Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Jathiyah 45:18–24
45:18Page 500
ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨
Then We put you, [O Muḥammad], on an ordained way concerning the matter [of religion]; so follow it and do not follow the inclinations of those who do not know.
﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ﴾ أيْ سُنَّةٍ وطَرِيقَةٍ مِن شَرَعَهُ إذا سَنَّهُ لِيُسْلَكَ، وفي اَلْبَحْرِ اَلشَّرِيعَةُ في كَلامِ اَلْعَرَبِ اَلْمَوْضِعُ اَلَّذِي يَرِدُ مِنهُ اَلنّاسُ في اَلْأنْهارِ ونَحْوِها
صفحة 149
فَشَرِيعَةُ اَلدِّينِ مِن ذَلِكَ مِن حَيْثُ يَرِدُ اَلنّاسُ مِنها أمْرَ اَللَّهِ تَعالى ورَحِمَتَهُ والقُرْبَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ اَلرّاغِبُ: اَلشَّرْعُ مَصْدَرٌ ثُمَّ جُعِلَ اِسْمًا لِلطَّرِيقِ اَلنَّهْجِ فَقِيلَ لَهُ شَرْعٌ وشِرْعَةٌ وشَرِيعَةٌ واسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِلطَّرِيقَةِ اَلْإلَهِيَّةِ مِنَ اَلدِّينِ ثُمَّ قالَ: قالَ بَعْضُهم سُمِّيَتِ اَلشَّرِيعَةُ شَرِيعَةً تَشْبِيهًا بِشَرِيعَةِ اَلْماءِ مِن حَيْثُ إنَّ مَن شَرَعَ فِيها عَلى اَلْحَقِيقَةِ والصِّدْقِ رُوِيَ وتَطَهَّرَ، وأعْنِي بِالرِّيِّ ما قالَ بَعْضُ اَلْحُكَماءِ: كُنْتُ أشْرَبُ فَلا أُرْوى فَلَمّا عَرَفْتُ اَللَّهَ تَعالى رُوِيتُ بِلا شُرْبٍ، وبِالتَّطَهُّرِ ما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ والظّاهِرُ هُنا اَلْمَعْنى اَللُّغَوِيُّ، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ شَرِيعَةٍ عَظِيمَةِ اَلشَّأْنِ ﴿مِنَ الأمْرِ﴾ أيْ أمْرِ اَلدِّينِ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ مَصْدَرَ أمْرٍ، والمُرادُ مِنَ اَلْأمْرِ والنَّهْيِ وهو كَما تَرى ﴿فاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ آراءَ اَلْجُهّالِ اَلتّابِعَةَ لِلشَّهَواتِ، والمُرادُ بِهِمْ ما يَعُمُّ كُلَّ ضالٍّ، وقِيلَ: هم جُهّالُ قُرَيْظَةَ. والنَّضِيرِ، وقِيلَ: رُؤَساءُ قُرَيْشٍ كانُوا يَقُولُونَ لَهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اِرْجِعْ إلى دِينِ آبائِكَ.
45:19Page 500
إِنَّهُمۡ لَن يُغۡنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۚ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۖ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩
Indeed, they will never avail you against Allāh at all. And indeed, the wrongdoers are allies of one another; but Allāh is the protector of the righteous.
﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ مِنَ اَلْأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ اَلْإغْناءِ أنِ اِتَّبَعَتْهم والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِعِلَّةِ اَلنَّهْيِ ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ لا يُوالِيهِمْ ولا يَتَّبِعُ أهْواءَهم إلّا مَن كانَ ظالِمًا مِثْلَهم.
﴿واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ اَلَّذِينَ أنْتَ قُدْوَتُهم فَدُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن تُوَلِّيهِ سُبْحانَهُ خاصَّةً والإعْراضِ عَمّا سِواهُ عَزَّ وجَلَّ بِالكُلِّيَّةِ
45:20Page 500
هَٰذَا بَصَٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٢٠
This [Qur’ān] is enlightenment for mankind and guidance and mercy for a people who are certain [in faith].
﴿هَذا﴾ أيِ اَلْقُرْآنُ ﴿بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾ فَإنَّ ما فِيهِ مِن مَعالِمِ اَلدِّينِ وشَعائِرِ اَلشَّرائِعِ بِمَنزِلَةِ اَلْبَصائِرِ في اَلْقُلُوبِ، وقِيلَ: اَلْإشارَةُ إلى اِتِّباعِ اَلشَّرِيعَةِ والكَلامُ مِن بابِ اَلتَّشْبِيهِ اَلْبَلِيغِ، وجَمْعُ اَلْخَبَرِ عَلى اَلْوَجْهَيْنِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ ما تَضَمَّنَهُ اَلْمُبْتَدَأُ واتِّباعُ مَصْدَرٍ مُضافٍ فَيَعُمُّ ويُخْبِرُ عَنْهُ بِمُتَعَدِّدٍ أيْضًا، وقُرِئَ (هَذِهِ) أيِ اَلْآياتُ ﴿وهُدًى﴾ جَلِيلٌ مِن ورْطَةِ اَلضَّلالَةِ ﴿ورَحْمَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ مِن شَأْنِهِمُ اَلْإيقانُ بِالأُمُورِ
45:21Page 500
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٢١
Or do those who commit evils think We will make them like those who have believed and done righteous deeds - [make them] equal in their life and their death?1 Evil is that which they judge [i.e., assume].
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ إلى آخِرِهِ اِسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِ اَلْمُسِيئِينَ والمُحْسِنِينَ إثْرَ بَيانِ حالِ اَلظّالِمِينَ والمُتَّقِينَ،و(أمْ) مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِنَ اَلْبَيانِ اَلْأوَّلِ إلى اَلثّانِي، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ اَلْحُسْبانِ عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَلِيقُ ولا يَنْبَغِي لِظُهُورِ خِلافِهِ، والِاجْتِراحِ اَلِاكْتِسابُ ومِنهُ اَلْجارِحَةُ لِلْأعْضاءِ اَلَّتِي يُكْتَسَبُ بِها كالأيْدِي، وجاءَ: هو جارِحَةُ أهْلِهِ أيْ كاسِبُهُمْ، وقالَ اَلرّاغِبُ: اَلِاجْتِراحُ اِكْتِسابُ اَلْإثْمِ وأصْلُهُ مِنَ اَلْجِراحَةِ كَما أنَّ اَلِاقْتِرافَ مِن قَرَفِ اَلْقُرْحَةِ، والظّاهِرُ تَفْسِيرُهُ هَهُنا بِالِاكْتِسابِ لِمَكانِ (اَلسَّيِّئاتِ) والمُرادُ بِها عَلى ما في اَلْبَحْرِ سَيِّئاتُ اَلْكُفْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ اَلْحُسْبانِ، والجَعْلُ بِمَعْنى اَلتَّصْيِيرِ وهم مَفْعُولُهُ اَلْأوَّلُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مَفْعُولُهُ اَلثّانِي، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَواءً﴾ بَدَلٌ مِنَ اَلْكافِ بِناءً عَلى أنَّها اِسْمٌ بِمَعْنى مِثْلَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ فاعِلُ سَواءٍ أُجْرِيَ مَجْرى مُسْتَوٍ كَما قالُوا: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَواءٍ هو والعَدَمُ، وضَمِيرُ اَلْجَمْعِ لِلْمُجْتَرِحِينَ، والمَعْنى عَلى إنْكارِ حُسْبانِ جَعْلِ مَحْيا اَلْمُجْتَرِحِينَ ومَماتِهِمْ مُسْتَوِيَيْنِ مِثْلُهُما لِلْمُؤْمِنِينَ، ومَصَبُّ اَلْإنْكارِ اِسْتِواءُ ذَلِكَ فَإنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ تَتَوافَقُ حالاهم لِأنَّهم مَرْحُومُونَ في اَلْمَحْيا والمَماتِ وأُولَئِكَ تَتَضادُّ حالاهم فَإنَّهم مَرْحُومُونَ حَياةً لا مَوْتًا؛ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (سَواءً) حالًا مِنَ اَلضَّمِيرِ في اَلْكافِ بِناءً عَلى ما سَمِعْتَ مِن مَعْناها.
صفحة 150
وتُعُقِّبَ بِأنَّها اِسْمٌ جامِدٌ عَلى صُورَةِ اَلْحَرْفِ فَلا يَصِحُّ اِسْتِتارُ اَلضَّمِيرِ فِيها وقَدْ صَرَّحَ اَلْفارِسِيُّ بِمَنعِ ذَلِكَ، نَعَمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (كالَّذِينَ) جارًّا ومَجْرُورًا في مَوْضِعِ اَلْمَفْعُولِ اَلثّانِي و(سَواءً) حالًا مِنَ اَلضَّمِيرِ اَلْمُسْتَتِرِ فِيهِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أيْضًا كَوْنُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ نَجْعَلَهم وكَذا يَجُوزُ كَوْنُهُ اَلْمَفْعُولَ اَلثّانِيَ، وكَوْنُ اَلْكافِ أوِ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ حالًا مِن هَذا اَلضَّمِيرِ، وما ذُكِرَ أوَّلًا أظْهَرُ وأوْلى، وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ اَلْجَمْعِ في ﴿مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ فَسَواءً حالٌ مِنَ اَلْمَوْصُولِ اَلثّانِي ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ اَلضَّمِيرِ في (كالَّذِينَ) لِفَسادِ اَلْمَعْنى وكَوْنِ اَلضَّمِيرِ لِلْفَرِيقَيْنِ فَسَواءً حالٌ مِن مَجْمُوعِ اَلْمَوْصُولِ اَلثّانِي وضَمِيرِ اَلْأوَّلِ، والمَعْنى عَلى إنْكارِ حُسْبانِ أنْ يَسْتَوِيَ اَلْفَرِيقانِ بَعْدَ اَلْمَماتِ في اَلْكَرامَةِ أوْ تَرْكِ اَلْمُؤاخَذَةِ كَما اِسْتَوَيا ظاهِرًا في اَلرِّزْقِ والصِّحَّةِ في اَلْحَياةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى عَلى إنْكارِ حُسْبانِ جَعْلِ اَلْحَياتَيْنِ مُسْتَوِيَتَيْنِ لِأنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلى اَلطّاعَةِ وأُولَئِكَ عَلى اَلْمَعاصِي وكَذَلِكَ اَلْمَوْتانِ لِأنَّهم مُلَقَّوْنَ بِالبُشْرى والرِّضْوانِ وأُولَئِكَ بِالسُّوءِ والخِذْلانِ، وقِيلَ بِهِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ اَلضَّمِيرِ لِلْمُجْتَرِحِينَ أيْضًا.
ولِمَ يُجَوِّزِ اَلْمُدَقِّقُ اَلْإبْدالَ مِنَ اَلْكافِ عَلى تَقْدِيرِ اِشْتِراكِ اَلضَّمِيرِ إذِ اَلْمِثْلُ هو اَلْمُشَبَّهُ و﴿سَواءً﴾ جارٍ عَلى اَلْمُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ اَلْقُرّاءِ (سَواءٌ مَحْياهم ومَماتُهُمْ) بِرَفْعِ سَواءٌ وما بَعْدَهُ عَلى أنَّ سَواءٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وما بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ لا اَلْعَكْسُ لِأنَّ سَواءٌ نَكِرَةٌ ولا مُسَوِّغَ لِلِابْتِداءِ بِها والضَّمِيرُ لِلْمُجْتَرِحِينَ، والجُمْلَةُ قِيلَ: بَدَلٌ مِنَ اَلْمَفْعُولِ اَلثّانِي لِنَجْعَلَ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ أوْ بَدَلَ اِشْتِمالٍ أوْ بَدَلَ بَعْضٍ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ إبْدالُ اَلْجُمْلَةِ مِنَ اَلْمُفْرَدِ وقَدْ أجازَهُ أبُو اَلْفَتْحِ واخْتارَهُ اِبْنُ مالِكٍ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ شَواهِدَ، قالَ أبُو حَيّانَ: لا يَتَعَيَّنُ فِيها اَلْبَدَلُ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ اَلْأشْبِيلِيُّ اَلْمَعْرُوفُ بِابْنِ اَلْعِلْجِ في كِتابِهِ اَلْبَسِيطِ في اَلنَّحْوِ: لا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مَعْمُولَةً لِلْأوَّلِ في مَوْضِعِ اَلْبَدَلِ فَإنْ كانَتْ غَيْرَ مَعْمُولَةٍ فَهَلْ تَكُونُ جُمْلَةً بَدَلًا مِن جُمْلَةٍ لا يَبْعُدُ عِنْدِي جَوازُ ذَلِكَ كالعَطْفِ والتَّأْكِيدِ اَللَّفْظِيِّ.
وظاهِرُهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ اَلْإبْدالُ هَهُنا، وفي اَلْبَحْرِ يَظْهَرُ لِي أنَّهُ لا يَجُوزُ إبْدالُ هَذِهِ اَلْجُمْلَةِ مِن ذَلِكَ اَلْمَفْعُولِ لِأنَّ اَلْجَعْلَ بِمَعْنى اَلتَّصْيِيرِ ولا يَجُوزُ صَيَّرْتُ زَيْدًا أبَوْهُ قائِمٌ ولا صَيَّرْتُ زَيْدًا غُلامُهُ مُنْطَلِقٌ لِأنَّ في ذَلِكَ اِنْتِقالًا مِن ذاتٍ إلى ذاتٍ أوْ مِن وصْفٍ في اَلذّاتِ إلى وصْفٍ آخَرَ فِيها ولَيْسَ في تِلْكَ اَلْجُمْلَةِ اَلْمُقَدَّرَةِ مَفْعُولًا ثانِيًا اِنْتِقالٌ مِمّا ذَكَرْنا وفِيهِ بَحْثٌ لا يَخْفى، واَلزَّمَخْشَرِيُّ قَدْ نَصَّ عَلى جَعْلِ اَلْجُمْلَةِ بَدَلًا مِنَ اَلْكافِ وهو إمامٌ في اَلْعَرَبِيَّةِ، لَكِنْ أفادَ صاحِبُ اَلْكَشْفِ أنَّهُ أرادَ أنَّهُ بَدَلٌ مِن حَيْثُ اَلْمَعْنى لا أنَّهُ بَدَلٌ مِن ذاكَ لَفْظًا قالَ: لِأنَّهُ مُفْرَدٌ دالٌّ عَلى اَلذّاتِ بِاعْتِبارِ اَلْمَعْنى وهَذا دالٌّ عَلى اَلْمَعْنى وإنْ كانَ اَلذّاتُ يَلْزَمُ مِن طَرِيقِ اَلضَّرُورَةِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ لَهُ مَوْصُوفٌ مَحْذُوفٌ بِأنْ يُقْدَّرَ رِجالًا سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم مَثَلًا، والمَعْنى عَلى اَلْبَدَلِيَّةِ كَما سَمِعْتَ في قِراءَةِ اَلنَّصْبِ، وجُوِّزَ كَوْنُ اَلْجُمْلَةِ مَفْعُولًا ثانِيًا و﴿كالَّذِينَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿نَجْعَلَهُمْ﴾ ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما عَلَيْهِ وما لَهُ، وإذا كانَ اَلضَّمِيرُ لِلْمُؤْمِنِينَ فالجُمْلَةُ قِيلَ: حالٌ مِنَ اَلْمَوْصُولِ اَلثّانِي لا مِنَ اَلضَّمِيرِ في اَلْمَفْعُولِ اَلثّانِي لِلْفَسادِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ فِيهِ اِكْتِفاءَ اَلِاسْمِيَّةِ اَلْحالِيَّةِ بِالضَّمِيرِ وهو غَيْرُ فَصِيحٍ عَلى ما قِيلَ: وقِيلَ: اِسْتِئْنافٌ يُبَيِّنُ اَلْمُقْتَضِي لِلْإنْكارِ عَلى حُسْبانِ اَلتَّماثُلِ وهو أنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ سَواءٌ حالُهم عِنْدَ اَللَّهِ تَعالى في اَلدّارَيْنِ بَهْجَةً وكَرامَةً فَكَيْفَ يُماثِلُهُمُ اَلْمُجْتَرِحُونَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ بَيانًا لِوَجْهِ اَلشَّبَهِ اَلْمُجْمَلِ، وإذا كانَ اَلضَّمِيرُ لِلْفَرِيقَيْنِ فالظّاهِرُ أنَّ اَلْجُمْلَةَ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ في حُكْمِ اَلْإنْكارِ والتَّساوِي حِينَئِذٍ بَيْنَ حالِ اَلْمُؤْمِنِينَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ خاصَّةً وحالِ اَلْمُجْتَرِحِينَ كَذَلِكَ وتَكُونُ اَلْجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِلْإنْكارِ في اَلْمَعْنى دالًّا عَلى عَدَمِ اَلْمُماثَلَةِ لا في اَلدُّنْيا ولا في اَلْآخِرَةِ لِأنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ مُتَساوُو اَلْمَحْيا والمَماتِ في اَلرَّحْمَةِ وأُولَئِكَ مُتَساوُو اَلْمَحْيا والمَماتِ في اَلنِّقْمَةِ إذِ اَلْمَعْنى كَما يَعِيشُونَ يَمُوتُونَ فَلَمّا اِفْتَرَقَ حالُ هَؤُلاءِ وحالُ هَؤُلاءِ حَياةً فَكَذَلِكَ
صفحة 151
مَوْتًا، وأمّا اَلْإبْدالُ فَقَدْ عُلِمَ حالُهُ فَتَأمَّلْ.
وقَرَأ اَلْأعْمَشُ (سَواءً) بِالنَّصْبِ (مَحْياهم ومَماتَهُمْ) بِهِ أيْضًا، وخُرِّجَ اَلْأوَّلُ عَلى ما سَمِعْتَ ونَصْبُ مَحْياهم ومَماتَهم عَلى اَلظَّرْفِيَّةِ لِأنَّهُما اِسْما زَمانٍ أوْ مَصْدَرانِ أُقِيما مَقامَ اَلزَّمانِ والعامِلُ إمّا ﴿سَواءً﴾ أوْ ﴿نَجْعَلَهُمْ)،﴾ هَذا والآيَةُ وإنْ كانَتْ في اَلْكُفّارِ عَلى ما نُقِلَ عَنِ اَلْبَحْرِ وهو ظاهِرُ ما رُوِيَ عَنِ اَلْكَلْبِيِّ مِن أنَّ عُتْبَةَ. وشَيْبَةَ. والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ قالُوا لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ. وحَمْزَةَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ. والمُؤْمِنِينَ: واَللَّهِ ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ ولَئِنْ كانَ ما تَقُولُونَ حَقًّا لَحالُنا أفْضَلُ مِن حالِكم في اَلْآخِرَةِ كَما هو أفْضَلُ في اَلدُّنْيا فَنَزَلَتِ اَلْآيَةُ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ إلَخْ.
وهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ عَلى جَمِيعِ أوْجُهِها كَما يُعْرَفُ بِأدْنى تَدَبُّرٍ يُسْتَنْبَطُ مِنها تَبايُنُ حالَيِ اَلْمُؤْمِنِ اَلْعاصِي والمُؤْمِنِ اَلطّائِعِ ولِهَذا كانَ كَثِيرٌ مِنَ اَلْعُبّادِ يَبْكُونَ عِنْدَ تِلاوَتِها حَتّى أنَّها تُسَمّى مَبْكاةَ اَلْعابِدِينَ لِذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ اَلزُّهْدِ والطَّبَرانِيُّ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي اَلضُّحى قالَ: قَرَأ تَمِيمٌ اَلدّارِيُّ سُورَةَ اَلْجاثِيَةِ فَلَمّا أتى عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ﴾ اَلْآيَةَ لَمْ يَزَلْ يُكَرِّرُها ويَبْكِي حَتّى أصْبَحَ وهو عِنْدَ اَلْمَقامِ.
وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ بَشِيرٍ مَوْلى اَلرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ أنَّ اَلرَّبِيعَ كانَ يُصَلِّي فَمَرَّ بِهَذِهِ اَلْآيَةِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ﴾ إلَخْ فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُها حَتّى أصْبَحَ، وكانَ اَلْفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ يَقُولُ لِنَفْسِهِ إذا قَرَأها: لَيْتَ شِعْرِي مِن أيِّ اَلْفَرِيقَيْنِ أنْتَ.
وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ لَفْظَها يُعْطِي أنَّ اِجْتِراحَ اَلسَّيِّئاتِ هو اِجْتِراحُ اَلْكُفْرِ لِمُعادَلَتِهِ بِالإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اَلْمُعادَلَةُ بِالِاجْتِراحِ وعَمَلِ اَلصّالِحاتِ ويَكُونُ اَلْإيمانُ في اَلْفَرِيقَيْنِ ولِهَذا بَكى اَلْخائِفُونَ عِنْدَ تِلاوَتِها.
ورَأيْتُ كَثِيرًا مِنَ اَلْمَغْرُورِينَ اَلْمُسْتَغْرِقِينَ لَيْلَهم ونَهارَهم بِالفِسْقِ والفُجُورِ يَقُولُونَ بِلِسانِ اَلْقالِ والحالِ: نَحْنُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ أفْضَلُ حالًا مِن كَثِيرٍ مِنَ اَلْعابِدِينَ وهَذا مِنهم والعِياذُ بِاَللَّهِ تَعالى ضَلالٌ بَعِيدٌ وغُرُورٌ ما عَلَيْهِ مَزِيدٌ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ ساءَ حُكْمُهم هَذا وهو اَلْحُكْمُ بِالتَّساوِي فَما مَصْدَرِيَّةٌ والكَلامُ إخْبارٌ عَنْ قُبْحِ حُكْمِهِمُ اَلْمَعْهُودِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِإنْشاءِ ذَمِّهِمْ عَلى أنَّ (ساءَ) بِمَعْنى بِئْسَ فَما فِيهِ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وقَعَتْ تَمْيِيزًا مُفَسِّرًا لِضَمِيرِ اَلْفاعِلِ اَلْمُبْهَمِ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ بِئْسَ شَيْئًا حَكَمُوا بِهِ ذَلِكَ
45:22Page 500
وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَلِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٢
And Allāh created the heavens and earth in truth and so that every soul may be recompensed for what it has earned, and they will not be wronged.
﴿وخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ كَأنَّهُ دَلِيلٌ عَلى إنْكارِ حُسْبانِهِمُ اَلسّابِقِ أوْ دَلِيلٌ عَلى تَساوِي مَحْيا كُلِّ فَرِيقٍ ومَماتِهِ وبَيانٌ لِحِكْمَتِهِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ اِسْتِئْنافًا وذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ خَلْقَ اَلْعالَمِ بِالحَقِّ اَلْمُقْتَضِي لِلْعَدْلِ يَسْتَدْعِي اِنْتِصافَ اَلْمَظْلُومِ مِنَ اَلظّالِمِ والتَّفاوُتَ بَيْنَ اَلْمُسِيءِ والمُحْسِنِ وإذا لَمْ يَكُنْ في اَلْمَحْيا كانَ بَعْدَ اَلْمَماتِ حَتْمًا ﴿ولِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿بِالحَقِّ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى اَلْعِلَّةِ سَواءٌ كانَتِ اَلْباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ اَلْغائِيَّةِ أوِ اَلْمُلابَسَةِ، أمّا عَلى اَلْأوَّلِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى اَلثّانِي فَلِأنَّ اَلْمَعْنى خَلَقَها مُلْتَبِسَةً ومَقْرُونَةً بِالحِكْمَةِ والصَّوابِ دُونَ اَلْعَبَثِ والباطِلِ وحاصِلُهُ خَلَقَها لِأجْلِ ذَلِكَ أوْ عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ مِثْلَ لِيَدُلَّ سُبْحانَهُ بِها عَلى قُدْرَتِهِ أوْ لِيَعْدِلَ، وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ لِيَجْزِيَ كُلَّ نَفْسٍ بِاَلَّذِي كَسَبَتْهُ أوْ بِكَسْبِها ﴿وهُمْ﴾ أيِ اَلنُّفُوسُ اَلْمَدْلُولُ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ وتَضْعِيفِ عَذابٍ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ اَلْحالِ، وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ ظُلْمًا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ مِنهُ سُبْحانَهُ تَصَرُّفٌ في مُلْكِهِ والظُّلْمُ صَرْفٌ في مُلْكِ اَلْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِأنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ كانَ ظُلْمًا
صفحة 152
فالكَلامُ عَلى اَلِاسْتِعارَةِ اَلتَّمْثِيلِيَّةِ أوْ أنَّهُ لَمّا كانَ مُخالِفًا لِوَعْدِهِ سُبْحانَهُ اَلْحَقِّ سَمّاهُ تَعالى ظُلْمًا.
45:23Page 501
أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٣
Have you seen he who has taken as his god his [own] desire, and Allāh has sent him astray due to knowledge1 and has set a seal upon his hearing and his heart and put over his vision a veil? So who will guide him after Allāh? Then will you not be reminded?
﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حالِ مَن تَرَكَ مُتابَعَةَ اَلْهُدى إلى مُطاوَعَةِ اَلْهَوى فَكَأنَّهُ يَعْبُدُهُ فالكَلامُ عَلى اَلتَّشْبِيهِ اَلْبَلِيغِ أوِ اَلِاسْتِعارَةِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ اَلْهَمْزَةُ أيْ أنَظَرْتَ مَن هَذِهِ حالُهُ فَرَأيْتَهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُقْضى مِنهُ اَلْعَجَبُ، وأبُو حَيّانَ جَعَلَ أرَأيْتَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي وقالَ: اَلْمَفْعُولُ اَلْأوَّلُ مَنِ ﴿اتَّخَذَ﴾ والثّانِي مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بَعْدَ اَلصِّلاتِ أيْ أيَهْتَدِي بِدَلِيلِ ﴿فَمَن يَهْدِيهِ﴾ والآيَةُ نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ في اَلْحارِثِ بْنِ قَيْسٍ اَلسَّهْمِيِّ كانَ لا يَهْوى شَيْئًا إلّا رَكِبَهُ، وحُكْمُها عامٌّ وفِيها مِن ذَمِّ اِتِّباعِ هَوى اَلنَّفْسِ ما فِيها، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ ما ذَكَرَ اَللَّهُ تَعالى هَوًى إلّا ذَمَّهُ.
وقالَ وهْبٌ: إذا شَكَكْتَ في خَيْرِ أمْرَيْنِ فانْظُرْ أبْعَدَهُما مِن هَواكَ فَأْتِهِ، وقالَ سَهْلٌ اَلتَّسْتُرِيُّ: هَواكَ داؤُكَ فَإنْ خالَفْتَهُ فَدَواؤُكَ، وفي اَلْحَدِيثِ «(اَلْعاجِزُ مَنِ أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اَللَّهِ تَعالى)» .
وقالَ أبُو عِمْرانَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ اَلْأشْبِيلِيُّ اَلزّاهِدُ:
فَخالِفْ هَواها واعْصِها إنَّ مَن يُطِعْ هَوى نَفْسِهِ يَنْزِعْ بِهِ شَرَّ مَنزَعِ
ومِن يُطِعِ اَلنَّفْسَ اَللَّجُوجَةَ تَرْدِهِ ∗∗∗ وتَرْمِ بِهِ في مَصْرَعٍ أيِّ مَصْرَعِ
وقَدْ ذَمَّ ذَلِكَ جاهِلِيَّةٌ أيْضًا، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
إنِّي اِمْرُؤٌ سَمْحُ اَلْخَلِيقَةِ ماجِدٌ ∗∗∗ لا أتْبَعُ اَلنَّفْسَ اَللَّجُوجَ هَواها
ولَعَلَّ اَلْأمْرَ غَنِيٌّ عَنْ تَكْثِيرِ اَلنَّقْلِ.
وقَرَأ اَلْأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ (إلَهَةً) بِتاءِ اَلتَّأْنِيثِ بَدَلَ هاءِ اَلضَّمِيرِ، وعَنِ اَلْأعْرَجِ أنَّهُ قَرَأ (آلِهَةً) بِصِيغَةِ اَلْجَمْعِ.
قالَ اِبْنُ خالَوَيْهِ: كانَ أحَدُهم يَسْتَحْسِنُ حَجَرًا فَيَعْبُدُهُ فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَفَضَهُ مائِلًا إلَيْهِ، فالظّاهِرُ أنَّ آلِهَةً بِمَعْناها مِن غَيْرِ تَجَوُّزٍ أوْ تَشْبِيهٍ والهَوى بِمَعْنى اَلْمَهْوِيِّ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ:
هَوايَ مَعَ اَلرَّكْبِ اَلْيَمانِينِ مِصْعَدُ
﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ﴾ أيْ خَلَقَهُ ضالًّا أوْ خَلَقَ فِيهِ اَلضَّلالَ أوْ خَذَلَهُ وصَرَفَهُ عَنِ اَللُّطْفِ عَلى ما قِيلَ ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ حالٌ مِنَ اَلْفاعِلِ أيْ أضَلَّهُ اَللَّهُ تَعالى عالِمًا سُبْحانَهُ بِأنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ لِفَسادِ جَوْهَرِ رُوحِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ اَلْمَفْعُولِ أيْ أضِلَّهُ عالِمًا بِطَرِيقِ اَلْهُدى فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اخْتَلَفُوا إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ ﴿وخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ﴾ بِحَيْثُ لا يَتَأثَّرُ بِالمَواعِظِ ولا يَتَفَكَّرُ في اَلْآياتِ.
﴿وجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ مانِعَةً عَنِ اَلِاسْتِبْصارِ والِاعْتِبارِ والكَلامُ عَلى اَلتَّمْثِيلِ، وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ. والأعْمَشُ (غَشاوَةً) بِفَتْحِ اَلْغَيْنِ وهي لُغَةُ رَبِيعَةَ، والحَسَنُ. وعِكْرِمَةُ. وعَبْدُ اَللَّهِ أيْضًا بِضَمِّها وهي لُغَةٌ عُكَّلِيَّةٌ، وأبُو حَنِيفَةَ. وحَمْزَةُ. والكِسائِيُّ. وطَلْحَةُ. ومَسْعُودُ بْنُ صالِحٍ. والأعْمَشُ أيْضًا (غَشْوَةً) بِفَتْحِ اَلْغَيْنِ وسُكُونِ اَلشِّينِ، وابْنُ مُصَرِّفٍ. والأعْمَشُ أيْضًا كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما كَسَرا اَلْغَيْنَ ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ أيْ مَن بَعْدَ إضْلالِهِ تَعالى إيّاهُ، وقِيلَ: اَلْمَعْنى فَمَن يَهْدِيهِ غَيْرُ اَللَّهِ سُبْحانَهُ ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ ألا تُلاحِظُونَ فَلا تَذَكَّرُونَ، وقَرَأ اَلْجَحْدَرِيُّ (تَذْكُرُونَ) بِالتَّخْفِيفِ، والأعْمَشُ (تَتَذَكَّرُونَ) بِتاءَيْنِ عَلى اَلْأصْلِ
45:24Page 501
وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٢٤
And they say, "There is not but our worldly life; we die and live,1 and nothing destroys us except time." And they have of that no knowledge; they are only assuming.
﴿وقالُوا﴾ بَيانٌ لِإحْكامِ إضْلالِهِمْ والخَتْمِ عَلى سَمْعِهِمْ وقُلُوبِهِمْ وجَعْلِ
صفحة 153
غِشاوَةٍ عَلى أبْصارِهِمْ فالضَّمِيرُ لِمَن بِاعْتِبارِ مَعْناهُ أوْ لِلْكَفَرَةِ ﴿ما هِيَ﴾ أيْ ما اَلْحَياةُ ﴿إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ اَلَّتِي نَحْنُ فِيها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلضَّمِيرُ لِلْحالِ والحَياةُ اَلدُّنْيا مِن جُمْلَةِ اَلْأحْوالِ فَيَكُونُ اَلْمُسْتَثْنى مِن جِنْسِ اَلْمُسْتَثْنى مِنهُ أيْضًا لِاسْتِثْناءِ حالِ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا مِن أعَمِّ اَلْأحْوالِ ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ حالٍ مُضافًا بَعْدَ أداةِ اَلِاسْتِثْناءِ أيْ ما اَلْحالُ إلّا حالُ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ حُكْمٌ عَلى اَلنَّوْعِ بِجُمْلَتِهِ مِن غَيْرِ اِعْتِبارِ تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ إلّا أنَّ تَأْخِيرَ نَحْيى في اَلنَّظْمِ اَلْجَلِيلِ لِلْفاصِلَةِ أيْ تَمُوتُ طائِفَةٌ وتَحْيا طائِفَةٌ ولا حَشْرَ أصْلًا، وقِيلَ: في اَلْكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ نَحْيا ونَمُوتُ ولَيْسَ بِذاكَ، وقِيلَ: أرادُوا بِالمَوْتِ عَدَمَ اَلْحَياةِ اَلسّابِقِ عَلى نَفْخِ اَلرُّوحِ فِيهِمْ أيْ نَكُونُ نُطَفًا وما قَبْلَها وما بَعْدَها ونَحْيا بَعْدَ ذَلِكَ، وقِيلَ: أرادُوا بِالحَياةِ بَقاءَ اَلنَّسْلِ والذُّرِّيَّةِ مَجازًا كَأنَّهم قالُوا: نَمُوتُ بِأنْفُسِنا ونَحْيا بِبَقاءِ أوْلادِنا وذَرّارِيِّنا، وقِيلَ: أرادُوا يَمُوتُ بَعْضُنا ويَحْيا بَعْضٌ عَلى أنَّ اَلتَّجَوُّزَ في اَلْإسْنادِ، وجُوِّزَ أنْ يُرِيدُوا بِالحَياةِ عَلى سَبِيلِ اَلْمَجازِ إعادَةَ اَلرُّوحِ لِبَدَنٍ آخَرَ بِطَرِيقِ اَلتَّناسُخِ وهو اِعْتِقادُ كَثِيرٍ مِن عَبَدَةِ اَلْأصْنامِ ولا يَخْفى بُعْدَ ذَلِكَ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما (ونُحْيا) بِضَمِّ اَلنُّونِ ﴿وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ﴾ أيْ طُولُ اَلزَّمانِ فالدَّهْرُ أخَصُّ مِنَ اَلزَّمانِ وهو اَلَّذِي اِرْتَضاهُ اَلسَّعْدُ، ولَهم في ذَلِكَ كَلامٌ طَوِيلٌ، وقالَ اَلرّاغِبُ: اَلدَّهْرُ في اَلْأصْلِ اِسْمٌ لِمُدَّةِ اَلْعالَمِ مِن مَبْدَأِ وُجُودِهِ إلى اِنْقِضائِهِ ثُمَّ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ كُلِّ مُدَّةٍ كَثِيرَةٍ، وهو خِلافُ اَلزَّمانِ فَإنَّهُ يَقَعُ عَلى اَلْمُدَّةِ اَلْقَلِيلَةِ والكَثِيرَةِ، ودَهْرُ فُلانٍ مُدَّةُ حَياتِهِ، ويُقالُ: دَهَرَ فُلانًا نائِبَةٌ دَهْرًا أيْ نَزَلَتْ بِهِ حَكاهُ اَلْخَلِيلُ فالدَّهْرُ هَهُنا مَصْدَرٌ.
وذَكَرَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ أنَّ اَلدَّهْرَ بِالمَعْنى اَلسّابِقِ مَنقُولٌ مِنَ اَلْمَصْدَرِ وأنَّهُ يُقالُ: دَهَرَهُ دَهْرًا أيْ غَلَبَهُ وإسْنادُهُمُ اَلْإهْلاكَ إلى اَلدَّهْرِ إنْكارٌ مِنهم لِمَلَكِ اَلْمَوْتِ وقَبْضِهِ اَلْأرْواحَ بِأمْرِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وكانُوا يُسْنِدُونَ اَلْحَوادِثَ مُطْلَقًا إلَيْهِ لِجَهْلِهِمْ أنَّها مُقَدَّرَةٌ مِن عِنْدِ اَللَّهِ تَعالى، وأشْعارُهم لِذَلِكَ مَمْلُوءَةٌ مِن شَكْوى اَلدَّهْرِ وهَؤُلاءِ مُعْتَرِفُونَ بِوُجُودِ اَللَّهِ تَعالى فَهم غَيْرُ اَلدَّهْرِيَّةِ فَإنَّهم مَعَ إسْنادِهِمُ اَلْحَوادِثَ إلى اَلدَّهْرِ لا يَقُولُونَ بِوُجُودِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ والكُلُّ يَقُولُ بِاسْتِقْلالِ اَلدَّهْرِ بِالتَّأْثِيرِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ اَلزَّمانُ عِنْدَهم مِقْدارُ حَرَكَةِ اَلْفَلَكِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مُعْظَمُ اَلْفَلاسِفَةِ. وقَدْ جاءَ اَلنَّهْيُ عَنْ سَبِّ اَلدَّهْرِ.
أخْرَجَ مُسْلِمٌ «(لا يَسُبُّ أحَدُكُمُ اَلدَّهْرَ فَإنَّ اَللَّهَ هو اَلدَّهْرُ)» وأبُو داوُدَ. والحاكِمُ وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ قالَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: «(يُؤْذِينِي اِبْنُ آدَمَ يَقُولُ يا خَيْبَةَ اَلدَّهْرِ فَلا يَقُلْ أحَدُكم يا خَيْبَةَ اَلدَّهْرِ أنا اَلدَّهْرُ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ ونَهارَهُ)»
والحاكِمُ وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ أيْضًا يَقُولُ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: «(اِسْتَقْرَضْتُ عَبْدِي فَلَمْ يُقْرِضْنِي وشَتَمَنِي عَبْدِي وهو لا يَدْرِي يَقُولُ وا دَهْراهُ وأنا اَلدَّهْرُ)»
والبَيْهَقِيُّ «(لا تَسُبُّوا اَلدَّهْرَ قالَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا اَلْأيّامُ واللَّيالِي أُجَدِّدُها وأبْلِيها وآتِي بِمُلُوكٍ بَعْدَ مُلُوكٍ)»
ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ اَللَّهَ تَعالى هو اَلْآتِي بِالحَوادِثِ فَإذا سَبَبْتُمُ اَلدَّهْرَ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ وقَعَ اَلسَّبُّ عَلى اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وعَدَّ بَعْضُهم سَبَّهُ كَبِيرَةً لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى سَبِّهِ تَعالى وهو كُفْرٌ، وما أدّى إلَيْهِ فَأدْنى مَراتِبِهِ أنْ يَكُونَ كُفْرًا.
صفحة 154
وكَلامُ اَلشّافِعِيَّةِ صَرِيحٌ بِأنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لا حَرامٌ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ كَبِيرَةً، واَلَّذِي يَتَّجِهُ في ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وهو أنَّ مَن سَبَّهُ فَإنْ أرادَ بِهِ اَلزَّمَنَ فَلا كَلامَ في اَلْكَراهَةِ، أوِ اَللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَلا كَلامَ في اَلْكُفْرِ، ومِثْلُهُ إذا أرادَ اَلْمُؤَثِّرَ اَلْحَقِيقِيَّ فَإنَّهُ لَيْسَ إلّا اَللَّهُ سُبْحانَهُ؛ وإنْ أُطْلِقَ فَهَذا مَحَلُّ اَلتَّرَدُّدِ لِاحْتِمالِ اَلْكُفْرِ وغَيْرِهِ وظاهِرُ كَلامِهِمْ هُنا أيْضًا اَلْكَراهَةُ لِأنَّ اَلْمُتَبادِرَ مِنهُ اَلزَّمَنُ وإطْلاقُهُ عَلى اَللَّهِ تَعالى كَما قالَ بَعْضُ اَلْأجِلَّةِ إنَّما هو بِطْرِيقِ اَلتَّجَوُّزِ.
ومِنَ اَلنّاسِ مَن قالَ: إنَّ سَبَّهُ كَبِيرَةٌ إنِ اِعْتُقِدَ أنَّ لَهُ تَأْثِيرًا فِيما نَزَلَ بِهِ كَما كانَ يَعْتَقِدُ جَهَلَةُ اَلْعَرَبِ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ اِعْتِقادَ ذَلِكَ كُفْرٌ ولَيْسَ اَلْكَلامُ فِيهِ، وأنْكَرَ بَعْضُهم كَوْنَ ما في حَدِيثِ أبِي داوُدَ. والحاكِمِ «(فَإنِّي أنا اَلدَّهْرُ)» بِضَمِّ اَلرّاءِ وقالَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ كانَ اَلدَّهْرُ مِن أسْمائِهِ تَعالى وكانَ يَرْوِيهِ (فَإنِّي أنا اَلدَّهْرَ) بِفَتْحِ اَلرّاءِ ظَرْفًا لِأُقَلِّبُ أيْ فَإنِّي أنا أُقَلِّبُ اَللَّيْلَ والنَّهارَ اَلدَّهْرَ أيْ عَلى طُولِ اَلزَّمانِ ومَمَرِّهِ، وفِيهِ أنَّ رِوايَةَ مُسْلِمٍ فَإنَّ اَللَّهَ هو اَلدَّهْرُ تُبْطِلُ ما زَعَمَهُ، ومِن ثَمَّ كانَ اَلْجُمْهُورُ عَلى ضَمِّ اَلرّاءِ. ولا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مِن أسْمائِهِ تَعالى لِما سَبَقَ أنَّ ذَلِكَ عَلى اَلتَّجَوُّزِ، وحَكى اَلرّاغِبُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ اَلدَّهْرَ اَلثّانِيَ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ غَيْرُ اَلْأوَّلِ وأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اَلْفاعِلِ، والمَعْنى أنَّ اَللَّهَ تَعالى هو اَلدَّهْرُ أيِ اَلْمُصَرِّفُ اَلْمُدَبِّرُ اَلْمُفِيضُ لِما يَحْدُثُ، وفِيهِ بَعْدٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ (إلّا دَهْرٌ) وتَأْوِيلُهُ إلّا دَهْرٌ يَمُرُّ ﴿وما لَهم بِذَلِكَ﴾ أيْ بِما ذُكِرَ مِن قِصَرِ اَلْحَياةِ عَلى ما في اَلدُّنْيا ونِسْبَةِ اَلْإهْلاكِ إلى اَلدَّهْرِ ﴿مِن عِلْمٍ﴾ مُسْتَنِدٍ إلى عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ ﴿إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ ما هم إلّا قَوْمٌ قُصارى أمْرِهِمُ اَلظَّنُّ والتَّقْلِيدُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم ما يَصِحُّ أنْ يُتَمَسَّكَ بِهِ في اَلْجُمْلَةِ، هَذا مُعْتَقَدُهُمُ اَلْفاسِدُ في أنْفُسِهِمْ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences