبَرِّ والباقِلّانِيُّ وآخَرُونَ، ولَعَلَّهُ إنْ تَحَقَّقَ إبْدالٌ مِن أحَدٍ مِنَ اَلصَّحابَةِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهم بَعْدَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ يُقالُ: إنَّهُ كانَ مِنهُ قَبْلَ اَلِاطِّلاعِ عَلى اَلنَّسْخِ ومَتى لَمْ يَجُزْ إبْدالُ كَلِمَةٍ مَكانَ كَلِمَةٍ مُؤَدِّيَةٍ مَعْناها مَعَ اَلِاتِّحادِ عَرَبِيَّةً فَعَدَمُ جَوازِ ذَلِكَ مَعَ اَلِاخْتِلافِ عَرَبِيَّةً وفارِسِيَّةً مَثَلًا أظْهَرُ، وما رُوِيَ عَنِ اَلْإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن أنَّهُ يَرى جَوازَ قِراءَةِ اَلْقُرْآنِ بِالفارِسِيَّةِ بِشَرْطِ أداءِ اَلْمَعانِي عَلى كَمالِها فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ خِلافُهُ، وقَدْ حَقَّقَ اَلشَّرْنَبْلالِيُّ عَلَيْهِ اَلرَّحْمَةُ هَذِهِ اَلْمَسْألَةَ في رِسالَةٍ مُفْرَدَةٍ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا اَلْكِتابِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ، والطَّعامُ ما يُتَناوَلُ مِنهُ مِنَ اَلْغِذاءِ وأصْلُهُ مَصْدَرٌ فَلِذا وقَعَ خَبَرًا عَنِ اَلْمُؤَنَّثِ ولَمْ يُطابِقْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ قَوْلِهِ:

إنارَةُ اَلْعَقْلِ مَكْسُوفٌ بِطَوْعِ هَوى وعَقْلُ عاصِي اَلْهَوى يَزْدادُ تَنْوِيرًا

صفحة 133

فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اَلزَّقُّومَ طَعامُ اَلْأثِيمِ

44:45Page 498

كَٱلۡمُهۡلِ يَغۡلِي فِي ٱلۡبُطُونِ ٤٥

Like murky oil, it boils within bellies

﴿كالمُهْلِ﴾ عَكَرُ اَلزَّيْتِ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما وجاءَ في حَدِيثٍ رَواهُ اَلْحاكِمُ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا وفِيهِ «(فَإذا قُرِّبَ إلى وجْهِهِ- يَعْنِي اَلْجَهَنَّمِيَّ- سَقَطَتْ فَرْوَةُ وجْهِهِ)» ورُبَّما يُؤَيَّدُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ وقالَ بَعْضٌ: عَكَرُ اَلْقَطِرانِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما اَلصَّدِيدُ، ومِنهُ ما في حَدِيثِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ «اِدْفِنُونِي في ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ فَإنَّما هُما لِلْمُهْلِ والتُّرابِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ ما أُذِيبَ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ أوْ حَدِيدٍ أوْ رَصاصٍ،» ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ، قِيلَ: وسُمِّيَ ذَلِكَ مُهْلًا لِأنَّهُ يُمْهَلُ في اَلنّارِ حَتّى يَذُوبَ فَهو مِنَ اَلْمَهَلِ بِمَعْنى اَلسُّكُونِ، وادَّعى بَعْضُهُمُ اَلِاشْتِراكَ وقَدْ جاءَ اِسْتِعْمالُهُ في كُلِّ ما سَمِعْتَ، وقَرَأ اَلْحَسَنُ (كالمَهْلِ) بِفَتْحِ اَلْمِيمِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ أوِ اَلْكافُ في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اِسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِ اَلطَّعامِ أيْ هو كالمُهْلِ أوْ مِثْلُ اَلْمُهْلِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِذَلِكَ اَلْمُبْتَدَأِ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في اَلْجارِّ والمَجْرُورِ فَيَكُونُ وصْفًا لِلطَّعامِ أيْضًا؛ وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: هو حالٌ مِنَ اَلْمُهْلِ، وقِيلَ: صِفَةٌ لَهُ لِأنَّ ألْ فِيهِ لِلْجِنْسِ نَحْوُ:

أمُرُّ عَلى اَللَّئِيمِ يَسُبُّنِي

ويُعْتَبَرُ داخِلًا في اَلتَّشْبِيهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ غَلَيانَ اَلطَّعامِ في اَلْبَطْنِ فِيهِ مُبالَغَةٌ أمّا اَلتَّشْبِيهُ بِمُهْلٍ يَغْلِي في اَلْبَطْنِ فَلا، وقِيلَ كالمُهْلِ أوِ اَلْكافُ خَبَرٌ ثانٍ لَإنَّ وجُمْلَةُ ﴿يَغْلِي في البُطُونِ﴾ حالٌ مِنَ اَلزَّقُّومِ أوِ اَلطَّعامِ. وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مُنِعَ مَجِيءُ اَلْحالِ مِنَ اَلْمُضافِ إلَيْهِ في غَيْرِ صُوَرٍ مَخْصُوصَةٍ لَيْسَ هَذا مِنها ومُنِعَ مَجِيئُهُ مِنَ اَلْخَبَرِ ومِنَ اَلْمُبْتَدَأِ. وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا بِناءً عَلى جَوازِ مَجِيءِ اَلْحالِ مِنَ اَلْخَبَرِ ومِنَ اَلْمُبْتَدَأِ والمُضافُ إلَيْهِ اَلْمُبْتَدَأُ في حُكْمِهِ وأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ اَلصُّوَرِ اَلَّتِي يَجِيءُ اَلْحالُ فِيها مِنَ اَلْمُضافِ إلَيْهِ لِأنَّ اَلْمُضافَ كالجُزْءِ في جَوازِ إسْقاطِهِ، ولا يَخْفى أنَّهُ بِناءٌ عَلى ضَعِيفٍ، وقِيلَ: كالمُهْلِ خَبَرٌ ثانٍ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ اَلشَّجَرَةِ اَلْمُسْتَتِرِ فِيهِ، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ كَوْنِها طَعامَ اَلْأثِيمِ أوْ لِاكْتِسابِها إيّاهُ مِمّا أُضِيفَتْ إلَيْهِ نَظِيرُ ما سَمِعْتَ في اَلْبَيْتِ آنِفًا وهو تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وقِيلَ: اَلْجُمْلَةُ عَلى ذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو ضَمِيرُ اَلطَّعامِ أوِ اَلزَّقُّومِ فَإنْ كانَتِ اَلْجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُسْتَأْنَفَةً فالبَحْثُ هَيِّنٌ وإنْ كانَتْ حالِيَّةً عادَ ما مَرَّ آنِفًا ولا أراكَ تَظُنُّهُ هَيِّنًا، وقِيلَ: كالمُهْلِ حالٌ مِن طَعامٍ وحالُهُ مَعْلُومٌ، وبِالجُمْلَةِ اَلْوُجُوهُ في إعْرابِ اَلْآيَةِ كَثِيرَةٌ وأنا أخْتارُ مِنها ما ذَكَرْتُهُ أوَّلًا.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ. وأبُو رَزِينٍ. والأعْرَجُ. وأبُو جَعْفَرٍ. وشَيْبَةُ. وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وطَلْحَةُ. والحَسَنُ في رِوايَةٍ. وأكْثَرُ اَلسَّبْعَةِ (تَغْلِي) بِالتّاءِ اَلْفَوْقِيَّةِ فَكالمُهْلِ خَبَرٌ ثانٍ لِإنَّ وجُمْلَةُ (تَغْلِي) خَبَرٌ ثالِثٌ واتِّحادُ اَلْمُبْتَدَأِ والخَبَرِ مُتَكَفِّلٌ بِاتِّحادِ اَلْقِراءَتَيْنِ مَعْنًى فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.

44:46Page 498

كَغَلۡيِ ٱلۡحَمِيمِ ٤٦

Like the boiling of scalding water.

﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ غَلْيًا كَغَلْيِ اَلْحَمِيمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا، والحَمِيمُ ما هو في غايَةِ اَلْحَرارَةِ

44:47Page 498

خُذُوهُ فَٱعۡتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٤٧

[It will be commanded], "Seize him and drag him into the midst of the Hellfire,

﴿خُذُوهُ﴾ عَلى إرادَةِ اَلْقَوْلِ والمَقُولُ لَهُ اَلزَّبانِيَةُ أيْ ويُقالُ لَهم خُذُوهُ ﴿فاعْتِلُوهُ﴾ فَجُرُّوهُ بِقَهْرٍ.

قالَ اَلرّاغِبُ: اَلْعَتْلُ اَلْأخْذُ بِمَجامِعِ اَلشَّيْءِ وجَرُّهُ بِقَهْرٍ، وبَعْضُهم يُعَبِّرُ بِالثَّوْبِ بَدَلَ اَلشَّيْءِ ولَيْسَ ذاكَ بِلازِمٍ والمَدارُ عَلى اَلْجَرِّ مَعَ اَلْإمْساكِ بِعُنْفٍ.

وقالَ اَلْأعْمَشُ. ومُجاهِدٌ: مَعْنى (اِعْتَلَوْهُ) اِقْصِفُوهُ كَما يُقْصَفُ اَلْحَطَبُ، والظّاهِرُ عَلَيْهِ اَلتَّضْمِينُ أوْ تَعَلُّقُ اَلْجارِّ بِخَذْوِهِ، والمَعْنى اَلْأوَّلُ هو اَلْمَشْهُورُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. والحِجازِيّانِ. وابْنُ عامِرٍ. ويَعْقُوبُ (فاعْتُلُوهُ)

صفحة 134

بِضَمِّ اَلتّاءِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ اَلْحَسَنِ. وقَتادَةَ. والأعْرَجِ. عَلى أنَّهُ مِن بابِ قَعَدَ، وعَلى قِراءَةِ اَلْجُمْهُورِ مِن بابِ نَصَرَ وهُما لُغَتانِ ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ أيْ وسَطِهِ، وسُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ بُعْدِ جَمِيعِ أطْرافِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ.

44:48Page 498

ثُمَّ صُبُّواْ فَوۡقَ رَأۡسِهِۦ مِنۡ عَذَابِ ٱلۡحَمِيمِ ٤٨

Then pour over his head from the torment of scalding water."

﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ كَأنَّ أصْلَهُ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ اَلْحَمِيمَ، ثُمَّ قِيلَ: صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ عَذابًا هو اَلْحَمِيمُ لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِ اَلْعَذابِ عَيْنَ اَلْحَمِيمِ، وهو مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ ولِجَعْلِهِ مَصْبُوبًا كالمَحْسُوسِ ثُمَّ أُضِيفَ اَلْعَذابُ إلى اَلْحَمِيمِ لِلتَّخْفِيفِ، وزِيدَ (مِن) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اَلْمَصْبُوبَ بَعْضُ هَذا اَلنَّوْعِ فَهُناكَ إمّا تَمْثِيلٌ أوِ اِسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ أوْ مَكْنِيَّةٌ أوْ تَخْيِيلِيَّةٌ

44:49Page 498

ذُقۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡكَرِيمُ ٤٩

[It will be said], "Taste! Indeed, you are the honored, the noble!1

﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ ويُقالُ: أوْ قُولُوا لَهُ ذَلِكَ اِسْتِهْزاءً وتَقْرِيعًا عَلى ما كانَ يَزْعُمُهُ.

أخْرَجَ عَبْدُ اَلرَّزّاقِ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ قالَ أبُو جَهْلٍ: ما بَيْنَ جَبَلَيْها رَجُلٌ أعَزُّ ولا أكْرَمُ مِنِّي، فَقالَ اَللَّهُ تَعالى: (ذُقْ) إلَخْ.

وأخْرَجَ اَلْأُمَوِيُّ في مَغازِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما تَسْتَطِيعُ لِي أنْتَ ولا صاحِبُكَ مِن شَيْءٍ لَقَدْ عَلِمْتَ أنَّنِي أمْنَعُ أهْلِ بَطْحاءَ وأنا اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ» فَقَتَلَهُ اَللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ وأذَلَّهُ وعَيَّرَهُ بِكَلِمَتِهِ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ ورُوِيَ أنَّ اَللَّعِينَ قالَ يَوْمًا: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أخْبِرُونِي ما اِسْمِي فَذُكِرَتْ لَهُ ثَلاثَةُ أسْماءَ عَمْرٌو. والجَلّاسُ. وأبُو اَلْحَكَمِ فَقالَ: ما أصَبْتُمُ اِسْمِي ألا أُخْبِرُكم بِهِ؟ قالُوا: بَلى قالَ: اِسْمِي اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ اَلْآياتِ، وهَذا ونَحْوُهُ لا يَدُلُّ أيْضًا عَلى تَخْصِيصِ حُكْمِ اَلْآيَةِ بِهِ فَكُلُّ أثِيمٍ يُدْعى دَعْواهُ كَذَلِكَ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ، وقِيلَ: اَلْمَعْنى ذُقْ إنَّكَ أنْتَ اَلْعَزِيزُ في قَوْمِكَ اَلْكَرِيمُ عَلَيْهِمْ فَما أغْنى ذَلِكَ عَنْكَ ولَمْ يُفِدْكَ شَيْئًا، والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِلْإدْراكِ.

وقَرَأ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى اَلْمِنبَرِ، والكِسائِيُّ (أنَّكَ) بِفَتْحِ اَلْهَمْزَةِ عَلى مَعْنى لِأنَّكَ.

44:50Page 498

إِنَّ هَٰذَا مَا كُنتُم بِهِۦ تَمۡتَرُونَ ٥٠

Indeed, this is what you used to dispute."

﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ اَلْعَذابَ أوِ اَلْأمْرَ اَلَّذِي أنْتُمْ فِيهِ ﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ تَشُكُّونَ وتُمارُونَ فِيهِ، وهَذا اِبْتِداءُ كَلامٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ أوْ مِن مَقُولِ اَلْقَوْلِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ اَلْمَعْنى لِما سَمِعْتَ أنَّ اَلْمُرادَ جِنْسُ اَلْأثِيمِ.

44:51–52Page 498

إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٖ ٥١

Indeed, the righteous will be in a secure place:

فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٥٢

Within gardens and springs,

﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ﴾ في مَوْضِعِ قِيامٍ، والمُرادُ بِالقِيامِ اَلثَّباتُ والمُلازَمَةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ ويُكَنّى بِهِ عَنِ اَلْإقامَةِ لِأنَّ اَلْمُقِيمَ مُلازِمٌ لِمَكانِهِ، وهو مُرادُ مَن قالَ: في مَقامٍ أيْ مَوْضِعِ إقامَةٍ.

وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وأبُو جَعْفَرٍ. وشَيْبَةُ. والأعْرَجُ. والحَسَنُ. وقَتادَةُ. ونافِعٌ. وابْنُ عامِرٍ (مُقامٍ) بِضَمِّ اَلْمِيمِ ومَعْناهُ مَوْضِعُ إقامَةٍ، وعَلى ما قَرَّرْنا تَرْجِعُ اَلْقِراءَتانِ إلى مَعْنًى واحِدٍ.

﴿أمِينٍ﴾ يَأْمَنُ صاحِبُهُ مِمّا يَكْرَهُ فَهو صِفَةٌ مِنَ اَلْأمْنِ وهو عَدَمُ اَلْخَوْفِ عَمّا هو مِن شَأْنِهِ، ووَصْفُ اَلْمَقامِ بِهِ بِاعْتِبارِ أمْنِ مَن آمَنَ بِهِ فَهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ كَما في نَهْرٍ جارٍ، وظاهِرُ كَلامِ اَلزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ ذَلِكَ اِسْتِعارَةٌ مِنَ اَلْأمانَةِ كَأنَّ اَلْمَكانَ مُؤْتَمَنٌ وُضِعَ عِنْدَهُ ما يَحْفَظُهُ مِنَ اَلْمَكارِهِ فَفِيهِ اِسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَأْمُونٍ فِيهِ ولَيْسَ بِذاكَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلنِّسْبَةِ أيْ ذِي أمْنٍ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ بَدَلٌ مِن (مَقامٍ) بِإعادَةِ اَلْجارِّ أوِ اَلْجارُّ والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِنَ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ، وظَرْفِيَّةُ اَلْعُيُونِ لِلْمُجاوَرَةِ، والظّاهِرُ

صفحة 135

أنَّهُ بَدَلُ اِشْتِمالٍ لا كُلٍّ وبَعْضٍ، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى نَزاهَةِ مَكانِهِمْ واشْتِمالِهِ عَلى ما يُسْتَلَذُّ مِنَ اَلْمَآكِلِ والمَشارِبِ.

44:53Page 498

يَلۡبَسُونَ مِن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٥٣

Wearing [garments of] fine silk and brocade, facing each other.

﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ في اَلْجارِّ والمَجْرُورِ أوِ اِسْتِئْنافٌ، والسُّنْدُسُ قالَ ثَعْلَبٌ: اَلرَّقِيقُ مِنَ اَلدِّيباجِ والواحِدَةُ سُنْدُسَةٌ، والإسْتَبْرَقُ غَلِيظُهُ، وقالَ اَللَّيْثُ: هو ضَرْبٌ مِن اَلْبُزْيُونِ يُتَّخَذُ مِنَ اَلْمَرْعَزِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ اَللُّغَةِ في أنَّهُما مُعَرَّبانِ كَذا ذَكَرَهُ بَعْضُهم.

وفِي اَلْكَشّافِ اَلْإسْتَبْرَقُ ما غَلُظَ مِنَ اَلدِّيباجِ وهو تَعْرِيبُ اِسْتَبَرَ، قالَ اَلْخَفاجِيُّ: ومَعْنى اِسْتَبَرَ في لُغَةِ اَلْفُرْسِ اَلْغَلِيظُ مُطْلَقًا ثُمَّ خُصَّ بِغَلِيظِ اَلدِّيباجُ وعُرِّبَ، وقِيلَ: إنَّهُ عَرَبِيٌّ مِنَ اَلْبَراقَةِ، وأُيِّدَ بِقِراءَتِهِ بِوَصْلِ اَلْهَمْزَةِ وهو كَما تَرى.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ اَلسُّنْدُسَ أصْلُهُ سِنْدِيٌّ ومَعْناهُ مَنسُوبٌ إلى اَلسِّنْدِ اَلْمَكانِ اَلْمَعْرُوفِ لِأنَّ اَلسُّنْدُسَ كانَ يُجْلَبُ مِنهُ فَأُبْدِلَتْ ياءُ اَلنِّسْبَةِ سِينًا، وقَدْ مَرَّ اَلْكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ، ثُمَّ إنَّ وُقُوعَ اَلْمُعَرَّبِ في اَلْقُرْآنِ اَلْعَظِيمِ لا يُنافِي كَوْنَهُ عَرَبِيًّا مُبِينًا. ونَقَلَ صاحِبُ اَلْكَشْفِ عَنْ جارِ اَللَّهِ أنَّهُ قالَ: اَلْكَلامُ اَلْمَنظُومُ مُرَكَّبٌ مِنَ اَلْحُرُوفِ اَلْمَبْسُوطَةِ في أيِّ لِسانٍ كانَ تُرْكِيٍّ أوْ فارِسِيٍّ أوْ عَرَبِيٍّ ثُمَّ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ اَلْعَرَبِيَّ أعْجَمِيٌّ فَكَذا هَهُنا، ثُمَّ قالَ صاحِبُ اَلْكَشْفِ: يُرِيدُ أنَّ كَوْنَ اِسْتَبَرَ أعْجَمِيًّا لا يَلْزَمُهُ أنْ يَكُونَ إسْتَبْرَقُ كَذَلِكَ. وقَرَأ اِبْنُ مُحَيْصِنٍ (واسْتَبْرَقَ) فِعْلًا ماضِيًا كَما في اَلْبَحْرِ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ قِيلَ مُعْتَرِضَةٌ، وقِيلَ: حالٌ مِن (سُنْدُسٍ) والمَعْنى يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وقَدْ بَرَقَ لِصِقالَتِهِ ومَزِيدِ حُسْنِهِ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾ في مَجالِسِهِمْ لِيَسْتَأْنِسَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ

44:54Page 498

كَذَٰلِكَ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٥٤

Thus. And We will marry them to fair women with large, [beautiful] eyes.

﴿كَذَلِكَ﴾ أيِ اَلْأمْرُ كَذَلِكَ فالكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى اَلْخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والمُرادُ تَقْرِيرُ ما مَرَّ وتَحْقِيقُهُ. ونُقِلَ عَنْ جارِ اَللَّهِ أنَّهُ قالَ: والمَعْنى فِيهِ أنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ اَلْوَصْفَ وأنَّهُ بِمَثابَةِ ما لا يُحِيطُ بِهِ اَلْوَصْفُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: اَلْأمْرُ نَحْوَ ذَلِكَ وما أشْبَهَهُ.

وأرادَ عَلى ما قالَ اَلْمُدَقِّقُ أنَّ اَلْكافَ مُقْحَمٌ لِلْمُبالَغَةِ وذَلِكَ مُطَّرِدٌ في عُرْفَيِ اَلْعَرَبِ والعَجَمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى مَعْنى أثَبْناهم مِثْلَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَوَّجْناهُمْ﴾ عَلى هَذا عَطْفٌ عَلى اَلْفِعْلِ اَلْمُقَدَّرِ وعَلى ما قَبْلُ عَلى (يَلْبَسُونَ) والمُرادُ عَلى ما قالَ غَيْرُ واحِدٍ وقَرَنّاهم ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ وفُسِّرَ بِذَلِكَ قِيلَ لِأنَّ اَلْجَنَّةَ لَيْسَ فِيها تَكْلِيفٌ فَلا عَقْدَ ولا تَزْوِيجَ بِالمَعْنى اَلْمَشْهُورِ، وقِيلَ: لِمَكانِ اَلْباءِ، وزَوَّجَهُ اَلْمَرْأةَ بِمَعْنى أنْكَحَهُ إيّاها مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وفِيهِ بَحْثٌ فَإنَّ اَلْأخْفَشَ جَوَّزَ اَلْباءَ فِيهِ فَيُقالُ: زَوَّجْتُهُ بِاِمْرَأةٍ فَتَزَوَّجَ بِها، وأزْدُ شَنُوءَةَ يَعُدُّونَهُ بِالباءِ أيْضًا، وفي اَلْقامُوسِ زَوَّجْتُهُ اِمْرَأةً وتَزَوَّجْتُ اِمْرَأةً وبِها أوْ هي قَلِيلَةٌ، ويُعْلَمُ مِمّا ذُكِرَ أنَّ قَوْلَ بَعْضِ اَلْفُقَهاءِ زَوَّجْتُهُ بِها خَطَأٌ لا وجْهَ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنْ ذَلِكَ اَلتَّفْسِيرُ لِأنَّ اَلْحُورَ اَلْعَيْنَ في اَلْجَنَّةِ مِلْكُ يَمِينٍ كالسِّرارِيِّ في اَلدُّنْيا فَلا يَحْتاجُ اَلْأمْرُ إلى اَلْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في اَلْجَنَّةِ عَقْدٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها تَكْلِيفٌ.

وقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ. وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: زَوَّجْناهم أنَكَحْناهم. ومِنَ اَلنّاسِ مَن قالَ بِالتَّكْلِيفِ فِيها بِمَعْنى اَلْأمْرِ والنَّهْيِ لَكِنْ لا يَجِدُونَ في اَلْفِعْلِ والتَّرْكِ كُلْفَةً، نَعَمِ اَلْمَشْهُورُ أنْ لا تَكْلِيفَ فِيها، وبَعْضُ ما حُرِّمَ في اَلدُّنْيا كَنِكاحِ اِمْرَأةِ اَلْغَيْرِ ونِكاحِ اَلْمَحارِمِ لا يَفْعَلُونَهُ لِعَدَمِ خُطُورِهِ لَهم بِبالٍ أصْلًا، والحُورُ جَمْعُ حَوْراءَ وهي اَلْبَيْضاءُ كَما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وغَيْرِهِما، وقِيلَ: اَلشَّدِيدَةُ سَوادِ اَلْعَيْنِ وبَياضِها، وقِيلَ: اَلْحَوْراءُ ذاتُ اَلْحَوَرِ وهو سَوادُ اَلْمُقْلَةِ كُلِّها كَما في اَلظِّباءِ فَلا يَكُونُ في اَلْإنْسانِ إلّا مَجازًا. وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ. وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ اَلْحَوْراءَ اَلَّتِي يَحارُ فِيها اَلطَّرْفُ. والعِينُ جَمْعُ عَيْناءَ وهي عَظِيمَةُ اَلْعَيْنَيْنِ وأكْثَرُ اَلْأخْبارِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ

صفحة 136

لَسْنَ نِساءَ اَلدُّنْيا، أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ. والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «خُلِقَ اَلْحُورُ اَلْعِينُ مِن زَعْفَرانَ)» وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ. والخَطِيبُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.

وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُبارَكِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: «إنَّ اَللَّهَ تَعالى لَمْ يَخْلُقِ اَلْحُورَ اَلْعِينَ مِن تُرابٍ إنَّما خَلَقَهُنَّ مِن مِسْكٍ وكافُورٍ وزَعْفَرانَ».

وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُوَيْهِ. والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ «حُورُ اَلْعِينِ خَلَقَهُنَّ مِن تَسْبِيحِ اَلْمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ)» وهَذا إنْ صَحَّ لا يُعارِضُ ما قَبْلَهُ إذْ لا بُدَّ عَلَيْهِ مِن أنْ يُقالَ بِتَجَسُّدِ اَلْمَعانِي فَيَجُوزُ تَجَسُّدُ اَلتَّسْبِيحِ وجَعْلُهُ جُزْءًا مِمّا خُلِقْنَ مِنهُ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِهِنَّ هُنا نِساءُ اَلدُّنْيا وهُنَّ في اَلْجَنَّةِ حُورٌ عِينٌ بِالمَعْنى اَلَّذِي سَمِعْتَ بَلْ هُنَّ أجْمَلُ مِنَ اَلْحُورِ اَلْعِينِ أعْنِي اَلنِّساءَ اَلْمَخْلُوقاتِ في اَلْجَنَّةِ مِن زَعْفَرانَ أوْ غَيْرِهِ ويُعْطى اَلرَّجُلُ هُناكَ ما كانَ لَهُ في اَلدُّنْيا مِنَ اَلزَّوْجاتِ، وقَدْ يَضُمُّ إلى ذَلِكَ ما شاءَ اَللَّهُ تَعالى مِن نِساءٍ مُتْنَ ولَمْ يَتَزَوَّجْنَ، ومَن تَزَوَّجَتْ بِأكْثَرَ مِن واحِدٍ فَهي لِآخِرِ أزْواجِها أوْ لِأوَّلِهِمْ إنْ لَمْ يَكُنْ طَلَّقَها في اَلدُّنْيا أوْ تُخَيَّرَ فَتَخْتارُ مَن كانَ أحْسَنَهم خُلُقًا مَعَها، أقْوالٌ صَحَّحَ جَمْعٌ مِنها اَلْأوَّلَ، وتُعْطى زَوْجَةُ كافِرٍ دَخَلَتِ اَلْجَنَّةَ لِمَن شاءَ اَللَّهُ تَعالى. وقَدْ ورَدَ أنَّ آسِيَةَ اِمْرَأةَ فِرْعَوْنَ تَكُونُ زَوْجَةَ نَبِيِّنا صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ (بِحُورِ عِينٍ) بِالإضافَةِ وهي عَلى مَعْنى مِن أيْ بِالحُورِ مِنَ اَلْعِينِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اَللَّهِ (بِعِيسٍ عِينٍ) والعَيْساءُ اَلْبَيْضاءُ تَعْلُوها حُمْرَةٌ

44:55Page 498

يَدۡعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ ٥٥

They will call therein for every [kind of] fruit - safe and secure.

﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ﴾ يَطْلُبُونَ ويَأْمُرُونَ بِإحْضارِ ما يَشْتَهُونَ مِنَ اَلْفَواكِهِ ولا يَتَخَصَّصُ شَيْءٌ مِنها بِمَكانٍ ولا زَمانٍ ﴿آمِنِينَ﴾ مِنَ اَلضَّرَرِ أيِّ ضَرَرٍ كانَ، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿يَدْعُونَ﴾ وكَوْنُهُ حالًا مِنَ اَلضَّمِيرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ بَعِيدٌ، وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُ (يَدْعُونَ) حِينَئِذٍ صِفَةَ اَلْحُورِ والنُّونُ فِيهِ ضَمِيرُ اَلنِّسْوَةِ وزْنُهُ يَفْعَلْنَ لِما فِيهِ مِنَ اِرْتِكابِ خِلافِ اَلظّاهِرِ مَعَ عَدَمِ اَلْمُناسَبَةِ لِلسِّياقِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском