Al-AlusiMuhammad · 47:9–16

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Muhammad 47:9–16

47:9Page 507

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٩

That is because they disliked what Allāh revealed, so He rendered worthless their deeds.

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْسِ والإضْلالِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ القُرْآنِ لِما فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وسائِرِ الأحْكامِ المُخالِفَةِ لِما ألِفُوهُ واشْتَهَتْهُ أنْفُسُهُمُ الأمّارَةَ بِالسُّوءِ، وهَذا تَخْصِيصٌ وتَصْرِيحٌ بِسَبَبِيَّةِ الكُفْرِ بِالقُرْآنِ لِلتَّعْسِ والإضْلالِ إذْ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلَخْ سَبَبِيَّةُ مُطْلَقِ الكُفْرِ الدّاخِلِ فِيهِ الكُفْرُ بِالقُرْآنِ دُخُولًا أوَّلِيًّا لِذَلِكَ ﴿فَأحْبَطَ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي لَوْ كانُوا عَمِلُوها الَّتِي لَوْ كانُوا عَمِلُوها مَعَ الإيمانِ لَأُثِيبُوا عَلَيْها، وذِكْرُ الإحْباطِ مَعَ ذِكْرِ الإضْلالِ المُرادُ هو مِنهُ إشْعارٌ بِأنَّهُ يَلْزَمُ الكُفْرُ بِالقُرْآنِ ولا يَنْفَكُّ عَنْهُ بِحالٍ

47:10Page 507

۞ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۖ وَلِلۡكَٰفِرِينَ أَمۡثَٰلُهَا ١٠

Have they not traveled through the land and seen how was the end of those before them? Allāh destroyed [everything] over them,1 and for the disbelievers is something comparable.

﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ أُقْعِدُوا في أماكِنِهِمْ فَلَمْ يَسِيرُوا فِيها ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ فَإنَّ آثارَ دِيارِهِمْ تُنْبِئُ عَنْ أخْبارِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهُمْ؟ فَقِيلَ: أُهْلِكَ ما يُخْتَصُّ بِهِمْ مِنَ النَّفْسِ والأهْلِ والمالِ يُقالُ: دَمَّرَهُ أهْلَكَهُ دَمَّرَ عَلَيْهِ أهْلَكَ ما يَخْتَصُّ بِهِ فَدَمَّرَ عَلَيْهِ أبْلَغُ مِن دَمَّرَهُ، وجاءَتِ المُبالَغَةُ مِن حَذْفِ المَفْعُولِ وجَعْلِهِ نَسْيًا مَنسِيًّا والإتْيانُ بِكَلِمَةِ الِاسْتِعْلاءِ وهي لِتَضَمُّنِ التَّدْمِيرِ مَعْنى الإيقاعِ أوِ الهُجُومِ أوْ نَحْوِهِ ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ السّائِرِينَ سَيْرَتَهم ﴿أمْثالُها﴾ أمْثالُ عاقِبَتِهِمْ أوْ عُقُوبَتِهِمْ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْها لَكِنْ لا عَلى أنَّ لِهَؤُلاءِ أمْثالَ ما لِأُولَئِكَ وأضْعافَهُ بَلْ مِثْلَهُ، وإنَّما جُمِعَ بِاعْتِبارِ مُماثَلَتِهِ لِعَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٍ حَسَبَ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَذابُهم أشَدَّ مِن عَذابِ الأوَّلِينَ وقَدْ قُتِلُوا وأُسِرُوا بِأيْدِي مَن كانُوا يَسْتَخِفُّونَهم ويَسْتَضْعِفُونَهُمْ، والقَتْلُ بِيَدِ المِثْلِ أشَدُّ مِنَ الهَلاكِ بِسَبَبٍ عامٍّ، وقِيلَ: المُرادُ بِالكافِرِينَ المُتَقَدِّمُونَ بِطَرِيقِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: دَمَّرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا ولَهُمُ في الآخِرَةُ أمْثالُها

47:11Page 507

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ ١١

That is because Allāh is the protector of those who have believed and because the disbelievers have no protector.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ثُبُوتِ أمْثالِ عاقِبَةِ أوْ عُقُوبَةِ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِهَؤُلاءِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى النَّصْرِ وهو كَما تَرى ﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ ناصِرُهم عَلى أعْدائِهِمْ، وقُرِئَ (ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ فَيَدْفَعُ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ والعَذابِ، ولا يُناقِضُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ لِأنَّ المَوْلى هُناكَ بِمَعْنى المالِكِ فَلَمْ يَتَوارَدِ النَّفْيُ والإثْباتُ عَلى مَعْنًى واحِدٍ.

47:12Page 508

إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ ١٢

Indeed, Allāh will admit those who have believed and done righteous deeds to gardens beneath which rivers flow, but those who disbelieve enjoy themselves and eat as grazing livestock eat, and the Fire will be a residence for them.

﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ بَيانٌ لِحُكْمِ وِلايَتِهِ تَعالى لَهم وثَمَرَتِها الأُخْرَوِيَّةِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾ أيْ يَنْتَفِعُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا أيّامًا قَلائِلَ ﴿ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ إمّا عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المَصْدَرِ كَما

صفحة 46

يَقُولُ سِيبَوَيْهِ أيْ يَأْكُلُونَهُ أيِ الأكْلَ مُشْبِهًا أكْلَ الأنْعامِ، وإمّا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ كَما يَقُولُ أكْثَرُ المُعْرِبِينَ أيْ أكْلًا مِثْلَ أكْلِ الأنْعامِ، والمَعْنى أنَّ أكْلَهم مُجَرَّدٌ مِنَ الفِكْرِ والنَّظَرِ كَما تَقُولُ لِلْجاهِلِ تَعِيشُ كَما تَعِيشُ البَهِيمَةُ لا تُرِيدُ التَّشْبِيهَ في مُطْلَقِ العَيْشِ ولَكِنْ في خَواصِّهِ ولَوازِمِهِ، وحاصِلُهُ أنَّهم يَأْكُلُونَ غافِلِينَ عَنْ عَواقِبِهِمْ ومُنْتَهى أُمُورِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ مَوْضِعُ إقامَةٍ لَهُمْ، حالٌ مُقَدَّرٌ مِن واوِ ( يَأْكُلُونَ) .

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا وكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ﴾ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّهم عَرَفُوا أنَّ نَعِيمَ الدُّنْيا خَيالٌ باطِلٌ وظِلٌّ زائِلٌ، فَتَرَكُوا الشَّهَواتِ وتَفَرَّغُوا لِلصّالِحاتِ، فَكانَ عاقِبَتَهُمُ النَّعِيمُ المُقِيمُ في مَقامٍ كَرِيمٍ وهَؤُلاءِ غَفَلُوا عَنْ ذَلِكَ فَرَتَعُوا في دِمْنِهِمْ كالبَهائِمِ حَتّى ساقَهُمُ الخِذْلانُ إلى مَقَرِّهِمْ مِن دَرَكِ النِّيرانِ، وهَذا ما ذَكَرَهُ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ في بَيانِ التَّقابُلِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: في الكَلامِ احْتِباكٌ وذَلِكَ أنَّهُ ذُكِرُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ودُخُولِ الجَنَّةِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الأعْمالِ الفاسِدَةِ ودُخُولِ النّارِ ثانِيًا وذِكْرُ التَّمَتُّعِ والمَثْوى ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ التَّقَلُّلِ والمَأْوى أوَّلًا والأوَّلُ أحْسَنُ وأدَقُّ، وأسْنَدَ إدْخالَ الجَنَّةِ إلى اللَّهِ تَعالى ولَمْ يَسْلُكْ نَحْوَ هَذا المَسْلَكِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ وخُولِفَ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ فِعْلِيَّةٍ واسْمِيَّةٍ لِلْإيذانِ بِسَبْقِ الرَّحْمَةِ والإعْلامِ بِمَصِيرِ المُؤْمِنِينَ والوَعْدِ بِأنَّ عاقِبَتَهم أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يُدْخِلُهم جَنّاتٍ وأنَّ الكافِرِينَ مَثْواهُمُ النّارُ وهُمُ الآنَ حاضِرُونَ فِيها ولا يَدْرُونَ وكالبَهائِمِ يَأْكُلُونَ.

47:13Page 508

وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٗ مِّن قَرۡيَتِكَ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَتۡكَ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ ١٣

And how many a city was stronger than your city [i.e., Makkah] which drove you out? We destroyed them; and there was no helper for them.

﴿وكَأيِّنْ﴾ بِمَعْنى كَمِ الخَبَرِيَّةِ وهي مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ تَمْيِيزٌ لَها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هِيَ أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ كَما أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ صِفَةٌ لِقَرْيَتِكَ، وقَدْ حُذِفَ عَنْهُما المُضافُ وأُجْرِيَ أحْكامُهُ عَلَيْهِما كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الخَبَرُ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ أيْ وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ هم أشَدُّ قُوَّةً مِن أهْلِ قَرْيَتِكَ الَّذِينَ أخْرَجُوكَ أهْلَكْناهم بِأنْواعِ العَذابِ، وجُوِّزَ أنْ لا يَكُونَ هُناكَ حَذْفٌ وإنَّما أُطْلِقُ المَحَلُّ وأُرِيدَ الحالُ مَجازًا، وإسْنادُ الإخْراجِ إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ ﷺ وهي مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ مَجازٌ مِن بابِ الإسْنادِ إلى السَّبَبِ لِأنَّهم عامَلُوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما عامَلُوهُ فَكانُوا بِذَلِكَ سَبَبًا لِإخْراجِهِ حِينَ أذِنَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالهِجْرَةِ مِنها، ونَظِيرُ ذَلِكَ أقْدِمْنِي بَلَدَكَ حَقٌّ لِي عَلَيْكَ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ عَلى ما حَقَّقَهُ الأجِلَّةُ يَحْتَمِلُ أوْجُهًا ثَلاثَةً، مَجازًا في الإسْنادِ إذا كانَ الإقْدامُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ الَّذِي وُضِعَ لَهُ وإنْ كانَ مَوْهُومًا. ومَجازًا في الطَّرَفِ إذا كانَ مُسْتَعْمَلًا في مَعْنى الحَمْلِ عَلى القُدُومِ. واسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ إنْ كانَ الحَقُّ مُسْتَعْمَلًا في المَقْدَمِ، والشَّيْخُ يَقُولُ في مِثْلِ ذَلِكَ: إنَّ الفِعْلَ المُتَعَدِّيَ مَوْهُومٌ لا فاعِلَ لَهُ لِيَصِيرَ الإسْنادُ إلَيْهِ حَقِيقَةً فَلا إقْدامَ مَثَلًا في قَصْدِ المُتَكَلِّمِ وإنَّما هو تَصْوِيرُ القُدُومِ بِصُورَةِ الإقْدامِ، وإسْنادُهُ إلى الحَقِّ المُصَوَّرِ بِصُورَةِ المُقَدَّمِ مُبالَغَةٌ في كَوْنِهِ داعِيًا لِلْقُدُومِ، وارْتَضاهُ السّالَكُوتِيُّ في حَواشِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ التَّلْخِيصِ وذَبَّ عَنْهُ القالَ والقِيلَ، وتَمامُ الكَلامِ هُناكَ، والكَلامُ في الآيَةِ عَلى طُرُزِ ذاكَ، ووَصْفُ القَرْيَةِ الأُولى بِشِدَّةِ القُوَّةِ لِلْإيذانِ بِأوْلَوِيَّةِ الثّانِيَةِ مِنها بِالإهْلاكِ لِضَعْفِ قُوَّتِها كَما أنَّ وصْفَ الثّانِيَةِ بِإخْراجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْإيذانِ بِأوْلَوِيَّتِها بِهِ لِقُوَّةِ جِنايَتِها، وعَلى طَرِيقَتِهِ قَوْلُ النّابِغَةِ:

كُلَيْبٌ لَعَمْرِي كانَ أكْثَرَ ناصِرًا وأيْسَرَ جُرْمًا مِنكِ ضَرَجَ بِالدَّمِ

صفحة 47

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ خَلاصِهِمْ بِواسِطَةِ الأعْوانِ والأنْصارِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ خَلاصِهِمْ مِنهُ بِأنْفُسِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ذِكْرِ ما بِالغَيْرِ عَلى ذِكْرِ ما بِالذّاتِ وهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾ ولا نُسَلِّمُ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا لَمْ يَعْمَلْ حَقِيقَةً في الماضِيَةِ، والآيَةُ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا خَرَجَ مِن مَكَّةَ إلى الغارِ التَفَتَ إلى مَكَّةَ وقالَ: «(أنْتِ أحَبُّ بِلادِ اللَّهِ تَعالى إلى اللَّهِ وأنْتِ أحَبُّ بِلادِ اللَّهِ تَعالى إلَيَّ ولَوْلا أنَّ أهْلَكِ أخْرَجُونِي مِنكِ لَمْ أخْرُجْ مِنكِ)»

فَأعْدى الأعْداءِ مَن عَدا عَلى اللَّهِ تَعالى في حَرَمِهِ أوْ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ أوْ قَتَلَ بِدُخُولِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ إلَخْ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أوَّلَ السُّورَةِ فَتَذَكَّرْ.

47:14Page 508

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم ١٤

So is he who is on clear evidence from his Lord like him to whom the evil of his work has been made attractive and they follow their [own] desires?

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ تَقْرِيرٌ لِتَبايُنِ حالِ الفَرِيقَيْنِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ وكَوْنِ الأوَّلِينَ في أعْلى عِلِّيِّينَ والآخَرِينَ في أسْفَلِ سافِلِينَ وبَيانٌ لِعِلَّةٍ ما لِكُلٍّ مِنهُما مِنَ الحالِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ اسْتِوائِهِما أوْ لِإنْكارِ كَوْنِ الأمْرِ لَيْسَ كَما ذُكِرَ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ وقَدْ قُرِئَ بِدُونِها، و(مَن) عِبارَةٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُتَمَسِّكِينَ بِأدِلَّةِ الدِّينِ كَما أنَّها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ عِبارَةٌ عَنْ أضْدّادِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ.

وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ( مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ) هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ و( مَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ) هُمُ المُشْرِكُونَ، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ. وتُعِقِّبَ بِأنَّ التَّخْصِيصَ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ ولا داعِيَ إلَيْهِ، قِيلَ: ومَثَلُهُ كَوْنُ (مَنِ) الأوَّلِ عِبارَةٌ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وعَنِ المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى أيَسْتَوِي الفَرِيقانِ أوْ ألَيْسَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فَمَن كانَ ثابِتًا عَلى حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ نَيِّرٍ مِن مالِكِ أمْرِهِ ومُرَبِّيهِ وهو القُرْآنُ العَظِيمُ وسائِرُ المُعْجِزاتِ والحُجَجِ العَقْلِيَّةِ كَمَن زَيَّنَ لَهُ الشَّيْطانُ عَمَلَهُ السَّيِّئَ مِنَ الشِّرْكِ وسائِرِ المَعاصِي كَإخْراجِكَ مِن قَرْيَتِكَ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ في نَفْسِهِ أقْبَحَ القَبائِحِ ﴿واتَّبَعُوا﴾ في ذَلِكَ العَمَلِ السَّيِّئِ، وقِيلَ: بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّزْيِينِ ﴿أهْواءَهُمْ﴾ الزّائِغَةَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم شُبْهَةٌ تُوِهِمُ صِحَّةَ ما هم عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ تَدُلُّكَ عَلَيْها. وجَمْعُ الضَّمِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى (مَن) كَما أنَّ إفْرادَ الأوَّلِينَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.

47:15Page 508

مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ ١٥

Is the description of Paradise, which the righteous are promised, wherein are rivers of water unaltered,1 rivers of milk the taste of which never changes, rivers of wine delicious to those who drink, and rivers of purified honey, in which they will have from all [kinds of] fruits and forgiveness from their Lord... [Are its inhabitants] like those who abide eternally in the Fire and are given to drink scalding water that will sever their intestines?

﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لَشَرَحِ مَحاسِنِ الجَنَّةِ المَوْعُودَةِ آنِفًا لِلْمُؤْمِنِينَ وبَيانُ كَيْفِيَّةِ أنْهارِها الَّتِي أُشِيرَ إلى جَرَيانِها مِن تَحْتِها وعَبَّرَ عَنْهم بِالمُتَّقِينَ إيذانًا بِأنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ مِن بابِ التَّقْوى الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ فِعْلِ الواجِباتِ وتَرْكِ السَّيِّئاتِ، والمَثَلُ الوَصْفُ العَجِيبُ الشَّأْنِ وهو مُبْتَدَأٌ بِاتِّفاقِ المُعْرِبِينَ، واخْتُلِفَ في خَبَرِهِ فَقِيلَ مَحْذُوفٌ فَقالَ النَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ: تَقْدِيرُهُ ما تَسْمَعُونَ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فِيها أنْهارٌ﴾ إلى آخِرِهِ مُفَسِّرٌ لَهُ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: تَقْدِيرُهُ فِيما يُتْلى عَلَيْكم أوْ فِيما قَصَصْنا عَلَيْكَ ويُقَدَّرُ مُقَدَّمًا ( وفِيها أنْهارٌ ) إلَخْ بَيانٌ لِذَلِكَ المَثَلِ، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ظاهِرٌ في نَفْسِ مَن وعِيَ هَذِهِ الأوْصافَ ولَيْسَ بِذاكَ، ولَعَلَّ الأنْسَبَ بِصَدْرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ تَقْدِيرُ النَّضِرِ، وقِيلَ: هو مَذْكُورٌ فَقِيلَ هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها أنْهارٌ﴾ إلَخْ عَلى مَعْنى: مَثَلُ الجَنَّةِ وصِفَتِها مَضْمُونُ هَذا الكَلامِ ولا يَحْتاجُ مِثْلُ هَذا الخَيْرِ إلى رابِطٍ.

وقِيلَ: هَذِهِ الجُمْلَةُ هي الخَبَرُ إلّا أنَّ لَفْظَ ( مَثَلُ ) زائِدٌ زِيادَةِ اسْمٍ في قَوْلِ مَن قالَ:

إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما فالمُبْتَدَأُ في الحَقِيقَةِ هو المُضافُ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: الجَنَّةُ فِيها أنْهارٌ إلَخْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: الخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى الآتِي:

صفحة 48

﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَسْطُ الكَلامِ فِيهِ.

وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللَّهِ والسُّلَمِيُّ (أمْثالُ الجَنَّةِ) أيْ صِفاتُها، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ قِراءَةَ العامَّةِ بِالتَّوْحِيدِ مَعْناها الكَثْرَةُ لِما في ”مَثَلُ“ مِن مَعْنى المَصْدَرِيَّةِ ولِذا جازَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مِثْلَ رَجُلَيْنِ وبِرَجُلَيْنِ مِثْلَ رِجالٍ وبِامْرَأةٍ مِثْلَ رَجُلٍ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أيْضًا أنَّهُ قُرِئَ (مِثالُ الجَنَّةِ) ومِثالُ الشَّيْءِ في الأصْلِ نَظِيرُهُ الَّذِي يُقابَلُ بِهِ.

﴿مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ أيْ غَيْرِ مُتَغَيِّرِ الطَّعْمِ والرِّيحِ لِطُولِ مُكْثٍ ونَحْوَهُ، وماضِيهِ أسَنَ بِالفَتْحِ مِن بابِ ضَرَبَ ونَصَرَ وبِالكَسْرِ مِن بابِ عَلِمَ حَكى ذَلِكَ الخَفاجِيُّ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ. وفي البَحْرِ أسِنَ الماءُ تَغَيَّرَ رِيحُهُ يَأْسَنُ ويَأْسِنُ ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ في الفَصِيحِ، والمَصْدَرُ أُسُونٌ، وأسِنَ بِكَسْرِ السِّينِ يَأْسَنُ بِفَتْحِها لُغَةَ أسِنا قالَهُ اليَزِيدِيُّ، وأسِنَ الرَّجُلُ بِالكَسْرِ لا غَيْرَ إذا دَخَلَ البِئْرَ فَأصابَتْهُ رِيحٌ مُنْتِنَةٌ مِنها فَغُشِيَ عَلَيْهِ أوْ دارَ رَأْسُهُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

قَدْ أتْرُكُ القَرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ يَمِيدُ في الرِّيحِ مَيْدَ المائِحِ الأسِنِ

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ (أسِنَ) عَلى وزْنِ حَذِرَ فَهو صِفَةٌ مُشَبِّهَةٌ أوْ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، وقَرَأ (يَسِنُ) بِالياءِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ ﴿وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ لَمْ يَحْمُضْ ولَمْ يَصِرْ قارِصًا ولا حاذِرًا كَألْبانِ الدُّنْيا وتَغَيَّرُ الرِّيحِ لا يُفارِقُ تَغَيُّرَ الطَّعْمِ ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ أيْ لَذِيذَةٍ لَهم لَيْسَ فِيها كَراهَةُ طَعْمٍ ورِيحٍ ولا غائِلَةُ سُكْرٍ وخِمارٍ كَخُمُورِ الدُّنْيا فَإنَّها لا لَذَّةَ في نَفْسِ شُرْبِها وفِيها مِنَ المَكارِهِ والغَوائِلِ ما فِيها وهي صِفَةٌ مُشَبِّهَةٌ مُؤَنَّثُ لَذٍّ وُصِفَتْ بِها الخَمْرُ لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ وقَدْ تُذَكَّرُ أوْ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أوْ بِجَعْلِها عَيْنَ اللَّذَّةَ مُبالَغَةً عَلى ما هو المَعْرُوفُ في أمْثالِ ذَلِكَ وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها صِفَةُ ﴿أنْهارٌ﴾ وبِالنَّصْبِ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لَهُ أيْ كائِنَةً لِأجْلِ اللَّذَّةِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ مِنَ الصُّداعِ وسائِرِ آفاتِ خُمُورِ الدُّنْيا ﴿وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ مِمّا يُخالِفُهُ فَلا يُخالِطُهُ الشَّمْعُ وفَضَلاتُ النَّحْلِ وغَيْرُها، ووَصْفُهُ بِمُصَفّى لِأنَّهُ الغالِبُ عَلى العَسَلِ التَّذْكِيرُ وهو مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ، وهَذا عَلى ما قِيلَ تَمْثِيلٌ لِما يَجْرِي مَجْرى الأشْرِبَةِ في الجَنَّةِ بِأنْواعِ ما يُسْتَطابُ مِنها أوْ يُسْتَلَذُّ في الدُّنْيا بِالتَّخْلِيَةِ عَمّا يَنْقُصُها ويُنَغِّصُها والتَّحْلِيَةِ بِما يُوجِبُ غَزارَتَها ودَوامَها.

وبُدِئَ بِالماءِ لِأنَّهُ في الدُّنْيا مِمّا لا يُسْتَغْنى عَنْهُ ثُمَّ بِاللَّبَنِ إذْ كانَ يَجْرِي مَجْرى المَطْعَمِ لِكَثِيرٍ مِنَ العَرَبِ في كَثِيرٍ مِن أوْقاتِهِمْ ثُمَّ بِالخَمْرِ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ الرِّيُّ والمَطْعُومُ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما يُلْتَذُّ بِهِ ثُمَّ بِالعَسَلِ لِأنَّ فِيهِ الشِّفاءَ في الدُّنْيا مِمّا يُعْرَضُ مِنَ المَشْرُوبِ والمَطْعُومِ فَهو مُتَأخِّرٌ بِالرُّتْبَةِ، وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ لَبَنَ تِلْكَ الأنْهارِ لَمْ يُحْلَبْ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: إنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ وإنَّ خَمْرَها لَمْ تَدُسْها الرِّجالُ بِأرْجُلِها وإنَّ عَسَلَها لَمْ يَخْرُجْ مِن بُطُونِ النَّحْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعْدٍ قالَ: سَألْتُ أبا إسْحاقَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ فَقالَ: سَألْتُ عَنْهُ الحارِثَ فَحَدَّثَنِي أنَّ ذَلِكَ الماءَ تَسْنِيمٌ وقالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لا تَمَسُّهُ يَدٌ وأنَّهُ يَجِيءُ الماءُ هَكَذا حَتّى يَدْخُلَ الفَمَ.

وفِي حَدِيثٍ أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ نَهْرَ دِجْلَةَ نَهْرُ الخَمْرِ في الجَنَّةِ وأنَّ عَلَيْهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَهْرَ جَيْحُونَ نَهْرُ الماءِ فِيها ويُقالُ لَهُ نَهْرُ الرَّبِّ ونَهْرَ الفُراتِ نَهْرُ اللَّبَنِ وأنَّهُ لِذُرِّيَّةِ المُؤْمِنِينَ ونَهْرَ النِّيلِ نَهْرُ العَسَلِ.

وأخْرَجَ الحَرْثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مَسْنَدِهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ كَعْبٍ قالَ: نَهْرُ النِّيلِ نَهْرُ العَسَلِ ونَهْرُ دِجْلَةَ نَهْرُ اللَّبَنِ ونَهْرُ الفُراتِ نَهْرُ الخَمْرِ ونَهْرُ سَيْحانَ نَهْرُ الماءِ في الجَنَّةِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ لِكُلِّ أنْهارٍ بِالجَمْعِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأخْبارِ ونَحْوِها، ثُمَّ إنَّها إنْ صَحَّتْ لا يَبْعُدُ تَأْوِيلُها وإنْ كانَتِ القُدْرَةُ الإلَهِيَّةُ

صفحة 49

لا يَتَعاصاها شَيْءٌ ﴿ولَهم فِيها﴾ مَعَ ما ذُكِرَ مِن فُنُونِ الأنْهارِ ﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيْ أنْواعٍ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فالجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ وقَدَّرَهُ بَعْضُهم زَوْجانِ وكَأنَّهُ انْتَزَعَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وقِيلَ: ( مِن ) زائِدَةٌ أيْ ولَهم فِيها كُلُّ الثَّمَراتِ ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أيْ ولَهم مَغْفِرَةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى المُبْتَدَأِ قَبْلُ بِدُونِ قَيْدٍ فِيها لِأنَّ المَغْفِرَةَ قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ أوْ بِالقَيْدِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ ونَعِيمُ مَغْفِرَةٍ أوْ جَعْلِ المَغْفِرَةِ عِبارَةً عَنْ أثَرِها وهو النَّعِيمُ أوْ مَجازًا عَنْ رِضْوانِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ بِالمَغْفِرَةِ هُنا سَتْرُ ذُنُوبِهِمْ وعَدَمُ ذِكْرِها لَهم لِئَلّا يَسْتَحْيُوا فَتَتَنَغَّصَ لَذَّتُهم والمَغْفِرَةُ السّابِقَةُ سَتْرُ الذُّنُوبِ وعَدَمُ المُؤاخَذَةِ بِها وحِينَئِذٍ العَطْفُ عَلى المُبْتَدَأِ مِن غَيْرِ ارْتِكابِ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ، وقَدْ رَأيْتُ نَحْوَ هَذا بَعْدَ كِتابَتِهِ لِلطَّبَرْسِيِّ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ ولَعَلَّهُ أوْلى مِمّا قالُوهُ، وتَنْوِينُ ( مَغْفِرَةٌ ) لِلتَّعْظِيمِ أيْ مَغْفِرَةٌ عَظِيمَةٌ لا يُقادَرُ قَدْرُها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لَها مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أيْ كائِنَةً مِن رَبِّهِمْ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أمَّنَ هو خالِدٌ في هَذِهِ الجَنَّةِ حَسْبَما جَرى بِهِ الوَعْدُ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ لِبَيانِ ما يَمْتازُ بِهِ مَن عَلى بَيِّنَةٍ في الآخِرَةِ تَقْرِيرًا لِإنْكارِ المُساواةِ وفِيهِ بُعْدٌ. وذَهَبَ جارُ اللَّهِ إلى أنَّهُ خَبْرُ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ وأنَّ ذاكَ مُرَتَّبٌ عَلى الإنْكارِ السّابِقِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ﴾ إلَخْ، والمَعْنى أمَثَلُ الجَنَّةِ كَمَثَلِ جَزاءِ مَن هو خالِدٌ في النّارِ فالمُضافانِ مَحْذُوفانِ الجَزاءُ بِقَرِينَةِ مُقابَلَةِ الجَنَّةِ ولَفْظُ المَثَلِ بِقَرِينَةِ تَقَدُّمِهِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، وفائِدَةُ التَّعْرِيَةِ عَنْ حَرْفِ الإنْكارِ أنَّ مَنِ اشْتُبِهَ عَلَيْهِ الأوَّلُ أعْنِي حالَ المُتَمَسِّكِ بِالبَيِّنَةِ وحالَ التّابِعِ لِهَواهُ فالثّانِي مِثْلُهُ عِنْدَهُ وإذْ ذاكَ لا يَسْتَحِقُّ الخِطابَ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ حَضْرَمِيِّ بْنِ عامِرٍ:

أفْرَحُ أنْ أرْزَأ الكِرامُ وأنْ ∗∗∗ أُورِثَ ذَوْدًا شَصائِصًا نُبْلًا

فَإنَّهُ كَلامٌ مُنْكَرٌ لِلْفَرَحِ بِرَزِيَّةِ الكِرامِ ووِراثَةِ الذَّوْدِ مَعَ تَعَرِّيهِ مِن حَرْفِ الإنْكارِ لِانْطِوائِهِ تَحْتَ حُكْمِ مَن قالَ لَهُ: أتَفْرَحُ بِمَوْتِ أخِيكَ وبِوِراثَةِ إبِلِهِ وذَلِكَ مِنَ التَّسْلِيمِ الَّذِي يَقِلُّ تَحْتَهُ كُلُّ إنْكارٍ، وجُعِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها أنْهارٌ﴾ كالتَّكْرِيرِ لِلصِّلَةِ أيْ صِلَةً بَعْدَ صِلَةٍ يَتَضَمَّنُ تَفْصِيلَها لِأنَّهُ كالتَّفْصِيلِ لِلْمَوْعُودِ، ولِهَذا لَمْ يَتَخَلَّلِ العاطِفَةَ بَيْنَهُما، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى أنَّ الظَّرْفَ في مَوْضِعِ ذَلِكَ ﴿وأنْهارٌ﴾ فاعِلُهُ لا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ حالٌ لِعَدَمِ الواوِ فِيها، وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ الِاكْتِفاءَ فِيها بِالضَّمِيرِ غَيْرُ فَصِيحٍ، واعْتِبارُها فِعْلِيَّةً بِتَقْدِيرِ مُتَعَلِّقِ الظَّرْفِ اسْتَقَرَّ لا يَخْفى حالُهُ، وقِيلَ: في الحالِ ضَعْفٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لِمَجِيئِهِ مَجِيءَ الفَضَلاتِ وهي أُمُّ الإنْكارِ، وأيْضًا هو حالٌ مِنَ الجَنَّةِ لا مِن ضَمِيرِها في الصِّلَةِ وفي العامِلِ تَكَلُّفٌ، ثُمَّ الحالُ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ وجَعْلُها مُؤَكِّدَةً وقَدْ عُلِمَ كَوْنُها كَذَلِكَ مِن إخْبارِهِ تَعالى فِيهِ أيْضًا تَكَلُّفٌ، وأنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، قالَ في الكَشْفِ: وهو الوَجْهُ، والتَّقْدِيرُ هي فِيها أنْهارٌ وكَأنَّهُ قِيلَ: أنّى يَكُونُ صِفَةَ الجَنَّةِ وهي كَذا وكَذا كَصِفَةِ النّارِ الِاسْتِئْنافُ هاهُنا بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: وهي كَذا وكَذا اعْتِراضًا لِما في لَفْظِ المَثَلِ مِنَ الأشْعارِ بِالوَصْفِ العَجِيبِ، ولَيْسَ خَبَرُ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وهو ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾

صفحة 50

مَوْرِدَ السُّؤالِ لِيُعْتَرَضَ بِوُقُوعِ الِاسْتِئْنافِ قَبْلَ مُضِيِّهِ. وأوْرَدَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ لِأنَّ ﴿فِيها أنْهارٌ﴾ جُمْلَةٌ بِرَأْسِها، والجَوابُ أنَّ التَّقْدِيرَ مِثْلُها فِيها أنْهارٌ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَصارَ مَرْفُوعًا ثُمَّ حُذِفَ ولِهَذا قالَ في السُّؤالِ: كَأنَّ قائِلًا قالَ: وما مِثْلُها؟ ويَجْرِي ما قُرِّرَ في قِراءَةِ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ومَن مَعَهُ أمْثالُ بِالجَمْعِ فَيُقالُ: التَّقْدِيرُ أمْثالُ الجَنَّةِ كَأمْثالِ جَزاءِ مَن هو خالِدٌ في النّارِ، ويُقَدَّرُ المُضافُ الأوَّلُ جَمْعًا لِلْمُطابَقَةِ، ولَعَمْرِي لَقَدْ أبْعَدَ جارُ اللَّهِ المَغْزى، وقَدِ اسْتَحْسَنَ ما ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ قالَ صاحِبُ الكَشْفِ بَعْدَ تَقْرِيرِ جَعْلِ ﴿كَمَن هو خالِدٌ﴾ خَبَرًا لِمِثَلِ الجَنَّةِ: هَذا هو الوَجْهُ اللّائِحُ المُناسِبُ المَساقِ.

وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: في الِانْتِصافِ بَعْدَ نَقْلِهِ كَمْ ذَكَرَ النّاسُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ فَلَمْ أرَ أطَلى ولا أحْلى مِن هَذِهِ النُّكَتِ الَّتِي ذَكَرَها لا يَعُوزُها إلّا التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا لِيَتَعادَلَ. والتَّقْدِيرُ مَثَلُ ساكِنِ الجَنَّةِ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ، ومِن هَذا النَّمَطِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلَخْ، وما قَدَّرْناهُ لِتَحْصِيلِ التَّعادُلِ أوْلى وإنْ كانَ فِيهِ كَثْرَةُ حَذْفٍ فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، والضَّمِيرُ المُفْرَدُ أعْنِي ( هو ) راجِعٌ إلى ( مَن ) بِاعْتِبارِ لَفْظِها كَما أنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ راجِعٌ إلَيْها بِاعْتِبارِ مَعْناها، والمُرادُ وسُقُوا ماءً حارًّا مَكانَ تِلْكَ الأشْرِبَةِ وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ ﴿فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ مِن فَرْطِ الحَرارَةِ.

رُوِيَ أنَّهُ إذا أُدْنِي مِنهم شَوى وُجُوهَهم وامْتازَتْ فَرْوَةُ رَؤُوسِهِمْ فَإذا شَرِبُوهُ قَطَّعَ أمْعاءَهُمْ، وهي جَمْعُ مِعًى بِالفَتْحِ والكَسْرِ ما يَنْتَقِلُ الطَّعامُ إلَيْهِ بَعْدَ المَعِدَةِ ويُقالُ لَهُ عَفاجٌ وهو مُذَكَّرٌ وقَدْ يُؤَنَّثُ

47:16Page 508

وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ ١٦

And among them, [O Muḥammad], are those who listen to you, until when they depart from you, they say to those who were given knowledge,1 "What has he said just now?" Those are the ones of whom Allāh has sealed over their hearts and who have followed their [own] desires.

﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ كَما أنَّ جَمْعَهُ بَعْدُ بِاعْتِبارِ المَعْنى، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَسْمَعُونَ كَلامَهُ ولا يَعُونَهُ ولا يُراعُونَهُ حَقَّ رِعايَتِهِ تَهاوُنًا مِنهم ﴿حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ لِأُولِي العِلْمِ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقِيلَ: الواعُونَ لِكَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرّاعُونَ لَهُ حَقَّ رِعايَتِهِ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ أيْ ما الَّذِي قالَ قُبَيْلَ هَذا الوَقْتِ ومَقْصُودُهم مِن ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءُ وإنْ كانَ بِصُورَةِ الِاسْتِعْلامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُرادُهم حَقِيقَةَ الِاسْتِعْلامِ إذا لَمْ يُلْقُوا لَهُ آذانَهم تَهاوُنًا بِهِ ولِذَلِكَ ذُمُّوا والأوَّلُ أوْلى، قِيلَ: ذَلِكَ لِابْنِ مَسْعُودٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنا مِنهم وقَدْ سُمِّيتُ فِيمَن سُئِلَ وأرادَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ بِنَصِّ القُرْآنِ. وما أحْسَنَ ما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ، ( وآنِفًا ) اسْمُ فاعِلٍ عَلى غَيْرِ القِياسِ أوْ بِتَجْرِيدِ فِعْلِهِ مِنَ الزَّوائِدِ لِأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ فِعْلٌ ثُلاثِيٌّ بَلِ اسْتَأْنَفَ وأْتَنَفَ، وذَكَرَ الزَّجّاجُ أنَّهُ مِنِ اسْتَأْنَفْتُ الشَّيْءَ إذا ابْتَدَأْتَهُ وكانَ أصْلُ مَعْنى هَذا أخَذْتُ أنْفَهُ أيْ مَبْدَأهُ، وأصْلُ الأنْفِ الجارِحَةُ المَعْرُوفَةُ ثُمَّ يُسَمّى بِهِ طَرَفُ الشَّيْءِ ومُقَدَّمُهُ وأشْرَفُهُ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ آنِفًا مِن ذَلِكَ قالُوا: إنَّهُ اسْمٌ لِلسّاعَةِ الَّتِي قَبْلَ ساعَتِكَ الَّتِي أنْتَ فِيها مِنَ الأنْفِ بِمَعْنى المُتَقَدِّمِ وقَدِ اسْتُعِيرَ مِنَ الجارِحَةِ لِتَقَدُّمِها عَلى الوَقْتِ الحاضِرِ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى زَمانِ الحالِ، وهو عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولا يُنافِي كَوْنَهُ اسْمَ فاعِلٍ كَما في بادِئٍ فَإنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ غَلَبَ عَلى مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ في الِاسْتِعْمالِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الصَّحِيحُ أنَّهُ لَيْسَ بِظَرْفٍ ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِنَ النُّحاةِ عَدَّهُ في الظُّرُوفِ وأوْجَبَ نَصْبَهُ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ (قالَ) أيْ ماذا قالَ مُبْتَدِئًا أيْ ما القَوْلُ الَّذِي ائْتَنَفَهُ الآنَ قَبْلَ انْفِصالِنا عَنْهُ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ الرّاغِبِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (أنِفًا) عَلى وزْنِ فَعِلٍ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ

صفحة 51

﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ فَعَدَمُ تَوَجُّهِهِمْ نَحْوَ الخَيْرِ ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ فَتَوَجَّهُوا نَحْوَ كُلِّ ما لا خَيْرَ فِيهِ فَلِذَلِكَ كانَ مِنهم ما كانَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском