Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Jathiyah 45:9–17
45:9Page 499
وَإِذَا عَلِمَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا شَيۡـًٔا ٱتَّخَذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٩
And when he knows anything of Our verses, he takes them in ridicule. Those will have a humiliating punishment.
﴿وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا﴾ وإذا بَلَغَهُ شَيْءٌ مِن آياتِنا وعَلِمَ أنَّهُ مِنها.
﴿اتَّخَذَها هُزُوًا﴾ بادَرَ إلى اَلِاسْتِهْزاءِ بِالآياتِ كُلِّها ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى اَلِاسْتِهْزاءِ بِما بَلَغَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا يُمْكِنُ أنْ يَتَشَبَّثَ بِهِ اَلْمُعانِدُ ويَجِدَ لَهُ مَحْمَلًا يَتَسَلَّقُ بِهِ عَلى اَلطَّعْنِ والغَمِيزَةِ اِفْتَرَصَهُ واِتَّخَذَ آياتِ اَللَّهِ تَعالى هُزُوًا وذَلِكَ نَحْوُ اِعْتِراضِ اِبْنِ اَلزِّبَعْرى في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ومُغالَطَتِهِ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَوْلُهُ عَلى ما بَعْضِ اَلرِّواياتِ: خَصَمْتُكَ فَضَمِيرُ ﴿اتَّخَذَها﴾ عَلى اَلْوَجْهَيْنِ لِلْآياتِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ ﴿شَيْئًا﴾ عَلى اَلثّانِي فِيهِ تَخْصِيصٌ لِقَرِينَةِ ﴿اتَّخَذَها هُزُوًا﴾ إذْ لا يَحْتَمِلُ إلّا ما يَحْسُنُ أنْ يُخَيَّلَ فِيهِ ذَلِكَ ثُمَّ يَجْعَلُهُ دُسْتُورًا لِلْباقِي فَيَقُولُ: اَلْكُلُّ مِن هَذا اَلْقَبِيلِ، وفَرْقٌ بَيْنَ اَلْوَجْهَيْنِ أيْضًا بِأنَّ في اَلْأوَّلِ اَلِاتِّخاذَ قَبْلَ اَلتَّأمُّلِ وفي اَلثّانِي بَعْدَهُ وبَعْدَ تَمْيِيزِ آيَةٍ عَنْ أُخْرى، وقِيلَ: اَلِاسْتِهْزاءُ بِما عَلِمَهُ مِنَ اَلْآياتِ إلّا أنَّهُ أرْجَعَ اَلضَّمِيرَ إلى اَلْآياتِ لِأنَّ اَلِاسْتِهْزاءَ بِواحِدَةٍ مِنها اِسْتِهْزاءٌ بِكُلِّها لِما بَيْنَها مِنَ اَلتَّماثُلِ، وجُوِّزَ أنْ يَرْجِعَ اَلضَّمِيرُ إلى شَيْءٍ والتَّأْنِيثُ لِأنَّهُ بِمَعْنى اَلْآيَةِ كَقَوْلِ أبِي اَلْعَتاهِيَةِ:
نَفْسِي بِشَيْءٍ مِنَ اَلدُّنْيا مُعَلَّقَةٌ اَللَّهُ والقائِمُ اَلْمَهْدِيُّ يَكْفِيها
يَعْنِي اَلشَّيْءَ وأرادَ بِهِ عَتَبَةَ جارِيَةٍ لِلْمَهْدِيِّ مِن حَظاياهُ وكانَ أبُو اَلْعَتاهِيَةِ يَهْواها فَقالَ ما قالَ. وقَرَأ قَتادَةُ. ومَطَرٌ اَلْوَرّاقُ (عُلِّمَ) بِضَمِّ اَلْعَيْنِ وشَدِّ اَللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ أفّاكٍ مِن حَيْثُ اَلِاتِّصافِ بِما ذُكِرَ مِنَ اَلْقَبائِحِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ اَلشُّمُولِ لِلْكُلِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ كَما أنَّ اَلْإفْرادَ فِيما سَبَقَ مِنَ اَلضَّمائِرِ بِاعْتِبارِ كُلٍّ واحِدٍ واحِدٍ، وأداةُ اَلْبُعْدِ لِلْإشارَةِ إلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في اَلشَّرِّ.
﴿لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ جِناياتِهِمُ اَلْمَذْكُورَةِ ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وصَفَ اَلْعَذابَ بِالإهانَةِ تَوْفِيَةً لِحَقِّ اِسْتِكْبارِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ
صفحة 144
بِآياتِ اَللَّهِ عَزَّ وجُلَّ
45:10Page 499
مِّن وَرَآئِهِمۡ جَهَنَّمُۖ وَلَا يُغۡنِي عَنۡهُم مَّا كَسَبُواْ شَيۡـٔٗا وَلَا مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٠
Before them1 is Hell, and what they had earned will not avail them at all nor what they had taken besides Allāh as allies. And they will have a great punishment.
﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ أيْ مِن قُدّامِهِمْ لِأنَّهم مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها أوْ مِن خَلْفِهِمْ لِأنَّهم مُعْرِضُونَ عَنِ اَلِالتِفاتِ إلَيْها والِاشْتِغالِ عَمّا يُنْجِيهِمْ مِنها مُقْبِلُونَ عَلى اَلدُّنْيا والِانْهِماكِ في شَهَواتِها، والوَراءُ تُسْتَعْمَلُ في هَذَيْنِ اَلْمَعْنَيَيْنِ لِأنَّها اِسْمٌ لِلْجِهَةِ اَلَّتِي يُوارِيها اَلشَّخْصُ فَتَعُمُّ اَلْخَلْفَ والقُدّامَ، وقِيلَ في تَوْجِيهِ اَلْخَلْفِيَّةِ: إنَّ جَهَنَّمَ لَمّا كانَتْ تَتَحَقَّقُ لَهم بَعْدَ اَلْأجَلِ جُعِلَتْ كَأنَّها خَلْفَهم ﴿ولا يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ولا يَدْفَعُ ﴿ما كَسَبُوا﴾ أيِ اَلَّذِي كَسَبُوهُ مِنَ اَلْأمْوالِ والأوْلادِ ﴿شَيْئًا﴾ مِن عَذابِ اَللَّهِ تَعالى أوْ شَيْئًا مِنَ اَلْإغْناءِ عَلى أنَّ (شَيْئًا) مَفْعُولٌ بِهِ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ ﴿ولا ما اتَّخَذُوا﴾ أيِ اَلَّذِي اِتَّخَذُوهُ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ أيِ اَلْأصْنامَ.
وجُوِّزَ أنْ تُفَسَّرَ ما بِما تَعُمُّها وسائِرِ اَلْمَعْبُوداتِ اَلْباطِلَةِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وجُوِّزَ في ما في اَلْمَوْضِعَيْنِ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وتَوْسِيطُ حَرْفَيِ اَلنَّفْيِ بَيْنَ اَلْمَعْطُوفَيْنِ مَعَ أنَّ عَدَمَ إغْناءِ اَلْأصْنامِ أظْهَرُ وأجْلى مِن عَدَمِ إغْناءِ اَلْأمْوالِ والأوْلادِ قَطْعًا مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِهِمُ اَلْفاسِدِ حَيْثُ كانُوا يَطْمَعُونَ في شَفاعَتِهِمْ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ ﴿ولَهُمْ﴾ فِيما وراءَهم مِن جَهَنَّمَ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ
45:11Page 499
هَٰذَا هُدٗىۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٌ ١١
This [Qur’ān] is guidance. And those who have disbelieved in the verses of their Lord will have a painful punishment of foul nature.
﴿هَذا﴾ أيِ اَلْقُرْآنُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ وكَذا ما قَبْلُ كَ ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ.﴾ وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا.
﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها﴾ ﴿هُدًى﴾ في غايَةِ اَلْكَمالِ مِنَ اَلْهِدايَةِ كَأنَّهُ نَفْسُها ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي اَلْقُرْآنَ أيْضًا عَلى أنَّ اَلْإضافَةَ لِلْعَهْدِ، وكانَ اَلظّاهِرُ اَلْإضْمارَ لَكِنْ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في اَلنَّظْمِ اَلْجَلِيلِ لِزِيادَةِ تَشْنِيعِ كُفْرِهِمْ بِهِ وتَفْظِيعِ حالِهِمْ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالآياتِ ما يَشْمَلُهُ وغَيْرَهُ.
﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ مِن أشَدِّ اَلْعَذابِ ﴿ألِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةُ ﴿عَذابٌ﴾ أُخِّرَ لِلْفاصِلَةِ.
وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اَلسَّبْعَةِ ألِيمٍ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةُ ﴿رِجْزٍ﴾، وجَعْلُهُ صِفَةَ ﴿عَذابٌ﴾ أيْضًا والجَرُّ لِلْمُجاوَرَةِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وقِيلَ: عَلى قِراءَةِ اَلرَّفْعِ إنَّ اَلرِّجْزَ بِمَعْنى اَلرِّجْسِ اَلَّذِي هو اَلنَّجاسَةُ، والمَعْنى لَهم عَذابٌ ألِيمٌ مِن تَجَرُّعِ رِجْسٍ أوْ شُرْبِ رِجْسٍ والمُرادُ بِهِ اَلصَّدِيدُ اَلَّذِي يَتَجَرَّعُهُ اَلْكافِرُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ ولا داعِيَ لِذَلِكَ كَما لا يَخْفى، وتَنْوِينُ ﴿عَذابٌ﴾ في اَلْمَواقِعِ اَلثَّلاثَةِ لِلتَّفْخِيمِ، ورَفْعُهُ إمّا عَلى اَلِابْتِداءِ وإمّا عَلى اَلْفاعِلِيَّةِ لِلظَّرْفِ
45:12Page 499
۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡبَحۡرَ لِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ فِيهِ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢
It is Allāh who subjected to you the sea so that ships may sail upon it by His command and that you may seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.
﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ﴾ بِأنْ جَعَلَهُ أمْلَسَ اَلسَّطْحِ يَطْفُو عَلَيْهِ ما يَتَخَلْخَلُ كالأخْشابِ ولا يَمْنَعُ اَلْغَوْصَ فِيهِ ﴿لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ﴾ بِتَسْخِيرِهِ تَعالى إيّاهُ وتَسْهِيلِ اِسْتِعْمالِها فِيما يُرادُ بِها، وقِيلَ: بِتَكْوِينِهِ تَعالى أوْ بِإذْنِهِ عَزَّ وجَلَّ، وسِياقُ اَلِامْتِنانِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى لِتَجْرِيَ اَلْفُلْكُ فِيهِ وأنْتُمْ راكِبُوها.
﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ بِالتِّجارَةِ والغَوْصِ والصَّيْدِ وغَيْرِها ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ولِكَيْ تَشْكُرُوا اَلنِّعَمَ اَلْمُتَرَتِّبَةَ عَلى ذَلِكَ، وهَذا أعْنِي ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ﴾ إلَخْ ذُكِرَ تَتْمِيمًا لِلتَّقْرِيعِ ولِهَذا رُتِّبَ عَلَيْهِ اَلْأغْراضُ اَلْعاجِلَةُ فَإنَّهُ مِمّا يَسْتَوْجِبُ اَلشُّكْرَ غالِبًا لِلْكافِرِ أيْضًا فَكَأنَّهُ قِيلَ: تِلْكَ اَلْآياتُ أوْلى بِالشُّكْرِ ولِهَذا عَقَّبَ بِما يَعُمُّ اَلْقِسْمَيْنِ أعْنِي
45:13Page 499
وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ١٣
And He has subjected to you whatever is in the heavens and whatever is on the earth - all from Him. Indeed in that are signs for a people who give thought.
قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ مِنَ اَلْمَوْجُوداتِ بِأنْ جَعَلَ فِيها مَنافِعَ لَكم مِنها ظاهِرَةٌ ومِنها خَفِيَّةٌ، وعَقَّبَ بِالتَّفَكُّرِ لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّ اَلتَّفَكُّرَ هو اَلَّذِي يُؤَدِّي إلى ما ذُكِرَ مِنَ اَلْأوْلَوِيَّةِ ويَدُلَّ بِهِ عَلى أنَّ اَلتَّفَكُّرَ مِلاكُ اَلْأمْرِ في تَرْتِيبِ اَلْغَرَضِ عَلى ما جُعِلَ آيَةً مِنَ اَلْإيمانِ والإيقانِ والشُّكْرِ ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ
صفحة 145
مِن ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أوْ تَوْكِيدٌ لَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهُ﴾ حالٌ مِن ذَلِكَ أيْضًا، والمَعْنى سَخَّرَ هَذِهِ اَلْأشْياءَ جَمِيعًا كائِنَةً مِنهُ وحاصِلَةً مِن عِنْدِهِ يَعْنِي أنَّهُ سُبْحانَهُ مُكَوِّنُها ومُوجِدُها بِقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ ثُمَّ مُسَخِّرُها لِخَلْقِهِ. وجُوِّزَ فِيهِ أوْجُهٌ أُخَرُ. اَلْأوَّلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ فَقِيلَ (جَمِيعًا) حِينَئِذٍ حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في اَلْجارِّ والمَجْرُورِ بِناءً عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ اَلْحالِ عَلى مِثْلِ هَذا اَلْعامِلِ أوْ مِنَ اَلْمُبْتَدَأِ بِناءً عَلى تَجْوِيزِ اَلْحالِ مِنهُ أيْ هي جَمِيعًا مِنهُ تَعالى وقِيلَ: جَمِيعًا عَلى ما كانَ ويُلاحَظُ في تَصْوِيرِ اَلْمَعْنى فالضَّمِيرُ اَلْمُبْتَدَأُ يُقَدَّرُ بَعْدَهُ ويُعْتَبَرُ رُجُوعُهُ إلى ما تَقَدَّمَ بِقَيْدِ جَمِيعًا، والجُمْلَةُ عَلى اَلْقَوْلَيْنِ اِسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَخَّرَ﴾ أيْ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أوْجَدَها ثُمَّ سَخَّرَها لا أنَّها حَصَلَتْ لَهُ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِهِ كالمُلُوكِ، اَلثّانِي أنْ يُجْعَلَ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ مُبْتَدَأً ويَكُونَ هو خَبَرُهُ و﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ في اَلْجارِّ والمَجْرُورِ اَلْواقِعِ صِلَةً ويَكُونُ ﴿وسَخَّرَ لَكُمْ﴾ تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ أيْ سَخَّرَ وسَخَّرَ، وفي اَلْعَطْفِ إيماءٌ إلى أنَّ اَلتَّسْخِيرَ اَلثّانِيَ كَأنَّهُ غَيْرُ اَلْأوَّلِ دَلالَةً عَلى أنَّ اَلْمُتَفَكِّرَ كُلَّما فَكَّرَ يَزْدادُ إيمانًا بِكَمالِ اَلتَّسْخِيرِ والمِنَّةِ عَلَيْهِ، وجُمْلَةُ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ لِمَزِيدِ بَيانِ اَلْقُدْرَةِ والحِكْمَةِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ اَلتَّأْكِيدُ اَللُّغَوِيُّ فَهو لا يَخْلُو مِنَ اَلضَّعْفِ لِأنَّ عَطْفَ مِثْلِهِ في اَلْجُمَلِ غَيْرُ مَعْهُودٍ، وإنْ أُرِيدَ اَلتَّأْكِيدُ اَلِاصْطِلاحِيُّ كَما قِيلَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ فَهو مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ اِبْنُ مالِكٍ في اَلتَّسْهِيلِ مِن أنَّ عَطْفَ اَلتَّأْكِيدِ يَخْتَصُّ بِثُمَّ، وقالَ اَلرَّضِيُّ: يَكُونُ بِالفاءِ أيْضًا وهو هَهُنا بِالواوِ ولَمْ يُجَوِّزْهُ أحَدٌ مِنهم وإنْ لَمْ يَذْكُرُوا وجْهَ اَلْفَرْقِ عَلى أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في اَلْمَعانِي أنَّهُ لا يَجْرِي في اَلتَّأْكِيدِ اَلْعَطْفُ مُطْلَقًا لِشِدَّةِ اَلِاتِّصالِ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ فِيهِ حَذْفُ مَفْعُولِ ﴿سَخَّرَ﴾ مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ وهَذا كَما تَرى، اَلثّالِثُ أنْ يَكُونَ (ما في اَلْأرْضِ) مُبْتَدَأً و﴿مِنهُ﴾ خَبَرُهُ ولا يَخْفى أنَّهُ ضَعِيفٌ بِحَسْبِ اَلْمَساقِ.
وأخْرَجَ اِبْنُ اَلْمُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أنَّ اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَمْ يَكُنْ يُفَسِّرُ هَذِهِ اَلْآيَةَ، ولَعَلَّهُ إنْ صَحَّ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَبْسُطِ اَلْكَلامَ فِيها، فَقَدْ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ فِيها كُلُّ شَيْءٍ هو مِنَ اَللَّهِ تَعالى.
وأخْرَجَ عَبْدُ اَلرَّزّاقِ. وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. وابْنُ اَلْمُنْذِرِ. والحاكِمُ وصَحَّحَهُ. والبَيْهَقِيُّ في اَلْأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ طاوُسٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ اَلْعاصِ فَسَألَهُ مِمَّ خُلِقَ اَلْخَلْقُ؟ قالَ: مِنَ اَلْماءِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والرِّيحِ والتُّرابِ قالَ: فَمِمَّ خُلِقَ هَؤُلاءِ؟ قالَ: لا أدْرِي ثُمَّ أتى اَلرَّجُلُ عَبْدَ اَللَّهِ بْنَ اَلزُّبَيْرِ فَسَألَهُ فَقالَ مِثْلَ قَوْلِ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأتى اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَسَألَهُ مِمَّ خُلِقَ اَلْخَلْقُ؟ قالَ: مِنَ اَلْماءِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والرِّيحِ والتُّرابِ قالَ: فَمِمَّ خُلِقَ هَؤُلاءِ؟ فَقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ فَقالَ اَلرَّجُلُ: ما كانَ لِيَأْتِيَ بِهَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِ بَيْتِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
واخْتَلَفَ أهْلُ اَلْعِلْمِ فِيما أرادَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِذَلِكَ فَقالَ اَلْبَيْهَقِيُّ: أرادَ أنَّ مَصْدَرَ اَلْجَمِيعِ مِنهُ تَعالى أيْ مِن خَلْقِهِ وإبْداعِهِ واخْتِراعِهِ خَلَقَ اَلْماءَ أوَّلًا أوِ اَلْماءَ وما شاءَ عَزَّ وجَلَّ مِن خُلْقِهِ لا عَنْ أصْلٍ ولا عَنْ مِثالٍ سَبَقَ ثُمَّ جَعَلَهُ تَعالى أصْلًا لِما خَلَقَ بَعْدَهُ فَهو جَلَّ شَأْنُهُ اَلْمُبْدِعُ وهو سُبْحانَهُ اَلْبارِئُ لا إلَهَ غَيْرُهُ ولا خالِقَ سِواهُ اهـ، وعَلَيْهِ جَمِيعُ اَلْمُحَدِّثِينَ والمُفَسِّرِينَ ومَن حَذا حَذْوَهُمْ، وقالَ اَلشَّيْخُ إبْراهِيمُ اَلْكُورانِيُّ مِنَ اَلصُّوفِيَّةِ: إنَّ اَلْمَخْلُوقاتِ تَعَيُّناتُ اَلْوُجُودِ اَلْمُفاضِ اَلَّذِي هو صُورَةُ اَلنَّفْسِ اَلرَّحْمانِيِّ اَلْمُسَمّى بِالعَماءِ وذَلِكَ أنَّ
صفحة 146
اَلْعَماءَ قَدِ اِنْبَسَطَ عَلى اَلْحَقائِقِ اَلَّتِي هي أُمُورٌ عَدَمِيَّةٌ مُتَمَيِّزَةٌ في نَفْسِ اَلْأمْرِ والِانْبِساطُ حادِثٌ والعَماءُ مِن حَيْثُ اِقْتِرانِهِ بِالماهِيّاتِ غَيْرُ ذاتِ اَلْحَقِّ تَعالى فَإنَّهُ سُبْحانَهُ اَلْوُجُودُ اَلْمَحْضُ اَلْغَيْرُ اَلْمُقْتَرِنِ بِها فالمَوْجُوداتُ صُوَرٌ حادِثَةٌ في اَلْعَماءِ قائِمَةٌ بِهِ واَللَّهُ تَعالى قَيُّومُها لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا اَلْأوَّلُ اَلْباطِنُ اَلْمُمِدُّ لِتِلْكَ اَلصُّوَرِ بِالبَقاءِ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ قِيامُ اَلْحَوادِثِ بِذاتِ اَلْحَقِّ تَعالى ولا كَوْنُهُ سُبْحانَهُ مادَّةً لَها لِأنَّ وُجُودَهُ تَعالى مُجَرَّدٌ عَنِ اَلْماهِيّاتِ غَيْرُ مُقْتَرِنٍ بِها والمُتَعَيِّنُ بِحَسْبِها هو اَلْعَماءُ اَلَّذِي هو اَلْوُجُودُ اَلْمُفاضُ مِنهُ تَعالى بِإيجادِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وبِهَذا يَنْطَبِقُ اَلْجَوابُ عَلى اَلسُّؤالِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ ولا مَحْذُورٍ، ولَوْ كانَ مُرادُ اِبْنِ عَبّاسٍ مُجَرَّدَ ما ذَكَرَهُ اَلْبَيْهَقِيُّ مِن أنَّ مَصْدَرَ اَلْجَمِيعِ مِن خَلْقِهِ تَعالى كانَ يَكْفِي في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لَكِنَّ اَلسُّؤالَ إنَّما وقَعَ بِمِمَّ ووَقَعَ اَلْجَوابُ بِمِنهُ في تِلاوَتِهِ اَلْآيَةَ فالظّاهِرُ أنَّ ما فَهِمَهُ اَلسّائِلُ مِن تِلاوَتِهِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ ما ذَكَرَهُ بِقَرِينَةِ مَدْحِهِ بِقَوْلِهِ: ما كانَ لِيَأْتِيَ بِهَذا إلَخْ فَإنَّ ما ذَكَرَهُ اَلْبَيْهَقِيُّ يَعْرِفُهُ كُلُّ مَن آمَنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فَلا يَظْهَرُ حِينَئِذٍ وجْهٌ لِقَوْلِ كُلٍّ مِنِ اِبْنِ عَمْرٍو وابْنِ اَلزُّبَيْرٍ لا أدْرِي فَإنَّهُما مِن أفْضَلِ اَلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ اَللَّهَ تَعالى خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بَلْ ما فَهِمَهُ هو ما أشَرْنا إلَيْهِ اهـ، وعَلَيْهِ عامَّةُ أهْلِ اَلْوَحْدَةِ (وأجابَ اَلْأوَّلُونَ) بِأنَّ مُرادَ اِبْنِ عَبّاسٍ قَطْعُ اَلتَّسَلْسُلِ في اَلسُّؤالِ بَعْدَ ذِكْرِ مادَّةٍ لِبَعْضِها بِأنَّ مَرْجِعَ اَلْأمْرِ أنَّ اَلْأشْياءَ كُلَّها خُلِقَتْ بِقُدْرَتِهِ تَعالى لا مِن شَيْءٍ وهو كَلامٌ حَكِيمٌ يُمْدَحُ قائِلُهُ لَمْ يَهْتَدِ إلَيْهِ اِبْنُ اَلزُّبَيْرِ. وابْنُ عَمْرٍو، ولا يُعَكِّرُ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ لِما قالَهُ اَلْمُفَسِّرُونَ فِيهِ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اَللَّهُ تَعالى في مَحَلِّهِ فَتَأمَّلْ ذاكَ واَللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، وقَدْ أوْرَدَ اَلْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ واقِدٍ في مَجْلِسِ اَلرَّشِيدِ هَذِهِ اَلْآيَةَ رَدًّا عَلى بَعْضِ اَلنَّصارى في زَعْمِهِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ: ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ يَدُلُّ عَلى ما يَزْعُمُهُ فِيهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِن أنَّهُ اِبْنُ اَللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ.
وحَكى أبُو اَلْفَتْحِ. وصاحِبُ اَللَّوامِحِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ. وعَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. والجَحْدَرِيِّ. وعَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّهم قَرَأُوا (مِنَّةً) بِكَسْرِ اَلْمِيمِ وشَدِّ اَلنُّونِ ونَصْبِ اَلتّاءِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ سَخَّرَ لَكم ذَلِكَ نِعْمَةً عَلَيْكُمْ، وحَكاها عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أيْضًا اِبْنُ خالَوَيْهِ. لَكِنْ قالَ أبُو حاتِمٍ: إنَّ سَنَدَ هَذِهِ اَلْقِراءَةِ إلَيْهِ مُظْلِمٌ فَإذا صَحَّ اَلسَّنَدُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ طاوُسٍ: إنَّهُ ذَكَرَ اَلْآيَةَ عَلى قِراءَةِ اَلْجُمْهُورِ ويُحْتَمَلُ أنْ لَهُ قِراءَتَيْنِ فِيها.
وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ ضَمَّ اَلتّاءَ عَلى تَقْدِيرِ هو أوْ هي مِنَّةٌ، وعَنْهُ أيْضًا فَتْحُ اَلْمِيمِ وشَدُّ اَلنُّونِ وهاءُ اَلْكِتابَةِ عائِدَةٌ عَلى اَللَّهِ تَعالى أيْ إنْعامُهُ وهو فاعِلُ ﴿سَخَّرَ﴾ عَلى اَلْإسْنادِ اَلْمَجازِيِّ كَما تَقُولُ: كَرَمُ اَلْمَلِكِ أنْعَشَنِي أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذا أوْ هو مِنهُ تَعالى، وجُوِّزَتِ اَلْفاعِلِيَّةُ في قِراءَتِهِ اَلْأُولى، وتَذْكِيرُ اَلْفِعْلِ لِأنَّ اَلْفاعِلَ لَيْسَ مُؤَنَّثًا حَقِيقِيًّا مَعَ وُجُودِ اَلْفاصِلِ، والوَجْهُ اَلْأوَّلَ أوْلى وإنْ كانَ فِيهِ تَقْدِيرٌ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ فِيما ذُكِرَ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةَ اَلشَّأْنِ كَثِيرَةَ اَلْعَدَدِ ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في بَدائِعِ صُنْعِهِ تَعالى وعَظائِمِ شَأْنِهِ جَلَّ شَأْنُهُ فَإنَّ ذَلِكَ يَجُرُّهم إلى اَلْإيمانِ والإيقانِ والشُّكْرِ.
45:14Page 500
قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغۡفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجۡزِيَ قَوۡمَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٤
Say, [O Muḥammad], to those who have believed that they [should] forgive those who expect not the days of Allāh [i.e., of His retribution] so that He may recompense a people1 for what they used to earn.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ حَذَفَ اَلْمَقُولَ لِدَلالَةِ ﴿يَغْفِرُوا﴾ عَلَيْهِ فَإنَّهُ جَوابٌ لِلْأمْرِ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِهِ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ فَقَطْ أيْ قُلْ لَهُمُ اِغْفِرُوا يَغْفِرُوا ﴿لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ أيْ يَعْفُوا ويَصْفَحُوا عَنِ
صفحة 147
اَلَّذِينَ لا يَتَوَقَّعُونَ وقائِعَهُ تَعالى بِأعْدائِهِ ونِقْمَتَهُ فِيهِمْ فالرَّجاءُ مَجازٌ عَنِ اَلتَّوَقُّعِ وكَذا اَلْأيّامُ مَجازٌ عَنِ اَلْوَقائِعِ مِن قَوْلِهِمْ: أيّامُ اَلْعَرَبِ لِوَقائِعِها وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ أوْ لا يَأْمُلُونَ اَلْأوْقاتِ اَلَّتِي وقَّتَها اَللَّهُ تَعالى لِثَوابِ اَلْمُؤْمِنِينَ ووَعَدَهُمُ اَلْفَوْزَ فِيها، والآيَةُ قِيلَ نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ اَلْقِتالِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِها.
وقالَ بَعْضُهُمْ: لا نَسْخَ لِأنَّ اَلْمُرادَ هَنا تَرْكُ اَلنِّزاعِ في اَلْمُحَقَّراتِ والتَّجاوُزُ عَنْ بَعْضِ ما يُؤْذِي ويُوحِشُ، وحَكى اَلنَّحّاسُ. والمَهْدَوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ شَتَمَهُ مُشْرِكٌ بِمَكَّةَ قَبْلَ اَلْهِجْرَةِ فَهَمَّ أنْ يَبْطِشَ بِهِ فَنَزَلَتْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُقاتِلٍ وهَذا ظاهِرٌ في كَوْنِها مَكِّيَّةً كَأخَواتِها. وإرادَةُ فَهَمَّ أنْ يَبْطِشَ بِهِ بَعْدَ اَلْهِجْرَةِ لِأنَّ اَلْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ قَبْلَها عاجِزُونَ مَقْهُورُونَ لا يُمْكِنُهُمُ اَلِانْتِصارُ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ والعاجِزُ لا يُؤْمَرُ بِالعَفْوِ والصَّفْحُ غَيْرُ ظاهِرٍ مُحْتاجٌ إلى نَقْلِ، ودَوامُ عَجْزِ كُلٍّ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ غَيْرُ مَعْلُومٍ بَلْ مَن وقَفَ عَلى أحْوالِ أبِي حَفْصٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يَتَوَقَّفُ في أنَّهُ قادِرٌ عَلى ما هَمَّ بِهِ لا يُبالِي بِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.
وهَذا أوْلى في اَلْجَوابِ مِن أنْ يُقالَ: إنَّ اَلْأمْرَ بِفِعْلِ ذَلِكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اَللَّهِ تَعالى بِقَلْبِهِ لِيُثابَ عَلَيْهِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ نَزَلُوا في غَزْوَةِ بَنِي اَلْمُصْطَلِقِ عَلى بِئْرٍ يُقالُ لَهُ اَلْمُرَيْسِيعُ فَأرْسَلَ اِبْنُ أُبَيٍّ غُلامَهُ لِيَسْتَقِيَ فَأبْطَأ عَلَيْهِ فَلَمّا أتاهُ قالَ لَهُ: ما حَبَسَكَ؟ قالَ: غُلامُ عَمَرَ قَعَدَ عَلى طَرَفِ اَلْبِئْرِ فَما تَرَكَ أحَدًا يَسْتَقِي حَتّى مَلَأ قِرْبَ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقِرْبَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ اِبْنُ أُبَيٍّ: ما مِثْلُنا ومِثْلُ هَؤُلاءِ إلّا كَما قِيلَ سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فاشْتَمَلَ سَيْفَهُ يُرِيدُ اَلتَّوَجُّهَ إلَيْهِ فَأنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى اَلْآيَةَ وحَكاهُ اَلْإمامُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وكَذا ما رُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: إنَّ فِنْحاصًا اَلْيَهُودِيَّ قالَ: لِمّا أنْزَلَ اَللَّهُ تَعالى ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ اِحْتاجَ رَبُّ مُحَمَّدٍ فَسَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فاشْتَمَلَ سَيْفَهُ وخَرَجَ فَبَعَثَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في طَلَبِهِ حَتّى رَدَّهُ ونَزَلَتِ اَلْآيَةُ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالمَغْفِرَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالقَوْلِ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِامْتِثالِهِمُ اَلْمُجازى عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالقَوْمِ اَلْمُؤْمِنُونَ اَلْغافِرُونَ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، ولَفْظُ اَلْقَوْمِ في نَفْسِهِ اِسْمُ مَدْحٍ عَلى ما يُرْشِدُ إلَيْهِ اَلِاشْتِقاقُ والِاسْتِعْمالُ في نَحْوِ يا اِبْنَ اَلْقَوْمِ.
وفِي هَذا اَلتَّنْكِيرِ كَمالُ اَلتَّعْرِيفِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم لا يَخْفَوْنَ نُكِّرُوا أوْ عُرِّفُوا مَعَ اَلْعِلْمِ بِأنَّ اَلْمَجْزِيَّ لا يَكُونُ إلّا اَلْعامِلُ وهو اَلْغافِرُ هَهُنا أيْ أُمِرُوا بِذَلِكَ لِيَجْزِيَ اَللَّهُ تَعالى يَوْمَ اَلْقِيامَةِ قَوْمًا أيَّما قَوْمٍ وقَوْمًا مَخْصُوصِينَ بِما كَسَبُوا في اَلدُّنْيا مِنَ اَلْأعْمالِ اَلْحَسَنَةِ اَلَّتِي مِن جُمْلَتِها اَلصَّبْرُ عَلى أذِيَّةِ اَلْكُفّارِ والإغْضاءُ عَنْهم بِكَظْمِ اَلْغَيْظِ واحْتِمالِ اَلْمَكْرُوهِ. ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ اَلْبَيانِ مِنَ اَلثَّوابِ اَلْعَظِيمِ، ومِنهم مَن خَصَّ ما كَسَبُوهُ بِالمَغْفِرَةِ والصَّبْرِ عَلى اَلْأذِيَّةِ، وما في اَلْوَجْهَيْنِ مَوْصُولَةٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْمُقابَلَةِ أوْ صِلَةُ يَجْزِي، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالقَوْمِ اَلْكَفَرَةُ وبِما كَسَبُوا سَيِّئاتُهُمُ اَلَّتِي مِن جُمْلَتِها إيذاؤُهُمُ اَلْمُؤْمِنِينَ والتَّنْكِيرُ لِلتَّحْقِيرِ: وتُعُقِّبَ بِأنَّ مُطْلَقَ اَلْجَزاءِ لا يَصْلُحُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالمَغْفِرَةِ لِتَحَقُّقِهِ عَلى تَقْدِيرَيِ اَلْمَغْفِرَةِ وعَدَمِها فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِهِ بِالكُلِّ بِأنْ لا يَتَحَقَّقَ بَعْضٌ مِنهُ في اَلدُّنْيا أوْ بِما يَصْدُرُ عَنْهُ تَعالى بِالذّاتِ، وفي ذَلِكَ مِنَ اَلتَّكَلُّفِ ما لا يَخْفى، وأنْ يُرادَ كِلا اَلْفَرِيقَيْنِ والتَّنْكِيرُ لِلشُّيُوعِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ أكْثَرُ تَكَلُّفًا وأشَدُّ تَمَحُّلًا، واَلَّذِي يَشْهَدُ لِلْوَجْهِ اَلسّابِقِ ما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ اَلْمُسَيَّبِ قالَ: كُنّا بَيْنَ يَدَيْ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَرَأ قارِئٌ هَذِهِ اَلْآيَةَ فَقالَ: لِيَجْزِيَ عُمَرَ بِما صَنَعَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وأبُو عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ. والأعْمَشُ.
صفحة 148
وأبُو خُلَيْدٍ. وابْنُ عامِرٍ. وحَمْزَةُ. والكِسائِيُّ (لِنَجْزِيَ) بِنُونِ اَلْعَظَمَةِ، وقُرِئَ (لِيُجْزى) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ (قَوْمٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ نائِبُ اَلْفاعِلِ، وقَرَأ شَيْبَةُ. وأبُو جَعْفَرٍ بِخِلافٍ عَنْهُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما نَصَبا (قَوْمًا) ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ، واحْتَجَّ بِهِ مَن يُجَوِّزُ نِيابَةَ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ عَنِ اَلْفاعِلِ مَعَ وُجُودِ اَلْمَفْعُولِ اَلصَّرِيحِ فَيَقُولُ: ضُرِبَ بِسَوْطٍ زَيْدًا فَبِما كَسَبُوا نائِبُ اَلْفاعِلِ هَهُنا ولا يُجِيزُ ذَلِكَ اَلْجُمْهُورُ، وخُرِّجَتْ هَذِهِ اَلْقِراءَةُ عَلى أنَّ اَلْقائِمَ مَقامَ اَلْفاعِلِ ضَمِيرُ اَلْمَصْدَرِ أيْ لِيُجْزى هو أيِ اَلْجَزاءُ، ورُدَّ بِأنَّهُ لا يُقامُ مَقامَهُ عِنْدَ وُجُودِ اَلْمَفْعُولِ بِهِ أيْضًا عَلى اَلصَّحِيحِ، وأجازَهُ اَلْكُوفِيُّونَ عَلى خِلافٍ في اَلْإطْلاقِ والِاسْتِحْسانِ أوْ عَلى أنَّهُ ضَمِيرُ اَلْمَفْعُولِ اَلثّانِي وهو اَلْجَزاءُ بِمَعْنى اَلْمُجْزِيِّ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ وأُضْمِرَ لِدَلالَةِ اَلسِّياقِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولأبَوَيْهِ﴾ والمَفْعُولُ اَلثّانِي في بابِ أعْطى يَقُومُ مَقامَ اَلْفاعِلِ بِلا خِلافٍ وهَذا مِن ذاكَ، وأبُو اَلْبَقاءِ اِعْتَبَرَ اَلْخَيْرَ بَدَلَ اَلْجَزاءِ اَلْمَذْكُورِ أوْ عَلى أنَّ (قَوْمًا) مَنصُوبٌ بِأعْنِي أوْ جَزى مُضْمَرًا لِدَلالَةِ اَلْمَجْهُولِ عَلى أنَّ ثَمَّ جازِيًا واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ و(لِيَجْزِيَ) حِينَئِذٍ مِن بابٍ يُعْطِي ويَمْنَعُ وحِيلَ بَيْنَ اَلْعِيرِ والنَّزَوانِ فَمَعْناهُ لِيَفْعَلَ اَلْجَزاءَ ويَكُونُ هُناكَ جُمْلَتانِ.
45:15Page 500
مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ ١٥
Whoever does a good deed - it is for himself; and whoever does evil - it is against it [i.e., the self or soul]. Then to your Lord you will be returned.
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ لا يَكادُ يَسْرِي عَمَلٌ إلى غَيْرِ عامِلِهِ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ﴾ مالِكِ أُمُورِكم ﴿تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم حَسْبَما تَقْتَضِيهِ اَلْحِكْمَةُ خَيْرًا عَلى اَلْخَيْرِ وشَرًّا عَلى اَلشَّرِّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ اَلْجَزاءِ
45:16Page 500
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
And We did certainly give the Children of Israel the Scripture and judgement1 and prophethood, and We provided them with good things and preferred them over the worlds.
﴿ولَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ وهو اَلتَّوْراةُ عَلى أنَّ اَلتَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ، وجُوِّزَ جَعْلُهُ لِلْجِنْسِ لِيَشْمَلَ اَلزَّبُورَ والإنْجِيلَ ولا يَضُرُّ في ذَلِكَ كَوْنُ اَلزَّبُورِ أدْعِيَةً ومُناجاةً والإنْجِيلُ أحْكامُهُ قَلِيلَةٌ جِدًّا ومُعْظَمُ أحْكامِ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ مِنَ اَلتَّوْراةِ لِأنَّ إيتاءَ اَلْكِتابِ مُطْلَقًا مِنَّةٌ ﴿والحُكْمَ﴾ اَلْقَضاءَ وفَصْلَ اَلْأُمُورِ بَيْنَ اَلنّاسِ لِأنَّ اَلْمُلْكَ كانَ فِيهِمْ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، أوِ اَلْفِقْهَ في اَلدِّينِ ويُقالُ: لَمْ يَتَّسِعْ فِقْهُ اَلْأحْكامِ عَلى نَبِيٍّ ما اِتَّسَعَ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ، أوِ اَلْحِكَمَ اَلنَّظَرِيَّةَ اَلْأصْلِيَّةَ والعَمَلِيَّةَ اَلْفَرْعِيَّةَ ﴿والنُّبُوَّةَ﴾ حَيْثُ كَثُرَ فِيهِمُ اَلْأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ اَلسَّلامُ ما لَمْ يَكْثُرْ في غَيْرِهِمْ ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ اَلْمُسْتَلَذّاتِ اَلْحَلالِ وبِذَلِكَ تَتِمُّ اَلنِّعْمَةُ وذَلِكَ كالمَنِّ والسَّلْوى ﴿وفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ حَيْثُ آتَيْناهم ما لَمْ نُؤْتِ غَيْرَهم مِن فَلْقِ اَلْبَحْرِ وإظْلالِ اَلْغَمامِ ونَظائِرِهِما فالمُرادُ تَفْضِيلُهم عَلى اَلْعالَمِينَ مُطْلَقًا مِن بَعْضِ اَلْوُجُوهِ لا مِن كُلِّها ولا مِن جِهَةِ اَلْمَرْتَبَةِ والثَّوابِ فَلا يُنافِي ذَلِكَ تَفْضِيلَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِمْ مِن وجْهٍ آخَرَ ومِن جِهَةِ اَلْمَرْتَبَةِ والثَّوابِ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالعالَمِينَ عالَمُو زَمانِهِمْ.
45:17Page 500
وَءَاتَيۡنَٰهُم بَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِۖ فَمَا ٱخۡتَلَفُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٧
And We gave them clear proofs of the matter [of religion]. And they did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
﴿وآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ﴾ دَلائِلَ ظاهِرَةً في أمْرِ اَلدِّينِ فَمِن بِمَعْنى في والبَيِّناتُ اَلدَّلائِلُ ويَنْدَرِجُ فِيها مُعْجِزاتُ مُوسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ وبَعْضُهم فَسَّرَها بِها، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ آياتٌ مِن أمْرِ اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَلاماتٌ مُبَيِّنَةٌ لِصِدْقِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ كَكَوْنِهِ يُهاجِرُ مِن مَكَّةَ إلى يَثْرِبَ ويَكُونُ أنْصارَهُ أهْلُها إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ في كُتُبِهِمْ ﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ في ذَلِكَ اَلْأمْرِ ﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ بِحَقِيقَةِ اَلْحالِ فَجَعَلُوا ما يُوجِبُ زَوالَ اَلْخِلافِ مُوجِبًا لِرُسُوخِهِ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ عَداوَةً وحَسَدًا لا شَكًّا فِيهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بِالمُؤاخَذَةِ والجَزاءِ ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمْرِ اَلدِّينِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences