Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Ahqaf 46:9–10
46:9Page 503
قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٩
Say, "I am not something new among the messengers,1 nor do I know what will be done with me or with you. I only follow that which is revealed to me, and I am not but a clear warner."
﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أيْ بَدِيعًا مِنهم يَعْنِي لَسْتُ مُبْتَدِعًا لِأمْرٍ يُخالِفُ أُمُورَهم بَلْ جِئْتُ بِما جاؤُوا بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ أوْ فَعَلْتُ نَحْوَ ما فَعَلُوا مِن إظْهارِ ما آتانِي اللَّهُ تَعالى مِنَ المُعْجِزاتِ دُونَ الإتْيانِ بِالمُقْتَرَحاتِ كُلِّها، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهم كانُوا
صفحة 9
يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آياتٍ عَجِيبَةً ويَسْألُونَهُ عَنِ المُغَيَّباتِ عِنادًا ومُكابَرَةً فَأُمِرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ، ونَظِيرُ بِدْعٍ الخِفُّ بِمَعْنى الخَفِيفِ والخِلُّ بِمَعْنى الخَلِيلِ فَهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَوَّلٌ بِها، وجُوِّزَ إبْقاؤُهُ عَلى أصْلِهِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (بِدَعًا) بِفَتْحِ الدّالِّ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ جَمْعُ بِدَعَةٍ كَسِدْرَةٍ وسَدَرٍ، والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذا بِدَعٍ أوْ مَصْدَرٍ والإخْبارُ بِهِ مُبالَغَةً أوْ بِتَقْدِيرِ المُضافِ أيْضًا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً عَلى فِعْلٍ كَقَوْلِهِمْ: دِينٌ قَيِّمٌ ولَحْمٌ زَيْمٌ أيْ مُتَفَرِّقٌ. قالَ في البَحْرِ: ولَمْ يُثْبِتْ سِيبَوَيْهِ صِفَةً عَلى هَذا الوَزْنِ إلّا عُدِّيَ حَيْثُ قالَ: ولا نَعْلَمُهُ جاءَ صِفَةً إلّا في حَرْفٍ مُعْتَلٍّ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ وهو قَوْمٌ عُدِّيَ، واسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ زَيْمٌ وهو اسْتِدْراكٌ صَحِيحٌ، وأمّا قَيِّمٌ فَمَقْصُورٌ مِن قِيامٍ ولَوْلا ذَلِكَ لَصَحَّتْ عَيْنُهُ كَما صَحَّتْ في حِوَلٍ وعِوَضٍ، وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: مَكانٌ سَوِيٌّ وماءٌ رَوِيٌّ ورَجُلٌ رِضًا وماءٌ صَرًى فَمُتَأوِّلَةٌ عِنْدَ التَّصْرِيفِيِّينَ إمّا بِالمَصْدَرِ أوْ بِالقَصْرِ، وعَنْ مُجاهِدٍ وأبِي حَيْوَةَ (بَدِعًا) بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الدّالِّ وهو صِفَةٌ كَحَذِرٍ.
﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ في الدّارَيْنِ عَلى التَّفْصِيلِ كَما قِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: أمّا في الآخِرَةِ فَمَعاذَ اللَّهِ تَعالى قَدْ عَلِمَ ﷺ أنَّهُ في الجَنَّةِ حِينَ أخَذَ مِيثاقَهُ في الرُّسُلِ ولَكِنْ ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي في الدُّنْيا أأُخْرَجُ كَما أُخْرِجَتِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن قَبْلِي أمْ أُقْتَلُ كَما قُتِلَتِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن قَبْلِي ولا بِكم أأُمَّتِي المُكَذِّبَةُ أمْ أُمَّتِي المُصَدِّقَةُ أمْ أُمَّتِي المَرْمِيَّةُ بِالحِجارَةِ مِنَ السَّماءِ قَذْفًا أمِ المَخْسُوفُ بِها خَسْفًا ثُمَّ أُوحِيَ إلَيْهِ ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ يَقُولُ سُبْحانَهُ:
أحَطْتُ لَكَ بِالعَرَبِ أنْ لا يَقْتُلُوكَ فَعَرَفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ لا يُقْتُلُ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ يَقُولُ: أشْهَدَ لَكَ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ سَيُظْهِرُ دِينَكَ عَلى الأدْيانِ ثُمَّ قالَ سُبْحانُهُ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في أُمَّتِهِ:﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فَأخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِما صَنَعَ بِهِ وما يَصْنَعُ بِأُمَّتِهِ، وعَنِ الكَلْبِيِّ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ أصْحابُهُ وقَدْ ضَجِرُوا مِن أذى المُشْرِكِينَ: حَتّى مَتى نَكُونُ عَلى هَذا؟ فَقالَ: وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم أأُتْرَكُ بِمَكَّةَ أمْ أُؤْمَرُ بِالخُرُوجِ إلى أرْضٍ قَدْ رُفِعَتْ لِي ورَأيْتُها يَعْنِي في مَنامِهِ ذاتَ نَخْلٍ وشَجَرٍ». وحُكِيَ في البَحْرِ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ وقَتادَةَ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ أيْضًا وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ فَخَرَجَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى النّاسِ فَبَشَّرَهم بِأنَّهُ غَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ: هَنِيئًا لَكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنا الآنَ ما يُفْعَلُ بِكَ فَماذا يُفْعَلُ بِنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الأحْزابِ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ويُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى ما يُفْعَلُ بِهِ وبِهِمْ. واسْتُشْكِلَ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ بِأنَّ النَّسْخَ لا يَجْرِي في الخَبَرِ فَلَعَلَّ المَنسُوخَ الأمْرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( قُلْ ) إنْ قُلْنا: إنَّهُ هُنا لِلتَّكْرارِ أوِ المُرادُ بِالنَّسْخِ مُطْلَقُ التَّغْيِيرِ.
وقالَ أبُو حَيّانَ: هَذا القَوْلُ لَيْسَ بِظاهِرٍ بَلْ قَدْ أعْلَمُ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أوَّلِ الرِّسالَةِ بِحالِهِ وحالِ المُؤْمِنِ وحالِ الكافِرِ في الآخِرَةِ، وقالَ الإمامُ: أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ اسْتَبْعَدُوا هَذا القَوْلَ واحْتَجُّوا بِأنَّ النَّبِيَّ لا بُدَّ أنْ يَعْلَمَ مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ نَبِيًّا ومَتى عَلِمَ ذَلِكَ عَلِمَ أنَّهُ لا يَصْدُرُ عَنْهُ الكَبائِرُ وأنَّهُ مَغْفُورٌ وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ كَوْنُهُ
صفحة 10
شاكًّا في أنَّهُ هَلْ هو مَغْفُورٌ لَهُ أمْ لا، وبِأنَّهُ لا شَكَّ أنَّ الأنْبِياءَ أرْفَعُ حالًا مِنَ الأوْلِياءِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ فَكَيْفَ يُعْتَقَدُ بَقاءُ الرَّسُولِ وهو رَئِيسُ الأنْبِياءِ وقُدْوَةُ الأوْلِياءِ شاكًّا في أنَّهُ هَلْ هو مِنَ المَغْفُورِينَ أمْ لا، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ أيْضًا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما يَدْرِي ذَلِكَ عَلى التَّفْصِيلِ، وما ذُكِرَ لا يَتَعَيَّنُ فِيهِ حُصُولُ العِلْمِ التَّفْصِيلِيِّ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ أُعْلِمَ بِذَلِكَ في مَبْدَأِ الأمْرِ إجْمالًا بَلْ في إعْلامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بُعْدٌ بِحالِ كُلِّ شَخْصٍ شَخْصٍ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ بِأنْ يَكُونَ قَدْ أُعْلِمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأحْوالِ زَيْدٍ مَثَلًا في الآخِرَةِ عَلى التَّفْصِيلِ وبِأحْوالِ عَمْرٍو كَذَلِكَ وهَكَذا تَوَقَّفْ.
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ وأخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أُمِّ العَلاءِ، وكانَتْ بايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّها قالَتْ لَمّا ماتَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ يا أبا السّائِبِ شَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ تَعالى فَقالَ رَسُولُ اللَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (وما يُدْرِيكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أكْرَمَهُ؟ أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ وإنِّي لَأرْجُوَ لَهُ الخَيْرَ واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ، قالَتْ أُمُّ العَلاءِ: فَواللَّهِ ما أُزَكِّي بَعْدَهُ أحَدًا» .
وفِي رِوايَةِ ابْنِ حَبّانَ والطَّبَرانِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ «أنَّها قالَتْ لَمّا قُبِضَ: طِبْ أبا السّائِبِ نَفْسًا إنَّكَ في الجَنَّةِ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: وما يُدْرِيكِ؟ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ قالَ: أجَلٌ وما رَأيْنا إلّا خَيْرًا واللَّهِ ما أدْرِي ما يُصْنَعُ بِي».
وفِي رِوايَةِ الطَّبَرانِيِّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّهُ لَمّا ماتَ قالَتِ امْرَأتُهُ أوِ امْرَأةٌ: هَنِيئًا لَكَ ابْنَ مَظْعُونٍ الجَنَّةَ فَنَظَرَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَظَرَ مُغْضَبٍ وقالَ: وما يُدْرِيكِ؟ واللَّهِ إنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ اللَّهُ بِي فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ صاحِبُكَ وفارِسُكَ وأنْتَ أعْلَمُ فَقالَ: أرْجُو لَهُ رَحْمَةَ رَبِّهِ تَعالى وأخافُ عَلَيْهِ ذَنْبَهُ».
لَكِنْ في هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ وعَنِ الضَّحّاكِ المُرادُ لا أدْرِي ما أُومِرَ بِهِ ولا ما تُؤْمَرُونَ بِهِ في بابِ التَّكالِيفِ والشَّرائِعِ والجِهادِ ولا في الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ المَعْنى عَلى نَفْيِ الدِّرايَةِ مِن غَيْرِ جِهَةِ الوَحْيِ سَواءٌ كانَتِ الدِّرايَةُ تَفْصِيلِيَّةً أوْ إجْمالِيَّةً وسَواءٌ كانَ ذَلِكَ في الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ أوِ الأُخْرَوِيَّةِ وأعْتَقِدُ أنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْتَقِلْ مِنَ الدُّنْيا حَتّى أُوتِيَ مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وشُؤُونِهِ والعِلْمُ بِأشْياءَ يُعَدُّ العِلْمَ بِها كَمالًا ما لَمْ يُؤْتِهِ أحَدٌ غَيْرُهُ مِنَ العالَمِينَ، ولا أعْتَقِدُ فَواتَ كَمالٍ بِعَدَمِ العِلْمِ بِحَوادِثَ دُنْيَوِيَّةٍ جُزْئِيَّةٍ كَعَدَمِ العِلْمِ بِما يَصْنَعُ زَيْدٌ مَثَلًا في بَيْتِهِ وما يَجْرِي عَلَيْهِ في يَوْمِهِ أوْ غَدِهِ، ولا أرى حَسَنًا قَوْلَ القائِلِ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْلَمُ الغَيْبَ وأسْتَحْسِنُ أنْ يُقالَ بَدَلَهُ: إنَّهُ ﷺ أطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الغَيْبِ أوْ عَلَّمَهُ سُبْحانَهُ إيّاهُ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن يَنْسُبُ لِبَعْضِ الأوْلِياءِ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ، وقَدْ سَمِعْتُ خَطِيبًا عَلى مِنبَرِ المَسْجِدِ الجامِعِ المَنسُوبِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ القادِرِ الكِيلانِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ قالَ بِأعْلى صَوْتٍ: يا بازُ أنْتَ أعْلَمُ بِي مِن نَفْسِي، وقالَ لِي بَعْضٌ: إنِّي لَأعْتَقِدُ أنَّ الشَّيْخَ قُدِّسَ سِرُّهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ مِنِّي حَتّى مَنابِتِ شَعْرِي، ومِثْلُ ذَلِكَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُنْسَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلى مَن سِواهُ؟ فَلْيَتَّقِ العَبْدُ مَوْلاهُ، وفِيما تَقَدَّمَ مِنَ الأخْبارِ في شَأْنِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَدٌّ أيْضًا عَلى مَن يَقُولُ فِيمَن دُونَهُ في الفَضْلِ أوْ مَن لَمْ يُبَشِّرْهُ الصّادِقُ بِالجَنَّةِ والكَرامَةِ نَحْوَ ما قِيلَ فِيهِ. نَعَمْ يَنْبَغِي الظَّنُ الحَسَنُ في المُؤْمِنِينَ أحْياءً وأمْواتًا ورَجاءُ الخَيْرِ لِكُلٍّ مِنهم فاللَّهُ تَعالى أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، هَذا والظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةُ المَحَلِّ بِالِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرٌ وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مُعَلَّقٌ عَنْها الفِعْلُ القَلْبِيُّ وهو إمّا مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ أوِ اثْنَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ الدِّرايَةِ وهو حِينَئِذٍ مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ
صفحة 11
والجُمْلَةُ بَعْدَها صِلَةٌ، وأنْ تَكُونَ حَرْفًا مَصْدَرِيًّا فالمَصْدَرُ مَفْعُولٌ ﴿أدْرِي﴾ والِاسْتِفْهامِيَّةُ أقَضى لِحَقِّ مَقامِ التَّبَرِّي عَنِ الدِّرايَةِ، و(لا) لِتَذْكِيرِ النَّفْيِ المُنْسِحِبِ عَلى ﴿ما يُفْعَلُ﴾ إلَخْ وتَأْكِيدِهِ، ولَوْلا اعْتِبارُ الِانْسِحابِ لَكانَ التَّرْكِيبُ ما يُفْعَلُ بِي وبِكم دُونَ (لا) لِأنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلنَّفْيِ ولا لِزِيادَةِ لا ونَظِيرُ ذَلِكَ زِيادَةُ ( مِنَ ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ﴾ لِانْسِحابِ النَّفْسِ فَإنَّهُ إذا انْتَفَتْ وِدادَةُ التَّنْزِيلِ انْتَفى التَّنْزِيلُ، وزِيادَةُ الباءِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ﴾ لِانْسِحابِ النَّفْيِ، عَلى أنَّ مَعَ ما في حَيِّزِها ولَوْلاهُ ما زِيدَتِ الباءُ في الخَبَرِ، وقِيلَ: الأصْلُ ولا ما يَفْعَلُ بِكم فاخْتُصِرَ، وقِيلَ: ولا بِكُمْ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (يَفْعَلُ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ عَلى مَعْنى قَصْرِ أفْعالِهِ ﷺ عَلى اتِّباعِ الوَحْيِ، والمُرادُ بِالفِعْلِ ما يَشْمَلُ القَوْلَ وغَيْرَهُ، وهَذا جَوابٌ عَنِ اقْتِراحِهِمُ الإخْبارَ عَمّا لَمَّ يُوحَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الغُيُوبِ، والخِطابُ السّابِقُ لِلْمُشْرِكِينَ.
وقِيلَ: عَنِ اسْتِعْجالِ المُسْلِمِينَ أنْ يَتَخَلَّصُوا عَنْ أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ والخِطابُ السّابِقُ لَهُمْ، والأوَّلُ أوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أنا إلا نَذِيرٌ﴾ أُنْذِرُكم عِقابَ اللَّهِ تَعالى حَسْبَما يُوحى إلا ﴿مُبِينٌ﴾ بَيِّنُ الإنْذارِ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، والحَصْرُ إضافِيٌّ. وقَرَأ ابْنُ عُمَيْرٍ (يُوحِي) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ
46:10Page 503
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرۡتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠
Say, "Have you considered: if it [i.e., the Qur’ān] was from Allāh, and you disbelieved in it while a witness from the Children of Israel has testified to something similar1 and believed while you were arrogant...?"2 Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people.
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ﴾ أيْ ما يُوحى إلَيَّ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ:
الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ أنَّ الظّاهِرَ لَوْ كانَ المَعْنى عَلَيْهِ كُنْتُ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا سِحْرًا ولا مُفْتَرى كَما تَزْعُمُونَ ﴿وكَفَرْتُمْ بِهِ﴾
الواوُ لِلْحالِ والجُمْلَةُ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ عَلى المَشْهُورِ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ وُسِّطَتْ بَيْنَ أجْزاءِ الشَّرْقِ اهْتِمامًا بِالتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ أوْ لِلْعَطْفِ عَلى ( كانَ ) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ وكَذا الواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ إلّا أنَّها تَعْطِفُهُ بِما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى جُمْلَةِ ما قَبْلَهُ، فالجُمَلُ المَذْكُوراتُ بَعْدَ الواواتِ لَيْسَتْ مُتَعاطِفَةً عَلى نَسَقٍ واحِدٍ بَلْ مَجْمُوعُ ( شَهِدَ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ ) مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ ( كانَ ) وما مَعَهُ، مِثْلُهُ في المُفْرَداتِ ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ﴾ والمَعْنى إنِ اجْتَمَعَ كَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مَعَ كُفْرِكم واجْتَمَعَ شَهادَةُ الشّاهِدِ فَإيمانُهُ مَعَ اسْتِكْبارِكم عَنِ الإيمانِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في جَوابِ الشَّرْطِ وفي مَفْعُولَيْ ( أرَأيْتُمْ ) وضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ اسْمُ كانَ وهو ما يُوحى مِنَ القُرْآنِ أوِ الرَّسُولِ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ لِلرَّسُولِ، ولَعَلَّهُ يَقُولُ في ضَمِيرِ ( كانَ ) أيْضًا كَذَلِكَ وكُنّا في ضَمِيرِ ﴿عَلى مِثْلِهِ﴾ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّفْكِيكُ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ رُجُوعُ الضَّمائِرِ كُلِّها لِلْقُرْآنِ، وتَنْوِينُ ﴿شاهِدٌ﴾ لِلتَّفْخِيمِ، وكَذا وصْفُهُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ أيْ وشَهِدَ شاهِدٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ الواقِفِينَ عَلى شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى وأسْرارِ الوَحْيِ بِما أُوتُوا مِنَ التَّوْراةِ عَلى مِثْلِ القُرْآنِ مِنَ المَعانِي المُنْطَوِيَةِ في التَّوْراةِ مِنَ التَّوْحِيدِ والوَعْدِ والوَعِيدِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَإنَّها في الحَقِيقَةِ عَيْنُ ما فِيهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ عَلى وجْهٍ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ والمِثْلِيَّةُ بِاعْتِبارِ تَأْدِيَتِها بِعِباراتٍ أُخْرى أوْ عَلى مِثْلِ ما ذُكِرَ مِن كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى والمِثْلِيَّةُ لِما ذُكِرَ، وقِيلَ: عَلى مِثْلِ شَهادَتِهِ أيْ لِنَفْسِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كَأنَّهُ لِإعْجازِهِ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ، وقِيلَ: مِثْلُ كِنايَةٍ عَنِ القُرْآنِ نَفْسِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَّرَ المِثْلَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
صفحة 12
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنَ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ لِلسَّبَبِيَّةِ فَيَكُونُ إيمانُهُ مُتَرَتِّبًا عَلى شَهادَةٍ لَهُ بِمُطابَقَتِهِ لِلْوَحْيِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَفْصِيلِيَّةً فَيَكُونُ إيمانُهُ بِهِ هو الشَّهادَةَ لَهُ، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ فَآمَنَ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ظاهِرٌ بِأدْنى التِفاتٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أيْ عَنِ الإيمانِ مَعْطُوفٌ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ عَلى ( شَهِدَ شاهِدٌ ) وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَعْطُوفًا عَلى ( آمَنَ ) لِأنَّهُ قَسِيمُهُ ويُجْعَلُ الكُلُّ مَعْطُوفًا عَلى الشَّرْطِ، ولا تَكْرارَ في ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ بَعْدَ الشَّهادَةِ والكُفْرَ قَبْلَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ المَوْسُومِينَ بِهَذا الوَصْفِ، اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ في مَقامِ التَّعْلِيلِ لِلِاسْتِكْبارِ عَنِ الإيمانِ، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَتُشْعِرُ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِأنَّ كُفْرَهم بِهِ لِضَلالِهِمُ المُسَبَّبِ عَنْ ظُلْمِهِمْ وهو دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ ولِذا حُذِفَ ومَفْعُولا ( أرَأيْتُمْ ) مَحْذُوفانِ أيْضًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِما، والتَّقْدِيرُ أرَأيْتُمْ حالَكم إنْ كانَ كَذا فَقَدْ ظَلَمْتُمْ ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، فالمَفْعُولُ الأوَّلُ حالُكم والثّانِي ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، والجَوابُ فَقَدْ ظَلَمْتُمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في ( أرَأيْتُمْ ) يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا تَقْتَضِي مَفْعُولًا، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنْ كانَ﴾ إلَخْ سادَةً مَسَدَّ مَفْعُولَيْها، وهو خِلافُ ما قَرَّرَهُ مُحَقِّقُو النُّحاةِ في ذَلِكَ. وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الجَوابَ ألَسْتُمْ ظالِمِينَ بِغَيْرِ فاءٍ. ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ إذا وقَعَتْ جَوابًا لِلشَّرْطِ لَزِمَها الفاءُ فَإنْ كانَتِ الأداةُ الهَمْزَةَ تُقَدَّمُ عَلى الفاءِ وإلّا تَأخَّرَتْ، ولَعَلَّهُ تَقْدِيرُ مَعْنًى لا تَقْدِيرُ إعْرابٍ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم أفَتُؤْمِنُونَ لِدَلالَةِ ﴿فَآمَنَ﴾ وقَدَّرَهُ الحَسَنُ فَمَن أضَلُّ مِنكم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مِن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَمَنِ المُحِقُّ مِنّا ومِنكم ومَنِ المُبْطِلُ؟ وقِيلَ: تَهْلَكُونَ، وقِيلَ: هو ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أيْ فَقَدْ آمَنَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِ أوِ الشّاهِدُ واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ، وأكْثَرُها كَما تَرى. والشّاهِدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ سِيرِينَ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ في رِوايَةِ ابْنِ سَعْدٍ وابْنِ عَساكِرَ عَنْهُ. وفي الكَشْفِ في جَعْلِهِ شاهِدًا والسُّورَةَ مَكِّيَّةً بَحْثٌ ولِهَذا اسْتَثْنَيْتُ هَذِهِ الآيَةَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّهُ نَزَلَ ما سَيَكُونُ مَنزِلَةَ الواقِعِ ولِهَذا عُطِفَ ( شَهِدَ ) وما بَعْدَهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّهُ مِثْلُهُ في التَّحْقِيقِ فَيَكُونَ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ أيْ أنْذَرَ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْناهُ عَلى يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ وقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ مِن نُزُولِ الآيَةِ، ومَصَبُّ الإلْزامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي إنْ يُؤْمِن بِهِ عالِمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أيْ عالِمٌ لِما تَحَقَّقَ عِنْدَهُ أنَّهُ مِثْلُ التَّوْراةِ ألَسْتُمْ تَكُونُونَ أضَلَّ النّاسِ، فَفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ مِثْلُ التَّوْراةِ يَجِبُ الإيمانُ بِهِ شَهِدَ ذَلِكَ الشّاهِدُ أوْ لَمْ يَشْهَدْ لِأنَّ تِلْكَ الشَّهادَةَ يَعْقُبُها الإيمانُ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ فَلَوْ لَمْ يُؤْمِن لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِما في التَّوْراةِ وهَذا يَصْلُحُ جَوابًا مُسْتَقِلًّا مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الأوَّلِ فافْهَمْ، وقَوْلُ مَن قالَ: الشّاهِدُ عَبْدُ اللَّهِ عَلى هَذا بَيانٌ لِلْواقِعِ وأنَّهُ كانَ مِمَّنْ شَهِدَ وآمَنَ لا أنَّ المُرادَ بِلَفْظِ الآيَةِ عَبْدُ اللَّهِ خُصُوصًا، وعَلى الوَجْهَيْنِ لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِ قَوْلِ سَعْدٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ وغَيْرِهِما وفِيهِ نَزَلَ ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ﴾ بِأنَّ المُرادَ في شَأْنِهِ الَّذِي سَيَحْدُثُ عَلى الأوَّلِ أوْ فِيهِ وفِيمَن هو عَلى حالِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: هو مِنَ النّازِلِينَ فِيهِ لِأنَّهُ كانَ مِنَ الشّاهِدِينَ انْتَهى.
وتُعِقِّبَ قَوْلُهُ: إنَّهُ نَزَلَ ما سَيَكُونُ مَنزِلَةَ الواقِعِ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ التَّنْزِيلِ عَلى تَقْدِيرِ مَكِّيَّتِها، وكَوْنِ
صفحة 13
الشّاهِدِ ابْنَ سَلامٍ لِمَكانِ العَطْفِ عَلى الشَّرْطِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ الماضِي مُسْتَقْبَلًا وحِينَئِذٍ لا ضَيْرَ في شَهادَةِ الشّاهِدِ بَعْدَ نُزُولِها، ومَعَ هَذا فالظّاهِرُ مِنَ الأخْبارِ أنَّ النُّزُولَ كانَ في المَدِينَةِ وأنَّهُ بَعْدَ شَهادَةِ ابْنِ سَلامٍ.
أخْرَجَ أبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ «عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنا مَعَهُ حَتّى دَخَلْنا كَنِيسَةَ اليَهُودِ يَوْمَ عِيدِهِمْ فَكَرِهُوا دُخُولَنا عَلَيْهِمْ فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أرُونِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنكم يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يُحْبِطُ اللَّهُ تَعالى عَنْ كُلِّ يَهُودِيٍّ تَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ الغَضَبَ الَّذِي عَلَيْهِ فَسَكَتُوا فَما أجابَهُ مِنهم أحَدٌ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ فَثَلَّثَ فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ فَقالَ: أبَيْتُمْ فَواللَّهِ لَأنا الحاشِرُ وأنا العاقِبُ وأنا المُقَفّى آمَنتُمْ أوْ كَذَّبْتُمْ ثُمَّ انْصَرَفَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنا مَعَهُ حَتّى كِدْنا أنْ نَخْرُجَ فَإذا رَجُلٌ مِن خَلْفِهِ فَقالَ: كَما أنْتَ يا مُحَمَّدُ فَأقْبَلَ فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: أيُّ رَجُلٍ تَعْلَمُونِي فِيكم يا مَعْشَرَ اليَهُودِ؟ قالُوا: واللَّهِ ما نَعْلَمُ فِينا رَجُلًا أعْلَمَ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى ولا أفْقَهَ مِنكَ ولا مِن أبِيكَ ولا مِن جِدِّكِ قالَ: فَإنِّي أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي تَجِدُونَهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَقالُوا: كَذَبْتَ ثُمَّ رَدُّوا عَلَيْهِ وقالُوا شَرًّا فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنا وابْنُ سَلامٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ».، ورُوِيَ حَدِيثُ شَهادَتِهِ وإيمانِهِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، ولا يَظْهَرُ لِي الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما ذُكِرَ، وهو أيْضًا ظاهِرٌ في كَوْنِ النُّزُولِ بَعْدَ الشَّهادَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «جاءَ مَيْمُونُ بْنُ يامِينَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ رَأْسَ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ فَأسْلَمَ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْ إلَيْهِمْ- يَعْنِي اليَهُودَ- فاجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهم حَكَمًا مِن أنْفُسِهِمْ فَإنَّهم سَيَرْضُونِي فَبَعَثَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِمْ وأدْخَلَهُ الدّاخِلُ فَأتَوْهُ فَخاطَبُوهُ مَلِيًّا فَقالَ لَهُمُ: اخْتارُوا رَجُلًا مِن أنْفُسِكم يَكُونُ حَكَمًا بَيْنِي وبَيْنَكم قالُوا: فَإنّا قَدْ رَضِيَنا بِمَيْمُونِ بْنِ يامِينَ فَأخْرَجَهُ إلَيْهِمْ فَقالَ لَهم مَيْمُونُ: لَنَشْهَدُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وأنَّهُ عَلى الحَقِّ فَأبَوْا أنْ يُصَدِّقُوهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ الآيَةَ».
وهُوَ ظاهِرٌ في مَدَنِيَّةِ الآيَةِ وأنَّ نُزُولَها قَبْلَ شَهادَةِ الشّاهِدِ لَكِنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ الشّاهِدَ غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وكَوْنُهُ كانَ يُسَمّى بِذَلِكَ قَبْلُ لَمْ أرَهُ، ولا يَظْهَرُ لِي وجْهُ التَّعْبِيرِ بِهِ دُونَ المَشْهُودِ إنْ كانَ، والَّذِي رَأيْتُهُ في الِاسْتِيعابِ في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ ابْنُ سَلامِ بْنِ الحَرْثِ الإسْرائِيلِيِّ الأنْصارِيِّ يُكَنّى أبا يُوسُفَ وكانَ اسْمُهُ في الجاهِلِيَّةِ الحُصَيْنَ فَلَمّا أسْلَمَ سَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ومِن كَذِبِ اليَهُودِ وجَهْلِهِمْ بِالتّارِيخِ ما يَعْتَقِدُونَهُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ سافَرَ إلى الشّامِ في تِجارَةٍ لِخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها اجْتَمَعَ بِأحْبارِ اليَهُودِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ أحْلامَهُ فَعَلِمُوا أنَّهُ صاحِبُ دَوْلَةٍ فَأصْحَبُوهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ وبَقِيَ مَعَهُ مُدَّةً فَتَعَلَّمَ مِنهُ عِلْمَ الشَّرائِعِ والأُمَمِ السّالِفَةِ وأفْرَطُوا في الكَذِبِ إلى أنْ نَسَبُوا القُرْآنَ المُعْجِزَ إلى تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وعَبْدُ اللَّهِ هَذا مِمّا لَيْسَ لَهُ إقامَةٌ بِمَكَّةَ ولا تَرَدُّدٌ إلَيْها، ولَمْ يَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا في المَدِينَةِ وأسْلَمَ إذْ قَدِمَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ قَبْلَ وفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعامَيْنِ عَلى ما حَكاهُ في البَحْرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، فَما أكْذَبَ اليَهُودَ وأبْهَتَهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وناهِيكَ مِن طائِفَةٍ ما ذُمَّ في القُرْآنِ طائِفَةٌ مِثْلُها.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ الشّاهِدَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي مَكِّيَّةَ الآيَةِ ويُنْكِرُ نُزُولَها في ابْنِ سَلامٍ ويَقُولُ: إنَّما كانَتْ خُصُومَةً خاصَمَ بِها مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَأنَّهُ عَلى هَذا لا يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّها نَزَلَتْ بِخُصُوصِ شاهِدٍ، وأُيِّدَ عَدَمُ إرادَةِ الخُصُوصِ بِأنَّ ﴿شاهِدٌ﴾ في الآيَةِ نَكِرَةٌ والنَّكِرَةُ في سِياقِ الشَّرْطِ تَعُمُّ، وأنا أقُولُ: بِكَوْنِ التَّنْوِينِ في
صفحة 14
﴿شاهِدٌ﴾ لِلتَّعْظِيمِ وبِمَدَنِيَّةِ الآيَةِ ونُزُولِها في ابْنِ سَلامٍ، والخِطاباتُ فِيها مُطْلَقًا لِكُفّارِ مَكَّةَ، ورُبَّما يُظَنُّ عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّها لِلْيَهُودِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، وهُمُ المَعْنِيُّونَ أيْضًا بِالَّذِينِ كَفَرُوا في قَوْلِهِ تَعالى:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences