Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Ad-Dukhan 44:6–15
44:6Page 496
رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦
As mercy from your Lord. Indeed, He is the Hearing, the Knowing,
﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِيُفْرَقُ أوْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ ورَحْمَةً مَفْعُولٌ بِهِ لِمُرْسَلِينَ وتَنْوِينُها لِلتَّفْخِيمِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ اَلصِّفَةِ لَها، وإيقاعُ اَلْإرْسالِ عَلَيْها هُنا كَإيقاعِهِ عَلَيْها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ والمَعْنى عَلى ما في اَلْكَشّافِ يُفْصَلُ في هَذِهِ اَللَّيْلَةِ كُلُّ أمْرٍ لِأنَّ مِن عادَتِنا أنْ نُرْسِلَ رَحْمَتَنا وفَصْلُ كُلِّ أمْرٍ مِن قِسْمَةِ اَلْأرْزاقِ وغَيْرِها مِن بابِ اَلرَّحْمَةِ أيْ أنَّ اَلْمَقْصُودَ اَلْأصْلِيَّ بِالذّاتِ مِن ذَلِكَ اَلرَّحْمَةُ
صفحة 115
أوْ تَصْدُرُ اَلْأوامِرُ مِن عِنْدِنا لِأنَّ مِن عادَتِنا ذَلِكَ والأوامِرُ اَلصّادِرَةُ مِن جِهَتِهِ تَعالى مِن بابِ اَلرَّحْمَةِ أيْضًا لِأنَّ اَلْغايَةَ لِتَكْلِيفِ اَلْعِبادِ تَعْرِيضُهم لِلْمَنافِعِ، وفِيهِ كَما قِيلَ إشارَةٌ إلى أنَّ جَعْلَهُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالأمْرِ مُقابِلُ اَلنَّهْيِ وهو يَجْرِي عَلى تَقْدِيرَيِ اَلْمَصْدَرِيَّةِ والحالِيَّةِ.
وفِي اَلْكَشْفِ أنَّ قَوْلَهُ: يَفْصِلُ إلَخْ أوْ تَصْدُرُ اَلْأوامِرُ إلَخْ تَبْيِينٌ لِمَعْنى اَلتَّعْلِيلِ عَلى اَلتَّفْسِيرَيْنِ في (يُفْرَقُ) لِأنَّهُ إمّا بِمَعْنى اَلْفَصْلِ عَلى اَلْحَقِيقَةِ مِن قِسْمَةِ اَلْأرْزاقِ وغَيْرِها أوْ بِمَعْنى يُؤْمَرُ والشَّأْنُ اَلْمَطْلُوبُ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ لا مَحالَةَ فَحاصِلُهُ يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ: أوْ تَصْدُرُ اَلْأوامِرُ مِن عِنْدِنا لا لِوَجْهَيِ اَلتَّعْلِيلِ مِن تَعَلُّقِهِ بِيُفْرَقُ أوْ بِأمْرًا فَإنَّ تَعَلُّقَهُ بِأمْرًا إنَّما يَصِحُّ إذا نُصِبَ عَلى اَلِاخْتِصاصِ وإذْ ذاكَ لَيْسَ اَلْأمْرُ ما يُقابِلُ اَلنَّهْيَ لِأنَّ اَلْأمْرَ إذا كانَ اَلْمُقابِلَ فَهو إمّا مَصْدَرٌ وإنَّما يُعَلِّلُ فِعْلَهُ وإمّا حالٌ مُؤَكِّدَةٌ فَيَكُونُ راجِعًا إلى تَعْلِيلِ اَلْإنْزالِ اَلْمَخْصُوصِ ولَيْسَ اَلْمَقْصُودَ وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ اَلْمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِأمْرًا لِأنَّ اَلْمَعْنى اَلْأوَّلَ يَصْلُحُ تَفْسِيرًا لَهُ أيْضًا اِنْتَهى.
والظّاهِرُ كَوْنُ ذَلِكَ تَبْيِينًا لِوَجْهَيِ اَلتَّعْلِيلِ، وما ذُكِرَ في نَفْيِهِ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ كَما يُعْرَفُ بِالتَّأمُّلِ، واعْتِبارُ اَلْعادَةِ في بَيانِ اَلْمَعْنى جاءَ مِن كُنّا فَإنَّهُ يُقالُ: كانَ يَفْعَلُ كَذا لِما تَكَرَّرَ وُقُوعُهُ وصارَ عادَةً كَما صَرَّحُوا بِهِ في اَلْكُتُبِ اَلْحَدِيثِيَّةِ وغَيْرِها ولِإفادَةِ ذَلِكَ عَدَلَ عَنْ إنّا مُرْسَلُونَ اَلْأخْصَرِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ وُضِعَ فِيهِ اَلظّاهِرُ مَوْضِعَ اَلضَّمِيرِ والأصْلُ مِنّا فَجِيءَ بِلَفْظِ اَلرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى وجْهِ تَخْصِيصِ اَلْخِطابِ بِهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَشْرِيفًا لَهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ودَلالَةً عَلى أنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ رَبَّكَ وأنْتَ مَبْعُوثٌ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ مِمّا يَقْتَضِي أنْ يُرْسِلَ اَلرَّحْمَةَ.
وقالَ اَلطَّيِّبِيُّ: خَصَّ اَلْخِطابَ بِرَسُولِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ والمُرادُ اَلْعُمُومُ، والأصْلُ مِن رَبِّكم وجِيءَ بِلَفْظِ اَلرَّبِّ لِيُؤْذِنَ بِأنَّ اَلْمَرْبُوبِيَّةَ تَقْتَضِي اَلرَّحْمَةَ عَلى اَلْمَرْبُوبِينَ ولِيَكُونَ تَمْهِيدَهُ يَبْتَنِي عَلَيْهِ اَلتَّعْلِيلَ اَلْآتِي اَلْمُتَضَمِّنَ لِلتَّعْرِيضِ بِواسِطَةِ اَلْحَصْرِ بِأنَّ آلِهَتَهم لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تُغْنِي شَيْئًا وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ اَلْعُمُومُ لَفاتَتِ اَلنُّكْتَةُ اَلْمَذْكُورَةُ ولَزِمَ أنْ يَدْخُلَ اَلْمُؤْمِنُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ وما بَعْدَهُ ولَيْسَ اَلْمَعْنى عَلَيْهِ وفي اَلْقَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ اَلرَّحْمَةَ اَلْمُرْسَلَةَ بِنَبِيِّنا صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولا يَخْفى أنَّ صِحَّةَ اَلتَّعْلِيلِ تَأْبى ذَلِكَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ اَلْواقِعِ تَعْلِيلًا لِإنْزالِ اَلْكِتابِ بَدَلَ كُلٍّ أوِ اِشْتِمالٍ بِاعْتِبارِ اَلْإرْسالِ والإنْذارِ، ويَكُونُ (رَحْمَةً) حِينَئِذٍ مَفْعُولًا لَهُ أيْ أنْزَلْنا اَلْقُرْآنَ لِأنَّ عادَتَنا إرْسالُ اَلرُّسُلِ والكُتُبِ إلى اَلْعِبادِ لِأجْلِ اَلرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ واخْتِيارُ كَوْنِ اَلرَّحْمَةِ مَفْعُولًا لَهُ لِيَتَطابَقَ اَلْبَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ إذْ مَعْنى اَلْمُبْدَلِ مِنهُ فاعِلِينَ اَلْإنْذارَ ويُطابِقُهُ فاعِلِينَ اَلْإرْسالَ ولَمْ يُجَوِّزْ كَوْنَها كَذَلِكَ عَلى وجْهِ اَلتَّعْلِيلِ بَلْ أوْجَبَ كَوْنَها مَفْعُولًا بِهِ لِيَصِحَّ إذْ لَوْ قِيلَ: فِيها تَفْصِيلُ كُلِّ شَأْنٍ حَكِيمٍ لِأنّا فاعِلُونَ اَلْإرْسالَ لِأجْلِ اَلرَّحْمَةِ لَمْ يُفِدْ أنَّ اَلْفَصْلَ رَحْمَةٌ ولا أنَّهُ سُبْحانَهُ مُرْسِلٌ فَلا يَسْتَقِيمُ اَلتَّعْلِيلُ قِيلَ ويَنْصُرُ نَصْبَ رَحْمَةٍ عَلى اَلْمَفْعُولِ قِراءَةُ اَلْحَسَنِ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ بِرَفْعِها لِأنَّ اَلْكَلامَ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْ هي (رَحْمَةٌ) تَعْلِيلًا لِلْإرْسالِ فَيُلائِمُ اَلْقَوْلَ بِأنَّها في قِراءَةِ اَلنَّصْبِ مَفْعُولٌ لَهُ ولِيُطابِقَ قِراءَتَهُما في كَوْنِ مَعْنى ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ إنّا كُنّا فاعِلِينَ اَلْإرْسالَ، وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ اَلْمُحَقِّقِينَ: إنَّ اَلْقَوْلَ بِأنَّهُ تَعْلِيلٌ أظْهَرُ مِنَ اَلْقَوْلِ بِأنَّهُ بَدَلٌ لِيَكُونَ اَلْكَلامُ عَلى نَسَقِ في اَلتَّعْلِيلِ غَبُّ اَلتَّعْلِيلِ، ولِما ذُكِرَ في اَلْحالَةِ اَلْمُقْتَضِيَةِ لِلْإبْدالِ ولِوُقُوعِ اَلْفَصْلِ، وأشارَ عَلى ما قِيلَ بِما ذُكِرَ في اَلْحالَةِ اَلْمُقْتَضِيَةِ لِلْإبْدالِ بِأنَّ اَلْمُبْدَلَ مِنهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ وأنَّهُ في حُكْمِ اَلسُّقُوطُ وهَهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، وتُعُقِّبَ هَذا بِأنَّهُ أغْلَبِيٌّ لا مُطَّرِدٌ وقَوْلُهُ: لِوُقُوعِ اَلْفَصْلِ أيْ بَيْنَ اَلْبَدَلِ والمُبْدَلِ
صفحة 116
مِنهُ بِأنَّ اَلْفاصِلَ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ فَلا يَضُرُّ اَلْفَصْلُ بِهِ فَتَدَبَّرْ، وجُوِّزَ كَوْنُ رَحْمَةً مَصْدَرًا لِرَحِمْنا مُقَدَّرٍ وكَوْنُها حالًا مِن ضَمِيرِ (مُرْسِلِينَ) وكَوْنُها بَدَلًا مِن (أمْرًا) فَلا تَغْفُلْ ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ فَيَسْمَعُ أقْوالَ اَلْعِبادِ ﴿العَلِيمُ﴾ لِكُلِّ مَعْلُومٍ فَيَعْلَمُ أحْوالَهُمْ، وتَوْسِيطُ اَلضَّمِيرِ مَعَ تَعْرِيفِ اَلطَّرَفَيْنِ لِإفادَةِ اَلْحَصْرِ، والجُمْلَةُ تَحْقِيقٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّها لا تَحِقُّ إلّا لِمَن هَذِهِ نُعُوتُهُ، وفي تَخْصِيصِ ﴿السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ عَلى ما قالَ اَلطَّيِّبِيُّ إدْماجٌ لِوَعِيدِ اَلْكُفّارِ ووَعْدِ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلَّذِينَ تَلَقَّوُا اَلرَّحْمَةَ بِأنْواعِ اَلشُّكْرِ
44:7Page 496
رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٧
Lord of the heavens and the earth and that between them, if you would be certain.
﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ بَدَلٌ مِن ﴿رَبِّكَ﴾ أوْ بَيانٌ أوْ نَعْتٌ.
وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلسَّبْعَةِ والأعْرَجُ. وابْنُ أبِي إسْحاقَ. وأبُو جَعْفَرٍ. وشَيْبَةُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لَإنَّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو رَبُّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِإثْباتِ ما قَبْلَها وتَعْلِيلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ مِمَّنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ اَلْإيقانِ وطَرَفٌ مِنَ اَلْعُلُومِ اَلْيَقِينِيَّةِ عَلى أنَّ اَلْوَصْفَ اَلْمُتَعَدِّيَ مَنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اَللّازِمِ لِعَدَمِ اَلْقَصْدِ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ، وجَوابُ اَلشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أيْ إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ اَلْإيقانِ عَلِمْتُمْ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ رَبَّ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ لِأنَّهُ مِن أظْهَرِ اَلْيَقِينِيّاتِ دَلِيلًا وحِينَئِذٍ يَلْزَمُكُمُ اَلْقَوْلُ بِما يَقْتَضِيهِ مِمّا ذُكِرَ أوَّلًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُهُ مُقَدَّرًا أيْ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ في إقْرارِكم إذا سُئِلْتُمْ عَمَّنْ خَلَقَ اَلسَّمَواتِ والأرْضَ فَقُلْتُمُ اَللَّهُ تَعالى خَلَقَهُنَّ، والجَوابُ أيْضًا مَحْذُوفٌ أيْ إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ في إقْرارِكم بِذَلِكَ عَلِمْتُمْ ما يَقْتَضِيهِ مِمّا تَقَدَّمَ لِظُهُورِ اِقْتِضائِهِ إيّاهُ، وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ اَلْجَوابَ عَلى اَلْوَجْهَيْنِ تَحَقَّقَ عِنْدِكم ما قُلْناهُ، ولَمْ يُجَوِّزُوا جَعْلَهُ مَضْمُونَ ﴿رَبِّ السَّماواتِ﴾ إلَخْ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ كَذَلِكَ أيْقَنُوا أمْ لَمْ يُوقِنُوا فَلا مَعْنى لِجَعْلِهِ دالًّا عَلَيْهِ، وكَذا جَعْلُهُ مَضْمُونُ ما بَعْدُ بَلْ هَذا مِمّا لا يَحْسُنُ بِاعْتِبارِ اَلْعِلْمِ أيْضًا.
وفِي هَذا اَلشَّرْطِ تَنْزِيلُ إيقانِهِمْ مَنزِلَةَ عَدَمِهِ لِظُهُورِ خِلافِهِ عَلَيْهِمْ، وهو مُرادُ مَن قالَ: إنَّهُ مِن بابِ تَنْزِيلِ اَلْعالِمِ مَنزِلَةَ اَلْجاهِلِ لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلى مُوجَبِ اَلْعِلْمِ، قِيلَ: ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّهم نُزِّلُوا مَنزِلَةَ اَلشّاكِّينَ لِمَكانِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ بَعْدُ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ ولا أرى بَأْسًا في أنْ يُقالَ: إنَّهم نُزِّلُوا أوَّلًا كَذَلِكَ ثُمَّ سُجِّلَ عَلَيْهِمْ بِالشَّكِّ لِأنَّهم وإنْ أقَرُّوا بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ رَبُّ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ لَمْ يَنْفَكُّوا عَنِ اَلشَّكِّ لِإلْحادِهِمْ في صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وإشْراكِهِمْ بِهِ تَعالى شَأْنُهُ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿مُوقِنِينَ﴾ مَجازًا عَنْ مُرِيدِينَ اَلْإيقانَ والجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْضًا أيْ إنْ كُنْتُمْ مُرِيدِينَ اَلْإيقانَ فاعْلَمُوا ذَلِكَ، وفِيهِ بُعْدٌ، وأمّا جَعْلُ ﴿إنْ﴾ نافِيَةً كَما حَكاهُ اَلنَّيْسابُورِيُّ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى
44:8Page 496
لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨
There is no deity except Him; He gives life and causes death. [He is] your Lord and the Lord of your first forefathers.
﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو سُبْحانَهُ لا إلَهَ إلّا هو وجُمْلَةُ اَلْمُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِذَلِكَ، وقِيلَ: خَبَرٌ آخَرُ لَإنَّ عَلى قِراءَةِ (رَبُّ اَلسَّمَواتِ) بِالرَّفْعِ وجَعْلِهِ خَبَرًا، وقِيلَ: خَبَرٌ لَهُ عَلى تِلْكَ اَلْقِراءَةِ وما بَيْنَهُما اِعْتِراضٌ ”يُحْيِي ويُمِيتُ“مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قَبْلَها، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ بِإضْمارِ مُبْتَدَأٍ أوْ بَدَلٍ مِن ”رَبِ اَلسَّماواتِ“ عَلى تِلْكَ اَلْقِراءَةِ أوْ بَيانٍ أوْ نَعْتٍ لَهُ، وقِيلَ: فاعِلٌ لِيُمِيتُ، وفي ﴿يُحْيِي﴾ ضَمِيرٌ راجِعٌ إلَيْهِ والكَلامُ مِن بابِ اَلتَّنازُعِ أوْ إلى ﴿رَبِّ السَّماواتِ﴾، وقِيلَ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِرَبُّ اَلسَّمَواتِ وكَذا ﴿رَبُّكُمْ﴾ وقِيلَ: هُما خَبِرانِ آخَرانِ لَإنَّ، وقَرَأ اِبْنُ أبِي إسْحَقَ. وابْنُ مُحَيْصِنٍ. وأبُو حَيْوَةَ. والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ مُقْسِمٍ. والحَسَنُ. وأبُو مُوسى. وعِيسى بْنُ سُلَيْمانَ. وصالِحٌ كِلاهُما عَنِ اَلْكِسائِيِّ بِالجَرِّ بَدَلًا مِن ﴿رَبِّ السَّماواتِ﴾ عَلى قِراءَةِ اَلْجَرِّ، وقَرَأ أحْمَدُ بْنُ جُبَيْرٍ اَلْأنْطاكِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى اَلْمَدْحِ.
﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إضْرابٌ إبْطالِيٌّ أُبْطِلَ بِهِ إيقانُهم لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجِبِهِ، وتَنْوِينُ (شَكٍّ) لِلتَّعْظِيمِ أيْ
صفحة 117
فِي شَكٍّ عَظِيمٍ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ لا يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ مِمّا هو مُطابِقٌ لِنَفْيِ اَلْأمْرِ عَنْ جَدٍّ وإذْعانٍ بَلْ يَقُولُونَهُ مَخْلُوطًا بِهُزُءٍ ولَعِبِ وهَذِهِ اَلْجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لَهم.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هي اَلْخَبَرُ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ قُدِّمَ لِلْفاصِلَةِ، والِالتِفاتُ عَنْ خِطابِهِمْ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وعَدَمِ اِلْتِفاتِهِمْ،
44:10Page 496
فَٱرۡتَقِبۡ يَوۡمَ تَأۡتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٖ مُّبِينٖ ١٠
Then watch for the Day when the sky will bring a visible smoke
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ﴾ لِتَرْتِيبِ اَلِارْتِقابِ أوِ اَلْأمْرِ بِهِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ كَوْنَهم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ مِمّا يُوجِبُ ذَلِكَ حَتْمًا أيْ فانْتَظِرْ لَهم ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ يَوْمَ تَأْتِي بِجَدْبٍ ومَجاعَةٍ فَإنَّ اَلْجائِعَ جِدًّا يَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ اَلسَّماءِ كَهَيْئَةِ اَلدُّخانَ وهي ظُلْمَةٌ تَعْرِضُ لِلْبَصَرِ لِضَعْفِهِ فَيَتَوَهَّمُ ذَلِكَ فَإطْلاقُ اَلدُّخانِ عَلى ذَلِكَ اَلْمَرْئِيِّ بِاعْتِبارِ أنَّ اَلرّائِيَ يَتَوَهَّمُهُ دُخانًا، ولا يَأْباهُ وصْفُهُ بِمُبِينٍ وإرادَةُ اَلْجَدْبِ والمَجاعَةِ مِنهُ مَجازٌ مِن بابِ ذِكْرِ اَلْمُسَبَّبِ وإرادَةِ اَلسَّبَبِ أوْ لِأنَّ اَلْهَواءَ يَتَكَدَّرُ سَنَةَ اَلْجَدْبِ بِكَثْرَةِ اَلْغُبارِ لِقِلَّةِ اَلْأمْطارِ اَلْمُسَكِّنَةِ لَهُ فَهو كِنايَةٌ عَنِ اَلْجَدْبِ وقَدْ فَسَّرَ أبُو عُبَيْدَةَ اَلدُّخانَ بِهِ، وقالَ اَلْقَتْبِيُّ: يُسَمّى دُخانًا لِيَبَسِ اَلْأرْضِ حَتّى يَرْتَفِعَ مِنها ما هو كالدُّخانِ، وقالَ بَعْضُ اَلْعَرَبِ: نُسَمِّي اَلشَّرَّ اَلْغالِبَ دُخانًا، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّ اَلدُّخانَ مِمّا يُتَأذّى بِهِ فَأُطْلِقُ عَلى كُلِّ مُؤْذٍ يُشْبِهُهُ، وأُرِيدَ بِهِ هُنا اَلْجَدْبُ ومَعْناهُ اَلْحَقِيقِيُّ مَعْرُوفٌ، وقِياسُ جَمْعِهِ في اَلْقِلَّةِ أدْخِنَةٌ وفي اَلْكَثْرَةِ دِخْنانٌ نَحْوُ غُرابٍ وأغْرِبَةٍ وغِرْبانٍ، وشَذُّوا في جَمْعِهِ عَلى فَواعِلَ فَقالُوا: دَواخِنُ كَأنَّهُ جَمْعُ داخِنَةٍ تَقْدِيرًا، وقَرِينَةُ اَلتَّجَوُّزِ فِيهِ هُنا حالِيَّةٌ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى مِنَ اَلْخَبَرِ، والمُرادُ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ اَلزَّمانِ وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِارْتَقِبْ أوْ ظَرْفٌ لَهُ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيِ اِرْتَقِبْ وعْدَ اَللَّهِ تَعالى في ذَلِكَ اَلْيَوْمِ وبِالسَّماءِ جِهَةُ اَلْعُلُوِّ، وإسْنادُ اَلْإتْيانِ بِذَلِكَ إلَيْهِما مِن قَبِيلِ اَلْإسْنادِ إلى اَلسَّبَبِ لِأنَّهُ يَحْصُلُ بِعَدَمِ إمْطارِها ولَمْ يُسْنَدْ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ اَلْفاعِلُ حَقِيقَةً لِيَكُونَ اَلْكَلامُ مَعَ سابِقِهِ اَلْمُتَضَمِّنِ إسْنادَ ما هو رَحْمَةٌ إلَيْهِ تَعالى شَأْنُهُ عَلى وِزانِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وتَفْسِيرُ اَلدُّخانِ بِما فَسَّرْناهُ بِهِ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ. وأبِي اَلْعالِيَةِ. والنَّخْعِيِّ. والضَّحّاكِ. ومُجاهِدٍ. ومُقاتِلٍ وهو اِخْتِيارُ اَلْفَرّاءِ والزَّجّاجِ.
وقَدْ رُوِيَ بِطُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أخْرَجَ أحْمَدُ. والبُخارِيُّ. وجَماعَةٌ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اَللَّهِ فَقالَ: إنِّي تَرَكْتُ رَجُلًا في اَلْمَسْجِدِ يَقُولُ في هَذِهِ اَلْآيَةِ ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ﴾ إلَخْ: يَغْشى اَلنّاسَ قَبْلَ يَوْمِ اَلْقِيامَةِ دُخانٌ، فَيَأْخُذُ بِأسْماعِ اَلْمُنافِقِينَ وأبْصارِهِمْ ويَأْخُذُ اَلْمُؤْمِنَ مِنهُ كَهَيْئَةِ اَلزُّكامِ فَغَضِبَ وكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ثُمَّ قالَ: مَن عَلِمَ مِنكم عِلْمًا فَلْيَقُلْ بِهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ فَلْيَقُلِ اَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. فَإنَّ مِنَ اَلْعِلْمِ أنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ اَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، وسَأُحَدِّثُكم عَنِ اَلدُّخانِ إنَّ قُرَيْشًا لَمّا اِسْتَصْعَبَتْ عَلى رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأبْطَؤُوا عَنِ اَلْإسْلامِ قالَ: اَللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فَأصابَهم قَحْطٌ وجَهْدٌ حَتّى أكَلُوا اَلْعِظامَ، فَجَعَلَ اَلرَّجُلُ يَنْظُرُ إلى اَلسَّماءِ فَيَرى ما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ كَهَيْئَةِ اَلدُّخانِ مِنَ اَلْجُوعِ، فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى ”(فارْتَقِبْ إلى ألِيمٌ)“ فَأتى اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقِيلَ: يا رَسُولَ اَللَّهِ اِسْتَسْقِ اَللَّهَ تَعالى لِمُضَرَ فاسْتَسْقى لَهم عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ، فَسُقُوا فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾ اَلْخَبَرَ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى صَحِيحَةٍ أنَّهُ قالَ: لَمّا رَأى رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ اَلنّاسِ إدْبارًا قالَ: اَللَّهُمَّ سَبْعًا كَسَبْعِ يُوسُفَ فَأخَذَتْهم سَنَةٌ حَتّى أكَلُوا اَلْمَيْتَةَ والجُلُودَ والعِظامَ، فَجاءَهُ أبُو سُفْيانَ وناسٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ إنَّكَ تَزْعُمُ أنَّكَ قَدْ بُعِثْتَ رَحْمَةً وإنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فادْعُ اَللَّهَ تَعالى فَدَعا رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ
صفحة 118
فَسُقُوا اَلْغَيْثَ فَأطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا فَشَكا اَلنّاسُ كَثْرَةَ اَلْمَطَرِ فَقالَ: اَللَّهُمَّ حَوالَيْنا ولا عَلَيْنا فانْحَدَرَتِ اَلسَّحابَةُ عَنْ رَأْسِهِ فَسُقِيَ اَلنّاسُ حَوْلَهم قالَ: فَقَدْ مَضَتْ آيَةُ اَلدُّخانِ وهو اَلْجُوعُ اَلَّذِي أصابَهُمُ اَلْحَدِيثَ،» وظاهِرُهُ يَدُلُّ كَما في تارِيخِ اِبْنِ كَثِيرٍ عَلى أنَّ اَلْقِصَّةَ كانَتْ بِمَكَّةَ فالآيَةُ مَكِّيَّةٌ.
وفِي بَعْضِ اَلرِّواياتِ أنَّ قِصَّةَ أبِي سُفْيانَ كانَتْ بَعْدَ اَلْهِجْرَةِ فَلَعَلَّها وقَعَتْ مَرَّتَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ في سُورَةِ اَلْمُؤْمِنُونَ.
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ أبِي لَهِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ اَلْأعْرَجِ أنَّهُ قالَ في هَذا اَلدُّخانِ: كانَ في يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ وفي اَلْبَحْرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ﴾ وهو يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ لَمّا حَجَبَتِ اَلسَّماءَ اَلْغَبَرَةُ، وفي رِوايَةِ اِبْنِ سَعِيدٍ أنَّ اَلْأعْرَجَ يَرْوِي عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: كانَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ دُخانٌ، وهو قَوْلُ اَللَّهِ تَعالى ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ويَحْسُنُ عَلى هَذا اَلْقَوْلِ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَمّا حَلَّ بِأهْلِ مَكَّةَ في ذَلِكَ اَلْيَوْمِ مِنَ اَلْخَوْفِ والذُّلِّ ونَحْوِهِما، وقالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وابْنُ عُمَرَ. وابْنُ عَبّاسٍ. وأبُو سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيُّ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. والحَسَنُ: إنَّهُ دُخانٌ يَأْتِي مِنَ اَلسَّماءِ قَبْلَ يَوْمِ اَلْقِيامَةِ يَدْخُلُ في أسْماعِ اَلْكَفَرَةِ حَتّى يَكُونَ رَأْسُ اَلْواحِدِ كالرَّأْسِ اَلْحَنِيذِ ويَعْتَرِي اَلْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ اَلزُّكامِ وتَكُونُ اَلْأرْضُ كُلُّها كَبَيْتٍ أُوقِدَ فِيهِ لَيْسَ فِيهِ خَصاصٌ.
وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اَلْيَمانِ مَرْفُوعًا «أوَّلُ اَلْآياتِ اَلدَّجّالُ ونُزُولُ عِيسى ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ أبِينُ تَسُوقُ اَلنّاسَ إلى اَلْمَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهم إذا قالُوا والدُّخانُ، قالَ حُذَيْفَةُ: يا رَسُولَ اَللَّهِ وما اَلدُّخانُ؟ فَتَلا رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ وقالَ: يَمْلَأُ ما بَيْنَ اَلْمَشْرِقِ والمَغْرِبِ يَمْكُثُ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً، أمّا اَلْمُؤْمِنُ فَيُصِيبُهُ مِنهُ كَهَيْئَةِ اَلزُّكْمَةِ، وأمّا اَلْكافِرُ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ اَلسَّكْرانِ يَخْرُجُ مِن مَنخَرَيْهِ وأُذُنَيْهِ ودُبُرِهِ، فالدُّخانُ عَلى ظاهِرِهِ والمَعْنى فارْتَقِبْ يَوْمَ ظُهُورِ اَلدُّخانِ».
وحَكى اَلسَّفارِينِيُّ في اَلْبُحُورِ اَلزّاخِرَةِ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: هُما دُخانانِ مَضى واحِدٌ واَلَّذِي بَقِيَ يَمْلَأُ ما بَيْنَ اَلسَّماءِ والأرْضِ ولا يُصِيبُ اَلْمُؤْمِنُ إلّا بِالزُّكْمَةِ وأمّا اَلْكافِرُ فَيَشُقُّ مَسامِعَهُ فَيَبْعَثُ اَللَّهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ اَلرِّيحَ اَلْجَنُوبَ مِنَ اَلْيَمَنِ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ ويَبْقى شِرارُ اَلنّاسِ، ولا أظُنُّ صِحَّةَ هَذِهِ اَلرِّوايَةِ عَنْهُ.
وحَمْلُ ما في اَلْآيَةِ عَلى ما يَعُمُّ اَلدُّخانَيْنِ لا يَخْفى حالُهُ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِيَوْمَ تَأْتِي اَلسَّماءُ إلَخْ يَوْمُ اَلْقِيامَةِ فالدُّخانُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ اَلشِّدَّةُ والشَّرُّ مَجازًا وأنْ يُرادَ بِهِ حَقِيقَتُهُ.
وقالَ اَلْخَفاجِيُّ: اَلظّاهِرُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَأْتِي السَّماءُ﴾ إلى آخِرِهِ اِسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً إذْ لا سَماءَ لِأنَّهُ يَوْمٌ تَشَقَّقُ فِيهِ اَلسَّماءُ فَمُفْرَداتُهُ عَلى حَقِيقَتِها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ اَلْقَوْلِ بِأنَّ اَلسَّماءَ كَما سَمِعْتَ أوَّلًا بِمَعْنى جِهَةِ اَلْعُلُوِّ سَلَّمْنا أنَّها بِمَعْنى اَلْجِرْمِ اَلْمَعْرُوفِ لَكِنْ لا مانِعَ مِن كَوْنِ اَلدُّخانِ قَبْلَ تَشَقُّقِها بِأنْ يَكُونَ حِينَ يَخْرُجُ اَلنّاسُ مِنَ اَلْقُبُورِ مَثَلًا بَلْ لا مانِعَ مِنَ اَلْقَوْلِ بِأنَّ اَلْمُرادَ مِن إتْيانِ اَلسَّماءِ بِدُخانٍ اِسْتِحالَتُها إلَيْهِ بَعْدَ تَشَقُّقِها وعَوْدُها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ أوَّلًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ ويَكُونُ فَناؤُها بَعْدَ صَيْرُورَتِها دُخانًا.
هَذا والأظْهَرُ حَمْلُ اَلدُّخانِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ أوَّلًا لِأنَّهُ أنْسَبُ بِالسِّياقِ لِما أنَّهُ في كُفّارِ قُرَيْشٍ وبَيانِ سُوءِ حالِهِمْ مَعَ أنَّ في اَلْآياتِ بَعْدُ ما هو أوْفَقُ بِهِ، فَوَجْهُ اَلرَّبْطِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ مِن حالِهِمْ مُقابَلَتَهُمُ اَلرَّحْمَةَ بِالكُفْرانِ وأنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِالمُنَزَّلِ والمُنَزَّلِ عَلَيْهِ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى شَأْنُهُ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ﴾ إلَخْ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم
صفحة 119
أهْلُ اَلْعَذابِ والخِذْلانِ لا أهْلَ اَلْإكْرامِ والغُفْرانِ
44:11–12Page 496
يَغۡشَى ٱلنَّاسَۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١
Covering the people; this is a painful torment.
رَّبَّنَا ٱكۡشِفۡ عَنَّا ٱلۡعَذَابَ إِنَّا مُؤۡمِنُونَ ١٢
[They will say], "Our Lord, remove from us the torment; indeed, we are believers."
﴿يَغْشى النّاسَ﴾ أيْ يُحِيطُ بِهِمْ والمُرادُ بِهِمْ كُفّارُ قُرَيْشٍ ومَن جَعَلَ اَلدُّخانَ ما هو مِن أشْراطِ اَلسّاعَةِ حَمَلَ اَلنّاسَ عَلى مَن أدْرَكَهُ ذَلِكَ اَلْوَقْتُ، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ حَمَلَ اَلنّاسَ عَلى اَلْعُمُومِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلدُّخانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا أيْ قائِلِينَ أوْ يَقُولُونَ هَذا إلَخْ. والإشارَةُ لِلتَّفْخِيمِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ إخْبارًا مِنهُ عَزَّ وجَلَّ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى في قِصَّةِ اَلذَّبِيحِ ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ فَهو اِسْتِئْنافٌ أوِ اِعْتِراضُ والإشارَةُ بِهَذا لِلدَّلالَةِ عَلى قُرْبِ وُقُوعِهِ وتَحَقُّقِهِ، وما تَقَدَّمَ أوْلى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿رَبَّنا﴾ إلى آخِرِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلْمُفَسِّرِينَ وعْدٌ مِنهم بِالإيمانِ إنْ كَشَفَ جَلَّ وعَلا عَنْهُمُ اَلْعَذابَ، فَكَأنَّهم قالُوا: رَبَّنا إنْ كَشَفْتَ عَنّا اَلْعَذابَ آمَنّا لَكِنْ عَدَلُوا عَنْهُ إلى ما في اَلْمُنَزَّلِ إظْهارًا لِمَزِيدِ اَلرَّغْبَةِ وحَمَلُوهُ عَلى ذَلِكَ لِما في بَعْضِ اَلرِّواياتِ أنَّهُ لَمّا اِشْتَدَّ اَلْقَحْطُ بِقُرَيْشٍ مَشى أبُو سُفْيانَ إلى رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وناشَدَهُ اَلرَّحِمَ وواعَدَهُ إنْ دَعا لَهم وزالَ ما بِهِمْ آمَنُوا والمُرادُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى:
44:13Page 496
أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكۡرَىٰ وَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مُّبِينٞ ١٣
How will there be for them a reminder [at that time]? And there had come to them a clear Messenger.
﴿أنّى لَهُمُ الذِّكْرى﴾ نَفْيُ صِدْقِهِمْ في اَلْوَعْدِ وأنَّ غَرَضَهم إنَّما هو كَشْفُ اَلْعَذابِ والخَلاصُ أيْ كَيْفَ يَتَذَكَّرُونَ أوْ مِن أيْنَ يَتَذَكَّرُونَ بِذَلِكَ ويَفُونَ بِما وعَدُوهُ مِنَ اَلْإيمانِ عِنْدَ كَشْفِ اَلْعَذابِ عَنْهم.
﴿وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم شاهَدُوا مِن دَواعِي اَلتَّذَكُّرِ ومُوجِباتِ اَلِاتِّعاظِ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ في إيجابِهِما حَيْثُ جاءَهم رَسُولٌ عَظِيمُ اَلشَّأْنِ ظاهِرٌ أمْرُ رِسالَتِهِ بِالآياتِ والمُعْجِزاتِ اَلَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ اَلْجِبالِ أوْ مُظْهِرٌ لَهم مَناهِجَ اَلْحَقِّ بِذَلِكَ
44:14Page 496
ثُمَّ تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٞ مَّجۡنُونٌ ١٤
Then they turned away from him and said, "[He was] taught [and is] a madman."
﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أيْ عَنْ ذَلِكَ اَلرَّسُولِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ وهو هو والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَدْ جاءَهُمْ﴾ إلى آخِرِهِ، وعَطْفُها عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿رَبَّنا﴾ إلَخْ لِأنَّهُ عَلى مَعْنى قالُوا: ﴿رَبَّنا﴾ إلَخْ لَيْسَ بِذاكَ، وثُمَّ لِلِاسْتِبْعادِ والتَّراخِي اَلرُّتْبِيِّ وإلّا فَهم قَدْ تَوَلَّوْا رَيْثَما جاءَهم وشاهَدُوا مِنهُ ما شاهَدُوا مِمّا يُوجِبُ اَلْإقْبالَ إلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿وقالُوا﴾ مَعَ ذَلِكَ في حَقِّهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ أيْ قالُوا تارَةً: يُعَلِّمُهُ عَدّاسٌ غُلامٌ رُومِيٌّ لِبَعْضِ ثَقِيفٍ وأُخْرى مَجْنُونٌ أوْ يَقُولُ بَعْضُهم كَذا وآخَرُونَ كَذا ولَمْ يَقُلْ ومَجْنُونٌ بِالعَطْفِ لِأنَّ اَلْمَقْصُودَ تَعْدِيدُ قَبائِحِهِمْ وقَرَأ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ مُعَلِّمٌ بِكَسْرِ اَللّامِ فَمَجْنُونٌ صِفَةٌ لَهُ وكَأنَّهم أرادُوا رَسُولٌ مَجْنُونٌ وحاشاهُ ثُمَّ حاشاهُ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
44:15Page 496
إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلۡعَذَابِ قَلِيلًاۚ إِنَّكُمۡ عَآئِدُونَ ١٥
Indeed, We will remove the torment for a little. Indeed, you [disbelievers] will return [to disbelief].
﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى عَنْ قَوْلِهِمْ وإخْبارٌ بِالعَوْدِ عَلى تَقْدِيرِ اَلْكَشْفِ أيْ إنْ كَشَفْنا عَنْكُمُ اَلْعَذابَ كَشْفًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا عُدْتُمْ، والمُرادُ عَلى ما قِيلَ عائِدُونَ إلى اَلْكُفْرِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ عَوْدَهم إلَيْهِ يَقْتَضِي إيمانَهم وقَدْ مَرَّ أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا وإنَّما وعَدُوا اَلْإيمانَ فَإمّا أنْ يَكُونَ وعْدُهم مَنَزَّلًا مَنزِلَةَ إيمانِهِمْ أوِ اَلْمُرادُ عائِدُونَ إلى اَلثَّباتِ عَلى اَلْكُفْرِ أوْ عَلى اَلْإقْرارِ والتَّصْرِيحِ بِهِ وقالَ قَتادَةُ: هَذا تَوَعُّدٌ بِمَعادِ اَلْآخِرَةِ وهو خِلافُ اَلظّاهِرِ جِدًّا ومَن قالَ: إنَّ اَلدُّخانَ يَوْمُ اَلْقِيامَةِ قالَ إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنّا كاشِفُو﴾ إلى آخِرِهِ وعْدٌ بِالكَشْفِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ ومَن قالَ اَلْمُرادُ بِهِ ما هو مِن أشْراطِ اَلسّاعَةِ قالَ بِإمْكانِ اَلْكَشْفِ وعَدَمِ اِنْقِطاعِ اَلتَّكْلِيفِ عِنْدَ ظُهُورِهِ وإنْ كانَ مِنَ اَلْأشْراطِ بَلْ جاءَ في
صفحة 120
بَعْضِ اَلْآثارِ أنَّهُ يَمْكُثُ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً فَيُكْشَفُ عَنْهم فَيَعُودُونَ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ اَلضَّلالِ، وحَمْلُهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ ظاهِرُ اَلِاسْتِقامَةِ لا قِيلَ فِيهِ ولا قالَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقَدْ جاءَهُمْ﴾ إلَخْ قَوِيُّ اَلْمُلاءَمَةِ لَهُ وهو بَعِيدُ اَلْمُلاءَمَةِ لِلْقَوْلِ اَلْمَرْوِيِّ عَنِ اَلْأمِيرِ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ومَن مَعَهُ فَقَدِ اُحْتِيجَ في تَحْصِيلِها إلى جَعْلِ اَلْإسْنادِ مِن بابِ إسْنادِ حالِ اَلْبَعْضِ إلى اَلْكُلِّ أوْ حَمْلِ اَلنّاسِ عَلى اَلْكُفّارِ اَلْمَوْجُودِينَ في ذَلِكَ اَلْوَقْتِ والأمْرُ عَلى اَلْقَوْلِ بِأنَّهُ ما كانَ في فَتْحِ مَكَّةَ أهْوَنُ إلّا أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ كَقَوْلِ اِبْنِ مَسْعُودٍ فَتَأمَّلْ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences